ويحمل قوله في "الكتاب" أيضًا: في الذي لم يقدر على إزالته من الجوارح، على أن عصيانها مرة واحدة، لا يقدح في تعليمها، وإنما غالب أحوالها، إنما كانت تنزجر.
وتفريق ابن حبيب بين الكلاب والبزاة، يرجع إلى اختلاف حال، وهذا كله قريب.
ولا خلاف في المذهب عندنا: أن الأكل ليس من شروط التعليم، وأنه معلم، وإن أكل يؤكل ما بقى خلافًا للشافعي.
والدليل على ما نقوله: حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "وإن أكل، فكل".
وقال الشافعي ﵁: "وإن أكل، فلا يؤكل صيده، لأنه ليس بمعلم، لأنه أمسك على نفسه، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لأن نية الكلب أمر غيبي وخفي لا يمكننا الإطلاع عليها، إذ لا يدري على ما أمسك، هل علينا أو على نفسه؟
وقد يمسك علينا ثم يبدو له أن يمسك على نفسه أو بالعكس.
والذي يعلم أن الكلب يصطاد بطبعه، ويستحثه على الصيد الحرص في حق نفسه، ولذلك [يجوعه] الصياد عند إرادة الاصطياد، ليكون ذلك أغرى له على الصيد [والحمد لله وحده] (١).
стр. 1192
المسألة الثانية
إذا أشلى الكلب على الصيد بغير إشلاء صاحبه ثم أشلاه بعد ذلك، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون إرساله من يده.
والثاني: أن يكون معه، ولم يكن في يده.
والثالث: أن يشلى الكلب بغير إرسال صاحبه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الكلب في يده، ثم أثار الصيد، فأغراه عليه: فهذا لا خلاف فيه أنه يؤكل بما يؤكل به الصيد، إن أدرك ذكاته ذكاه.
فإن قتلته بتثيب أو جرح أو قطع بعض الأعضاء: فإنه يؤكل.
فإن صدقه ومات من غير سبب ولا تدمية، فهل يؤكل أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا يؤكل بذلك إلا أن يدرك ذكاته، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يؤكل، وهو قول أشهب فإن مات انبهارًا من غير صدم ولا تثييب: لم يؤكل، ولا خلاف فيه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان معه تبيعه، ثم أثار سيده صيدًا، فأغراه عليه [فصاده] (١)، هل يؤكل بغير ذكاة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يؤكل.
والثاني: أنه يؤكل، والقولان لمالك في المدونة.
стр. 1193
والثالث: التفصيل [بين] أن يكون الكلب منه قريبًا أو بعيدًا:
فإن كان بعيدًا منه، فأشلاه عليه، فقتله: فلا يؤكل وإن كان قريبًا منه: أكل، وهو قول ابن حبيب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يكن في يد سيده، ثم أثار صيدًا، فأشلى عليه بغير إرسال من صاحبه [ثم أشلاه بعد ذلك] (١)، فهل يؤكل أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يؤكل، وهو قول مالك وابن القاسم، إذا كان خروجه من قبل نفسه، ثم أشلاه صاحبه بعد ذلك.
والثاني: أنه يؤكل، وهو قول أصبغ.
والثالث: أنه يؤكل إذا زاده ذلك قوة وإشلاء، وإلا فلا وهو قول ابن الماجشون.
ويبني الخلاف فيها على الخلاف في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أيهما يقدم، فيكون الكلب انشلى من [قبل] (٢) نفسه حظر، وكونه أشلاه صاحبه إباحة، فقد اشتركا في الإرسال، فأشبه تعاون الكلبين: أحدهما بإرسال، والآخر بغير إرسال.
فإذا أرسله، فاشتغل بغير ما أرسل عليه، فلا يخلو ذلك من أن يكون اشتغالًا كثيرًا أو يسيرًا:
فإن كان كثيرًا: سقط حكم ذلك الإرسال بلا إشكال.
وإن كان يسيرًا، مثل: أن يمر الكلب بكلب آخر، فوقف عليه يشمه أو مر بجيفة يشمها فأكل منها، أو عجز الطير فسقط [على موضع] (٣) أو
стр. 1194
عطف راجعًا، هل يخرجه ذلك من الإرسال أو لا يخرجه؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك يخرجه عن الإرسال الأول، ولا يؤكل ما صاده إلا بذكاة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يؤكل، وإن لم يدرك ذكاته، لأن ذلك لا يخرجه عن الإرسال [الأول] (١)، وهو ظاهر قوله في "المدونة": "إذا أرسل كلبه أو بازه على جماعة، ونوى ما أخذ منها، فأخذ اثنين: أنهما يؤكلان جميعًا، وإن لم ير اشتغاله [عن الأول] (٢) قطعًا للإرسال [عن] (٣) الثاني، لأن الاشتغال بالشم وأكل الجيفة كاشتغاله بقتل الصيد.
وقيل: إنه لا يؤكل الصيد الثاني، وذلك مما يعضد ما استقرأناه من الكتاب. والحمد لله وحده.
стр. 1195
المسألة الثالثة
إذا قطع الكلب من الصيد جزءًا، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يبين ذلك الجزء منه أصلًا.
والثاني: أن يبقى متعلقًا به.
فإن أبان [ذلك] (١) الجزء منه أصلًا، فلا يخلو الجزء الذي أبانه من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما يعيش معه.
والثاني: أن يكون مما لا يعيش مع زواله.
فإن كان مما يعيش مع زواله، مثل: أن يضربه فيزيل يده أو رجله أو جناحه، فمات من ذلك: فلا خلاف في المذهب أنه يؤكل الصيد، ولا يؤكل ما بان منه، لكونه مما يصح وجود الحياة مع زواله، لا لكونه أقل، وإنما راعى الكثرة والقلة أبو حنيفة، [وإن أدرك ذكاته لم يؤكل إلا بذكاة] (٢).
وإن كان مما لا يعيش معه، فلا يخلو من أن ينفد مقابله أو لا ينفدها:
فإن أنفدها، مثل: أن يضربه فيجزأه نصفين أو قطع أوراكه أو خرق أمعاءه، فانتشرت حشوته، فإنه يؤكل جميعه، ما بان منه وما بقى، كما لو قطع رأسه، بلا خلاف عندنا في المذهب.
وإن لم ينفد بذلك مقابله إلا أنه آيس من حياته، مثل أن يضربه، فأبان وركيه مع فخذيه، وكشف عن حشوته، ولم [يقطع] (٣) له حشوة ولا
стр. 1196
[كشف] (١) له أمعاء، فهل يؤكل ما بان منه من الوركين أو لا يؤكل؟
فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] (٢):
أحدهما: أنه لا يؤكل وهو قول مالك [في كتاب "محمد" ومثله لابن القاسم في "العتبية" في كتاب الصيد] (٣) من "المدونة".
