← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

[أو معسرة. فإن كانت معسرة فللزوج الرجوع في عين شيئه إن كان قائما واتباع ذمة زوجته إن كان فائتا، فإن كانت يوم الهبة موسرة] (١) ويوم العتق معسرة فقولان، وقد قدمناهما بشرحٍ كافٍ. [والحمد لله وحده] (٢). فإن فوتته فواتا يرجع إلى منفعتها الخاصة بها، مثل أن تشتري بصداقها ما لا يصلح لجهازها، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن تشتري ذلك من زوجها. والثاني: أن تشتري من أجنبي. فإن اشترت ذلك من زوجها مثل: أن تشتري [منه] (٣) عبدًا أو دارًا، ثم طلقها قبل البناء بها، فهل يرجع عليها بنصف ما اشترت أو بنصف ما أصدقها؟ على قولين: أحدهما: أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يرجع عليها بنصف ما أصدقها، كما لو اشترت ذلك من أجنبي، وهو الأظهر. وما رأيت لقول ابن القاسم في "المدونة" وجهًا إلا شيئًا ذكره إسماعيل القاضي وذلك بأن قال: إنما جوز للزوج الرجوع عليها بنصف ما اشترت منه، لاحتمال أن يكون حابته في الشراء فإذا رجع عليها بنصف ما أصدقها: كان ذلك ظلما عليها، فوجب له الرجوع عليها بنصف ما اشترت

стр. 1472

[منه؛ لأن الزوج على ذلك دخل فكأنه الذي أصدقها، فإن اشترت ذلك من أجنبي فلا خلاف في المذهب أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت به] (١)، الذي هو الصداق. فإن فوتته فواتا ترجع منفعته إليهما جميعًا مثل أن تشتري به ما يصلح لجهازها مما جرت به العادة لأمثالها: فلا خلاف في المذهب عندنا أيضًا أنه يرجع عليها بنصف ما اشترته، لأن الزوج على ذلك دخل. والوجه الثاني: إذا كان الفوات من قبل الله تعالى فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون فواتًا للكل. والثاني: أن يكون نقصانًا. والثالث: أن يكون زيادة. والرابع: أن يكون زيادة ونقصانًا. فإذا فات فوات الكل، ولها على ذلك بينة، فالضمان [منهما] (٢) جميعًا، ولا يرجع عليها الزوج [بشيء] (٣)، سواء كان مما يغاب [عنه] (٤) أو مما لا يغاب [عنه] (٥). فإن لم يقم لها على الفوات بينة فإن كان مما لا يغاب [عنه] (٦)

стр. 1473

كالحيوان والعبيد فالقول قولها ما لم يتبين كذبها. وإن كان مما يغاب عليه فلا يقبل قولها في الفوات. وإن كان نقصانًا فذلك بينهما ولا ضمان عليها فيما نقص. فإن كان زيادة أو زيادة ونقصانًا: فذلك بينهما أيضًا إنصافا على ما هو عليه من نماء أو نقصان. والوجه الثالث: إذا كان التفويت من سبب أجنبي مثل أن يكون الصداق عبدًا فجنى عليه أجنبي جناية، [فإنهما يتبعان به بما] (١) نقصته الجناية، ويكون بينهما نصفين، فمن عفا منهما سقط حقه وأتبعه الآخر بقدر حقه. والوجه الرابع: إذا كان سبب الفوات من قبل الصداق نفسه مثل أن يكون عبدًا فيجني عليه جناية فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن [يسلمه] (٢) من هو في يديه منهما من الزوج أو الزوجة. والثاني: [أن يفتديه بأرش تلك الجناية] (٣). فإن أسلمه من هو في يديه منهما [على القول أن المرأة تملك نصف الصداق بالعقد خاصة] (٤) فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يحابي في الدفع.

стр. 1474

والثاني: أن يسلم من المحاباة [فإن سلم من المحاباة فلا شيء للآخر علي العبد ولا له على صاحبته شيء وهو نص مالك في الكتاب في المرأة] (١). فإن [حابت] (٢) في الدفع [من دفعه] (٣) منهما، فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا بيد المجني عليه أو فائتًا: فإن كان قائمًا كان الخيار للآخر منهما بين أن يدفع نصف الجناية [ويسترجع] (٤) نصف العبد أو يرضى بفعل صاحبه [بالتسليم] (٥). فإن كان العبد قائمًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون فواته فواتًا حسيًا. أو يكون فواته فواتا معنويًا. فإن كان فواته فواتا حسيًا مثل أن يموت عند، فلا يخلو موته من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا. فإن مات حتف أنفه، هل يرجع الآخر على الذي حابى في الدفع بقدر نصيبه [في] (٦) المحاباة أم لا؟ على قولين في المذهب:

стр. 1475

أحدهما: أنه يرجع عليه بحقه من المحاباة، وهو قول محمَّد بن الموَّاز. والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء إن كان الدفع من الزوجة؛ لأنها تقول: لم يكن عليَّ أن أفتديه وكرهت أن أدفع ثمنًا من عندي [وكرهت بقاءه عندي] (١) خوفًا أن يعود لمثل ذلك، إلي هذا أشار أبو الحسن اللخمي ﵁. فإن مات مقتولا فلا يخلو المجني عليه من أن يأخذ فيه أرشًا أم لا؟ فإن أخذ فيه أرشًا، فللذي لم يسلمه من الزوجين خيار بين أن يأخذ نصف المحاباة من صاحبه أو يدفع نصف الأرش للمجني عليه أو لا يشاركه فيما أخذ من قيمة العبد من الذي قتله، وإن لم يأخذ فيه، فالحكم فيه كالحكم أن لو مات حتف أنفه، وقد قدمناه. فإن كان فواته فواتًا معنويًا، مثل أن يفوت بحوالة سوق فاعلا، فللذي لم يسلمه من أحد الزوجين الخيار أيضًا بين أن يرجع على صاحبه بنصف المحاباة أو يدفع للمجني عليه نصف الأرش، ويكون العبد بينهما نصفين [فإن فداه من هو في يديه منهما بأرش تلك الجناية فلا سبيل للآخر إلى أخذ نصفه حتى يدفع له نصف ما فداه] (٢) والحمد لله وحده.

