وجهين:
أحدهما: العدد المسمى.
والثاني: اللفظ الذي يقتضيه العموم، وهو يحتمل الخصوص.
فأما العدد المسمى، فلا يخلو من أن يكون نص بالتسمية على آحاده أو لم ينص:
فإن نص بالتسمية على آحاده وأعيانه، مثل: أن يقول: "والله لأعطين فلانًا وفلانًا وفلانًا بثلاثة دراهم إلا فلانًا منهم": لم ينفعه استثناؤه فإن لم ينص بالتسمية على آحاده وأعيانه، مثل أن يقول امرأته طالق ثلاثًا إلا واحدة، إن فعل [كذا وكذا] (١)، هل ذلك من باب المحاشاة ثم لا ينفع فيه الاستثناء إلا إذا عقد اليمين أو يصح فيه الاستثناء وينتفع به، وإن لم يعقد عليه يمينه إذا استدركه به وصله بيمينه أم لا: على قولين في المذهب:
وزعم ابن رشد أن القولين قائمين من "المدونة"، ولم يظهر لي من أين استقرأهما من "المدونة".
وأما اللفظ الذي يقتضي العموم، وهو يحتمل الخصوص، مثل: أن يقول: "والله لأعطين فلانًا ثلاثة دراهم إن شاء الله" أو "إن شاء فلان"، فهذا ينتفع فيه بالاستثناء على الخلاف بين ابن القاسم وابن المواز فيما قدمناه [بين ابن القاسم وابن المواز] (٢).
ومسألة محاشاة الزوجة إذا قال "الحلال عليه حرام"، تأتي في "كتاب التخيير والتمليك" إن شاء الله [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 1157
المسألة الثالثة عشر
في البر والحنث [ هل] (١) يقعان بأقل الأشياء فيمن حلف ألا يأكل هذا الشيء [أو من هذا الشيء؟] (٢).
اعلم أنهم قالوا [إن] (٣) الحنث يقع بأقل الأشياء، والبر لا يقع إلا بأكمل الأشياء، وذلك أن الله تعالى حرم ما نكح الآباء والأبناء، بمجرد العقد في القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٥). قال في المطلقة المبتوتة: "فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره" (٦) فبين النبي ﷺ أن النكاح المراد: الوطء، وأنها لا تحل إلا بالعقد دونه، فدل ذلك على أن ما يباح به الشيء أقوى مما يخطر به، ولهذا قال مالك ﵀: فيمن حلف ليهدمن هذا البئر، فهدم منها حجرًا لا يبر إلا بهدم جميعه، وإن حلف ألا يهدمه، فهدم حجرًا منها حنث، فهذا نص قول مالك في "المدونة" وغيرها.
وإن كان الخلاف يدخل في السؤالين بالمعنى، وقد قال ابن الجلاب فيما إذا حلف ألا يفعل فعلًا ففعل بعضه أنه [يحنث ثم] (٧) قال: "يتخرج فيها قول آخر أنه لا يحنث إلا بفعل جميعه" (٨)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب العتق الأول فيمن قال لأمتيه إن دخلتما هذه الدار، فأنتما حرتان أو لامرأتيه فأنتما طالقتان، فدخلت إحداهما [فقال] (٩) لا شيء عليه،
стр. 1158
حتى تدخلا جميعًا.
قال بعض المتأخرين: "هذا منه جنوح إلى أن الحنث لا يقع بأقل الأشياء".
وقد اختلف فيمن قال لزوجته: "إن وطئتك فأنت طالق، هل يحنث بمغيب الحشفة أو لا يحنث إلا بالوطء التام؟
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في اعتبار المقاصد والألفاظ، وهي قاعدة تُبنى عليها مسائل الأيمان، فيجب علينا التعرض لذكرها، [والاعتبار بتحصيلها] (١)، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو الحالف على نفسه من وجهين:
أحدهما: أن يحلف بما لا يقضي عليه به [أو بما يقضي عليه به] (٢)، ولم تقم عليه بيمينه بينة.
والثاني: أن يحلف لغيره في حق أو وثيقة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا حلف على نفسه بما لا يقضي عليه [به] (٣) كالمشي إلى بيت الله أو بما يقضى عليه به إلا أنه لم يقم ليمينه بينة، كاليمين بالطلاق أو بالعتاق، وجاء مستفتيًا، فلا يخلو من أن تكون له نية أو لا نية له:
فإن كانت له نية، فلا خلاف أنها مقدمة على المقاصد، وإن كانت مخالفة لظاهر لفظه.
وإن لم تكن له نية، وكان ليمينه بساط أو عرف من مقاصد الحالفين في
стр. 1159
أيمانهم، هل يحمل يمينه على البساط أو ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم أو على ظاهر لفظه، فقد اختلف فيه [المذهب] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالبساط، فيحمل [عليه] (٢) إن كانت ليمينه بساط، ومعنى البساط: السبب الموجب لليمين.
والثاني: أن اللفظ مقدم على البساط، وهو المقصد العرفي.
والثالث: أنه يحمل عليهما، فإن اجتمعا [بدأ] (٣) ببساط يمينه، وإن عدما رجعا إلى العادة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة، هل يقبل منه [النية] (٤) إذا ادعى أم لا؟ قولان:
أحدهما: أن نيته مقبولة.
والثاني: [أنها] (٥) غير مقبولة.
وينبني الخلاف على الخلاف [في اليمين] (٦): هل [اليمين] (٧) على نية الحالف أو على نية [المستحلف] (٨)؟ والقولان مرويان عن ابن القاسم في "العتبية" (٩) من رواية أصبغ.
وإما إذا حلف ألا يأكل هذا الشيء [أو من هذا الشيء] (١٠)، مثل: أن يحلف ألا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة، فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
стр. 1160
أحدها: أنهُ لا يأكل ما تولد منها جملة، سواء قال هذه أو مِن هذه أو نكر، أو عرف أو لم يعرف، وهو مذهبهُ في "المدونة".
والثاني: أنه لا شئ عليه في أكل ما تولد منها إلا أن يقول من هذا القمح وهو قول ابن المواز.
стр. 1161
المسألة الرابعة عشر
فيمن حلف ألا يكلم فلانًا أو ليكلمنه (١):
فإذا حلف ألا يكلمه، فلا يخلو الحالف من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقصده بالكلام.
والثاني: ألا يقصده بالكلام.
والثالث: أن يقصده بما ليس بكلام، إلا أنه يفهم منه معنى الكلام.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا قصده بالكلام مشافهة، فلا يخلو المحلوف عليه من أن يكون قد سمع كلام الحالف أو هو في حكم السامع، إلا أنه مشغول عنه بغيره أو كان نائمًا أو أصم.
فإن سمع كلامهُ وفهم عنه مراده، فلا خلاف أنه حانث.