والثاني: أنه يؤكل ما بان مع ما بقى، وهو قول ابن الجلاب، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الذبائح" في المنخنقة وأخواتها.
وينبني الخلاف فيها على الخلاف في المأيوس منه، وهل تستعمل فيه الذكاة أم لا؟
فإن بقى ذلك متعلقًا، فلا يخلو من أن يكون [مما] (٤) يلتحم ويعود إلى هيئته أم لا؟.
فإن كان مما يلتحم إلى هيئته فإنه يؤكل الجميع. وإن كان مما لا يلتحم ولا يعود إلى هيئته فحكمه حكم ما بان وزال فيؤكل الصيد [ولا يؤكل] (٥) ذلك الجزء والحمد لله وحده.
стр. 1197
المسألة الرابعة
فيما نَدَّ من الوحشي بعد تأنيسه أو لا ند من الإنسي أو تأنس من الوحشى، هل يؤكل بغير ذكاة أو لا يؤكل إلا بالذكاة؟ أما الوحش إذا تأنس كالظباء والوعول: فلا خلاف أنها لا تؤكل إلا بالذكاة، لأنها مأسورة مقدور عليها.
وأما ماله مثل مما لا يؤكل مثله من الأنس مثل الحمار، فقد اختلف فيه المذهب إذا تأنس، هل يؤكل أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه لا يؤكل، وهو قول مالك في الحمار الوحشي إذا دجن فصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي، فقال: لا يؤكل.
[والثاني: أنه يؤكل] (١) وقال ابن القاسم: لا أرى بأكله بأسًا.
وسبب الخلاف: اعتبار التسمية، هل تراعى أو لا تُراعى؟
أما ابن القاسم، فلم يراع التسميات والألقاب في الأعيان المحللات والمحرمات، فالاعتبار عنده بالأعيان دون التسميات.
أما مالك ﵀، فقد اضطرب [قوله] (٢) في ذلك:
فتارة يعتبر الألقاب والتسميات.
وتارة يعتبر المعاني والأعيان.
وقد اعتبر مالك التسمية في هذه المسألة، لمشاركة الإنسي [الوحشي] (٣) في التسمية، واعتبرها أيضًا في خنزير الماء، فقال: "أنتم تقولون خنزير
стр. 1198
الماء، فأبقاه لأجل مشاركة الاسم.
وأما الإنسي إذا استوحش، هل يخرجه ذلك عن أصله أو لا يخرجه؟
أما الإبل والغنم فلا خلاف عندنا أن التوحش لا يخرجها عن أصلها، وأنها لا تؤكل [بما يؤكل] (١) به الصيد من العقر والرمى.
واختلف في البقر، هل يخرجها ذلك عن أصلها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يخرجها عن أصلها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك يخرجها عن أصلها، وتؤكل بما يؤكل به الصيد من العقر وغيره، وهو قول ابن حبيب، ولا يخفى على لبيب قول ابن حبيب.
و [أما] (٢) إذا نَدَّ صيد الرجل، فأخذه غيره، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتأنس عند الأول، وأخذه [الثاني] (٣) قبل أن يتوحش.
والثاني: أن يأخذه بعد أن يتوحش، فإذا تأنس عند الأول وأخذه الثاني قبل أن يتوحش، كان للأول قولًا واحدًا.
فإن أخذه بعد أن توحش، وقد نَدَّ بعد الاستئناس أو قبل الاستئناس، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون لمن أخذه آخرًا، نَدَّ منه قبل أن يتأنس أو بعد وهو أحد أقاويل مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وهو قوله في الكتاب.
والثاني: التفصيل بين أن يَند منه بعد أن يتأنس [فإنه يرد على الأول.
стр. 1199
وإن أخذه بعد أن توحش. وإن ند منه قبل أن يتأنس فإنه يرد للثاني وهو أحد أقاويل مالك أيضًا. والثالث: أن للأول وإن ندَّ منه قبل أن يتأنس] (١)، ولا يزال ملكه عنه وإن أقام عشرين سنة، لأنه تقرر ملكه عليه بنفس أخذه. وانفلاته لا يزيل ملكه عنه بمنزلة ما لو غصب منه، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ودليل المذهب أن الثاني صاد صيدًا ممتنع الحق بالوحش على صفة ما كان عليه قبل أخذ الأول، فكان له حكم أصله الأول، وهو كصيد الماء إذا أخذه رجل، ثم أنصب من يده في اليم، فصاده غيره أنه له.
وأما ما كان عليه من السيور والحديد والحلى: فلا خلاف أنه للذي نَدّ منه الصيد، ويرده [عليه] (٢) إن عرفه، ويعرفه به إن جهله، وهو قوله في كتاب تضمين الصناع من "المدونة"، وهذا كله إذا كان في يد الأول بالاصطياد.
وأما إذا كان في يده بشراء ثم نَدَّ ثم توحش، ثم صاده آخر، فعلى قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه للآخر، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه للأول، وهو قول أبي القاسم [بن الكاتب] (٣) من متأخري المذهب وشبهه: لمن أحيا أرضًا مواتًا، ثم تركها حتى دثرت، ثم أحياها آخر أنها للثاني، إلا أن يكون الأول قد باعها، ثم دثرت عند المشتري، وأحياها آخر: أنها تكون للمشتري، ولا شيء عليه للذي أحياها آخرًا بعد الشراء، وهذا قياس صحيح، وهو قياس علة، والفرع أظهر،
стр. 1200
وذلك أن الصيد لم يسرحه من أخذه تطوعا، وإنما غلب عليه ففر بنفسه، والموات قد تركه، حتى دثرت اختيارًا، ونحن لا نختلف أنه لو سرح الصيد بنفسه، لكان لمن أخذه ولو غلب [على] (١) الموات وحيل بينه وبينها بغصب، حتى دثرت. لم يسقط ملكه عنها، ولم يكن لمن أحياها بعده.
وعلى القول بأنه يكون للآخر بعد أن توحش، فإن اختلف صاحبه مع الصائد، فقال صاحبه: نَدَّ مني منذ يومين، وقال الصائد: لا أدري متى نَدّ منك [القول قول من؟] (٢)، فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القول قول الصائد، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن القول قول صاحبه الذي نَدَّ منه، وهو قول سحنون، وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع، وذلك أن الأصول موضوعة على أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، كما قال النبي ﷺ ، فكيف يسوغ في الشرع أن ينقطع ملك الأول بلا بينة ولا شبهة بينة، لأن الصائد لم يدع شيئًا، ولو ادعى ما قبلت منه الدعوى إلا بقرينة التصديق، وكيف يزول ملك الأول بالشك، وهذا غير معهود في الشريعة؟، وهذا ممَّا يُستجار الله فيه. والحمد لله وحده.
