← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

القاسم في العتبية وهو ظاهر المدونة أيضًا] (١). وسبب الخلاف: ما قارب الشيء، هل يعطى له حكمه أم لا؟ فإن أسلم الزوج بعد إسلامها، وبين إسلامها تراخ، فلا خلاف في هذا الوجه، أن النكاح بينهما مفسوخ، وقد حكى بعض المتأخرين في هذا الوجه الذي قدمناه فيما إذا أسلم الزوج عقيب إسلامها، أنه لا سبيل له إليها، فكيف إذا تراخى [إسلامه عن إسلامها] (٢)؟ والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان إسلامها بعد البناء: فالزوج أحق بها [في هذا الوجه] (٣) ما لم تنقض العدة. واختلف في العدة هل هي حيضة واحدة أو ثلاث؟ على قولين: أحدهما: [أنها] (٤) ثلاثة أقراء كاستبراد الحرة المسلمة، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أن عدتها حيضة واحدة واستبراء، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في "ثمانيته"، وهو قول ابن القاسم في المجوسي يسلم وتأبى زوجته الإِسلام: أنها تستبرأ من ماء المسلم بحيضة واحدة. وسبب الخلاف: اختلافهم في الأقراء الثلاثة، هل هي كلها استبراء، أو بعضها استبراء وبعضها عبادة؟ فمن رأى أنها كلها استبراء، قال: تستبرئ نفسها بثلاثة قروء.

стр. 1577

ومن رأى أن الزائد على حيضة في الحرة المسلمة [عبادة] (١) قال: تستبرئ نفسها بحيضة واحدة؛ لأنها كافرة غير متعبدة. والقولان قائمان من "المدونة" من "كتاب العدة". وعلى القول بأنها تنتظر ثلاثة [قروء] (٢)، هل يكون لها النفقة على زوجها ما دامت في عدتها أو لا نفقة لها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنها لها النفقة. والثاني: أنها لا نفقة لها. والقولان: منصوصان في "العتبية" و"الموَّازية". وسبب الخلاف: هل حكمها حكم الناشزة أم لا؟ فمن حكم لها بحكم الناشزة قال: لا نفقة لها في مدة العدة؛ لأنها امتنعت من الزوج وغصبته المنافع التي تعتاض عنها. ومن رأى أن حكمها على خلاف حكم الناشزة أوجب لها النفقة؛ لأنها فعلت ما يجب عليها [فعله] (٣) والزوج تارك الوطء باختياره [لترك ما يجب عليه من الأيمان لأنه من جنس مقدوره كما لو أخره سفر أو أمر يمنعه من الوطء باختياره] (٤)، وهذا هو الأظهر في النظر، والأول أظهر في الرواية. فإذا أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها: كان أحق بها بالنكاح الأول، ولا

стр. 1578

يحتاج إلى [تجديد] (١) عقد آخر. والأصل في ذلك حديث صفوان بن أمية، وذلك أن زوجته ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله ثم أسلم هو، فأقره النبي ﷺ على نكاحه. قالوا: وكان بين إسلام صفوان وإسلام زوجه نحو من أشهر، فكان ذلك سنة فيمن أسلم في عدة امرأته أنه يكون أحق بها إذا تقارر بالزوجية بينهما، ويكون حكمهما حكم الطارئين، إلا أن يتبين كذبهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب": يكون أحق بها إذا ثبت أنها زوجته، ظاهره خلاف ما قاله في "كتاب الرجم" بالطارئين. وقال بعض المتأخرين: وقد يحمل قوله على من هاجر من مكة؛ لأن أهل مكة بالمدينة كثير، ولا يخفى معرفة ذلك بخلاف غيرهم. فإذا انقضت عدتها قبل إسلام زوجها فسخ نكاحهما، وهل يكون فسخا بطلاق أو بغير طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق، وهو نص "المدونة". والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهو ظاهر قوله في "المدونة". فيما إذا أسلما قبل البناء، وقد أصدقها خمرًا أو خنزيرًا وقبضته أن الزوج مخير بين أن يبذل لها الصداق فيقر النكاح، فإن أبى فرق بينهما، وكانت تطليقة واحدة، وهو قول مالك في "العتبية". وسبب الخلاف: ما لأحد الزوجين إجازته أو فسخه، هل يكون فسخًا أو طلاقًا إذا اختار الرد؟ ولا شك أن الزوج في هذه المسألة قادر على إثبات النكاح، ولا فرق