وإن [كان] في حكم السامع، إلا أنه مشغول عنه بغيره أو كان نائمًا أو أصم أو كان المحلوف عليه بمكان بعيد، فمد الحالف صوته، بحيث أن لو استمع به لسمعه، فهل يحنث أم لا؟
قولان في المذهب قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه حانث.
والثاني: أنه لا يحنث.
والقولان: لابن القاسم في [العتبية] (٢) و"الموازية".
وسبب الخلاف: اعتبار المقاصد والألفاظ:
فمرة اعتبر الألفاظ، فقال: يحنث.
стр. 1162
ومرة اعتبر المقاصد، فقال: لا يحنث، لأن قصده بترك الكلام الهجران والمقاطعة، فإذا كان على تلك الصفة، فلا يخرجه هذا الكلام [عن] (١) مقصوده.
والجواب عن [الوجه] (٢) الثاني: إذا لم يقصده بالكلام بعينه، وإنما تكلم لأمر وجب عليه أو لعارض طرأ:
فإن كان كلامه لأمر وجب عليه، مثل: أن يسلم عليه وهو [معه] (٣) في الصلاة:
أما التسليمة الأولى: فلا خلاف أنه لا يحنث بها، لأن المقصود بها الخروج من الصلاة.
وأما التسليمة الثانية: فإن كان الحالف مأمومًا فرد على الإمام، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه لا يحنث، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه حانث، وهو قوله في "كتاب محمد".
وإن كان الإمام [هو] (٤) الحالف، فسلم تسليمتين على قول، فقيل: يحنث، وقيل: لا يحنث، وهو قول محمد بن ميسر، وهو قول مالك في "المدونة"، وقال: فيمن حلف ألا يكلم زيدًا، فسلم عليه وهو في جماعة، علم به أو لا: حنث، إلا أن يحاشيه [بنيته] (٥) فعلى هذا يحنث إذا سلم عليه وهو في الصلاة، ويتخرج من "الكتاب" قولان.
стр. 1163
وهذا الخلاف أيضًا مبني على الاعتبار في المقاصد والألفاظ:
فمن اعتبر الألفاظ: حنثه.
ومن اعتبر المقاصد: لم يحنثه، لأن المقاصد الهجران، وذلك لا يخرجه منه.
والجواب عن [الوجه] (١) الثالث: وهو أن يقصده بما ليس بكلام على الحقيقة، ولكنه يفهم منه [معنى] (٢) الكلام، مثل أن يكتب إليه كتابًا أو يرسل إليه رسولًا، هل يبرئه ذلك أو يحنثه أو لا يحنثه أو لا يبرئه ولا يحنثه؟ فالكلام من وجهين:
[أحدهما] (٣): أن يكون له نية.
والثاني: ألا يكون له نية.
فإن لم تكن له نية، فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه حانث في الكتاب والرسول، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه لا يحنث لا في الكتاب ولا في الرسول، وهو قول أشهب في "كتاب محمد" (٤)، وهو ظاهر "المدونة". في اعتبار الألفاظ.
والثالث: التفصيل بين الكتاب والرسول، فيحنث في الكتاب دون الرسول، وهي رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك، وقد وقع في "المدونة" لفظ مشكل، وهو قوله: "وإن كتب الحالف للمحلوف عليه ثم استرجع الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، لم يكن عليه شيء،
стр. 1164
وهذا آخر قوله.
وقوله: "وهذا آخر قوله": مشكل، لأن هذا يشعر بالخلاف، إذا وصل مثل ما ذكر في الطلاق في "كتاب الأيمان بالطلاق"، ولا ينبغي أن يكون الخلاف في رجوع "الكتاب" في "مسألة النذور": لا على اعتبار المقاصد ولا على اعتبار الألفاظ، لأنه لم يسمعه، [ولا رأى] (١) "الكتاب" فأشبه ما لو كلمه، وهو غائب عنه بخلاف الطلاق الذي لا يعتبر فيه سماع الزوجة ولا حضورها.
فإن ادعي نية، فقال: "إنما أردت ما شفهته" فهل تقبل منه نيته أم لا؟
على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ينوي في الكتاب والرسول، وهذا أحد أقاويل الكتاب.
والثاني: أن لا ينوي فيهما معًا، وهو قوله في "كتاب محمد".
والثالث: أنه ينوي في الرسول دون الكتاب، وهو منصوص في "الكتاب"، فالقولان: فيه منصوصان، والثالث: مستقرأ.
وسبب الخلاف: اعتبار المقاصد والألفاظ:
فمرة اعتبر المقاصد والألفاظ. ومرة اعتبر المقاصد فقال: يحنث لأن المقصد المقاطعة والمهاجرة.
فإذا كاتبه أو راسله فقد واصله وزال الهجران وحصل له بهما الأنس.
فإن ادعى نية المشافهة فتداعى ما يكذبه العرف والعادة ومن رأى أن من الناس من يقصد هجرانًا دون هجران فيكتب ويراسل ويقف عن المشافهة ولا فرق بين الكتاب والرسول وذلك أن الذي في الكتاب ليس بكلام المتكلم على الحقيقة لأن الإنسان قد يكتب ولا يتكلم ولا ينطق. ولو نطق ما زاد
стр. 1165
معنى ولا صار ذلك الكتاب كلامه وهذا مذهب [أهل] (١) السنة. أن المكتوب في المصاحف ليس بقرآن على الحقيقة لأن القرآن كلام الله تعالى وهو صفة من صفاته التي لا يجوز أن [يتصف] (٢) بها غيره على ما هو [مبسوط] في كتب المتكلمين. وذلك في الرسول أبعد. لأنه إنما يحكي مثل كلام رسله.
ومن فرق بين الكتاب والرسول فقد لاحظ الألفاظ. فكأنه يرى الذي في الكتاب هو لفظ الذي قاله فعبر عنه بالكتاب فأشبه الكلام والرسول يحكي معاني [الألفاظ] (٣).
فليس ما نقله الرسول هي الألفاظ بعينها وهذا كلام بعض المتأخرين كأبي إسحاق وغيره. والذي قاله ليس بصحيح لما قدمناه.
وقال ابن حبيب: إذا وصل [الكتاب] (٤) إلى المحلوف عليه فقرأ عنوانه حنث وإن لم يقرأه وأقام عنده سنين لم يحنث ولا وجه لما ذكر لأنه إذا حنث بالمكاتبة لكونها ضربًا من المواصلة ورفعًا لبعض المقاطعة.
فكذلك يقع بنفس وصول الكتاب [من الحالف] (٥) وإن لم يقرأه.
والذي قاله ابن حبيب ظاهر ما أشار إليه في المدونة لقوله: "إذا استرجع الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، لم يكن عليه شيء، وهو آخر كلامه".