стр. 1201
المسألة الخامسة
في الحمام إذا [خرج] (١) من برج إلى برج:
قال مالك: من أمر الناس القديم اتخاذ الأبراج، وإن غمرت من حمام الناس، فلا بأس به، يريد أن من أمر الناس أن كل من بني برجًا، فقد سبقه غيره، فالذي أحدث [برجًا] (٢) من عشر سنين قد تقدمه [غيره] (٣) بتاريخ قبل ذلك، والآخر أيضًا تقدمه غيره، وكل واحد لا يبعد أن يصير إليه من برج من تقدمه، وهو أمر لا يقدر الناس على الامتناع منه، وهو مما تدعو إليه الضرورة، وهذا ما لم يحدثه الثاني بقرب الأول، فإنه يمنع، لأن ذلك ضرر عليه.
وإذا [دخل] (٤) حمام برج [في برج] (٥)، فلا يخلو الحكم فيها من ثلاثة أوجه:
إما أن يعرفها ويقدر على ردها.
أو يعرفها ولم يقدر على ردها.
أو لا يعرفها بعينها.
فإن عرفها وقدر على ردها ردها قولًا واحدًا.
وإن عرفها ولم يقدر على ردها، ففيها قولان:
أحدهما: أنها [لمن] (٦) صارت في برجه، ولا شيء عليه، وهو قول
стр. 1202
ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يرد فراخها، ولا شيء عليه غير ذلك، وهو قول ابن حبيب.
فإن جهلت ولم يعرفها بأعيانها بين الحمام، كانت لمن ثبتت عنده، ولا شيء عليه فيهم.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "وقول مالك إذا عرفها وقدر على ردها [أنه يردها] (١) للأول، موافق لقول محمد بن عبد الحكم في الصيد، لأنها في حال كونها في برج على حال التوحش، فينبغي على قول مالك أن يكون لمن صار إليه، بل هو في هذا أضعف، لأن ما في البرج ليس بملك محقق، فكان رد ما يقدر على ملكه أولى.
والنحل إذا خرجت من جبح إلى جبح، فاختلطت بما فيه مثل الحمام سواء.
فلو خرج فرخ، فضرب في شجرة، ثم خرج فرخٌ آخر لرجل آخر فضرب عليه، قال ذلك للأول، وبه قال سحنون.
قال أبو إسحاق: "ولو تلاقيا في الشجرة، فعاشا فيها وأفرخا لوجب أن يكونا، وما أحدثا من عسل بن صاحبي الفرخين، إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
وأما نصب الأجباح الفارغة بقرب من أجباح الناس، فلا يجوز [ذلك] (٢) لأنه كأنه أراد أخذ نخلها، وهو قول ابن كنانة.
قال أشهب إن فعل، وليس هناك [إلا] (٣) محل مربوب، فهم فيها
стр. 1203
دخل في الأجباح أسوة.
وإن كان فيها نحل مربوب ونحل غير مربوب، فلينصب، وما دخل إليه فهو له يريد أشهب أن يحمل على أن الذي دخل إليه غير مربوب لأن [السنة] (١) في المربوب أن أصحابه يرصدونه زمان يفرخ فيه، فيأخذونه إليهم إلا أن يتبعه صاحبه بأثره حتى يدخل فيه، فإنه يأخذه ويكون أحق به من صاحب الجبح. والحمد لله وحده.
стр. 1204
كتاب الذبائح
بسم الله الرحمن الرحيم [وصلى الله على محمد وآله وسلم] (١): تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى
في معرفة ما يحل أكله وما لا يحل أكله من سائر الحيوانات، فالحيوانات ضربان: بري وبحري، فالبحري ضربان أيضًا:
ضرب منه لا حياة له في البر أصلًا: فهذا لا خلاف أنه يحل أكله بغير ذكاة.
وضرب له حياة في البر، كقرش الماء، فالمذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه يؤكل بغير ذكاة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يفتقر إلى الذكاة، وهو قوله في "مختصر الوقار"، لأن له في البر رعيًا.
ولا خلاف في المذهب عندنا أن ميتة البحر تؤكل على أي صفة كانت، لقوله ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
واتقى مالك ﵀: خنزير الماء وكلب الماء لمشاركة الاسم.
وأما التمساح: فلم أجد في المذهب فيه نصًا، ورأيت لسعيد بن المسيب في "النوادر": أنه يؤكل، وإن كان ذا ناب.
وأما البري: فإنه ينقسم أيضًا إلى: ما ليس له نفس سائلة، وأعني بالنفس: الدم.
стр. 1205
وما له نفس سائلة.
وأما ما ليس له نفس سائلة، كالجندب والعقرب والخنفساء والزنبور واليعسوب والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب وجميع الحشرات: فلا خلاف في جواز أكلها لمن احتاج إليها لدواء أو غيره، وهو قول مالك في كتاب "ابن حبيب".
واختلف هل يفتقر أكلها إلى ذكاة أو لا يفتقر؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يفتقر إلى ذكاة، وهو [ظاهر] (١) قول مالك في [آخر] (٢) كتاب الوضوء: "في الخشاش إذا وقع في طعام أو شراب أو ماء، فلا يفسده، وهذا بناء منه على أنها لا تفتقر إلى الذكاة، وهو ظاهر قول القاضي عبد الوهاب في "التلقين".
والثاني: أنها لا تؤكل إلا بذكاة، وهو ظاهر قوله في كتاب "الذبائح"، وأن ذكاته كذكاة الجراد، وهو قول مالك في كتاب "ابن حبيب".
وينبني الخلاف فيها على الخلاف في الجراد، هل يفتقر إلى الذكاة أو لا يفتقر إليها؟
فمن قال أنه لا يفتقر إلى الذكاة وأن ميتته تؤكل، وهو قول مطرف وابن عبد الحكم، وهو مذهب أكثر السلف قال: لا تفتقر الحشرات إلى الذكاة.
ومن قال أنه يفتقر إلى الذكاة، فقد اختلف في ذكاته على قولين:
أحدهما: أن أخذه ذكاته، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن شهاب وربيعة، وبه قال ابن وهب عن أصحاب مالك.
стр. 1206
فإن مات حتف أنفه بعد أخذه: فإنه يؤكل.
وعلى هذا القول فإنه يسمى الله عند أخذه.
والثاني: أن ذكاته أمرٌ زائد على الأخذ، ولابد من عمل يعمله [فيه] (١) بعد الأخذ، وما ذلك العمل الذي إذا عمله [فيه] (٢) صار ذكاة؟
أما كل ما يموت الجراد منه من فعل، مثل أن يقطع رؤوسها أو يسلقها أو يشويها: فلا خلاف أن ذلك ذكاة لها، ويسمى الله عند ذلك.
واختلف في قطع الأرجل والأجنحة، على قولين:
أحدهما: أن ذلك ذكاة، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن ذلك ليس بذكاة، وهو قول أشهب في "مدونته"، وإن ماتت من ذلك.
واختلف أيضًا: إذا سلقت الأحياء مع الأموات منها أو سلق ما يتساقط من أرجلها، على قولين:
أحدهما: أنه يطرح جميعها ولا يؤكل، وهو قول أشهب في "مدونته".