стр. 1476

المسألة التاسعة إذا تزوجها على من يعتق عليها ولا يخلو ذلك من أربعة أوجه: إما أن يتجهلا جميعًا، أو يعلما جميعًا، أو يجهل الزوج وتعلم المرأة، أو تجهل الزوجة ويعلم الزوج. فإن جهلا جميعًا الزوج والزوجة، ثم علما بعد ذلك، وقد [طلقها (١) أو لم يطلق فإنه يعتق عليها بالعقد، ويكون التراجع بين الزوجين إن طلق فليرجع عليها بنصف قيمته أو يرجع في نصف العبد ويكون معها شريكا. وإن [لم] (٢) يطلَّق فلا ترجع عليه بقيمته؛ لأن العقد وقع على عوض مملوك تجوز المعاوضة به وعليه، واستمرار الملك بعد ثبوته أمرًا آخر. فإن علما جميعًا الزوج والزوجة فإن العبد عتيق، ويكون ولاؤه لها، ولا رجوع لها على الزوج بشيء. واختلف في الزوج إذا طلقها هل يرجع عليها بنصف قيمته أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن يتبعها بنصف قيمة العبد. والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء.

стр. 1477

والقولان لمالك ﵀ [ولا خلاف عندنا] (١) في المذهب، أنه لا سبيل له إلى رد العتق في العسر واليسر. فإن جهل الزوج وعلمت المرأة فللزوج الرجوع عليها إن طلق في نصف العبد إن كانت معسرة أو بنصف قيمته إن كانت موسرة. فإن جهلت الزوجة بأنه أبوها أو من يعتق عليها، ففي رجوع الزوج [عليها إن طلق] (٢) قولان وقد قدمناهما. واختلف في رجوعها على الزوج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن لها أن ترجع عليه بقيمة جميعه [إن أمسك] (٣) أو بقيمة نصفه إن طلِقَّ؛ لأن ذلك غرور [في القول] (٤) والفعل، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع، وهو نص قوله في "كتاب محمَّد" وفي "المبسوط". والثاني: أنها لا ترجع [عليه] بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الفرائض" من "المدونة" في العامل إذا اشترى من يعتق على رب المال أو على العامل، وظاهره لا فرق بين أن يعلم البائع أو لا يعلم، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب العتق الثاني" من "المدونة" [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1478

المسألة العاشرة في نكاح التفويض ونكاح التفويض: هو أن يتزوج الرجل المرأة ولم يذكر الصداق لا إثباتا ولا إسقاطا. ولا خلاف بين الأمة في جوازه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) [معناه ولم تفرضوا لهن فريضة] (٢) فأباح الله تعالى الطلاق قبل البناء وقبل التسمية، فكان ذلك دليلًا على نكاح التفويض؛ لأن الطلاق لا يلزم إلا في نكاح صحيح، فدل ذلك على جوازه. فإذا ثبت ذلك فالزوج بين خيارات ثلاث: إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض صداق المثل، وإما أن يفرض ما يطلبه إليه من له الرد والقبول. فإن طلَّق ولم يفرض لها فليس لها من الصداق شيء وإنما لها المتاع، وهذا هو المشهور عند العلماء [ومنهم] (٣) من ذهب إلى أنها إذا طلبت الفريضة لزم الزوج أن يفرض لها صداق المثل، ولا خيار له في ذلك. فإن طلق الزوج قبل الفريضة لزم [على] (٤) ما قال هذا القائل أن

стр. 1479

يكون لها نصف الصداق، وذلك بعيدٍ جدًا، ومراغم لكتاب الله تعالى، لأن الله تعالى لم يثبت لها إذا طلقت قبل البناء إلا المتاع. فإن فرض لها الزوج صداق المثل، فلا كلام لأحد في ذلك، لا لها ولا لأوليائها. واختلف في المثلية المعتبرة، ما هي؟ فقال قائل: المثلية نساء عصبتها خاصة، وهو مذهب الشافعي. وقائل يقول: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من عصبتها وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وقائل يقول: تعتبر المثلية بذوات الأرحام خاصة، وهو مذهب ابن أبي ليلى. وقائل يقول: تعتبر في المثلية الحال والمال [والجمال] (١) والشطاط، من غير التفات إلى نساء قومها ولا إلى قرابتها، وهو مذهب مالك ﵁. وسبب الخلاف: هل المماثلة في [المنصب] (٢) فقط أو [في المنصب] (٣) في المال [والجمال] (٤)؟ لقوله ﷺ : "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها، فعليك بذات الدين تربت يداك" (٥). فإن فرض ما طلبه به من له الرد والقبول، فلا يخلو من أن يطلب إليه

стр. 1480

صداق المثل أو [فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي أو] (١) طلب إليه أقل من صداق المثل. فإن طلب إليه أقل من صداق المثل: ففعل، فلا كلام لواحد منهما في ذلك. فإن طلب إليه أقل من صداق المثل أو فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه: إما أن تكون ذات أب، أو ذات وصي، أو مهملة. فإن كانت ذات أب فلا تخلو من أن تكون مالكة أمر نفسها أو غير مالكة. فإن كانت مالكة أمر نفسها فالرضا بالصداق إليها دون الأب. فإن فرض أقل من صداق [المثل] فرضيت به جاز ذلك، ولا كلام في ذلك لأبيها. وإن كانت غير مالكة أمر نفسها فالرضا في ذلك إلى الأب. فإن فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، وكان ذلك قبل البناء أو بعده فرضي بذلك الأب، فهل يجوز ذلك على الابنة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز عليهما، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني". والثاني: أن ذلك [غير] جائز، وهو قوله في "كتاب النكاح الأول"