فإذا كان ابن حبيب لا يحنثه بنفس وصول [الكتاب] (٦) حتى يقرأه أو
стр. 1166
يقرأ عنوانه، فبأن لا [يحنث] (١) بنفس الكتابة أولى وأحرى، وقد ظهر لي أن كلام ابن حبيب له وجه، وذلك أن بنفس وصول الكتاب لا يحصل به الإيناس للمحلوف عليه، حتى يفتحه ويقرأ ما فيه أو يقرأ عنوانه، لأنه ربما توحش في نفسه أن الكتاب في سبه، وإظهار [البغض] (٢) له وزيادة المنافرة فيما بينهما؛ فإذا قرأه أو قرأ عنوانه تبين له أن القصد بالمكاتبة تجديد المواصلة وهجران [المفاصلة] (٣)، لأن العنوان ترجمة لما في الكتاب، ومنه يظهر انقطاع العنف والإنابة إلى الألفة والمحبة في [جنب] (٤) رب الأرباب، والله الموفق للصواب.
ولو حلف ليكلمنه، فكتب إليه كتابًا أو أرسل إليه رسولًا: لم يبر، لأنه لم يكلمه.
وهذا مما يبين [المسألة] (٥) [أن الأول إذا حلف ألا يكلمه، فكتب إليه أنه لا يحنث] (٦)، إذ لو كان للكتاب [نفس] (٧) كلامه لبر فيه، إذا حلف ليكلمنه، [فالخلاف الذي] (٨) [يجري] (٩) في تلك المسألة [التي قدمناها] (١٠) يجري في هذه أيضًا.
ولو كتب المحلوف عليه إلى الحالف، فلا يخلو من أن يقبل كتابه
стр. 1167
أم لا:
فإن لم يقبل كتابه: لم يحنث.
فإن قبل كلامه وقرأه، فهل يحنث أم لا؟ فقولان عن ابن القاسم:
أحدهما: أنه يحنث.
والثاني: أنه لا يحنث، وهو الأحسن، لأن الكلام من المحلوف [عليه] (١) لا يحنث به الحالف، كما لو اجتمع معه وكلمه، فلم يجاوبه لأنه إنما حلف لا [كلمته] (٢)، ولم [يحلف] (٣) لا كلمتني، اللهم إلا أن يكون منه صغو إلى كلامه وميل إليه، فيكون ذلك محل [النظر] (٤) والله أعلم.
стр. 1168
المسألة الخامسة عشر
فيمن حلف ألا يسكن في هذه الدار وهو فيها ساكن أو ينتقل منها .
فإن حلف ألا يسكن في هذه الدار وهو فيها ساكن فإنه يمر بالانتقال. وهل يجوز له التراخي في الانتقال أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: إنه لا يجوز له التراخي ويخرج من ساعته. وإن كان في جوف الليل لم يمهل حتى يصبح إلا أن ينوي ذلك وإن لم يجبر الكراء إلا بالغلاء [أو ما لا يوافقه] (١) وهو قول [ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنه يجوز له التراخي عن الانتقال يومًا وليلة. فإن مكث أكثر من ذلك حنث وهو قول] (٢) أصبغ وأشهب في كتاب "محمد".
وسبب الخلاف:
اعتبار المقاصد والألفاظ. فمن اعتبر الألفاظ قال: يؤمر بالخروج من ساعته.
ومن اعتبر المقاصد قال: يجوز له التراخي [إلا أن] (٣) الاعتبار باليوم والليلة، لأنه أقل ما يقع عليه اسم السكنى [فاعتبر ابن القاسم الألفاظ في هذه المسألة] (٤).
وعلى القول بأنه لا يجوز له التراخي في الانتقال، فهل يكلف الانتقال بنفسه ومتاعه ساعة حلف أو يجوز [له] (٥) تأخير المتاع؟
стр. 1169
فإن انتقل بمتاعه دون عياله: حنث.
وإن انتقل بعياله دون متاعه: قولان:
أحدهما: أنه يحنث بترك متاعه، إلا أن يترك ما لا حاجة له [به] (١)، مثل: الوتد والمسمار، وهو قول ابن القاسم في ["الكتاب" (٢)] حيث قال: "والرحلة عند مالك أن ينتقل بكل شيء له".
والثاني: أنه لا يحنث بترك متاعه، تركه اضطرارًا أو اختيارًا، وهو قول أشهب، وأراه [ذهب] (٣) في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٤)، فنفى [عنها] (٥) اسم السكنى إذا لم يكن فيها إلا المتاع.
وكذلك لو حلف ألا يسكنها، فاختزن فيها: حنث عند ابن القاسم، ولم يحنث عند أشهب.
ولو اشتغل بنقل [ما فيها] (٦) من أشيائه أيامًا: لم يحنث عند الكل، لأن ذلك غاية المقدور.
فإذا انتقل منها وسكن في غيرها، لم يعد إليها [أبدًا] (٧)، لأن يمينه على العموم.
وإن كانت يمينه على الانتقال، مثل: أن يحلف لينتقلن من هذه الدار،
стр. 1170
لم يحنث بالتمادي في السكنى فيها إلى يوم أو يومين، إلا أن يكون له نية في الخروج ساعة اليمين أو يكون ليمينه بساط، يوجب أن يخرج من فوره، فيكون كالسؤال الأول: إذا حلف ألا يسكنها.
وقال ابن المواز (١): "فإن أقام ثلاثة أيام يطلب منزلًا، فلم يجد فأرجو ألا شيء عليه، قيل: فإن أقام شهرًا، فقال: إن توانى في الطلب، خفت أن يحنث".
ولابن حبيب في "الواضحة" (٢): "لا يحنث، وإن أخر الانتقال، وهذا هو الأصل فيمن حلف ليفعلن، فإذا انتقل انتقل بكل شيء له"، وهو في هذا أشد من السؤال الأول وإذا انتقل وأقام الشهر كله ونحوه، ثم إن شاء أن يرجع إليها رجع، لأنه حلف على الانتقال، وقد وجد منه، والأول حلف ألا يوجد منه السكنى، فمتى وجد منه حنث.
وكذلك إذا حلف ليخرجن فلانًا من داره، فأخرجه: فله رده بعد شهر.
ولو حلف ليخرجن من المدينة، فإن لم ينو إلى بلد بعينه، فليخرج إلى ما تقصر فيه الصلاة، فيقيم نحو الشهر.
قال مالك: " [وهو استحسان] (٣)، [لا يحمله] (٤) القياس [وقيل] (٥): إنه يخرج إلى موضع يلزمه فيه إتيان الجمعة، فيقيم [فيه] (٦) ما قل أو كثر، ثم يرجع إن شاء".
стр. 1171
قال ابن المواز: "والأول أبرأ من الشك، وأحسن في [رأيي] (١)، إلا أن يكون ليمينه سبب، [فيجري] (٢) عليه".
وكذلك إن حلف ليسافرن، فليخرج إلى ما تقصر فيه الصلاة ويقيم شهرًا، على قول ابن المواز، وما قل أو كثر على قول مالك ﵀.
