المسألة الخامسة عشرة في ملك أحد الزوجين صاحبه
وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه، فالنكاح مفسوخ بينهما بالاتفاق، للإجماع على أنه لا يجوز للسيد أن يتزوج أمته.
فإن فعل، فلا يجوز النكاح، ويكون له أن يطأها بملك اليمين.
ويفسخ [النكاح] (١) إن هي اشترت زوجها للإجماع أيضًا على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، [لما] (٢) في ذلك من تعارض الحقوق، ولا فرق في ذلك بين أن يملك أحدهما جميع صاحبه أو بعضه.
واختلف في المكاتب إذا اشترته زوجته أو اشتراها الزوج وهي مكاتبة، فهل يفسخ النكاح بينهما من الآن أو لا يفسخ إلا بعد العجز؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ لأن ذلك ملك الرقبة.
والثاني: أنه لا يفسخ إلا بعد العجز؛ لأن الشراء الآن إنما وقع على الكتابة.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
فإذا قلنا باعتبار المآل يفسخ النكاح بينهما من الآن، فهل يكون الفسخ بطلاق أو بغير طلاق؟ فلا يخلو ملك أحدهما لصاحبه من أن يكون بإيثار واختيار أو يكون باضطرار:
стр. 1507
فإن كان باختيار [وإيثار] (١) كالشراء والهبة، وما كان في معناهما مما يرجع قبوله إلى خيرة المشترى، هل يكون فسخًا بطلاق أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق , وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهي رواية ابن وهب عن الليث.
فوجه القول بأنه يفسخ بطلاق: أنه لما كان الملك باختيار المالك منهما، فكأنه أراد الطلاق واختاره، وهذا يتجه إذا كان الزوج هو المالك.
وأما إن كان هو المملوك فلا؛ لأن الطلاق بيد الزوج لا بيدها، وإن اختارت الملك.
ووجه قول من قال أنه فسخ بغير طلاق: أن الملك الطارئ على النكاح بوهن قواعده ويهدم أمره، فبنفس عقد الشراء انفسخ النكاح, لاستحالة اجتماعهما.
وعلى هذا الخلاف يتركب الخلاف في نصف الصداق:
فمن رأى أنه فسخ بطلاق قال: لها نصف الصداق.
ومن رأى أنه فسخ بغير طلاق قال: لا شيء لها من الصداق.
فإن كان ذلك على معنى الاضطرار مثل: أن يرث أحدهما صاحبه، فهذا لا خلاف فيه أنه فسخ بغير طلاق.
فرع: في عبد زوجه سيده، وضمن عنه الصداق، ثم دفع السيد العبد إلى زوجته فيما ضمن من صداقها برضاها قبل أن يدخل بها , فلا يخلو
стр. 1508
[السيد] (١) من أحد وجهين:
إما أن [يغترى] (٢) بذلك فسخ النكاح أم لا:
فإن [اغترى] (٣) السيد بذلك فسخ النكاح، ليفرغ بذلك عبده، فالنكاح ثابت بينهما، لقيام التهمة بينهما.
فإن لم يغير السيد بذلك فسخ النكاح بينهما، فالنكاح بينهما مفسوخ.
واختلف في العبد، هل يرجع إلى السيد أو يكون الخيار للزوجة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن العبد يرجع إلى السيد، ولا خيار للزوجة في ذلك، ولا شيء لها من الصداق؛ لأنه فسخ بغير طلاق، وهو [قول] (٤) ابن القاسم [في المدونة] (٥).
والقول الثاني: أن الخيار في ذلك للزوجة إن أحبت أن تدفع الصداق للسيد ويكون لها العبد كان ذلك لها، ويعد ذلك منها شراء للعبد.
وإن كرهت، رجع العبد إلى السيد ويفسخ النكاح، وذلك أنه بنفس قبولها للعبد انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح بينهما رجع العبد إلى مولاه؛ لأن الفراق من سببها لقبولها العبد ورضاها به [والحمد لله وحده والصلاة على محمَّد النبي الكريم] (٦).
стр. 1509
المسألة السادسة عشرة في نفقة الزوجات
والأصل في وجوب نفقة [الزوجات] (١) وثبوتها على الجملة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
وأما السنة: فقوله ﷺ [: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)] (٤)، ومنها ما خرجه البخاري ومسلم من حديث هند حين جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني أنا وولدي من النفقة ما يكفيني، فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٥).
وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الزوجة [إذا] (٦) [مكنت] (٧) نفسها من زوجها [و] (٨) ارتفعت الموانع من جهتها، وجبت
стр. 1510
لها النفقة على زوجها، [إن] (١) كان مثله يطأ.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الزوج من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حرًا، فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة:
فإن كانت حرة، فلا يخلو الزوج من أن يكون بالغًا أو غير بالغ:
فإن كان غير بالغ إلا أنه قادر على الوطء، هل تجب عليه النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تجب عليه النفقة ولا الصداق حتى يحتلم، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أنه] (٢) إذا بلغ [حد] (٣) الوطء وقوى عليه، فالنفقة والصداق عليه، وإن لم يحتلم، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسبب الخلاف: ما قارب الشيء، هل يعطى [له] (٤) حكمه أم لا؟
فإن كان الزوج بالغًا [واحتلم] (٥)، فلا تخلو الزوجة من أن تكون متمكنة للاستمتاع أو غير متمكنة.
فإن كانت متكنة للاستمتاع، فإن النفقة تجب على الزوج بالادعاء والتمكين أو بالتمكين على الانفراد، على اضطراب من قول مالك
стр. 1511
في "الكتاب".
ففي "كتاب الزكاة الثاني" ما ظاهره: أنها تجب عليه بالتمكين خاصة، وهو قول سحنون في غير "المدونة".
وظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني": أنها لا تجب إلا بالأمرين.
فإن كانت الزوجة غير متمكنة [من] (١) الاستمتاع، فلا يخلو من أن يكون ذلك بسببها أو بغير سببها.