стр. 1481

[من المدونة] (١). وقد أتقنا هذه المسألة في "كتاب النكاح الأول" إتقانًا لا مزيد عليه. فإن كانت ذات وصي فلا تخلو من أن تكون رشيدة أو سفيهة. فإن كانت رشيدة: فالرضا إليها دون وصيها. فإن فرض لها أقل من صداق مثلها فرضيت به جاز ذلك ولا كلام للوصي. فإن رضي به الوصي دونها لم يجز. فإن كانت سفيهة، فرضى لها الزوج صداق مثلها جاز ذلك ولا كلام لها ولا للوصي. فإن فرض لها أقل من صداق مثلها، فرضيت بذلك دون الوصي لم يجز. وإن رضي بذلك الوصي دونها، فقولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز عليها ولازم لها؛ لأن النظر في المال إلى الوصي لا إليها، وهو ظاهر قوله في "كتاب ابن حبيب" وهو اختيار شيوخنا المتأخرين. والثاني: أن ذلك لا يجوز إلا باجتماع منهما على الرضا، وهو ظاهر

стр. 1482

قول مالك في "باب نكاح التفويض" من "المدونة". وفي المسأله قول ثالث: أن ذلك لا يجوز وإن تراضيا؛ لأن رضاها لا يعد رضا، لكونها محجورًا عليها، ومحاباة الوصي في مالها لا يجوز أيضًا، فلم يبق إلا المنع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة". فإن كانت مهملة وكانت ثيبًا: فالرضا بالصداق إليها دون وليها. وإن كانت بكرًا ففرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، فهل يجوز لها الرضا بما فرض لها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن رضاها بذلك لا يجوز، هو ظاهر قول مالك في "المدونة". والثاني: أن رضاها بأقل من صداق المثل جائز، وهو وقل الغير في بضع روايات "المدونة"، وعليها اختصر أكثر المختصرين، كأبي سعيد وغيره. وسبب الخلاف: هل البلوغ علامة الرشد [حتى يظهر السفه؟ أو يحمل بعد البلوغ على السفه حتى يتبين الرشد؟ وإلى أن البلوغ دلالة على الرشد] (١) في الذكران والإناث. ذهب زياد شبطون فيما رواه عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الذكران في "كتاب النكاح الأول" من "المدونة" في قوله: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه من ناحية السفه، فللأب أن يمنعه.

стр. 1483

ومشهو [المذهب] (١): [أن] (٢) الاحتلام لا يكون دلالة على الرشد لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رشْدًا فَادْفَغوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ...﴾ الآية (٣). وقد ينبني فيه الخلاف على الخلاف في أفعال السفيه غير المحجور عليه، هل هي على الجواز حتى ترد أو على الرد حتى يجاز؟ ومشهور المذهب: أنها على الجواز حتى ترد وما أظن خالف في ذلك من أصحاب مالك إلا ابن القاسم [فإن مات أحدهما فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يموت قبل البناء وقبل التسمية. والثاني: أن يموت قبل البناء وبعد التسمية. والثالث: أن يموت بعد البناء] (٤). فإن مات أحدهما قبل البناء وقبل الفريضة، فلا خلاف في مذهب مالك ﵀ أنها لا شيء لها من الصداق وأنهما يتوارثان بينهما. وذهب أبو حنيفة إلى أن لها [صداق المثل] (٥)، وهو أحد قولي الشافعي. وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر. أما الأثر فما أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود أنه

стр. 1484

سئل عن هذه المسألة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي، فقال: "أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق" (١). فأما القياس [المعارض] لهذا الأثر: فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض العوض لم يجب العوض قياسًا على البيع، ولا يعترض على هذا القياس بالمتوفى عنها [قبل البناء وقبل التسمية؛ لأن الأصل كان ألا شيء لها من الصداق أيضًا؛ لأنها خرجت بالإجماع وقال المزني من أصحاب الشافعي ﵁] (٢): إن ثبت حديث بروع فلا حُجَّة لأحدٍ مع السنة والذي قاله هو الصواب. والله أعلم. فإن مات أحدهما قبل البناء وبعد التسمية، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون التسمية في المرض. والثاني: أن تكون في الصحة. فإن كانت التسمية في الصحة، فلم يدخل بها حتى مات أحدهما فلا خلاف أن لها جميع الصداق الذي فرض لها والميراث بينهما. فإن كانت التسمية في المرض، فلا تخلو من أن تكون هي المريضة أو الزوج هو المريض.

стр. 1485

فإن كانت الزوجة هي المريضة، ففرض لها وهو صحيح، فلا تخلو من أن تموت من مرضها وهو صحيح أو تموت وهو مريض. فإن ماتت وهو صحيح فالصداق لورثتها، ميراثًا بينهم وبينه. وإن ماتت وهو مريض، فلا يخلو من أن يموت من ذلك المرض أو يصح بعد موتها. فإن مات من ذلك المرض، فلا صداق لها ولا لورثتها , لا في الثلث ولا في رأس مال؛ لأن ذلك من باب "لا وصية لوارث". فإن صحَّ من مرضه، فهل يكون ما فرض لها ميراثًا بينهم وبينه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا شيء [عليه] (١) مما فرض وهو مريض، وهو ظاهر قوله في كتاب النكاح [الثاني] (٢) من "المدونة" في "نكاح المريض". والثاني: أن ذلك لازم له أو لورثته، وهو قول أصبغ، لأنه إذا صح تبين أن ذلك المرض مما لا يخشى عليه منه الموت. فإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يفرض ويدخل. والثاني: أن يفرض ولم يدخل. فإن فرض في المرض ودخل بها فيه كان لها الأقل من المسمَّى أو صداق المثل من رأس ماله؛ لأن العقد في الصحة، والدخول في المرض بوجهٍ جائز

стр. 1486

يفارق النكاح في المرض. فإن مات بعد البناء وقبل التسمية، فلها صداق المثل من رأس المال، والله أعلم [والحمد لله وحده] (١).