والثاني: أنها تأكل الأحياء وتطرح الأموات، والأفخاذ بمنزلة خشاش الأرض يموت في القدر، وهو قول سحنون في "النوادر".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الجراد، هل هو من صيد البر أو من صيد البحر؟ والمشهور أنه من صيد البر، لأن مرعاه في البر [وحياته] (٣) فيه.
والحلزون كالجراد في كل ما ذكرناه.
стр. 1207
وأما ماله نفس سائلة مما له لحم ودم، فإنه ينقسم أيضًا إلى حيوان مألوف وحيوان غير مألوف:
فغير المألوف ينقسم إلى: ذوات الريش وذوات [الأرجل] (١): فذوات الريش: قال مالك ﵀ في كتاب النوادر: لم أدرك أحدًا ينهى عن أكل شيء من الطير، سباعه وغير سباعه، وما يأكل الجيف وما لا يأكل الجيف إلا أن يتقذر متقذر، وذكر ابن حبيب أن عروة كره أكل الغراب والحدأة لما سماها النبي ﷺ فاسقين.
قال محمد بن الجهم: "ليس ذلك يحرم أكلها، وإنما سماهما النبي ﷺ فاسقين، لإذايتهما المحرم، والفاسق هو المتعدي"، وروى علي بن زياد عن مالك: "أنه كره أكل الخطاطيف".
قال أبو إسحاق: "لم يثبت تحريم كل ذي مخلب من الطير عن النبي ﷺ ".
وأما ذوات الأرجل من هوام الأرض كاليربوع والخلد والوبر والفأرة والحيات والوبرل والقنفذ والضب، وغير ذلك من هوام الأرض:
أما اليربوع والفنفذ والضب: فلا خلاف أعلمه في المذهب في جواز أكلها، وذكاتها، كذكاة الحيوانات المألوفة على ما نصفه بعد إن شاء الله.
وأما الحية: فقد اختلف فيها قول مالك بين الإباحة والكراهة: فمرة: كره أكلها وأكل العقرب من غير تحريم إذا أكلا لغير ضرورة، وما كره ذلك إلا للسم، وهو قوله في "الواضحة".
ومرة: جوز أكلها لغير ضرورة ولا كراهة، وهو قوله في "كتاب الحج"، لأنه جوز هناك أكلها، ولم يذكر الحاجة وقال في "كتاب الذبائح":
стр. 1208
"يجوز أكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها لمن احتاج إليها"، يريد: التداوي.
والقولان: قائمان من المدونة جوزه في "الحج" دون كراهة، وفي [الذبائح] (١) مع الكراهة.
وأما الفأرة، فهل يجوز أكلها مع الكراهة أو دون الكراهة؟ قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أن أكلها مكروه من غير تحريم، وهو نص قول مالك في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الوضوء"، حيث قال: "ويغسل [ما أصابه] (٢) بول الفأرة"، فلو أباح أكلها دون الكراهة ما أمر بغسل بولها.
والثاني: أن أكلها مُباح من غير كراهة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الذبائح"، حيث قال: لا بأس بأكل الخلد وقال: الخلد فأر أعمى يكون بالحجاز: فقد جوزوا أكل الفأرة في هذا الموضع من غير كراهة، إذ لا فرق بين الأعمى والبصير، وليس المبيح لأكله، لكونه أعمى، ولا يتوهم ذلك عاقل.
وأما غير المألوف من ذوات الأرجل من سائر السباع والوحوش، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ منها لا يحل أكله بالاتفاق، وهو الخنزير، ولا خلاف في لحمه وشحمه، أما اللحم: فالنص عليه، والشحم: داخل في اللحم، على ما تقدم لنا في "النذور والأيمان"، وأما الجلد فلا يخلو من أن يكون مدبوغًا أو غير مدبوغ:
стр. 1209
فإن كان غير مدبوغ، فهل يجوز الانتفاع به أم لا؟، فالرواية أنه لا يجوز الانتفاع به، ولا يبعد دخول الخلاف فيه بالمعنى، كجلد الميتة سواء، وقد نزلهم الله تعالى في قرن، [فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾] (١) [المائدة: ٤٣].
وقد اختلف المذهب عندنا، هل حكمه حكم اللحم أو حكم العرض؟، على ما سنبينه في "كتاب [التجارة إلى أرض الحرب] (٢) إن شاء الله تعالى.
وقال أبو الحسن اللخمي: [حكم الجلد] (٣) حكم اللحم، لأنه لحم، وقد تؤكل الشاة سميطًا، ويكون ذلك [مما] (٤) يستطاب منها وإنما يعاف الناس الجلد إذا بان عن اللحم.
فإن كان جلده مدبوغًا، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه ينتفع به بعد دباغه، كجلد الميتة على سواء، وهو قول الشيخ أبي الحسن اللخمي.
والثاني: أنه لا ينتفع به أصلًا، وحكمه حكم لحمه، وهو قول الشيخ أبي بكر الأبهري، قال: "بخلاف جلد الميتة"، يريد: لأن النص ورد في جلد الميتة، ولم يرد في جلد الخنزير.
وينبني الخلاف على الخلاف في الرخص، هل يقاس عليها أم لا؟
وذلك أن إذنه ﷺ بالانتفاع بجلد الميتة بعد دباغه، رخصة منه لأمته ﷺ .
واختلف في الانتفاع [بشعره] (٥) على ثلاثة أقوال:
أحدها: جواز الانتفاع [به] (٦) للبيع وغيره، وهو
стр. 1210
قول ابن القاسم في "العتيبة"، وهو كصوف الميتة عنده.
والثاني: أنه لا ينتفع به أصلًا، وليس هو كصوف الميتة، بل هو كالميتة الخالصة، وكل شيء منه محرم حي وميت، وهو قول أصبغ.
والقول الثالث: أنه ينتفع به في [مثل] (١) [الخرازة] (٢)، وهو قول مالك في المبسوط، وظاهر قوله أنه لا يستعمل في غير ذلك.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من الرخص، هل يقاس عليها أم لا؟
ولبن الخنزير كلحمه.
وأما ابن آدم: فلا خلاف بين المسلمين أن لحمه حرام أكله، وإنما اختلف العلماء، هل تحريمه تحريم حرمه أو تحريم [حرام] (٣)؟
فمنهم من قال: إن تحريمه تحريم حرمه، لأن الله تعالى شرفه وكرمه على جميع خلقه.
ومنهم من قال: تحريمه تحريم [حرام وهو الصحيح] (٤).
والقسم الثاني: ما يجوز أكله بالاتفاق، وهو ما كان من الظباء وبقر الوحش وحمير الوحش وغير ذلك مما هو معلوم جواز أكله من سائر الوحوش بالذبح والعقر، على حسب ما بيناه في كتاب الصيد.