فإن كان ذلك بسببها [كالنشوز] (٢)، فهل لها النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا نفقة لها، وهو المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وهو المذهب المنصور عند النظار من أصحابنا العراقيين، وهذا القول قائم من "المدونة" من كتاب "العدة وطلاق السنة" في المطلقة التي غلبت زوجها وسكنت في موضع غير بيتها الذي طلقها فيه أنها لا كرى لها على الزوج.
فقال بعض المتأخرين: هذا من أدل الدلائل على أن الناشزة لا نفقة لها، وخالفه غيره من المتأخرين في [هذا] (٣) الاستقراء.
والقول الثاني: أن الناشزة لها النفقة، وهو قوله في "كتاب ابن الموَّاز"، ونصه: وإذا غلبت امرأة زوجها، وخرجت من منزله، وأبت أن ترجع إليه، وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، فقال مالك: فلها اتباعه بذلك.
وفي "كتاب ابن سحنون":
стр. 1512
سأل ابن حبيب سحنون: عن المرأة تهرب من زوجها إلى تونس وتنشز عن زوجها الأيام، ثم طلبت النفقة فقال: إن نشزت عنه؛ لأنها تدعي أنه طلقها، فلا نفقة لها، وإن قالت: إنها فعلت ذلك بغضة فيه، فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده.
وسبب الخلاف: النفقة هل هي بإزاء العوض أو ليست؟
فمن رأى أنها بإزاء عوض قال: لا نفقة [للناشزة لأنها غصبت المنافع التي عنها يعوض الزوج ولهذا يكون للحائض والمريضة] (١) لأن المنع ليس من سببها.
وأما من رأى أنها ليست لأجل العوض قال: لها النفقة.
وإن كان المانع من غير سببها، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون له غاية ينتهي إليها.
أو لا غاية له.
فإن كان لهذا المانع غاية ينتهي إليها كالصغر، فإنه يزول بالبلوغ فلا نفقة لها حتى تبلغ حدًا يتأتى الزوج الاستمتاع بها.
فإن لم يكن له غاية معلومة، ولا حد معلوم في مستقر العادة، فلا يخلو من أن يكون لها قدرة على زواله ورفعه كالرتق أو لا قدرة لها على رفعه كالمرض.
فإن كان مما لها قدرة على رفعه كالرتق وغيره من موانع الوطيء، فهي مخيرة بين أن تداوي نفسها حتى يتمكن الزوج [من] (٢) الوصول إلى
стр. 1513
الاستمتاع فيلزم ذلك الزوج.
أو تأبى وتمنع من المعالجة، فليخير الزوج بين أن يدفع الصداق ويعقد معها على [ذلك] (١) أو يطلق ولا شيء لها من الصداق.
فإن كان المانع مما لا قدرة لها على رفعه وزواله كالمرض، فلا يخلو ذلك المرض من أن يكون يقدر الزوج على الجماع معه أم لا.
فإن كان مما يقدر معه على الجماع فلها النفقة على الزوج.
وإن كان مما لا يقدر الزوج معه على الجماع ودعا إلى البناء، فلا يخلو من أن تبلغ حد السياق أو لا تبلغ.
فإن بلغت حد السياق: فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا تلزمه [النفقة] (٢)؛ لأن التمكين غير موجود.
وإن لم تبلغ حد السياق، فهل تجب [عليه] (٣) النفقة عليه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا نفقة عليه، وهو قوله في "المدونة"، وهو قول سحنون في "السليمانية".
والثاني: أن النفقة تلزمه ما لم تقع في السياق، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المانع المعتبر، هل هو المانع من الاستمتاع [التام أو المانع من الاستمتاع] (٤) على الجملة؟
стр. 1514
فمن اعتبر الاستمتاع التام قال: لا نفقة لها؛ لأن المرض معلوم أنه لا يستمتع معه كل الاستمتاع.
ومن اعتبر الاستمتاع على الجملة قال: لها النفقة؛ لأن الاستمتاع متأت له على الجملة.
وإذا تمكن له الدخول ولم يفعل، هل تجب [عليه] (١) النفقة بنفس التمكين أو لا تجب إلا بعد الحكم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تجب بنفس التمكين من غير حكم حاكم، وهو قول مالك، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا تجب لها النفقة إلا بعد الحكم والفرض من الحاكم، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
وأما إذا كانت زوجته أمة والزوج حرا أو عبدًا، هل لها النفقة على الزوج أم لا؟ فلا يخلو من [وجهين] (٢):
أحدهما: أن يشترط السيد على الزوج النفقة أو اشترط الزوج على السيد أن تكون عنده.
والثاني: ألا يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا.
فإن اشترط أحدهما على الآخر شرطا، مثل: أن يشترط السيد النفقة [على الزوج] (٣) أو اشترط الزوج التبوء معها على السيد، فالنفقة على الزوج في هذا الوجه اتفاقا [ووفاقا] (٤).
стр. 1515
وإن لم يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا، هل تكون النفقة على الزوج أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن لها النفقة [على الزوج] (١) لأنها من الزوجات، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها وإن كانت تأتي زوجها، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثالث: التفصيل بين أن يأتيها أو تأتيه هي:
فإن كان يأتيها فلا نفقة لها.
وإن كانت هي التي تأتيه فلها النفقة , وهو قول مالك أيضًا.
والقول الرابع: أن لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده، وهو قول ابن الماجشون.
والخامس: أن نفقتها وكسوتها على سيدها وعليه أن يرسلها في كل أربع ليال ليلة، وعلى الزوج نفقة تلك الليلة [ويومها] (٢) وإن ردها في صحبها ولا كسوة لها في تلك الليلة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: معارضة العموم للقياس، وذلك أن العموم يقتضي أن لها النفقة؛ لأنها داخلة في عموم الآية، والقياس يقتضي ألا نفقة لها إلا على سيدها الذي يستخدمها، وتكون النفقة بين السيد والزوج على قدر انتفاعها؛ لأن كل واحد منهما ينتفع ضربا من الانتفاع.
وإلى هذا أشار من قال: عليه نفقة اليوم الذي تأتيه.