стр. 1487

المسألة الحادية عشرة في نكاح التحكيم واختلف في نكاح التحكيم، هل هو مثل نكاح التفويض، وهو أن يتزوجها على حكمه أو على حكمها، أو على حكم فلان لوليها، أو على حكم أجنبي من الناس مستقل بذلك أو شارك أحد الزوجين فيه، أو نكاح التحكيم على خلاف نكاح التفويض؟ على أربعة أقوال: أحدهما: أن نكاح التحكيم مثل نكاح التفويض في الجواز إطلاقا، وهو قول ابن حبيب. والثاني: المنع مطلقا ما لم يفت بالدخول، وهو قول الغير في "المدونة". والثالث: التفصيل بين تحكيم الزوج فيجوز، وبين تحكيم غيره فيمنع، زوجة كان [المحكم] (١) أو غيرها، وهو قول [ابن عبد الحكم] (٢) في "كتاب محمَّد". والقول الرابع: بالتفصيل بين أن تحكم الزوجة فيمنع، وبين غيرها فيجوز، زوجا كان أو غيره، وهو قول عبد الملك [أيضا] (٣). فعلى القول بجوازه مطلقا، هل الحكم فيه على الحكم في التفويض أو على عكسه؟ فالمذهب على خمسة أقوال:

стр. 1488

أحدها: أن الحكم فيه على الحكم في نكاح التفويض، وأن الغرض في ذلك إلى الزوج، سواء كان الحكم إليه أو إليها أو إلى أجنبي، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ. والثاني: أن الحكم فيه على عكس نكاح التفويض، وأن المحكم هنا كالزوج في التفويض، فإن فرض صداق المثل لزمها. وإن حكم بأقل من صداق المثل لزم الزوج، وكانت المرأة بالخيار، وإن فرض أكثر من صداق المثل لزم المرأة، والزوج بالخيار، ويجعل هذا معنى قوله في "الكتاب": إن رضي بما حكمت أو رضيت بما حكم فلان أجاز النكاح، وإلا فرق بينهما، فلم يكن عليه شيء بمنزلة التفويض، إذا لم يفرض لها صداق المثل، وهذا تأويل أبي الحسن القابسي على "المدونة". والقول الثالث: أن الحكم لا يلزم إلا بتراضي الزوج والمحكم زوجة كانت أو غيرها. فإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر ولم ترض بذلك المحكم، زوجة كانت أو غيرها لم يلزم. وإن فرض الحكم صداق المثل فأقل برضاها لم يلزم الزوج إلا أن يشاء، وهو تأويل أبي محمَّد. والرابع: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجين، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد". والخامس: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجة، وهو قول عبد الملك. وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الرخص هل يقاس عليها أو لا يجوز القياس عليها؟ وذلك أن نكاح التفويض رخصة من الله تعالى ورفقا بعباده. والحمد لله وحده.

стр. 1489

المسألة الثانية عشر في نكاح المريض والمريضة ولا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن تكون المرأة هي المريضة. والثاني: أن يكون الزوج هو المريض. فإن كانت الزوجة هي المريضة، فتزوجها في مرضها، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الصحة أو بعد الصحة. فإن عثر على ذلك بعد أن صحَّت، هل يثبت النكاح أو يفسخ بينهما؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أنه يفسخ وإن صحَّت، وهو الذي رجع عنه مالك. والثاني: أنها إن صحت ثبت النكاح بينهما، وهو الذي ذهب إليه مالك. وعلى القول بأنه يفسخ وإن صحت، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الدخول أو بعده. فإن عثر عليه البناء، فلا صداق لها , لا نصف ولا غيره. وإن عثر على ذلك بعد البناء، كان لها المسمى على أشهر المذهب، ولا ميراث بينهما. وإن ماتت هي فلا يرثها، وإن كان أبوها هو الذي زوجها ولا وارث لها غيره، وهذا نص قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد" [فإن عثر عليه في

стр. 1490

المرض فهل يجوز أن يفسخ وهو المشهور؟ قولان] (١): وإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو مرضه من أن يكون مرضًا مخوفًا منه أو غير مخوف منه. فإن كان غير مخوف ويده مطلقة بالتصرف في ماله فحكمه حكم الصحيح في جميع أموره ولا إشكال في ذلك. وإن كان مرضه مرضًا يخاف عليه منه حتى يمنع من التصرف في جميع ماله بالتعارف، فهل يجوز نكاحه أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النكاح فاسد ويفسخ، متى عثر عليه ولا ميراث فيه، وهو مشهور المذهب. والثاني: أن النكاح جائز جملة بلا تفصيل، وهو قول مطرف. والثالث: التفصيل بين أن [يكون] (٢) نكاحه للحاجة [والإصابة] والقيام بحقوق الزوجة فيجوز، أو يكون غير قادر على الإصابة وقصد الإضرار بالزوجة فلا يجوز، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن مالك وابن القاسم. وعلى القول بفساد النكاح، فإن صحَّ فهل يثبت النكاح أم لا؟ على قولين [منصوصين في المدونة. وعلى القول بأنه يفسخ إن عثر عليه في المرض، هل يكون فسخه بطلاق أو بغير طلاق فالمذهب على قولين قائمين] (٣) من "المدونة":