والقسم الثالث: المختلف فيه، وهو أكل السباع العادية وغير العادية، هل هي محرمة أو مكروهة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن أكلها مكروه العادي منها وغير العادي، وهو قول أبي بكر
стр. 1211
الأبهري وابن الجهم.
والثاني: التفصيل بين السباع العادية وغير العادية [فالسباع العادية كالأسود والنمور والذئاب والكلاب لم يختلف المدنيون في تحريم لحومها. وأما غير العادية] (١)، مثل: الذب والضبع والثعلب والهر الوحشي والإنسي والقرد: فيكره أكلها ولا يبلغ [به التحريم] (٢) للاختلاف فيها، قاله مالك وابن الماجشون على ما نقله ابن حبيب.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين، عموم الكتاب وعموم السنة:
أما عموم الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وأما [عموم السنة] (٣): فقوله ﷺ : "كل ذي ناب من السباع حرام"، وعلى هذا ترجمة مالك في "الموطأ": "باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع".
قال الشيخ أبو إسحاق التونسي: "وفي تحريم أكل كل ذي ناب من السباع" ضعف، لأنها رواية انفرد بها، ورواه غيره ولم يذكر فيه التحريم.
وقال اللخمي: "عموم السنة أقوى [وأصوب] (٤) من عموم المسألة
لوجوه:
أحدها: أن قوله سبحانه ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾، إخبار عن الماضي، ولا يقتضي ذلك أنه لا يجد في المستقبل، ولا أنه لا ينزل عليه تحريم
стр. 1212
[غير] (١) تلك الأربعة.
والثاني: أنه قد وجد تحريم ذبائح المجوس، وهما مطعونان، ولم تتضمن تلك [الآية] (٢) تحريمها.
والثالث: أن الآية مكية، والحديث مدني، والمتأخر يقضي على المتقدم، ولا يعترض أيضًا بحديث ثعلبة في قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب"، لأن النهي يحتمل التحريم والكراهة، وحديث أبي هريرة يفيد بلفظ التحريم، والمطلق يحمل على المقيد.
وعلى أن السباع محرمة، هل يجوز أن تذبح لجلودها أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يجوز أن تذبح لجلودها، وهو قول مالك في "كتاب الذبائح".
والثاني: أن الذكاة لا تستعمل فيها للحومها ولا لجلودها، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الجهاد" من "المدونة"، في جواز أكل شحوم اليهود.
وسبب الخلاف: الذكاة، هل تتبعض أو لا تتبعض؟
[فمن] (٣): رأى أنها تتبعض، وهو قول محمد بن مسلمة أنها تتبعض، قال: بجواز [استعمال] (٤) الذكاة في السباع المكروهة [الأكل] (٥)، فجعل أن الذكاة تحل في الجلود دون اللحم، وهذا أغرب شيء يقال.
[ومن] (٦) رأى أن الذكاة لا تتبعض، فقال: بجواز أكل شحوم
стр. 1213
اليهود، وذلك أن الشحوم محرمة على اليهود، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] على ما يأتي عليه البيان في موضعه إن شاء الله.
وقد أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والشحوم ليس من طعامهم.
ثم وردت السنة بجواز أكل شحوم اليهود [يوم خيبر] (١)، وما ذلك إلا لكون الذكاة تسري في جميع أجزاء الشاة المذكاة وشائعة فيها [ولا يختص بها] (٢) جزء دون جزء، من غير اعتبار بنية الذابح في الكمال والتبعيض.
وأما الحيوان المألوف، فإنه ينقسم إلى الأنعام والدواب:
فالأنعام: الإبل والبقر والغنم: فلا خلاف بين الأمة في جواز أكلها إذا حصلت فيها الذكاة بشروطها على ما سنعقد فيه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
وأما الدواب: الخيل والبغال والحمير، فقد قال مالك ﵀: لا تؤكل لحومها ولا تشرب ألبانها.
أما الحمير: فقد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن أكلها، وذلك في يوم خيبر أمر بإكفاء القدور، لما أخبر بذبح الناس الحمير.
واختلف العلماء، هل النهي فيها على معنى التحريم أو على معنى الكراهة؟ على قولين:
مشهور المذهب أنه على الكراهية، وأن الكراهية فيها مغلظة واختلفوا
стр. 1214
أيضًا في النهي، هل هو معقول المعنى [أو غير معقول المعنى] (١) على ما هو مذكور في الأمهات؟
والمشهور أن النهي غير معقول المعنى.
والبغال: مثل الحمير، وهما جنسٌ واحد، على [ظاهر] (٢) ما وقع لابن القاسم في كتاب "السلم الأول" من "المدونة".
واختلف في لبن الأتن، وهي إناث الحمير، هل يشرب للدواء أو لا يشرب؟
والمشهور أنه يجوز شربه للتداوي، وقد روى عنه ابن حبيب حديثًا عن النبي ﷺ أنه أباحه، وأجازه سعيد بن المسيب والقاسم وعطاء، ومالك حدث به الجذامي عن الواقدي، وقال أشهب عن مالك في "العتبية" من غير أن يرونه مذهبهم: "لا بأس بالتداوي بشرب أبوال الإبل، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام كلها".
وأما أبوال الأتن وأبوال الناس، فلا خير في ذلك، وروى سحنون عن ابن القاسم أنه قال: "لا بأس أن يتداوى بشرب [لبن] (٣) المرأة، ويشربه الناس".
وأما الفرس: فإنه لا يؤكل عندنا إلا أنه لا يبلغ به مبلغ البغال والحمير في التحريم فلا خلاف فيه، نقله ابن حبيب قال ابن المواز: وأجاز ابن المسيب أكل الفرس".
وقال ابن شهاب: "ما رأيت أحدًا يأخذ به"، وقد كرههُ ابن عباس.
стр. 1215
قال مالك: "وقد وصف الله تعالى ما خلقت له، فقال: "لتركبوها وزينة"، وقال أيضًا: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، فبين الله تعالى منافع كل جنس، وما خلقت له، وذلك في معرض الامتنان".
واختلف في لحم الجلالة من الأنعام ولبنها وعرقها [وبولها] (١) فأما اللحم، فقد اختلف فيه بين الإباحة والكراهية:
فمالك جوز أكله دون الكراهة.
وابن حبيب جوزه مع الكراهة، والجلالة من الطير عنده أخف.
ولم يأت فيها كراهة إلا ما رُوى عن ابن عمر [أنه كان يربطها ثلاثة أيام تأكل الحب ثم يذبحها. وأما روثها فنجس والجلالة من الأنعام. روى عن ابن عمر وأبيه عمر بن الخطاب ﵄] (٢) أنها كرها لحومها وألبانها وركوبها.