стр. 1516
فإن كان الزوج عبدًا والزوجة حرة، هل تجب لها على الزوج النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه النفقة وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها [عليه] (١) وهو قول أبي مصعب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب محمَّد": وأحب إليَّ إذا نكح أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده، وقد حكى في ذلك ابن المنذر ومحمد بن الموَّاز إجماعا: أنها لا نفقة لها.
والخلاف موجود في المذهب كما ترى، فكيف عنك في [المذاهب] (٢).
وسبب الخلاف: الإذن في النكاح، هل هو إذن في توابعه أم لا؟
فمن رأى أن الإذن في النكاح إذن في النفقة قال: لها النفقة.
ومن رأى أن الإذن في النكاح لا يكون إذنًا في النفقة، قال: لا نفقة لها؛ لأن العبد محجورٌ عليه، والمحجور عليه الإذن في حقه مقصور على عين ما أذن له فيه، خاصة والزائد عليه بقى على أصل التحجير، والله أعلم.
فإذا طلبت الزوجة [النفقة] (٣) وقام لها دليل على صحة الطلب، فلا يخلو الزوج من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا، فلا يخلوا من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فطلبت الزوجة الفريضة، فإن السلطان يفرض لها ما
стр. 1517
تستحقه من النفقة والكسوة والغطاء والوطاء وما تميط به الأذى وتزيل الشعث وتطيب النكهة، وذلك على قدر ماله وحاله، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وليس في ذلك قدر معلوم ولا شرع محتوم، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الحاكم.
والكلام في هذا الفصل في موضعين:
أحدهما: في مقدار ما يفرض لها.
والثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيها.
فأما الموضع الأول: وهو معرفة مقدار ما يفرض لها، فقد اختلف المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه يفرض لها مد هشام للغداء والعشاء، وهو مدان إلا ثلث بمد النبي ﷺ على مذهب "المدونة"، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" من قمح أو شعير أو ذرة أو تمر مما هو عيش أهل ذلك البلد أو جلّهُ.
والثاني: [أنه] (١) يفرض [لها] (٢) في الشهر [وَيْبَتَيْنِ] (٣) ونصف مكفأ، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموَّاز".
قال ابن حبيب في الويبة: اثنا وعشرون مدا بمد النبي ﷺ ، وما قاله ابن القاسم قريب من قول مالك ﵁ إلا أن يعجز عن ذلك، فينظر الإِمام في ذلك بما هو الصلاح لهما , وليضم لها إلى ذلك دراهم لطحين [وخبيز] (٤)
стр. 1518
[وحطب] (١) وماء وزيت، والطبخة بعد الطبخة من اللحم، وإن وجد سعة زيد عليه بقدر سعته وبقدر ما هي وفي "كتاب ابن حبيب": ومن اللحم على الملي بدرهم في الجمعة ودرهمين أو ثلاثة في صرفها في ماء وغسل ثوب وطحين وخبيز وغيره، ولا يفرض لها فاكهة ولا عسل ولا الجبن ولا يتقلل من هذا لفقره، ولا يزاد عليه لغنائه، وهذا في تشاححهما انتهى قوله.
ومن "كتاب محمَّد": ولا يفرض العسل ولا السمن ولا الجالوم ولكن الخل والزيت وما لا غنى عنه على قدر الرجل والمرأة، وبمشط رأسها ودهنه، وهذا للموسر والمعسر، إلا أن الموسر يزاد [عليه] (٢) بقدرها من قدره.
فإن كانت ترضع فرض لها ما يقوم بها في رضاعها.
واختلف فيما يجب لها عليه من قمح وغيره، هل يجوز فيه في دفع القيمة أو لا يجوز؟ على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، حيث جوز [المقاصة] (٣) للزوجين: إذا كان لها عليه دين وكانت موسرة، فأراد أن يقاصها بالذي لها عليه من النفقة فيما له عليها من دين، وهو قول أبي محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الواجب لها عليه طعام وثمن توابعه، وهذا هو المشهور.
стр. 1519
وقد اختلف في المقاصة، هل يجبر عليها من أباها [أم لا] (١)؟
[على قولين:
أحدهما: أنه يجبر عليها من أباها وهو قول مالك في "كتاب المكاتب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها] (٢) وهو قوله في "كتاب الصرف" في الذي صارف من عند الصراف عشرين درهما بدينار، فأراد الصراف أن يقاصصه في دينار الصرف بدينار كان له عليه على اختلاف [بين] المتأخرين في تأويل ما وقع [في كتاب الصرف] على ما سنبينه هناك إن شاء الله.
وأما ما وقع في "كتاب النكاح الثاني" فقد اضطرب فيه قوله، وفصل فيه بين أن تكون الزوجة موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة قال: تجوز المقاصة.
وإن كانت معسرة قال: لا تجوز المقاصة إلا برضاها، وهذا كما تراه، فإن جاز أن يجبر على المقاصة من أباها كيف يعتبر رضاها مع العسر؟
وأما الموضع الثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيه، وذلك يختلف باختلاف حالات الزوج في عُسره ويُسره.
فإن كان الزوج موسرًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز أن يفرض لها سنة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يفرض لها سنة؛ لأن الأسواق تحول، وهو قول سحنون.
стр. 1520
والذي قاله سحنون ﵁ أقرب، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف حالات الزوج.
فإن كان الزوج موسرًا وسع في المدة إذا لم يؤد إلى ضرورة؛ لأن الشأن الفرض بين الزوجين عند المقابحة وقلة الإنصاف ولدد الزوج وفي تقليل المدة عليها ضرر في تكرير الطلب عند لدده وقصده لإتعابها.
فإن كان الزوج موسرًا، فالثلاثة الأشهر والأربعة.
وإن كان متوسطًا، فالشهر والشهران.
وإن كان ذا صنعة، فالشهر.
فإن لم يقدر فعلى ما يرى أنه يستطيع أن يغرمه.
وهذا الذي ذكرناه رأيته لبعض المتأخرين.