стр. 1491

أحدهما: أنه يفسخ بطلاق، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يفسخ بغير طلاق، وهو قول أشهب. وهكذا اختلفوا أيضًا إذا مات من مرضه ذلك، هل عليها عدة الوفاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها تعتد عدة الوفاة، وهو أحد قولي ابن القاسم على ما حكاه عنه أبو محمَّد في "النوادر". والثاني: أن عدتها ثلاثة قروء، وهو قول أشهب، وإليه رجع ابن القاسم. وسبب الخلاف: في جميع ما قدمناه [اختلافهم] (١) في العلة التي لأجلها منع نكاح المريض، هل العلة فيه استدخال الوارث على الورثة [أو] العلة الغرر الحاصل في الصداق؟ فمن ذهب إلى أن العلة المؤثرة في نكاح المريض استدخال الوارث على الورثة؛ لأنه كما منع من استخراج الوارث كذلك يمنع من استدخاله، وإلى هذه العلة مال [جمهور] (٢) متفقهة الزمان. واختلف على موجب هذه العلة إذا تزوج أمة أو نصرانية، هل يجوز نكاحه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز نكاحه أيضًا، وهو قول محمَّد بن الموَّاز. والثاني: أن النكاح جائز، وهو قول أبي مصعب. وسبب الخلاف: اختلافهم في الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؟

стр. 1492

فمن اعتبر الطوارئ قال: لا يجوز لأن الأمة قد تعتق والكتابية قد تسلم. ومن لم يعتبرها قال: بالجواز لأن الإِسلام [والعتق] (١) [يقل] (٢) وقوعه. وهكذا [اختلفوا] (٣) أيضًا إذا تزوج حرة مسلمة بإذن ورثته، هل يجوز النكاح أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز لإمكان أن يموت الآذن ويصير الميراث لغيره، وهو قول محمَّد في كتابه. والثاني: أنه جائز وهو اختيار بعض المتأخرين، وهذا مبني على الأصل الذي قدمناه. ومنهم من ذهب إلى أن العلة المؤثرة في فساد النكاح الغرر الحاصل في الصداق، إذ لا يدري هل يصح من مرضه فيكون الصداق من رأس المال أو يموت فيكون من الثلث؟ فإذا صرف إلى الثلث لا يدري ما يحمل الثلث منه هل كله أو بعضه؟ وهذا غاية ما يكون من الغرر. وهذه علة صحيحة يشهد [لها] (٤) الاطراد والانعكاس. والعلة الأولى ضعيفة في نفسها لوجود الحكم [مع عدمها] (٥)، وهو

стр. 1493

عدم التأثير عند الأصوليين، وقد قال مالك في "كتاب الأيمان بالطلاق" فيمن طلق امرأته في مرضه قبل البناء بها ثم تزوجها قبل صحته انفسخ [نكاحه] (١) معها، إلا أن يدخل بها، فيكون كمن [تزوج] (٢) في المرض وبنى فيه. فقد فسخ نكاح المريض في هذه المسألة مع عدم العلة التي هي استدخال الوارث؛ لأنها ترثه على كل حال إن مات من ذلك المرض، لأنها مطلقة، فثبت أن العلة التي يصح أن يعلل بها الحكم الغرر في الصداق، كما قدمناه. فإذا ثبت أن العلة الغرر في الصداق، فإن وقع الدخول، هل يكون صداقها من الثلث أو من رأس المال؟ قولان: أحدهما: أن الصداق يخرج من رأس المال، وهذا القول مروى عن المغيرة، وهو شاذٌ جدًا. والثاني: أنه يخرج من الثلث، وهو المشهور، والذي عليه الجمهور. وعلى القول بأنه يخرج من الثلث، هل يجعل في الثلث صداق المثل [أو الأقل؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه يجعل في الثلث صداق المثل] (٣) بالغ ما بلغ, هو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وعلى ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي، وهو قول ابن حبيب في "واضحته". ولا فرق

стр. 1494

في ذلك بين أن يتزوجها [بتفويض] (١) أو على صداق سمى. الثاني: أنه يجعل في الثلث الأقل من التسمية أو صداق المثل، وهو ظاهر [قول ابن القاسم أيضًا] (٢) في كتاب "الأيمان بالطلاق" من "المدونة"، وهو [ظاهر] (٣) قول سحنون في "كتاب النوادر"، وعزاه إلى عبد الرحمن ابن القاسم. والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون تفويض أو تسمية. فإن كان تسمية فجميعه مصروف إلى الثلث. وإن كان بتفويض فإن الزائد على صداق المثل ساقط، وهو قول محمَّد واختياره. وعلى القول بأن صداق المثل مصروف إلى الثلث، هل يُبدا على المدبر في الصحة أو المدبر في الصحة يُبدا عليه؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن صداق المنكوحة في المرض مُبدا على جميع الوصايا وعلى المدبر فى الصحة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وهو قول ابن القاسم في "النوادر" أيضًا. والثاني: أن المدبر في الصحة مُبدا على صداق المنكوحة في المرض، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة" و "كتاب الوصايا" من "المدونة".

стр. 1495

والثالث: [أنه] (١) يُبَدَّا بقدر صداق المثل على الوصايا والزائد، ويحاصص [به] (٢) مع [أهل] (٣) الوصايا، وهو قول أصبغ. والرابع: أن المدبر في الصحة وصداق المنكوحة في المرض يتحاصان. فوجه قول من قال بتبدية الصداق على المدبر، أن الصداق قد يكون من الثلث إن مات من ذلك المرض، وقد يكون من رأس المال إن صح، والمدبر مصيره من الثلث على كل حال، فكان الصداق [أولى و] (٤) أقوى. ووجه قول من قال بتبدية المدبر، عقدٌ عقده في الصحة والمنكوحة في المرض عقد عقده، وفعل الصحة أبدًا [مقدم] (٥) على فعل المرض. ووجه قول من قال أنهما يتحاصان، لقوة أمرهما وعدم الترجيح لأحدهما، فلم يبق إلا التحاصص بينهما، [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 1496