стр. 1172
المسألة السادسة عشر
فيمن استعار [رجلًا] (١) ثوبًا، فحلف ما يملك إلا ثوبه، وله ثوبان مرهونان (٢):
اعلم أن المسألة اختلفت فيها الروايات في الأمهات اختلافًا متباينًا، واختلفت الأجوبة فيها لأجل اختلاف الروايات، وأنا أورد ما ثبت عندنا من تلك الروايات، وما يتركب عليها من الأجوبة ونص "المدونة" [إن شاء الله وهو حسبي ونعم الوكيل وهذه المسألة تخرج على الكتاب] (٣).
قلت: أرأيت من استعار ثوبًا من رجل، فحلف بطلاق زوجته [ما يملك إلا ثوبه وله ثوبان مرهونان أترى عليه حنثًا. قال: إن كان في ثوبيه المرتهنين كفاف لدينه] فلا أرى عليه حنثًا، وكانت تلك نيته، مثل: ما يقول "ما أملك" أي: ما أقدر على غير ثوبي هذين"، كذا في بعض النسخ.
وفي بعضها أيضًا: "أني ما أقدر على ثوبي"، بإسقاط "إلا"، وعلى هذا اختصرها ابن أبي زمنين، ثم قال في بقية الجواب: "فإن لم يكن له نية أو كان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا".
وقال ابن القاسم: أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، بإثبات الألف، رأيت أن يحنث"، كذا في بعض الأمهات.
وفي بعضها: "وكان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا" وقال ابن القاسم أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث".
فهذا ما ثبت [عندي] (٤) من اختلاف الروايات في المسألة، وبحسب
стр. 1173
اختلاف الروايات، جاء الخلاف في المسألة على ما نصف إن شاء الله، وهو خيرُ معين.
أما قوله: "إني ما أقدر على غير ثوبي هذين"، فهذا لا معنى له، لأن ظاهر هذه الرواية يفيد أنه قادر على افتكاك ثوبي الرهن، وليس ذلك غرضه وأما الرواية التي قال فيها: "إني لا أقدر على غير ثوبي هذا، فهي رواية صحيحة: أراد أنه لا يقدر إلا على الثوب [الذي] (١) عليه، ولا يقدر على افتكاك ثوبي الرهن.
وقد يحمل قوله في الرواية التي [قال] (٢) فيها: "لا أقدر على غير ثوبى هذين" على الثياب التي عليه، لأنه أدنى ما يكون عليه لباسه ثوبان، فيحمل [ذلك] (٣) على ثوبي جسده لا على ثوبي الرهن، فتصح الرواية [عليه] (٤) على وفق المسألة.
وأما الرواية التي قال فيها أيضًا: "إني ما أقدر على ثوبي" بإسقاط "إلا"، فالمراد بذلك ثوبي الرهن [فهذا التنزيل تأويل للروايات] (٥).
وأما الرواية "بإثبات الألف وإسقاطها"، فهي التي يختلف [الحكم] (٦) باختلافها:
فإذا [أثبتنا] (٧) الألف، فقلنا: "أو كان في الثوبين فضل"، فإنه يحنث بأحد وجهين: إما وجود الفضل، وإما عدم النية، وإن لم يكن فضل، ولم
стр. 1174
تكن له نية: فلا أعلم في المذهب من قال يحنث مع وجود النية إذا تبرأ باليمين، وظاهر الرواية يقتضي الحنث.
وأما الرواية بإسقاط الألف فهي صحيحة في نفسها، موافقة للمعنى، وهي مثل قول ابن القاسم الذي قال فيه: "وإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث"، وذلك أنه مهما لم تكن له نية: فإنه يحنث من غير اعتبار بالفضل كان أو لم يكن، لأنه إذا حنث مع عدم الفضل، فبأن يحنث مع وجوده أولى وأحرى.
وأما الرواية التي [قال] (١) فيها: "لا أراه حانثًا"، [وهي] (٢) رواية الدباغ، إذا عدمت النية، كان [فيها] (٣) فضل أم لا، وهي صحيحة في نفسها، ملائمة للمعنى، وذلك إذا اعتبرنا المقاصد: لا يحنث مع عدم النية، كان فيها فضل أم لا، لأن مراد يمينه على ما يقدر على تسليمه.
فهذا ترتيب الروايات [وأما تنزيل الأجوبة عليها] (٤) وتحصيلها بأن تقول: لا يخلو [الحالف] (٥) من وجهين:
أحدهما: أن تكون له نية.
والثاني: ألا تكون له نية.
فإن كان له نية، فلا يخلو من أن يكون في الثوبين فضل أم لا:
فإن لم يكن في الثوبين فضل، فلا خلاف أنه ينوي ولا حنث عليه، وهل يحلف على نيته أم لا؟
стр. 1175
فظاهر "المدونة": أنه لا يحلف، لأن كل من قبلت نيته فيما ينوي فيه، فلا يمين عليه على [أصل] (١) "المدونة".
ولمالك في "كتاب محمد": أنه يحلف أنه ما أراد ما قدر عليه للعارية، وذلك نيته.
وإن كان فيهما فضل، فلا يخلو من أن يكون غير قادر على افتكاكه قبل الأجل أو قادر عليه:
فإن كان غير قادر على الفكاك إما لغيره وإما لدين لا يقدر (٢) على تعجيله إلا برضى صاحبه كالطعام وسائر العروض من بيع فلا إشكال أنه ينوي ولا يحنث. وإن كان قادرًا على الفكاك بتعجيل الدين وهو ذو مال فهل ينوي أو يحنث؟ قولان:
أحدهما: أنه ينوي وهو قول يحيى بن عمر.
والثاني: أنه يحنث ولا ينوي. وهذا القول مخرج من ظاهر المدونة من قوله: أو كان في الثوبين فضل وما رأيت فيها [نص خلاف] (٣) إلا أن أبا إسحاق التونسي قال: يحنث.
وأظن في ذلك اختلافًا. هذا نص قوله.
وإن لم يكن له نية فالذي يتخرج من الكتاب على اختلاف الروايات ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث كان في الثوبين فضل أم لا. وهذا نقل أبي سعيد في "التهذيب".
стр. 1176
الثاني: أنه لا يحنث كان في الثوبين فضل أم لا وهي رواية الدباغ في المدونة التي قال فيها: لا أراه حانثًا.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون فيهما فضل أم لا فإن كان فيهما فضل حنث وإن لم يكن فيهما فضل لم يحنث لأنه إن لم يكن فيهما فضل فقد ملك ذلك الفضل على الحقيقة وإن لم يكن فيهما فضل والدين مستغرق لقيمتها فملكه [فيهما] (١). غير متمحص إلا بعد [الفكاك] (٢). وهذا [القول] (٣) أضعف الأقوال وهو قول [بين القولين] (٤).