وأما الكسوة، فإنها يفرض لها الغطاء والوطاء والكسوة، فيفرض لها مرتين في الصيف والشتاء، فيفرض لها في اللباس: القميص والوقاية والقناع، وهي في الجودة والدناءة [والزيادة] (١) على قدرهما وإيسار الزوج.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": ولا يفرض لها الخز ولا حرير، وإن كان متسعا.
وقال القاضي أبو الحسن بن القصار: إنما قال مالك لا يفرض لها الخز والحرير والعسل؛ لأن مدينة رسول الله ﷺ فيها القناعة، فأما سائر
стр. 1521
الأمصار فعلى حسب [أحوالهم] (١) في النفقة.
واختلف في ثياب [خروجها] (٢) كالثياب التي جرت العادة أن تخرج بها كالملحفة والعمامة وغيرها، على قولين:
أحدهما: لا شيء لها وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفرض على الغني [ثياب] (٣) [مخرجها] (٤)، وهو قول مالك في "المبسوط".
ويزاد لها في كسوة الشتاء ما تقى به البرد، مثل: القبطية وغيرها.
وأما الغطاء والوطاء، ففراش [ووساد] (٥) ولحاف.
قال ابن القاسم: والسرير في الوقت الذي يحتاج إليه [لخوف] (٦) العقارب وشبهها.
قال ابن حبيب: أو براغيث أو فأر، وإلا فلا.
قال محمَّد: وما تزيل به الشعث كالمشط والمكحلة والنضوح ودهن وحناء رأسها.
وقال ابن وهب في "العتبية": الطيب والزعفران وخضاب اليدين والرجلين ليس ذلك على الأزواج.
وقال محمَّد في الصبغ: وينفق الزوج على خادم واحد من خدمها
стр. 1522
لا أكثر.
واختلف إذا كانت ممن لا يصلحها إلا أكثر من واحد على قولين:
أحدهما: أنه ينفق على أكثر من واحد، ويزكي عنهما زكاة الفطر، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه لا ينفق على أكثر من واحد، وهو ظاهر "المدونة".
وهل عليها من [خدمة بيتها] (١) شيء أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون الزوجة من ذوات الشرف واليسار أو دون ذلك:
فإن كانت من ذوات الشرف، فالخدمة الظاهرة والباطنة على الزوج، وليس عليها [شيء] (٢) من الخدمة قليل ولا كثير، إلا الأمر والنهي في الخدمة الباطنة خاصة، من غير التفات إلى الزوج كان من ذوي الشرف أم لا، وإذا كان الزوج موسرًا.
وإن لم تكن الزوجة من ذوات الشرف، فلا تخلو من أن يكون في صداقها ما تشتري به خادمًا [يخدمها فتشتري من يخدمها وإن لم يكن في صداقها ما تشتري به خادما] (٣): فعليها الخدمة الباطنة كالعجين والطبيخ والكنس والفرش والرش واستقاء الماء، يريد: إذا كان داخلًا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون وأصبغ قال: وكذلك إن كان الزوج مليًا، إلا أنه كان في الحال مثلها أو أيسر منها ولم يكن من أشراف الرجال الذين لا يمتهنون نساءهم في الخدمة.
стр. 1523
واختلف إذا كان الزوج معسرًا والمرأة من ذوات الشرف ولم يكن في صداقها ما تشتري به الخادم، هل عليها من [خدمة بيتها] (١) شيء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا شيء عليها من خدمة بيتها، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن عليها الخدمة الباطنة كما هي على الدنية، وهو قول عبد الملك وأصبغ.
فإن قبضت الزوجة نفقتها ونفقة ولدها، فلا تخلوا من أن تدعى ضياع ذلك قبل المدة أو ادعت فراغه.
فإن ادعت ضياع ذلك قبل المدة، فلا تخلوا من أن يقوم لها بينة أم لا.
فإن لم تقم لها على ذلك بينة، فلا يقبل لها قول لا في نفقة نفسها ولا في نفقة ولدها.
فإن قامت [لها] (٢) بينة على ذلك: أما نفقة الولد فلا ضمان عليها فيها؛ لأنها [عندها] (٣) في معنى الرهن [والعارية] (٤) لا في معنى الوديعة، إذ ليس قبضها بمحض الأمانة.
وأما نفقة نفسها إذا قامت لها بينة على تلفها، هل تضمن أم لا تضمن؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ضامنة لها، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"،
стр. 1524
وهو نص في "كتاب محمَّد بن الموَّاز".
[والثاني: أنها لا ضمان عليها] (١)، وهو ظاهر قول مالك [في المدونة] (٢) في "كتاب النكاح الثاني" في الصداق إذا قبضته ثم طلقها قبل البناء وادَّعت ضياعه، وكان الصداق مما يغاب [عنه] (٣)، حيث [قال:] (٤) لا ضمان عليها؛ لأن الذي هلك من النفقة قبل تمام المدة التي فرضت لها لم تستحقه بعد، فكان الواجب أن يكون الضمان من الزوج كما لو ماتت.
وقد قال في "كتاب القذف" من "المدونة": أن الزوج يسترد النفقة والكسوة على تفصيل ابن القاسم هناك في قرب المدة وبعدها.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما قبضته المرأة من ذلك، هل قبضته على معنى الملك أو قبضته نفقة لحقها.
فإن ادعت فراغ الذي فرض لها ونفاده قبل تمام المدة، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة أو مجرد دعواها.
فإن كان ذلك بمجرد دعواها: فلا يقبل قولها , ولا لها على زوجها شيء حتى تنقضي المدة.
إن ثبت ما تدعيه بما ثبت به أمثاله، فهل لها الرجوع بنفقة المدة على الزوج أم لا؟ فإنه يتخرج في المذهب قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها لا ترجع عليه بنفقة باقي المدة؛ لأنه قد تبين خطأ الحاكم
стр. 1525
في التقدير؛ لأن الثياب قد بليت والنفقة قد [فرغت] (١) قبل حلول الوقت الذي قدر لها.