المسألة الثالثة عشر في دعوى الأخوة بين الزوجين ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يدعى ذلك الزوجان فيما بينهما. والثاني: أن [يدعي ذلك] (١) الأبوان أو أحدهما. والثالث: أن يدعى ذلك الأجنبيون. فالجواب عن الوجه الأول: إذا ادعى ذلك أحد الزوجين، فلا يخلو من أن يدعيه الزوج أو الزوجة. فإن ادّعا الزوج أنها أخته من الرضاعة، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن تصدقه. والثاني: أن تكذبه. فإن صدقته، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل العقد أو بعده. فإن كان قبل العقد: فلا يجوز النكاح بينهما لتقاررهما على أنفسهما بالأخوة فيما بينهما. وإن كان بعد العقد، فلا يخلو من أن تكون الزوجة مالكة أمر نفسها أو غير مالكة. فإن كانت مالكة أمر نفسها، فالنكاح بينهما مفسوخ، ولا شيء لها من

стр. 1497

الصداق. إن كانت غير مالكة أمر نفسها، فالصداق واجب لها على زوجها إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبله، والنكاح بينهما مفسوخ كما تقدم. فإن تكاذبا، مثل أن يدعي ذلك أحدهما ويكذبه الآخر، فلا يخلو من أن يكون الزوج هو المدعي ذلك أو الزوجة. فإن كان الزوج هو مدعي [الأخوة] (١) وأنكرت المرأة ما ادعاه، فالقول قولها ويؤاخذ الزوج بمقتضى قوله، ويحكم عليه بطلاقها ويكون لها جميع الصداق إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبل البناء. فإن كانت هي المدعية لذلك والزوج منكر، فلا يحكم عليه بفراقها بمجرد دعواها، وينظر. فإن كان ذلك بعد البناء، فإن شاء الزوج طلق أو ردت عليه جميع الصداق لأنها أغرته. وإن شاء أمسك ولا شيء عليه من قولها؛ لأنها متهمة في إرادة الفراق. والجواب عن الوجه الثاني: إذا ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما. فإن ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما أبو الزوج وأبو للمرأة، فلا يخلو الزوج من أن يكون ممن يلزمه عقد الأب أو لا يلزمه. فإن كان ممن يلزمه عقد الأب في النكاح لصغره، فلا إشكال [أن إقرار] (٢) الأب في ذلك كإقراره إن كان بالغًا رشيدًا، وذلك أن عقدة النكاح

стр. 1498

بيد الأب، كما أن عقدة النكاح بيد الابن. فإن كان ذلك قبل العقد، فلا يجوز للأب الإقدام على العقد. فإن كان بعد العقد، فلا يلزم الولد إقرار الأب؛ لأنه يتهم في حل ما عقده عليه من النكاح. وإن كان الولد ممن لا يلزمه عقد الأب، مثل أن يكون الولد بالغًا رشيدًا، فلا يخلوا الأبوان من أن يكونا عدلين أو غير عدلين. فإن كان عدلين أبو الزوج وأبو المرأة، فلا خلاف في قبول شهادتهما وثبوت [المحرمية] (١) بالرضاع بينهما. وإن كانا غير عدلين أو أحدهما، فلا يخلو من أن تقارن شهادتهما الفشو والعرف أم لا. فإن قارنها الفشو والعرف أوجبت شهادتهما [المحرمية] (٢) بينهما. وإن لم يقارنها أوجبت التنزه، فهل يوجب التحريم أم لا؟ قولان: فإن ادعى ذلك أحد الأبوين، فلا يخلوا من أن يكون الذي ادعى ذلك أو الزوج أو أبو المرأة. فإن ادعى ذلك أبو الزوج، فعلى التفصيل الذي قدمناه إن ادعاه الأبوان. فإن ادعى ذلك أبو الزوجة: فالحكم فيه كالحكم في دعوى الأجانب، ونحن نذكره أيضًا إن شاء الله تعالى.

стр. 1499

واختلف في الأم [هل هي كالأب] (١) فيما تدعيه، أعني أم الزوج أو أم الزوجة، على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الأم كالأجنبي، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الرضاع"، وهو المشهور. والثاني: أن الأم كالأب، وهو قوله في "كتاب محمَّد" و"كتاب ابن حبيب" وهو ظاهر "المدونة" على إحدى الروايتين في كتاب [الرضاع] إذا قالت امرأة مكان أم المرأة. وقال بعض المتأخرين: لعل معنى ذلك إذا كانت الأم وصية على عقد النكاح، فكانت كالأب. وقال بعضهم: لا فرق بين الوصية وغيرها، بخلاف الأب، وهو الصحيح، والله أعلم. والجواب عن الوجه الثالث: إذا ادعى ذلك الأجنبيون فلا يخلو من أن يكون ذلك لشهادة قاطعة أم لا. فإن ثبت بشهادة قاطعة، فلا إشكال في العمل بمقتضاها. وإن كان ذلك بغير شهادة قاطعة، مثل أن يسمع ذلك بشهادة النساء، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بشهادة امرأتين. والثاني: أن يكون بشهادة امرأة واحدة. فإن سمع ذلك بشهادة امرأتين، فإن كانتا [غير] (٢) عادلتين أوجبت

стр. 1500

شهادتهما التنزه عنها ولا توجب التحريم. وإن كانتا عادلتين، فإن [قارنها] (١) الفشو [أوجبت التحريم، وإن لم يقارنها الفشو] (٢)، فهل يوجب التحريم أو التنزه دون التحريم؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها توجب التحريم [وإن لم يقارنها الفشو] (٣)، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب وابن نافع وأصبغ في "كتاب ابن حبيب". والثاني: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني"، و"كتاب الرضاع" من "المدونة"، وهو قول مالك وابن القاسم. فإن سمع ذلك بشهادة امرأة واحدة [وإن لم يقارنها الفشو فهل تفيد التنزه أم لا؟ قولان:] (٤) فإن قارنها الفشو: فلا خلاف أنها توجب التنزه، وهل توجب [المحرمية] (٥) أم لا؟ قولان قائمان في "المدونة" منصوصان في المذهب: أحدهما: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو المشهور. والثاني: أنها توجب التحريم، وهو ظاهر قوله في كتاب "النكاح الثاني" من "المدونة" في قوله: شهادة المرأة [الواحدة] (٦) في الرضاع لا