وسبب الخلاف:
اعتبار المقاصد والألفاظ: فعلى مراعاة الألفاظ يحنث بكل حال كان فيهما فضل أم لا لأنهما على ملكه. وقد حلف على ما يملك.
وعلى مراعاة المقاصد لا شيء عليه. لأن القصد ما كان عنده مما تيسر تسليمه حينئذ للمستعير وليس القصد ما كان في رهن.
والثالث: التفصيل بين أن يعرف أو ينكر:
فإن عرف، وقال: من هذ القمح، حنث يأكل ما تولد منه.
وإن نكر، وقال: لا آكل قمحًا، لم يحنث بأكل ما تولد منه، وهو قول ابن حبيب (٥) في [كتابه] (٦).
فوجه القول الأول: ما ذكره في "المدونة"، حيث قال: "لأن هذا هكذا
стр. 1177
يؤكل"، وهو من باب مراعاة المقاصد.
ووجه القول الثاني: التفاضل بين القمح وما [تولد منه من خبز أو كعك أو سويق أو غير ذلك مباح فكأنه جنس آخر فلا تسرى إليه اليمين كما لو] (١) حلف ألا يأكل لحمًا، فإن اليمين لا تتعدى إلى الخبز.
ووجه القول الثالث: أنه إن عين، فالصفة لا تخرجه عن أن يكون هو العين المشار إليها، وإن نكر: فذلك إشارة إلى مجهول لا يعرفه، فبأي وجه حنث بأكل الخبز، وإن زرع القمح المحلوف على أكله فلا يحنث بأكل الخبز منه من الحب، إلا أن يريد أن يضيق على نفسه.
فإن كان هبة، فأراد رده ودفعه لواهبه، فلم يفعل حتى زرعه، فإنه يحنث بأكل ما رفع منه.
وإن حلف ألا يأكل دقيق قمح، فأكل خبز قمح: لم يحنث، لأن هذا اسم خاص.
فإن حلف ألا يأكل هذا اللبن أو من هذا اللبن [فعرف أو نكر] (٢)، فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها في القمح.
فإن حلف ألا يأكل زبدًا فأكل سمنًا، أو حلف ألا يأكل سمنًا فأكل زبدًا، فهل يحنث أم لا؟ قولان وكلاهما لمحمد بن المواز.
فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يحنث.
ومن اعتبر المقاصد، قال: يحنث.
فإن حلف في لبن شاة بعينها، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يحلف ألا يأكل من لبنها.
стр. 1178
أو لا يأكل منها لبنًا.
أو لا يأكل لبنها.
فإن حلف لا يأكل من لبنها، حنث بأكل ما يعمل منه من زبدٍ أو سمن أو جبن.
قال ابن القاسم: "كان ذلك مستخرجًا منها قبل يمينه أو بعد يمينه".
وأما إن قال: لا أكلت منها لبنًا، لم يحنث بأكل ما عمل منه من زبد أو سمن أو جبن أو أقط.
وقال أبو محمد بن أبي زيد: "وقد اختلف أصحابنا فيه" (١).
وإن قال: "لا أكلت لبنها": جرى على القولين فيما إذا عرف أو نكر بمنزلة من قال: "لا أكلت من هذا اللبن".
فإن قال: "لا أكلت من هذه [الشاة] (٢)، ولم يذكر لبنها: لم يحنث بأكل اللبن منها، لأن [المقصد] (٣) ألا يأكل من ذاتها، إلا أن يكون ذلك على وجه المنة.
واختلف إذا أكل من نسلها، هل يحنث أم لا؟ على قولين، وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في الولد، هل هو غلة أم لا؟
وإن حلف ألا يأكل تمرًا، فله أكل الرطب والبسر والزهو اتفاقًا وإن حلف ألا يأكل البسر، هل له أن يأكل الرطب والتمر أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يأكل التمر أو الرطب إذا حلف ألا يأكل البسر، وهو قول
стр. 1179
ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يأكل التمر، ويحنث بأكلها، كالشحم واللحم، وهو قول ابن وهب، وقال محمد بن المواز (١): ولا يحنث بأكل ما تولد عن المحلوف عليه، إلا أن يقول من عند ابن القاسم إلا في [ستة أشياء] (٢).
الخبز من القمح، والمرق من اللحم، والشحم من اللحم، والعصير من العنب [والزبيب من العنب] (٣) والنبيذ من التمر.
[قال التونسي] (٤) أما الخبز من القمح، لأن العادة جرت أن القمح لا يأكل إلا خبزًا أو دقيقًا، فكان يمينه إنما وقعت على ما يكون منه.
والمرق والشحم من اللحم، وعلته أن المرق فيه اللحم والشحم، و [المرق] (٥) لأن قوة اللحم فيه، فأكل المرق كأنه أكل اللحم.
والشحم من اللحم، لأن كل لحم لابد أن يكون فيه دهنية الشحم، فصار أكل الشحم، لأن القائل: "لا آكل لحمًا": إنما يحنث بما يأكل من لحم أو شحم، والحالف على الشحم لا يحنث بأكل اللحم.
والعلة في ذلك أن القائل: "لا آكل اللحم" قد دخل تحت هذه الكلمة "الشحم"، لغة وعرفًا، كما لو: أسلم في لحم الضأن" لم يكن للبائع ولا للمبتاع أن يقول هذا لحم لا شحم فيه، لأن له لحمًا وإن كان فيه شحم، لأن ذلك يقتضيه الاسم، كما ذكر الله سبحانه تحريم لحم الخنزير، ومعلوم أن الشحم داخل فيه لأن الاسم جامع لذلك، وكان تحريمه الشحم على بني
стр. 1180
إسرائيل ألا يدخل معه اللحم، ولا يدخل تحت هذا الاسم إلا الشحم.
فكذلك الحالف على الشحم، لا يحنث بأكل اللحم، لما ذكرناه" (١).
وفي كتاب ابن سحنون قال: "واللحم اسم جامع للحم والشحم" (٢).
والعصير من العنب: وذلك أن عصير العنب، إنما هو الماء الذي كان في العنب، فكأنه إذا أكل العنب: أكل القشرة والماء والشحم، وإذا شرب العصير: شرب الماء بعينه الذي كان في العنب مع ما تفتت فيه من أجزاء الشحمية، فصار كأنه [أكل] (٣) العنب، والزبيب من العنب [أيضا] (٤) كذلك لأنه لم يعدم منه إلا الماء الذي كان فيه، وهو الآن منعقد فيه، فالقشرة والشحم وجميع أجزائه قائمة.
قال [أبو إسحاق] (٥): "وهذه الأشياء كلها بينة".