الثاني: أنها لا ترجع عليه بشيء حتى تنقضي تلك المدة، لأن ذلك حكم قد مضى، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "الزكاة الثاني" من "المدونة" في الخارص إذا أخطأ في التقدير.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فمن رأى أنه يعذر باجتهاده، قال: لا شيء لها على زوجها.
ومن رأى أنه لا يعذر باجتهاده، قال: لها الرجوع على زوجها بما بقي من المدة.
وأما إذا كان الزوج معسرًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الزوجة عالمة بحاله، ودخلت على ذلك.
والثاني: أن تكون جاهلة بحاله، أو طرأ العسر عليه بعد اليسر.
فإن كانت الزوجة عالمة بحاله ودخلت على فقره، فلا يخلو من أن يكون من أهل الصفة أو كان فقيرًا ممن يسأل ويبذل وجهة في السؤال.
فإن كان من أهل الصفة وممن لا يسأل أحدًا، وإنما قعد على بساط الفتوح فلا مقال لزوجته، ولا حجة إذا طلبت النفقة أو الفراق لعدمه؛ لأنها عرفت ما عليه دخلت.
وإن [كان] (٢) من عادته السؤال [فإن تمادى على صنعته وحرفته في
стр. 1526
السؤال] (١) فلا حجة لها [أيضًا] (٢) أعطى أو خاب؛ لأنها على ذلك دخلت.
وإن ترك السؤال الذي هو حرفته كان [لها] (٣) القيام بالفراق.
وعلى هذا التنزيل يتنزل ما في "كتاب محمَّد" وما في "المبسوط" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة غير عالمة بحاله أو كان غنيًا وقت العقد ثم طرأ عليه العسر بعد ذلك: فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه أن لها القيام على الزوج في طلب الرزق، إما أن ينفق أو يطلق، فهل يطلق عليه الحاكم بنفس الرفع أو لابد له من التلوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد من التلوم، وهو المشهور.
والثاني: أنه يحكم عليه بالطلاق بنفس الرفع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "ابن الموَّاز"، حيث قال: قال مالك: إذا لم يجد النفقة يطلق عليه.
ووجه القول الأول: أنه لابد من التلوم؛ لأنه مما يفتقر إلى الاجتهاد مخافة أن يخبئ ماله، فيجب على الحاكم البحث عنه وعن حاله.
ووجه القول الثاني: أن التلوم والبحث ضرر على المرأة؛ لأنها ما استعدت وما فضحت نقسها بالرفع إلى الإِمام إلا بعد [ما] (٤) بلغها الجهد بزيادة التلوم بعد الرفع عليها.
стр. 1527
وعلى القول: بأنه لابد من التلوم، فما مقدار مدتها؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يتلوم له شهر ونحوه مما يضر به الجوع، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه يتلوم له الأجل الأيام، وهو قول مالك في كتاب "محمَّد".
والثالث: أنه يتلوم له الشهر ونحوه، وهو قول أصحاب مالك على ما حكاه ابن الموَّاز.
والرابع: أنه يتلوم له الشهر والشهران.
والخامس: أنه إن لم يطمع له بمال فإنه يتلوم له [الشهر] (١) إذا لم تجد هي ما تنفق، وهو قول أصبغ.
وفي المسأله قول سادس: أنه يؤخر الشهر إذا كانت فقيرة، والشهرين إذا كانت موسرة، وهو قول قياسي.
فإذا حل أجل التلوم، فإن قدر على النفقة والكسوة، وإلا فُرِّق بينهما.
فإذا ثبت ذلك، فما المقدار الذي إذا قدر على إيصاله إليها لم يقض عليه بفراقها؟
فإن وجد القوام من خبز الشعير والإدام والوسط من الكسوة مما لا يستهجن في حق الشريفة، والزوج لا يقدر على غير ذلك فلا يطلق عليه.
فإن لم يجد إلا غليظ الطعام والخشن من الثياب، وكان ذلك مما يستر عورتها ويسد خلتها.
стр. 1528
فإن كانت من غير ذوات الشرف واليسار فلا مقال لها إذا استمر ذلك بها، وإنما كلامها إذا قطع ذلك عنها.
فإن كانت من ذوات الشرف ولم تجد إلا الخشين من الثياب مما يستهجن لها ولأمثالها لباسه، وتلحقها في لباسه معرة، والغليظ من الطعام الذي [تأنفه] (١) ولا يساغ لها، وإن جاعت هل تطلق عليه مع القدرة علي ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه [لا] (٢) يحكم [عليه] (٣) بالطلاق مع القدرة على ذلك، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثاني: إنما يحكم عليه بالطلاق إذا لم يقدر [إلا على ذلك] (٤)، وهو قول مالك في "الكتاب المذكور" أيضًا.
وعلى القول بأنها تطلق بالعجز عن النفقة: فإنها تطلق عليه طلاقا [رجعيًا] (٥)، ولا خلاف عندنا في المذهب [في ذلك.
واختلف في المذهب] (٦)، هل يكون لها نصف الصداق إذا كان الطلاق قبل البناء؟ على قولين وقد قدمناهما.
فإذا قلنا: [إن طلاقها] (٧) طلاق رجعي، هل تصح للزوج الرجعة كما
стр. 1529
تصح له في غير هذا الوجه أم لا؟
فالذي عليه المذهب عندنا أن رجعته موقوفة على وجود النفقة في العدة.
فإذا قدر على النفقة في العدة صحت له المرجع التي ارتجعها.
فإن لم يقدر حتى انقضت العدة فليست رجعته برجعة.
وكذلك رجعت المولى متوقفة على وجود الوطء في العدة؛ ولذلك قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: الرجعة تهدم العدة إلا في مسألتين.
والذي قاله صحيح لا خلاف فيه في المذهب.
واختلف في القدر الذي إذا قدر عليه تصح له الرجعة، على قولين:
أحدهما: أن لا رجعة إلا إذا وجد النفقة شهرًا، وأما العشرة أيام والخمسة عشر يومًا فليس ذلك له، لأن عليها في ذلك ضرر ثم ترتجع ثم تطلق عليه إلى أيام، وهو قول مالك، رواه عيسى عن ابن القاسم.