وأما اللبن والبول والعرق، فاختلف فيها بين الطهارة والنجاسة، على ما قدمنا من بيانه وإيضاحه في "كتاب الوضوء" وفي "النوادر"، ومما روى عنه ﷺ : أنه [استثقل] (٣) أكله [في الشاة] (٤) من غير تحريم، ثم الطحال والمرارة والعروق والعسيب والأنثيين والكليتين والمثانة وأدنى القلب.
قال الشيخ أبو محمد: "وسئل أبو محمد عبد الله بن الأبياني عن خصيتي الخصى يردان إلى داخل ويربطان [فيه] (٥) فيبطل فعلهما ويتغير
стр. 1216
خلقتهما، هل يؤكلان؟ وإذا طبختا، هل يؤكل ما في القدر؟ قال: لا بأس بذلك لاتصالهما بالجسد، والحياة تجري فيهما، والغذاء يصل إليهما، وتحصيل ذلك أن الذكاة لم تدع [في الشاة] (١) شيئًا محرمًا" والحمد لله وحده.
стр. 1217
المسألة الثانية
في الذكاة: وفي هذه المسألة خمسة أسئلة:
السؤال الأول: في معرفة من تصح ذكاته.
والثاني: في الآية التي بها يذكى.
والثالث: في شروط الذكاة.
والرابع: في معرفة ما تصح ذكاته بنحر.
والخامس: ذكاة الجنين.
فالجواب عن السؤال الأول: في معرفة من تصح ذكاته.
والذكاة: تصح من مسلم عاقل بالغ غير مضيع للصلاة، ومن كتابي ذبح لنفسه، فهذه [جملة] (١) متفق عليها [ومنها ما هو مختلف فيه] (٢) فقولنا: "من مسلم" احترازًا من المشرك، ولا خلاف عندنا أن ذبائح المجوس محرمة، وأنها ميتة.
وقولنا: "بالغ" احترازًا من غير البالغ، إلا أن غير البالغ ينقسم إلى مميز وغير مميز: فغير المميز: لا خلاف عندنا أن ذكاته لا تصح، لعدم القصد والمعرفة.
و [أما] (٣) من له التمييز: فلا إشكال أن ذكاته مكروهة ابتداء، فإن ذبح وأوقع الذكاة موقعها، فهل تؤكل أو لا تؤكل؟
стр. 1218
قولان:
أحدهما: أنها تؤكل، وهو قول مالك في "المدونة" وكتاب محمد.
والثاني: أن ذبيحته لا تؤكل على معنى الاستحباب، وهو قول أبي مصعب.
وكذلك ذبيحة [المرأة] (١) عنده [كان] (٢) ذبحها على معنى الاضطرار أو الاختيار.
قال مالك [في كتاب محمد] (٣): "وتذبح المرأة أضحيتها، ولا يذبح الصبي [أضحيته] (٤)، والفرق بينهما [صحة] (٥) وجود القربة من المرأة وعدمها من الصبي، لأنه غير مكلف".
وقولنا: "عاقل"، احترازًا من المجنون والسكران، فإن ذكاتهما ليست بذكاة، لعدم القصد، ولا خلاف عندنا أن الذكاة تفتقر إلى النية، ولا يصحُّ وجودها من السكران والمجنون.
وقولنا: "غير مضيع للصلاة" احترازًا من تارك الصلاة ومضيعها، فإن من أكل ذبيحته قولان:
أحدهما: قول مالك "أنها تؤكل"، وهو المشهور.
والثاني: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: هل يكفر من ترك الصلاة أو لا يكفر؟
وقولنا: "من كتابي ذبح لنفسه" احترازًا من أن يذبح لمسلم نيابة عنه،
стр. 1219
وقد اختلف المذهب في أكل ما ذبحه لمسلم، على قولين:
أحدهما: أنها تؤكل فيما عدا الأضحية، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا تؤكل جملة، وهي رواية ابن [أبي] (١) أويس عن مالك في "المبسوط".
وفي المسألة قول ثالث: أن ذبيحته لمسلم تؤكل، سواء وكله على ذبح شاة لحم أو على أضحية، وهو قول أشهب في "مدونته".
قال مالك في "كتاب محمد": ويجوز أكل ذبيحة الأغلف والجنب والحائض".
وقال أيضًا: "وتؤكل ذبيحة السارق، لأنه إنما خرج عليه بمعنى السرقة، لا لأجل الذبح".
والجواب عن السؤال الثاني: الآلة التي بها يذكى والذكاة تصح بكل مجهز قاطع من حديد أو قصب أو عود أو حجر أو زجاج أو قرن أو عظم، وقد قال: "لا بأس أن يذبح بالليطة [والشريطة] (٢)، والمروة والمدية، فالليطة: فلقة القصبة، [والشريطة] (٣): فلقة العصا، وهي الطرر أيضًا، والمروة: الحجر والمدية: السكين.
والدليل على جواز الذبح بالأشياء التي ذكرناها حديث رافع بن خديج، خرجه البخاري ومسلم، أنه قال: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟، فقال رسول الله ﷺ : "فما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر".
стр. 1220
وفي حديث آخر: "إلا السن والظفر، وسأحدثكم عنهما، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".
وقد اختلف المذهب في الذبح بهما [في الاتصال والانفصال] (١)، على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والثاني: أنه يجوز الذكاة بهما، بالاتصال والانفصال، وهو ظاهر قول أبي الحسن بن القصار، لأنه قال: "وعندي أن السن إذا كان عريضًا ممدودًا، أو الظفر كذلك، أن تباح [بهما] (٢) الذكاة كالعظم، ولكنه مكروه كالسكين [الكالة] (٣).
وبهذا أخذ أبو حنيفة: "إذا كان منفصلًا" [وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي] (٤)، وظاهر قول أبي الحسن: أنه حمل قول مالك على أنه "لا تصح الذكاة بالسن والظفر بحال، كان منفصلًا أو متصلًا، وأنه هو أجاز ذلك لوجهين، وإن كان متصلًا، لأنه قال: "وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان منفصلًا".
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "الحكم في المتصل والمنفصل سواء، لأن الاستثناء ورد فيها جملة".
والثالث: التفصيل بين أن يكونا منزوعين أو مزكيين: فإن كانا منزوعين، ولم يصغرا عن الذبح، حتى يمكن الذبح بهما، فلا بأس به، وهو قول ابن حبيب.
стр. 1221
والرابع: التفصيل بين السن والظفر، فيجوز بالظفر ولا يجوز بالسن، وهذا القول حكاه ابن القصار عن بعض شيوخه، وهو ظاهر "المدونة" لأنه جوز فيها الذكاة بالعظم، ولا فرق بين العظم والظفر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من تعليله ﷺ : "فأما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"، هل المفهوم منه أن السن والظفر لا مجهزان أصلًا، فلا يحصل بهما المقصود، وذلك بعيد من الظاهر، والمفهوم منه: أن الذكاة لا تصح بهما أصلًا.