وأما النبيذ من التمر ففيه إشكال، لأن النبيذ إنما يجعل الماء على التمر، فليس الماء من التمر، إلا أن يشبه المرق من اللحم، وفي هذا بعد، وهو يقول أعني صاحب المذهب: "من حلف ألا يأكل رطبًا، فأكل تمرًا أو حلف ألا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، فلا شيء عليه، وهذا وما شابهه مما يتولد عن المحلوف عليه فكذلك كان ينبغي أن يكون النبيذ من التمر.
وأما إذا قال في هذه الأشياء من اللحم بأكل ما تولد عنها إلا أن يبعد ذلك جدًا مثل أن يقول: لا آكل من هذه الحنطة فزرعت فأكل من الحب الذي نبت. فلم يسر عليه شيئًا إلا أن يكون ذلك على وجه المن كما قدمناه
стр. 1181
في [صور] (١) هذه المسألة ومن هذا الباب إذا حلف ألا يأكل لحمًا فأكل رؤوسًا أو بيضًا هل يحمل يمينه على جميع ما يطلق عليه ذلك الاسم أو لابد من تخصيص.
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث بأكل ما ينطلق عليه اسم اللحم من لحوم الطير والحوت وجميع الأنعام إنسيها ووحشيها وجميع ما ينطلق عليه اسم الرأس من جميع ما يأكل وكذلك البيض فيحنث ببيض الطير وبيض الحوت إلا أن تكون له نية أو ليمينه بساط فيحمل عليه وهو قول ابن القاسم في المجموعة في البيض والرؤوس وفي [الموازية] (٢) في اللحم.
والثاني: التفصيل بين اللحم والرؤوس والبيض. فلا يحنث في الرؤوس واللحم إلا بلحم الأنعام الأربعة ورؤوسها. لأن عليها تقع أيمان الناس إلا أن ينوي في جميع اللحم أو لا يكون ليمينه سبب.
وأما البيض فيحنث بأكل كل بيض عمومًا لا خصوصًا وهو قول أشهب في المجموعة.
والقول الثالث: أنه لا يحنث كالرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك. وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير ولا يحنث بأكل بيض الحوت حتى ينويه وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وقال [ابن القاسم] (٣) في المجموعة أيضًا: والحالف على أكل الدجاج يحنث بأكل الديكة. والحالف على الديكة لا يحنث بأكل الدجاجة. فإن
стр. 1182
قال: لا آكل دجاجة لم يحنث بأكل الديك. ولو عكس ذلك فقال: ديكًا لم يحنث بأكل دجاجة وهو قول ابن الماجشون فيما ذكر عنه ابن حبيب.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في اعتبار المقاصد والألفاظ.
ومسائل هذا الباب مجردة لا نظام لها ولذلك سردتها على الولاء وقصدنا منها إلى ذكر ما يحتاج إلى بيانه وتفسيره، والحمد لله وحده.
стр. 1183
المسألة السابعة عشر
فيمن حلف ألا يبيع من فلان أو لا يشتري منه ، فباع أو اشترى من وكيله (١): فلا يخلو من أن يكون الوكيل من سبب المحلوف عليه أو لا يكون من سببه:
فإن لم يكن من سببه و [لا من] (٢) ناحيته: لم يحنث.
وإن كان من سببه وناحيته، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون عالمًا به أو غير عالم:
فإن كان عالمًا أنه من سببه، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يعرفه الحالف أنه لا يبيع من فلان ولا يشتري أم لا.
فإن عرفه أنه حلف ألا يبيع من فلان، فقال له المشتري: "أنا أشتري لنفسي"، فلما وجب البيع بينهما، قال له المشتري: "سلم السلعة لفلان، فأنا اشتريت له":
قال مالك في "المدونة": وهو حانث، ولا ينفعه ما تقدم له".
قال أبو إسحاق التونسي: "لا يحنث الحالف بذلك، ولا يصدق المشتري فيما يدعيه بعد أن قال: لنفسي اشتريت.
ولو قال له: إنما أبيع منك بشرط أنك إن اشتريت لفلان فلا بيع بيني وبينك فثبت أنه اشترى لفلان فلا ينبغي أن يحنث ولا ينعقد البيع بينهما وإن لم يعرفه بذلك حتى اشتراه قال مالك: "يحنث".
ويتخرج في المذهب قول آخر أنه [لا] يحنث إذا اعتبر المقصد في
стр. 1184
القول الأول.
فإذا لم يحنثه ولم يعلم أنه من سببه وناحيته هل يحنث أم لا؟
قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أنه مهما كان من [سببه] (١) فإنه يحنث من غير اعتبار بعلم الحالف أو بعدم علمه وهو ظاهر المدونة لقوله: فإن كان من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته. وهو مفسر في كتاب محمد وهو نص قول ابن القاسم في المجموعة.
والثاني: أنه لا يحنث الحالف حتى [لا] (٢) يعلم أن المشتري من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته وهو قول مالك وأشهب في كتاب محمد. وهو ظاهر المدونة أيضًا في قوله في موضع آخر: إن علم أنه من سببه ومن ناحيته. وعلى القول بأن ذلك يفتقر إلى علمه هل يصدق إذا ادعى أنه لم يعلم به بغير يمين أو لابد من يمين. وإن كان المتولي للشراء صارفًا غير معروف في ذمة المحلوف إليه ولا من أصدقائه فلا يمين عليه. وإلى هذا ذهب أبو الحسن اللخمي وهو الصحيح.
واختلف فيمن هو من سببه وناحيته على قولين: أحدهما: أن الصديق الملاطف أو من هو في عياله أو ناحيته وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الذي من سببه وكيله أو أبوه أو ابنه أو من يلي القيام بتدبيره وشأنه وأما الصديق الملاطف والجار الجليس فلا وهو قول ابن حبيب. وكذلك الحكم في اليمين ألا يبيع له ومعناه ألا [يستمر له على سلعة] (٣) في جميع ما ذكرناه. [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 1185
المسألة الثامنة عشر
فيمن حلف ليفعلن فعلا ، ففاته المحل قبل أن يفعل، مثل: أن يحلف ليضربن عبده أو ليركبن هذه الدابة أو ليأكلن هذا الطعام، فأبق العبد أو ماتت الدابة أو سرقت أو هلك الطعام أو سرق: فلا يخلو من أن يكون قد ضرب ليمينه أجلًا أم لا: فإن ضرب ليمينه أجلًا: فلا شيء عليه فيما هلك.
واختلف في السرقة، هل يحنث بها أو يبرأ؟ على قولين:
أحدهما: أنه حانث، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، إلا أن ينوي إن سرق.
والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه على بر.
وإن لم يضرب ليمينه أجلًا: فإن بادر إلى الفعل، ففاته محله من غير تفريط، فلا شيء عليه اتفاقًا.
فوجه قول ابن القاسم في السرقة: إذا لم تكن له نية أن عين الشيء المحلوف على فعله باقٍ، ولو أمكنه منه السارق ليأكله، فلذلك حنثه [والإباق من هذا القبيل] (١).