والثاني: أنه ينظر إلى من كان فرضه الشهر.
فإذا أيسر لنفقة الشهر صحت له الرجعة.
وإن كان ممن فرضه يوم بيوم أو بالأيام فله الرجعة بوجودها لوجوده أولًا، ثم تطلق عليه وهو قول ابن الماجشون، وبه قال ابن حبيب.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الزوج غائبا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون قيامها بعد الغيبة.
والثاني: أن يكون عند [عقد] (١) سفره.
стр. 1530
فإن كان قيامها بعد الغيبة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يترك لها النفقة.
والثاني: أن يتركها بلا نفقة.
فإن ترك لها النفقة واعترفت بذلك، فلا كلام لها.
وإن تركها بلا نفقة على زعمها، فلا يخلو من أن ترفع أمرها إلى الإِمام في غيبة الزوج أو لم ترفع.
فإن رفعت، فإن السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة [وثبوت المال] (١).
فإن أثبتت الجميع، فإن الإِمام يُحلِّفها أنه ما ترك لها نفقة ولا بعث بها إليها ولا وضعتها عنه ثم يفرض لها , ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه أن الغائب يباع عليه ماله وتكسر عليه عروضه فيما وجب عليه من النفقة.
واختلفوا في الحاضر إذا فرض عليه، هل يباع ماله وتكسر عروضه كما يفعل بالغائب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يباع عليه ماله كما يباع على الغائب، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال: تكسر عليه عروضه، أي: تباع، ولم يفصل بين الحاضر والغائب.
[والثاني: أنه لا يباع عليه ماله، وإنما يخير إذا فرض عليه بين أن ينفق أو يطلق، وهو قول ابن القاسم في "كتاب يحيى بن إسحاق".
стр. 1531
والفرق بين الحاضر والغائب] (١): أن الغائب الضرر فيه متحقق عليها لعدم النفقة، فإذا وجد [للزوج] (٢) مال، فإنه يفرض لها فيه لغيبة عينه، لأنا لا ندري ما يختار [الزوج] (٣) لو حضر، هل يختار الطلاق أو الإمساك؟
- والحاضر أمره بيد نفسه: إما أن يجري النفقة عليها وإلا طلقها، فلا وجه لبيع عروضه عليه، وربك أعلم.
فإذا لم يوجد للغائب مال حاضر، فلا يخلو من [ثلاثة أوجه]:
[أحدها]: أن يعرف ملاؤه.
والثاني: أن يعرف عدمه.
والثالث: أن يجهل حاله.
فإن عرف ملاؤه في غيبته ورفعت أمرها إلى الإِمام، ففرض لها بقدره، فلها اتباعه بذلك إذا قدم.
فإن قدم وادعى أنه خلف لها النفقة، وأنه بعث إليها بالنفقة ووصلت إليها، فالقول قوله مع يمينه، وهو قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن نكل عن اليمين غرم لها ما أنفقت.
فإن مات في غيبته، وقد علم جيرانها أنها تنفق سلفا أو من خالص مالها، فقال مالك: هذه أمور إنما يقضى فيها على نحو ما تنزل، واجتهاد الإِمام في ذلك.
стр. 1532
وهذا كله إذا لم ترفع أمرها إلى الإِمام ولا استعدت.
فأما إذا استعدت وفرض لها القاضي نفقتها على قدره، ثم قدم وادعى أنه ترك لها النفقة أو أنه كان يبعث لها النفقة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل قوله؛ لأن رفعها إلى الإِمام وإظهار الشكوى تقوم مقام البينة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أن القول] (١) قوله مع يمينه أنه خلف أو بعث سرًا استعدت أم لا، وهو قول مالك أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في دليل الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أم لا؟ وذلك أن العادة الجارية في أغلب الأحوال أن المرأة لا ترضى لنفسها بغشيان أندية الحكام، والتعرض للدفاع والخصام إلا لضرورة [حافزة] (٢) وحاجة ناجزة، فإذا ظهر منها الشكوى، وكان منها استعداد: كان ذلك دليلا على صدقها.
وأما إن علم [عدمه] (٣) في سفره، فلا يفرض عليه، ثم هي مخيرة بين أن تصبر [عليه] (٤) بلا نفقة.
وإن طلبته أن يفرق بينهما، هل تمكن من طلبها أو لا تمكن؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحكم عليه، بالطلاق كما يحكم على الحاضر، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه ابن أبي زيد، وبه قال هو وغيره.
стр. 1533
والثاني: أنه لا يحكم عليه بالطلاق أصلًا، وهو مذهب أبي الحسن القابسي، وقال بعض الأندلسيين: لم يوجد للطلاق على الغائب في الكتاب ذكر، ولا جاء فيه أثر [إلا] (١) عن ابن ميسر.
وأما إن جهل حاله في سفره، فهل ينظر إلى حاله التي خرج عليها أو إلى الحالة التي [قدم] (٢) عليها [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه ينظر إلى الحالة التى سافر عليها] (٣).
فإن خرج موسرًا، فعليه البينة أنه [عديم] (٤) في سائر سفره.
فإن خرج معسرًا، فالقول قوله أنه كذلك في سائر سفره.
وإن أشكل أمره يوم خروجه: فعليه البينة أنه معدم في [سائر سفره و] (٥) غيبته، وهو قول ابن الماجشون، وبه قال ابن حبيب.
والثاني: أن النظر يوم قدومه، فإن قدم موسرًا، وقال: ما زلت كذلك في سائر سفري، فالقول قوله، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: هل يستصحب عليه [حكم] الحالة التي خرج عليها أو حكم الحالة التي قدم عليها؟
[تم كتاب النكاح الثاني بحمد الله وعونه ويتلوه كتاب النكاح الثالث] (٦).