ويحمل قوله: "أما السن فعظم" [على أن] (١) معناه: لا تصح به الذكاة في شيء يعني، وكون الظفر أيضًا بمدى الحبشة، فلا يجوز أن يذكى بها، وإن تمكن [بهما من] (٢) الإجهاز والإنهار، لأن النبي ﷺ علل بكونه لا ينهر الدم لا هو ولا السن، وإنما علل بكون هذا سنًا، وهذا مدى الحبشة، ويكون ذلك شريعة غير معقولة المعنى.
وعليه يدل الاستثناء، ولاسيما إذا حملناه على أنه استثناء من الجنس، وهو الأظهر [أو المفهوم منه أن السن والظفر لا يجهز ولا يحصل منه المقصود وذلك بعيد عن الظاهر] (٣).
وفي "النوادر": "لا بأس بالذبح بشفرة لا نصاب لها والرمح والقدوم والمنجل الأملس الذي يجز به، فأما المضرس الذي يحصد به، فلا خير فيه، لأنه يتردد [بها] (٤)، ولو قطع كقطع الشفرة، فلا بأس به، ولكن ما أراه يفعل.
стр. 1222
والجواب عن السؤال الثالث: في معرفة شرط الذكاة، فالذكاة لها فرائض وسنن وفضائل:
ففرائضها ستة: ثلاثة متفق عليها في المذهب، وثلاثة مختلف فيها في المذهب:
فأما الثلاثة المتفق عليها في المذهب:
النية: وهي القصد إلى الذكاة، ليبيح بها أكل تلك الذبيحة، فإذا لم تكن له نية إلى استباحتها لم تؤكل، وكانت ميتة.
ولأجل هذا منعنا أكل ذبيحة المجنون لعدم القصد. وقطع الودجين، لقوله ﵇: "ما فرى الأوداج فكلوا".
وفي البخاري ومسلم: "ما فرى الأوداج، فكل"، وإن كان السبب في السؤال عن الذي يذكى به، فإنه يتضمن الموضع الذي تقع فيه لاختصاصه بما ينهر الدم، ولم يقل: ويقطع الحلقوم والمرئ، والودجان موضع [ذكاة] (١) الدم لا الحلقوم.
وفي البخاري عن عطاء، قال: "الذكاة قطع الأوداج".
وأما الثلاثة المختلف فيها في المذهب: المرىء والحلقوم والفور:
فأما المرئ: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه ليس من شروط الذكاة، وهو قوله في "المدونة" ولم يذكر مالك المرىء، لأنه قال "والذكاة في الودجين والحلقوم"، ثم قال: "ولم يذكر مالك المريء، وهو الحلقوم الذي يدخل فيه الطعام والشراب"، معناه: لم يذكره في شروط الذكاة.
стр. 1223
والثاني: أنه من شروطها، وهو قول مالك أيضًا في كتاب [أبي تمام] (١) البغدادي"، على ما نقله اللخمي.
وأما الحلقوم: فهل هو من شروط الذكاة أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن قطع الحلقوم من شروط الذكاة، وهو نص المذهب.
والثاني: أنه ليس من شروط الذكاة، وهو قول جماعة من أصحاب مالك، وقد استقرأه اللخمي من "المدونة" من "كتاب الصيد"، من قوله: "إذا أدرك الصيد، وقد أنقذت [الجوارح] (٢) مقاتله، يستحب له أن يفري أوداجه"، فإن فرا الكلب أو الباز أوداجه:
قال مالك: "هذا قد فرغ من ذكاته كلها، ولم يراع الحلقوم"، ولو كان ذلك [من شروطه] (٣) لقال: "يجهز على الحلقوم"، لأنه يصح أن يعض الكلب بأنيابه الجانبين، فيصيب الودجين دون الحلقوم.
ويشهد لصحة هذا الاستقراء، ما وقع لمالك في "المبسوط": في رجل ذبح ذبيحة، فقطع أوداجها ثم وقعت، في ماء حيث قال: "لا بأس بأكلها".
واختلف إذا ذبح فقطع الأوداج، ورد [الغلصمة] (٤)، التي هي الجوزة كلها إلى البدن، هل تؤكل أو لا تؤكل؟ على قولين:
أحدهما: أنها تؤكل، وهو قول ابن وهب وأبي مصعب وموسى بن
стр. 1224
معاوية، وأبي زيد بن أبي العمر.
والثاني: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن القاسم وأصبغ، [قال أصبغ] (١): لأن الحلقوم لم يقطع منه شيء، والذي قاله صحيح، لأن القطع إنما وقع في حد اللسان، وأما أشهب وابن عبد الحكم وسحنون: فقد اضطربت أقوالهم [وما اطردت] (٢) [فمرة قالوا: أنها لا تؤكل مثل ما قال ابن القاسم] (٣).
ومرة قالوا: تؤكل مثل ما قال ابن وهب.
وقال ابن وضاح: لم يحفظ لمالك فيها شيء، ولم يتكلم فيها إلا في أيام ابن عبد الحكم ونزلت [به] (٤).
ولو ذبح الجزار لرجل شاة، فأجاز الغلصمة إلى البدن: يضمن على قول ابن القاسم، ولا يضمن على قول ابن وهب وغيره.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قطع الحلقوم، هل هو من شروط الذكاة أم لا؟
فلو قطع الأوداج وأكثر الحلقوم، هل تؤكل أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تؤكل إذا قطع من الحلقوم النصف فأكثر، وهو قول ابن حبيب وغيره على ما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر".
والثاني: أنه إذا قطع منه الثلث فأكثر، أكلت، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، على ما رواه عنه يحيى بن يحيى في الدجاجة والحمامة
стр. 1225
والعصفور: إذا قطع أوداجه ونصف حلقومه أو ثلثه، قال: "لا بأس بذلك إذا لم يتعمد".
والقول الثالث: أنها لا تؤكل حتى يقطع [جميع] (١) الأوداج والحلقوم، وهو قول سحنون، فيما حكاه عنه الشيخ أبو محمد في الكتاب "المذكور" أيضًا.
وأما الفور، هل هو من شروط الذكاة أم لا؟
أما مع الذكر، فلا خلاف أنه لا يجوز له أن يبعض ذكاته مع اختيار.
واختلف إذا رفع يده، ثم أعادها بتردد ذلك، فأوجز ما بقى، هل تؤكل أم لا تؤكل؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنها تؤكل جملة، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنها لا تؤكل [جملة] (٢) [إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ولو] (٣) أعادها من ساعتئذ، وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن يرفع يده على معنى الاختبار أو على غلبة الظن:
فإن رفعها على معنى الاختبار أو ليرجع، أكلت.
وإن كان على غير ذلك، لم تؤكل، وهذا القول تأوله بعض [الأشياخ] (٤) على سحنون.
والرابع: بعكس قول سحنون، أنه إذا رفع يده على معنى الاختبار لم
стр. 1226
تؤكل، لأنه رفع مع الشك، فكأنه قصد إلى تبعيض الذكاة عامدًا.