ووجه قول أشهب: أنه مغلوب على ترك الفعل لتعذر فعله، فأشبه الفوات الحسي.
وقد قال مالك في كتاب الأيمان بالطلاق: "فيمن حلف ليبيعن هذه الجارية، فألفاها حاملًا [منه] (٢)، "هو حانث".
وقال في "كتاب النذور"، فيمن حلف ليذبحن حمامات ليتيمه، فقام
стр. 1186
من فوره، فوجدها ميتة، قال: "لا شيء عليه لأنه مغلوب على ترك الفعل".
واختلف المتأخرون، هل ذلك اختلاف قول أو ذلك اختلاف حال:
فذهب أكثرهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وأنه لا فرق بين السؤالين، وأنه لا يحنث في الجميع، لعدم التفريط، وهو قول سحنون، وهو أحد أقاويل ابن القاسم في "العتبية".
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف أحوال، وذلك أن الذبح في الحمامات قد فات محله لغة وشرعًا، لأن الميتة ليست بمحل للذكاة أصلًا، لا لغة ولا شرعًا، إذ كلاهما لا يستعملان إلا في الحي دون الميت، فالشرعي منها [عبارة] (١) عما اجتمعت فيه الشروط المعتبرة فيها [واللغوي منها ما أحل فيه بالشروط المعتبرة] (٢). أو المتفق عليها منها، فإذا فهمت هذا تبين لك أن: الذكاة اللغوية لا تستعمل فيما فات بنفسه، لا كما يحتج [به] (٣) بعض الأغمار من طلبة الزمان.
أن الذكاة تستعمل [فيه] (٤) لغة.
والجارية التي حلف ليبيعنها، فألفاها حاملًا منه: فإن البيع يتمكن فيها على الجملة، لأنها قائمة العين، غير أن البيع الشرعي لا يتمكن فيها.
والبيع اللغوي فيها متمكن فلذلك: حنثه ابن القاسم على أشهر الأقوال، وإلى هذا التأويل ذهب أبو القاسم بن محرز وغيره.
والخلاف في ذلك: يرجع إلى اعتبار المقاصد والألفاظ.
стр. 1187
فمن اعتبر الألفاظ، قال: يحنث في الجميع.
ومن اعتبر المقاصد، قال: لا يحنث في الجميع.
فرع: ومن أكل مع زوجته، فحلف بطلاقها لتأكلن هذه القطعة، [فأكلتها] (١) الهرة، فأخذت المرأة الهرة فذبحتها، وأخرجت القطعة فأكلتها:
فقال ابن القاسم في "ثمانية أبي زيد": "لا يخرجه ذلك عن يمينه، ولكن إن كان بين أخذ الهرة إياها، وبين يمينه قدر ما لو أرادت أخذها لأخذتها، فتوانت حتى أخذتها الهرة: حنث.
فإن خطفتها الهرة قبل أن يمكنها أخذها، فلا حنث عليه".
ولو حلف ليطأن امرأته، فقطع ذكره من غير تفريط: لم يحنث، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"، وقال أصبغ: "فرط أو لم يفرط لبقاء العين الذي هو محل الفعل"، وهو أحد قولي ابن القاسم في مسألة الجارية.
وسبب الخلاف: [مانع] الشرع، هل هو كالمانع العدم أم لا؟
وقد قدمنا فيما سلف من الكتاب أن للشرع إعدام الموجود.
فإن وطئها وهي حائض، هل يبر [في] (٢) يمينه، أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه آثم في فعله [ولا يبرئه ذلك من يمينه وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن حبيب. والثاني: أنه يبرأ في يمينه ويكون آثمًا في فعله] (٣).
стр. 1188
وهو قول سحنون في كتاب ابنه. وهذا الخلاف ينبني على [خلاف في اعتبار] (١) المقاصد والألفاظ أيضًا:
فمن اعتبر المقصد، قال: يحنث، لأن [قصده وطء صحيح] (٢).
ومن اعتبر اللفظ، قال: لا يحنث، لأن الوطء موجود، وافق الشرع أو خالفه.
ولو حلف [لا وطئتها] (٣)، حنث بوطئها حائضًا، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة" أيضًا. [تم كتاب النذور والأيمان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم] (٤).
стр. 1189
كتاب الصيد
تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (١) خمس مسائل:
المسألة الأولى: الآلة التي يصطاد [بها] وصفة التعليم:
أما الآلة التي يباح الاصطياد بها، فتنقسم إلى جوارح وسلاح:
والسلاح: كل آله مشحوذة تجرح ولا ترض، فالاصطياد بها مباح، لقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، فالذي تناله الأيدي: [الأفراخ] (٢) في الأوكار، ولا [يفوت] (٣) بنفسه من سائر الوحوش والطيور، والذي تناله الرماح: ما فات اليد [ونجا] (٤) بنفسه من جميع السباع وغيرها مما يباح صيده، فذكر الرماح تنبيها على سائر [الآلات] التي يمكن الاصطياد بها، من الحديد وغيره، لقوله ﷺ [للسائل] (٥): "وما أصبت بقوسك"، وقوله لعدي بن حاتم في المعراض: "ما أصابك بحده، فكل".
أما الجوارح: فهي الكواسب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، معناه: أو صيد ما علمتم من الجوارح، هي الكواسب التي يصطاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور، وما أشبه ذلك.
وأصل التكليب: تعليم الكلاب، الاصطياد، ثم [كثرت] (٦) حتى قيل لكل من علم جميع جوارح الصيد مكلبا، فتكليبها: تعليمها
стр. 1190
الاصطياد.
وقد اختلف في صفة تعليم الكلاب والبزاة [والصقور] (١)، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المعلم منها هو الذي إذا زجر انزجر، وإذا أشلى أطاع، وهذا قوله في الكتاب.
والثاني: هو الذي إذا دُعى أجاب مع الوصفين المتقدمين، وهو قول ابن حبيب، ففرق بين الكلاب والبزاة: فجعل لتعليم الكبار ثلاثة شروط، ولتعليم البزاة شرطين [وهما] (٢): أن تجيب إذا دعيت، وتنشلى إذا أرسلت، ولا يشترط فيها الانزجار، لأنه غير ممكن فيها، وهو قول ربيعة وابن الماجشون: أنه لا يشترط الانزجار في التعليم أصلًا، إما الانشلاء: على قول، وإما الانشلاء والإجابة، على قول.
وهذا القول خرجه اللخمي من "المدونة"، من قوله: "إذا أدركه كلبه أو بازه، ولم يستطع إزالة الصيد منه حتى فات بنفسه: فإنه يأكله"، ولو كان الانزجار من شروط التعليم ما جاز أن يأكله، وقد رام بعض المتأخرين تلفيق هذه الأقوال الثلاثة، حتى ترجع كلها إلى قول واحد، فقال: يحمل قول ابن حبيب على الوفاق، لأن الإشلاء يستعمل عند أهل اللغة للمعنيين جميعًا الإغراء والدعاء.