стр. 1534
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ
وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ
في
شَرح المدَّونَةِ وَحَلِّ مُشكِلاتهَا
تَأليف
أبي الحسَنَ عَليّ بنْ سَعيد الرجْراجي
تَقديم
فَضيلَة الشيخ الأستاذ الدكتور عَلي عَلي لُقَم
اعتنَى بهِ
أبو الفَضْل الدّميَاطي
أحمَد بن علىّ
الجُزءُ الرَّابع
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
стр. 1535
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حُقُوقُ الطَّبع مَحْفُوَظَةٌ
الطَبْعَة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م
٧ - ٤٣١ - ٨١ - ٩٩٥٣ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف:٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فا كس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتَوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس:٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim @cyberia.net.lb
стр. 1536
كتاب النكاح الثالث
стр. 1537
كتاب النكاح الثالث
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها اثنتا عشرة مسألة:
المسألة الأولى
في الجمع بين امرأتين في عقدة واحدة، ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يسمى لكل واحدة صداقها.
والثاني: ألا يسمى.
فإن سمى لكل واحدة صداقها، فلا يخلو من أن يكون نكاح إحداهما بشرط الأخرى أو لم تشترط شيئًا.
فإن كان نكاح إحداهما بشرط الأخرى، فلا يخلو صداق المثل فيهما من أن يتساويا في حالة الانفراد وفي حالة الجمع أو يختلفان.
فإن تساويا في الحالتين: جاز النكاح، وصداق كل واحدة منهما ما سمى لها, ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن اختلف الصداق، فهل يجوز هذا النكاح أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز وهو قول ابن سعدون على ما حكاه عنه بعض المتأخرين.
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك غرر في الصداق، مثل أن يتزوج إحداهما بمائة على أن يتزوج الأخرى بمائة أو أقل؛ لأنه إن كانت الرغبة منه في نكاح الثانية وقع صداق الأولى أكثر.
стр. 1538
وإن كانت الرغبة من الولي وضع [من] (١) صداق الأولى لنكاح الثانية، وهذا يشبه نكاح الشغار.
وإن لم يسم لكل واحدة صداقها، هل يجوز النكاح أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح لا يجوز ويفسخ، وهو مذهبه في أول "كتاب النكاح الثالث"، لما في ذلك من الغرر في الصداق، وبه علل في "الكتاب" حيث قال: لأنه لا يدري ما صداق هذه من هذه.
والثاني: أن النكاح جائز [وتفرض] (٢) التسمية على [قدر] (٣) مهورهما، وهو قول أصبغ وابن نافع وابن دينار، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب البيوع الفاسدة" من "المدونة" في "باب جمع السلعتين في البيع، فإذا اختلف قول ابن القاسم في البيع، فبأن يجوز ذلك في النكاح أولى؛ لأنه مبني على المكارمة والمسامحة، والبيع مبني على المكاسبة [والمشاححة] (٤).
وسبب الخلاف: اعتبار الحال أو المآل:
فمن اعتبر الحال قال: لا يجوز النكاح لجهل كل واحدة منهما بقدر صداقها.
ومن اعتبر المآل قال: يجوز النكاح.
وعلى القول بأن النكاح لا يجوز، فإن طلق إحداهما أو مات، هل يكون لها شيء من الصداق أم لا؟
стр. 1539
[فالمذهب] (١) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها لا شيء لها من الصداق، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه سُئل عن الزوج إذا طلق أو مات، هل يكون لها من الصداق شيء، قال: لا يجوز حتى يُسمَّي لكل واحدة منهما صداقها.
فظاهر هذا أنها لا شيء لها من الصداق، وبه قال من المتأخرين أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀.
والثاني: أن لها نصف ما يخصها من المسمى إن طلق، وهو قول ابن دينار وابن نافع وأصبغ، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني"، فيمن نكح بدرهمين: أنه إن طلق [قبل البناء] (٢) قبل أن يكمل ربع دينار، كان لها نصف الدرهمين.
وكذلك يجب في هذه المسألة للاختلاف [في المسيس] (٣)، والحمد لله وحده.
стр. 1540
المسألة الثانية في نكاح الأم والبنت
ومن نكح أُما وابنتها، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في عقدتين.
والثاني: أن يكون في عقدة واحدة.
فإن كان ذلك في عقدة واحدة، فلا يخلو من أن يدخل بهما جميعًا أو لم يدخل بواحدة منهما، أو دخل بواحده منهما معلومة أو مجهولة.
فإن دخل بهما جميعًا فارقهما جميعًا، ولا يحل له واحدة منهما أبدًا، ولكل واحدة منهما صداق المسمى.
فإن لم يدخل بواحدة منهما، فارقهما جميعًا أيضًا، ويتزوج من شاء منهما بعد ذلك إن كانت بنتا فلا خلاف.
وإن كانت أُما، فعلى الخلاف؛ لأن ابن القاسم قال في "الكتاب": يتزوج من شاء منهما بعد ذلك، وقال غيره: لا يتزوج الأم للشبهة التي في البنت، وهذا يتخرج على الخلاف في العقد الفاسد المتفق على فساده، هل يفيد شبهة أم لا؟
فإن دخل بواحدة معلومة، فارقهما جميعًا، وللمدخول بها صداقها المسمى، ولا صداق للأخرى لا نصفًا ولا غيره، وله أن يتزوج المدخول بها بعد الاستبراء إن كانت بنتًا بلا خلاف [وإن كانت أُمِّ على الخلاف] (١).
стр. 1541
وإن دخل بواحدة منهما مجهولة، فسخ نكاحهما ولا يتزوج واحدة منهما [أبدًا] (١)، لاحتمال أن تكون المدخول [بها] (٢) هي الأم إن أراد أن يتزوج الابنة، فقد تزوج ربيبته.
أو تكون المدخول بها هي البنت، فيتزوج أم امرأته.
وأما الصداق: فإن أقرت إحداهما للأخرى بأنها هي المدخول بها، كان لها جميع الصداق.
فإن ادعت كل واحدةٍ منهما أنها هي المدخول بها، كان بينهما صداق واحد [يقتسمانه بينهما، على قدر صداق كل واحدة منهما بعد أيمانهما، تحلف كل واحدة منهما أنها هي المدخول بها؛ لأن الزوج لم يجب عليه إلا صداق واحدة] (٣).