وإن رفع وهو نوى أنه أتم ذكاته، ثم تبين له غير ذلك، فعاودها، أكلت، وهو أعذر من الذي رفع يده على الشك، وهذا تأويل بعض المتأخرين أيضًا.
وسبب الخلاف: هل الفور من شروط الذكاة اضطرارًا واختيارًا أو ذلك مع الاختيار دون الاضطرار؟
أو ما قارب الشيء، هل يعطى له حكمه أم لا يعطى له حكمه؟
وأما إذا اضطربت الذبيحة وترنمت بيد الذابح وزال السكين من موضع الذكاة، ثم ردها من ساعته أكلت، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه من وجهين:
أحدهما: قرب الشيء وتفاهة ذلك.
والثاني: كونه مغلوبًا، ولو غلبته الذبيحة قبل تمام الذكاة، فقامت ثم أضجعها، وأتم الذكاة، فهاهنا ينظر:
فإن كان الذي فعل بها قبل القيام مما لا تعيش معه [كأن يكون] (١) قطع أوداجها أو أحدهما، فهل تؤكل أو لا تؤكل إذا عاود الذبح؟
فهذا يتخرج على الخلاف الذي قدمنا فيما إذا رفع يده اختبارًا أو غلبة ظن.
وأما سنن الذكاة:
فمنها التسمية واستقبال القبلة:
أما التسمية، فقوله "بسم الله، والله أكبر"، ولا يذكر هنا غير الله
стр. 1227
تعالى، وليس بموضع الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨، ١١٩]، وقال النبي ﷺ : "ما أرسلت عليه كلبك أو بازك، وذكرت اسم الله عليه، فكله".
فإن تركها ناسيًا، فإنها تؤكل باتفاق المذهب.
وإن تركها عامدًا، فقولان:
أحدهما: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها تؤكل [إلا أن يتركها استخفافًا فلا تؤكل] (١) وهو قول أشهب، فابن القاسم جعله بنفس التعمد مستخفًا.
وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كالتارك للفرض أم لا؟
فإن قلنا: إنه كالتارك للفرض، فلا تؤكل بنفس التعمد للترك، لأنه على التهاون والاستخفاف، [يحمل] (٢)، لأن ترك التعليم دليل على الاستهزاء بأوامر الشريعة، ثم لا يعذر بالجهل، لأنه مما يعم.
وقد قدمنا فيما سلف أن العبادات التي تعم ولا تخص [يجب] على كل مكلف معرفة أحكامها، وينبغي أن تكون الذكاة من هذا القبيل، لأن الشارع صلوات الله عليه ندب [كل] (٣) مكلف مطيق [للذبح] (٤) إلى ذبح أضحيته، وأمره أن يتولى ذلك بنفسه، ولا يوكل عليها غيره إلا عن عجز، ومن كان هذا حكمه فيندب أيضًا إلى معرفة أحكام الذكاة.
стр. 1228
وهذا كله يدل على أنه لا يعذر بجهل أو يقال التهاون بالفرض ليس كالتهاون بالسنة فيعذر بجهل، وإلى ذلك مال أشهب.
وأما توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإنه من السنن أيضًا.
فإن ترك التوجيه بها إلى القبلة:
فإن كان ساهيًا: أكلت اتفاقًا.
وإن كان عامدًا: لم تؤكل.
فقيل: على معنى الاستحباب، وهو قول ابن المواز.
وقيل: على معنى الوجوب، وهو قول ابن حبيب.
وأما [فضائلها] (١):
فمنها جبذ الشاة بالرفق عند الذبح، وأن لا يُريها السكين، وألا يذبحها وأخرى تنظر إليها، وأن يضجعها على شقها الأيسر، لأنه أمكن للذبح، فإن أضجعها على شقها الأيمن عامدًا، أكلت، وكره له ما فعل إلا أن يكون أعسر فيجوز ذلك له، لأن ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا.
والجواب عن السؤال الرابع: في معرفة [ما يذبح وما ينحر وذلك على ثلاثة أوجه منها] (٢) ما يذبح ولا ينحر، وهو الغنم وسائر الطيور المقدور عليها والنعام.
ومنها: ما ينحر ولا يذبح، وهي الإبل.
ومنها: ما يشرع فيه الأمران، وهي البقر.
أما الذبح، فبالقرآن.
стр. 1229
وأما النحر، فبالسنة.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وأما السنة: فحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "نحر رسول الله ﷺ [عن أزواجه] (١) البقرة"، وثبت عنه ﷺ "أنه نحر في حجة الوداع بضعًا وستين إبلًا"، وأمر عليًا ﵁: "أن ينجر ما غبر"، يعني: ما بقى، والجملة كانت مائة، [والغابر من الأضداد: يطلق على ما بقى وعلى ما مضى] (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، والذبح: ما يذبح، وقد كان كبشًا، فثبت [بذلك] (٣) أن الذبح سنة [في] (٤) الغنم والطيور.
والنحر سنة [في] (٥) الإبل. والبقر يستعمل فيها الأمران.
واختلف إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤكل، ولبئس ما صنع، وهو قول أشهب في "مدونته".
والثاني: أنه لا يؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين ما ينحر فيؤكل بالذبح، وما يذبح فلا يؤكل بالنحر، وهو قول ابن بكير، وهذا كله مع الاختيار.
وأما مع الاضطرار، كبقرة أو شاة وقعت في بئر أو بعير، فلم يستطع أن ينحر [البعير] (٦)، ولا أن يذبح الشاة أو البقرة، فهل يجوز أن ينحر [في] (٧)
стр. 1230
غير محل النحر أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تؤكل بغير الذبح والنحر في محله وذلك ما بين اللبة والمذبح كما قال مالك في المدونة: فإن ما بين اللبة والمذبح منحر ومذبح وإن نحر فجائز وإن ذبح فجائز [ولا يجوز] (١) فيما سوى ذلك [الموضع من جنب أو كتف لأن ذلك عقر والعقر لا يكون إلا في الصيد] (٢).
والقول [الثاني]: (٣) أنه يجوز ذلك في جميع الجسد حيث ما يمكن منه لأنها ذكاة [ضرورة] (٤) وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف:
هذه الضرورة هل تنقل الحكم [من محله] (٥) [فيباح في جميع الجسد] (٦) أو لا تنقله فيبقى كل واحد من النوعين علي أصله.
وأما ابن حبيب فقد جعل الضرورة تنقل [الحكم] (٧) عن محله فيجوز أن ينتقل إلى سائر الجسد ولا تخصيص لموضع دون موضع إلا بدليل وهو قول قياسي.
وأما ابن القاسم فلم [يجر] (٨) قوله على الأصل لأنه اتفق هو وابن حبيب أن الضرورة تنقل الحكم عن محله الذي هو الذبح والنحر وخصص به موضعًا بعينه من غير دليل ثبت عنده وذلك [مخصص] (٩) الدعوى إليهم