كما أن الزجر يأتي لمعنيين: الإغراء والكف، وهو قوله في "المدونة": "إن أفلت الكلب من يدي على صيد فزجرته" كذا الرواية في بعض الأمهات، وفي بعضها: "فأشليته" فوقف التعليم على شرطين.
стр. 1191
ويحمل قوله في "الكتاب" أيضًا: في الذي لم يقدر على إزالته من الجوارح، على أن عصيانها مرة واحدة، لا يقدح في تعليمها، وإنما غالب أحوالها، إنما كانت تنزجر.
وتفريق ابن حبيب بين الكلاب والبزاة، يرجع إلى اختلاف حال، وهذا كله قريب.
ولا خلاف في المذهب عندنا: أن الأكل ليس من شروط التعليم، وأنه معلم، وإن أكل يؤكل ما بقى خلافًا للشافعي.
والدليل على ما نقوله: حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "وإن أكل، فكل".
وقال الشافعي ﵁: "وإن أكل، فلا يؤكل صيده، لأنه ليس بمعلم، لأنه أمسك على نفسه، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لأن نية الكلب أمر غيبي وخفي لا يمكننا الإطلاع عليها، إذ لا يدري على ما أمسك، هل علينا أو على نفسه؟
وقد يمسك علينا ثم يبدو له أن يمسك على نفسه أو بالعكس.
والذي يعلم أن الكلب يصطاد بطبعه، ويستحثه على الصيد الحرص في حق نفسه، ولذلك [يجوعه] الصياد عند إرادة الاصطياد، ليكون ذلك أغرى له على الصيد [والحمد لله وحده] (١).
стр. 1192
المسألة الثانية
إذا أشلى الكلب على الصيد بغير إشلاء صاحبه ثم أشلاه بعد ذلك، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون إرساله من يده.
والثاني: أن يكون معه، ولم يكن في يده.
والثالث: أن يشلى الكلب بغير إرسال صاحبه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الكلب في يده، ثم أثار الصيد، فأغراه عليه: فهذا لا خلاف فيه أنه يؤكل بما يؤكل به الصيد، إن أدرك ذكاته ذكاه.
فإن قتلته بتثيب أو جرح أو قطع بعض الأعضاء: فإنه يؤكل.
فإن صدقه ومات من غير سبب ولا تدمية، فهل يؤكل أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يؤكل بذلك إلا أن يدرك ذكاته، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يؤكل، وهو قول أشهب فإن مات انبهارًا من غير صدم ولا تثييب: لم يؤكل، ولا خلاف فيه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان معه تبيعه، ثم أثار سيده صيدًا، فأغراه عليه [فصاده] (١)، هل يؤكل بغير ذكاة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يؤكل.
والثاني: أنه يؤكل، والقولان لمالك في المدونة.
стр. 1193
والثالث: التفصيل [بين] أن يكون الكلب منه قريبًا أو بعيدًا:
فإن كان بعيدًا منه، فأشلاه عليه، فقتله: فلا يؤكل وإن كان قريبًا منه: أكل، وهو قول ابن حبيب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يكن في يد سيده، ثم أثار صيدًا، فأشلى عليه بغير إرسال من صاحبه [ثم أشلاه بعد ذلك] (١)، فهل يؤكل أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يؤكل، وهو قول مالك وابن القاسم، إذا كان خروجه من قبل نفسه، ثم أشلاه صاحبه بعد ذلك.
والثاني: أنه يؤكل، وهو قول أصبغ.
والثالث: أنه يؤكل إذا زاده ذلك قوة وإشلاء، وإلا فلا وهو قول ابن الماجشون.
ويبني الخلاف فيها على الخلاف في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أيهما يقدم، فيكون الكلب انشلى من [قبل] (٢) نفسه حظر، وكونه أشلاه صاحبه إباحة، فقد اشتركا في الإرسال، فأشبه تعاون الكلبين: أحدهما بإرسال، والآخر بغير إرسال.
فإذا أرسله، فاشتغل بغير ما أرسل عليه، فلا يخلو ذلك من أن يكون اشتغالًا كثيرًا أو يسيرًا:
فإن كان كثيرًا: سقط حكم ذلك الإرسال بلا إشكال.
وإن كان يسيرًا، مثل: أن يمر الكلب بكلب آخر، فوقف عليه يشمه أو مر بجيفة يشمها فأكل منها، أو عجز الطير فسقط [على موضع] (٣) أو
стр. 1194
عطف راجعًا، هل يخرجه ذلك من الإرسال أو لا يخرجه؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك يخرجه عن الإرسال الأول، ولا يؤكل ما صاده إلا بذكاة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يؤكل، وإن لم يدرك ذكاته، لأن ذلك لا يخرجه عن الإرسال [الأول] (١)، وهو ظاهر قوله في "المدونة": "إذا أرسل كلبه أو بازه على جماعة، ونوى ما أخذ منها، فأخذ اثنين: أنهما يؤكلان جميعًا، وإن لم ير اشتغاله [عن الأول] (٢) قطعًا للإرسال [عن] (٣) الثاني، لأن الاشتغال بالشم وأكل الجيفة كاشتغاله بقتل الصيد.
وقيل: إنه لا يؤكل الصيد الثاني، وذلك مما يعضد ما استقرأناه من الكتاب. والحمد لله وحده.
стр. 1195
المسألة الثالثة
إذا قطع الكلب من الصيد جزءًا، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يبين ذلك الجزء منه أصلًا.
والثاني: أن يبقى متعلقًا به.
فإن أبان [ذلك] (١) الجزء منه أصلًا، فلا يخلو الجزء الذي أبانه من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما يعيش معه.
والثاني: أن يكون مما لا يعيش مع زواله.
فإن كان مما يعيش مع زواله، مثل: أن يضربه فيزيل يده أو رجله أو جناحه، فمات من ذلك: فلا خلاف في المذهب أنه يؤكل الصيد، ولا يؤكل ما بان منه، لكونه مما يصح وجود الحياة مع زواله، لا لكونه أقل، وإنما راعى الكثرة والقلة أبو حنيفة، [وإن أدرك ذكاته لم يؤكل إلا بذكاة] (٢).
وإن كان مما لا يعيش معه، فلا يخلو من أن ينفد مقابله أو لا ينفدها:
فإن أنفدها، مثل: أن يضربه فيجزأه نصفين أو قطع أوراكه أو خرق أمعاءه، فانتشرت حشوته، فإنه يؤكل جميعه، ما بان منه وما بقى، كما لو قطع رأسه، بلا خلاف عندنا في المذهب.
وإن لم ينفد بذلك مقابله إلا أنه آيس من حياته، مثل أن يضربه، فأبان وركيه مع فخذيه، وكشف عن حشوته، ولم [يقطع] (٣) له حشوة ولا