واختلف هل يقتسمان بينهما الأقل من الصداقين أو الأكثر؟
على قولين، وهذا إذا كانت الأم فارغة من زوج.
وأما إذا تزوجت [البنت] (٤) مع الأم في عقدة واحدة، وللأم زوج، هل يفسخ نكاح البنت أو لا يفسخ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن نكاحهما مفسوخ جميعًا؛ لأنها [صفقة] (٥) جمعت حلالًا وحرامًا، وهو قول مالك في "المدونة".
стр. 1542
والثاني: أن نكاح البنت جائز ويفسخ نكاح الأم، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "مسألة الحرة والأمة": إذا تزوجها في عقدة واحدة، حيث قال: يفسخ نكاح الأمة ويثبت نكاح الحرة.
فكيف جوز نكاح الحرة وفسخ نكاح الأمة وحدها إلا لكونه لا يجوز نكاح الأمة مع وجود الحرة تحته أو القدرة على صداقها، على ما قدمناه في "كتاب النكاح الأول"، وقال بعض المتأخرين: وإنما تفسخ الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا، إذا كانت لمالك واحد، على الخلاف في ذلك، على ما سنبينه في "كتاب [العيوب] (١) " إن شاء الله.
وأما إذا كانت لمالكين، فإنما يفسخ منها ما كان حرامًا ويصح منها ما كان حلالًا، إذ لا يؤثر فساد ملك أحدهما في ملك الآخر، والذي قاله صحيح ظاهر لمن تأمله، واعتذر بعض المتأخرين [عن] (٢) ما وقع له في "المدونة" في "مسألة الأم والبنت"، وقال: معناه أنه لم يسم لها صداقًا، فلو سمَّى لهما صداقًا لكان نكاح البنت جائز، وقال غيره: هذا الاعتذار [لا يجوز و] (٣) لا يقبل؛ لأنها إنما صارت صفقة جمعت حلالًا وحراما لكونه سمى الصداق لهما [أولًا] (٤) فأي حلال فيها، وما قاله ظاهر لا مراء فيه، والاعتذار ضعيف كما ترى، وربك أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا تزوجها في عقدتين، واحدة بعد أخرى، فلا يخلو ذلك من ستة أوجه:
стр. 1543
أحدها: أن يعثر على ذلك قبل [البناء] (١) بواحدة منهما.
والثاني: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بهما جميعًا.
والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بالأولى.
والرابع: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بالثانية.
والخامس: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة، ولم يعلم إن كانت هي الأولى أو الثانية.
والوجه السادس: أن يعثر على ذلك بعد أن يدخل على واحدة منهما مجهولة.
فأما الوجه الأول: وهو أن يعثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية، ويبقى مع الأولى، فإن كانت البنت فلا خلاف، وإن كانت الأم فعلى الخلاف.
وإن لم يعلم الأولى [منهما] (٢) فرق بينه [وبينهما] (٣) ويتزوج من البنت إن شاء، وتكون البنت عنده [بطلقتين] (٤)، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقها، وقيل: ربع صداقها، وقال بعض المتأخرين: القياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع الأقل من الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها هي الأولى، ولا ادعت عليه معرفة ذلك [فإن ادعت كل واحدة منهما أنها هي الأولى وادعت عليه معرفة ذلك] (٥)، قيل له: احلف
стр. 1544
أنك لم تعلم أنها هي الأولى، فإن حلف على ذلك، وحلفت كل واحدة منهما أنها هي الأولى، كان لهما نصف الأكثر من الصداق، يقتسمانه [بينهما] (١) أيضًا على قدر صداق كل واحدة منهما، وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه، كان لهما نصف الأقل من الصداقين يقتسمانه بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما.
فإن نكلت إحداهما عن اليمين وحلفت الأخرى بعد يمينه، كان للتي حلفت نصف صداقها.
وإن نكل هو عن اليمين، وحلفتا أنهما جميعًا كان لكل واحدة منهما نصف صداقها.
فإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى بعد نكوله، كان للحالفة منهما نصف صداقها ولم يكن للناكلة شيء؛ لأن الحالفة قد استحقت نصف الصداق بيمينها.
وإن نكلتا جميعًا بعد نكوله، لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين بينهما على قدر صداق كل واحدة [منهما] (٢).
وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلفت على ذلك وأعطاها نصف صداقها , ولم يكن للثانية شيء.
ولو نكل عن اليمين وحلفتا جميعًا، غرم لكل واحدة نصف صداقها.
وإن مات الزوج ولم يعلم أيتهما هي الأولى، فالميراث بينهما [على قدر مهورهما] (٣) بعد أيمانهما، [قال ابن القاسم: ولكل واحدة منهما
стр. 1545
نصف صداقها، اتفق أو اختلف.
والقياس أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما] (١)، وتعتد كل واحدة منهما أربعة أشهر وعشرا، للشك في أيتهما هي الأولى.
وأما الوجه الثاني: وهو ألا يعثر على ذلك حتى دخل بهما جميعًا فيفرق [بينه و] (٢) بينهما، ويكون لكل واحدة منهما صداقها بالمسيس، ويكون عليهما الاستبراء بثلاثة قروء، ولا تحل له [واحدة] (٣) منهما أبدًا، ولا ميراث لواحدة منهما إن مات عنهما.
وأما الوجه الثالث: ألا يعلم بذلك حتى يدخل بالأولى، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية، ولا تحل له [بذلك] (٤) أبدًا، ويقر [مع] (٥) الأولى إن كانت البنت بالاتفاق، وإن كانت الأم فعلى الخلاف.
وأما الوجه الرابع: وهو ألا يعثر على ذلك حتى يدخل بالثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينهما، ويكون للتي دخل بها صداقها، ويكون له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد بثلاثة قروء إن كانت البنت. وإن كانت الأم لم تحل له واحدة منهما أبدًا , ولا يكون لكل واحدة منهما ميراث.
وأما الوجه الخامس: وهو ألا يعثر على ذلك حتى يدخل بواحدة منهما