стр. 1501

يقطع بها شيء، إلا أن يكون أمرًا قد فشا وعرف. وهو نص قوله في كتاب ابن الموَّاز. وسبب الخلاف: اختلافهم في [تأويل الأثر] (١) المعارض للإجماع، وذلك أن الإجماع انعقد على أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، ثم لا يخلو حال النساء من أحد وجهين: إما أن تكون أضعف حالًا من الرجال. وإما أن تكون أحوالهن في ذلك متساوية للرجال. والإجماع منعقد على أنه لا يقضي بشهادة، [امرأة واحدة]، والأثر الوارد في ذلك حديث عقبة بن الحارث أنه قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة، فأتت امرأة فقالت: إني أرضعتكما، فقال له رسول الله ﷺ : "كيف وقد قيل دعها عنك" (٢). فذهب بعضهم إلى أن معنى قوله ﷺ : "دعها عنك" أنه على الندب جمعًا بينه وبين الأصول. ومنهم من يحمل ذلك على الوجوب. والقولان عن مالك ﵀، [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1502

المسألة الرابعة عشرة في الأخوين إذا تزوجا أختين، وأدخل على كل أخ زوجة أخيه فالحكم في ذلك أن ترد كل واحدة منهما إلى زوجها , ولا يطأها إلا بعد الاستبراء. والحد في ذلك على من علم منهما من رجل أو امرأة. واختلف في ذلك في موضعين: أحدهما: في نفقتها في مدة الاستبراء، على من تكون؟ والثاني: في الصداق هل يرجع به على الذي وطئها أم لا؟ وأما الموضع الأول: في نفقتها أمد الاستبراء، هل هي على نفسها أو على واطئها؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن نفقتها في مدة الاستبراء على الوطء؛ لأنها احتبست من أجله. والثاني: أن نفقتها على نفسها، فإن ظهر منها حمل رجعت على الواطئ بما أنفقت. وإن خرجت من الاستبراء، لم يكن [لها] (١) عليه شيء؛ لأنه وطء بوجه شبهة، وإلى هذا المذهب ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي، واتفقوا أنها: لا نفقة لها على زوجها في مدة الاستبراء؛ لأن النفقة إنما تجب على

стр. 1503

الزوج بالادعاء و [التمكن أو] (١) بالتمكين على الانفراد على ظاهر "الكتاب". وأما الموضع الثاني: في الصداق، هل يثبت لها على الذي وطئها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن لكل واحدة منهما صداقها على الذي وطئها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". [والثاني]: أنه لا صداق [لها] (٢) عليه ولا تعمر ذمته بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب تضمين الصناع" فيمن اشترى ثوبا [فغلط] (٣) البائع [فدفع إليه] (٤) غيره فقطعه: فلا شيء عليه في القطع. وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٥) المخطئ في مال نفسه هل هو كالمخطئ في مال غيره أم لا؟ فمن رأى أنه كالمخطئ في مال غيره، قال يكون لها الصداق على الواطئ، وهو قوله في "كتاب محمد" في البائع الذي أخطأ، فدفع للمشتري غير الثوب الذي اشترى منه. ومن رأى أنه كالمخطيء في مال غيره، قال: لا صداق على الواطئ. لأنها جنت على نفسها باستعجالها في الدخول ومبادرتها قبل التثبت

стр. 1504

بزوجها وبمن تحل لها الخلوة معه، فكان الغرر من [جهتها ووبال الغرر عليها، وعلى القول بأن لها الصداق على الواطئ فهل يكون لكل واحدة منهما] (١) صداق المثل [أو المسمى] (٢)، فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: لكل واحدة منهما صداق مثلها على [الواطئ] (٣)، وهكذا ذكره أبو القاسم بن محرز أنه وجده لابن القاسم، وظاهر هذا القول ألا فرق بين أن يتساوى الصداقان أو يختلفا. والثاني: أن لكل واحدة منهما ما سُمي لها مع الزوج الأول، وهو قول سحنون، وظاهره ألا فرق بين المساواة وعدمها. والقول الثالث: التفصيل بين أن يتفق الصداقان، فيكون [كما قال سحنون الصداقان فيكون] (٤) كما قال ابن القاسم، وهو قول ابن لبابة [أيضًا] (٥). فوجه القول الأول: لأن كل واحدة مهما دخلت على ذلك، وبه سلمت بضعها. ووجه القول الثاني: أن الواطئ وطئ بوجه شبهة، فيكون الرجوع فيه إلى صداق المثل من غير اعتبار بالتسمية، ولا يتساوى الصداقان لأن للزوج مقالا [في] (٦) أن يقول: إنما بذلت هذا الصداق لزوجتي لجمالها أو

стр. 1505

لدينها، وأما هذه فما كنت أبذلت لها, ولا أرضى أن تكون من نسائي، فضلا من أن أبذل لها ما بذلت لغيرها، وصداق كل واحدة منهما ثابت [لها] (١) على زوجها، وهل يحط عنه شيء لما كان استمتع بها غيره وأخذت منه العوض أم لا؟ فلا يخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا. فإن كانت بكرًا، هل يحط عنه شيء لمكان البكارة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يحط عنه مما سمي من الصداق قدر ما يزاد فيه لأجل البكارة؛ لأنها أخطأت فيما باعته [من الأول] (٢) بثمن، فأهلكته بتسليمها لغير المشتري. والثاني: أنه لا يحط عنه شىء لأجل البكارة؛ لأنها فعلت ما يجب عليها من التسليم جبرًا كما لو غصبت. فإن كانت ثيبًا، فلا يوضع عنه من المسمى شيء لأن وطء الواطئ لم ينقص منها شىء. [والقولان [مخرجان غير] (٣) [منصوص عليهما] (٤) والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1506

المسألة الخامسة عشرة في ملك أحد الزوجين صاحبه وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه، فالنكاح مفسوخ بينهما بالاتفاق، للإجماع على أنه لا يجوز للسيد أن يتزوج أمته. فإن فعل، فلا يجوز النكاح، ويكون له أن يطأها بملك اليمين. ويفسخ [النكاح] (١) إن هي اشترت زوجها للإجماع أيضًا على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، [لما] (٢) في ذلك من تعارض الحقوق، ولا فرق في ذلك بين أن يملك أحدهما جميع صاحبه أو بعضه. واختلف في المكاتب إذا اشترته زوجته أو اشتراها الزوج وهي مكاتبة، فهل يفسخ النكاح بينهما من الآن أو لا يفسخ إلا بعد العجز؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن النكاح مفسوخ لأن ذلك ملك الرقبة. والثاني: أنه لا يفسخ إلا بعد العجز؛ لأن الشراء الآن إنما وقع على الكتابة. وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل. فإذا قلنا باعتبار المآل يفسخ النكاح بينهما من الآن، فهل يكون الفسخ بطلاق أو بغير طلاق؟ فلا يخلو ملك أحدهما لصاحبه من أن يكون بإيثار واختيار أو يكون باضطرار:

стр. 1507

فإن كان باختيار [وإيثار] (١) كالشراء والهبة، وما كان في معناهما مما يرجع قبوله إلى خيرة المشترى، هل يكون فسخًا بطلاق أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق , وهو مذهب المدونة. والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهي رواية ابن وهب عن الليث. فوجه القول بأنه يفسخ بطلاق: أنه لما كان الملك باختيار المالك منهما، فكأنه أراد الطلاق واختاره، وهذا يتجه إذا كان الزوج هو المالك. وأما إن كان هو المملوك فلا؛ لأن الطلاق بيد الزوج لا بيدها، وإن اختارت الملك. ووجه قول من قال أنه فسخ بغير طلاق: أن الملك الطارئ على النكاح بوهن قواعده ويهدم أمره، فبنفس عقد الشراء انفسخ النكاح, لاستحالة اجتماعهما. وعلى هذا الخلاف يتركب الخلاف في نصف الصداق: فمن رأى أنه فسخ بطلاق قال: لها نصف الصداق. ومن رأى أنه فسخ بغير طلاق قال: لا شيء لها من الصداق. فإن كان ذلك على معنى الاضطرار مثل: أن يرث أحدهما صاحبه، فهذا لا خلاف فيه أنه فسخ بغير طلاق. فرع: في عبد زوجه سيده، وضمن عنه الصداق، ثم دفع السيد العبد إلى زوجته فيما ضمن من صداقها برضاها قبل أن يدخل بها , فلا يخلو

стр. 1508

[السيد] (١) من أحد وجهين: إما أن [يغترى] (٢) بذلك فسخ النكاح أم لا: فإن [اغترى] (٣) السيد بذلك فسخ النكاح، ليفرغ بذلك عبده، فالنكاح ثابت بينهما، لقيام التهمة بينهما. فإن لم يغير السيد بذلك فسخ النكاح بينهما، فالنكاح بينهما مفسوخ. واختلف في العبد، هل يرجع إلى السيد أو يكون الخيار للزوجة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن العبد يرجع إلى السيد، ولا خيار للزوجة في ذلك، ولا شيء لها من الصداق؛ لأنه فسخ بغير طلاق، وهو [قول] (٤) ابن القاسم [في المدونة] (٥). والقول الثاني: أن الخيار في ذلك للزوجة إن أحبت أن تدفع الصداق للسيد ويكون لها العبد كان ذلك لها، ويعد ذلك منها شراء للعبد. وإن كرهت، رجع العبد إلى السيد ويفسخ النكاح، وذلك أنه بنفس قبولها للعبد انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح بينهما رجع العبد إلى مولاه؛ لأن الفراق من سببها لقبولها العبد ورضاها به [والحمد لله وحده والصلاة على محمَّد النبي الكريم] (٦).

стр. 1509

المسألة السادسة عشرة في نفقة الزوجات والأصل في وجوب نفقة [الزوجات] (١) وثبوتها على الجملة الكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). وأما السنة: فقوله ﷺ [: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٣)] (٤)، ومنها ما خرجه البخاري ومسلم من حديث هند حين جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني أنا وولدي من النفقة ما يكفيني، فقال لها رسول الله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٥). وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الزوجة [إذا] (٦) [مكنت] (٧) نفسها من زوجها [و] (٨) ارتفعت الموانع من جهتها، وجبت

стр. 1510

لها النفقة على زوجها، [إن] (١) كان مثله يطأ. فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الزوج من أن يكون حرًا أو عبدًا: فإن كان حرًا، فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة: فإن كانت حرة، فلا يخلو الزوج من أن يكون بالغًا أو غير بالغ: فإن كان غير بالغ إلا أنه قادر على الوطء، هل تجب عليه النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا تجب عليه النفقة ولا الصداق حتى يحتلم، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: [أنه] (٢) إذا بلغ [حد] (٣) الوطء وقوى عليه، فالنفقة والصداق عليه، وإن لم يحتلم، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر". وسبب الخلاف: ما قارب الشيء، هل يعطى [له] (٤) حكمه أم لا؟ فإن كان الزوج بالغًا [واحتلم] (٥)، فلا تخلو الزوجة من أن تكون متمكنة للاستمتاع أو غير متمكنة. فإن كانت متكنة للاستمتاع، فإن النفقة تجب على الزوج بالادعاء والتمكين أو بالتمكين على الانفراد، على اضطراب من قول مالك
следующие страницы →