стр. 1579

في جميع ما ذكرناه [بين] (١) أن يكونا كتابيين أو مجوسيين أو أحدهما. وأما إن أسلم الزوج أولًا، فلا تخلو الزوجة من أن تكون كتابية أو مجوسية. فإن كانت حرة كتابية فلا خلاف في ثبوت النكاح بينهما، من غير التفات إلى البناء، كان أو لم يكن، لجواز نكاح الحرة الكتابية للمسلم [ابتداء]. فإن كانت مجوسية، فأسلم الزوج، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل البناء أو بعده. فإن كان ذلك قبل البناء، فهل يعرض عليها الإِسلام أو لا يعرض عليها الإِسلام؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يعرض عليها الإِسلام، كما يعرض عليها [قبل] (٢) البناء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة الصبي إذا أسلم أبوه، وقد زوجه أبوه مجوسية، فقال ابن القاسم: يعرض على زوجته الإِسلام. ومعلوم أن ذلك قبل البناء؛ لأن دخول الصبي [إن دخل] (٣) كلا دخول. والثاني: أنه لا يعرض عليها الإِسلام كما لا يعرض عليها إذا أسلمت قبل البناء، وهو قول أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في إسلامها قبل البناء.

стр. 1580

فإن كان [ذلك] (١) بعد البناء: عرض على الزوجة الإِسلام بلا كلام، واختلف هل توقف في الحال أو تمهل في مدة؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنها توقف في الحال، ولا تؤخر، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" و"الثالث". والثاني: أنها تؤخر وتمهل [إلى مدة] (٢)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب النكاح الثالث"، وإن كان بعض المتأخرين قال: معنى ما وقع لابن القاسم أنها غفل عنها؛ لأن التأخير جائز. والمشهور على أن التأخير جائز، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة"، على خلاف ما تأوله القرويون. وعلى القول بجواز التأخير إلى مدة [معلومة] (٣)، وقد اختلف في قدرها على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الشهر [فأكثر] (٤) قليل ليس بكثير، وهو قول ابن القاسم في أحد روايات "المدونة". والثاني: أن الشهر والشهرين قليل، وهي رواية أخرى في "الكتاب". والثالث: أنها [تؤخر] (٥) إلى ثلاثة أيام، وهي رواية أبي زيد [عن

стр. 1581

ابن القاسم] (١) في "ثمانيته" قياسًا على المرتدة. والقول الرابع: أنها تؤخر إلى انقضاء العدة، وهو قول أشهب في "كتاب النوادر" قياسا على إسلام الزوجة بعد البناء. وسبب الخلاف: بين من قال: تؤخر، وبين من قال: لا تؤخر، الاستدامة هل هي [كالإنشاء] (٢) أم لا؟ فمن جعل الاستدامة كالإنشاء قال: لا تؤخر، إذ لا يجوز للمسلم ابتداء نكاح المجوسية. ومن جعل الاستدامة ليست كالإنشاء قال: بجواز التأخير؛ لأن ذلك شيء أوجبته الأحكام. واختلافهم في قدر المدة على قدر الاجتهاد. وعلى القول بأنها تؤخر، هل لها النفقة في [أثناء] (٣) المدة أو لا نفقة لها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة". ومثار الخلاف: ما قدَّمناه في إسلامها بعد البناء. فإن مات الزوج بعد إسلامه وقبل أن يعرض عليها الإِسلام، فهل تبقى أسباب الزوجية بينهما [أو انقطعت؟ قولان قائمان من "المدونة"، وفائدة ذلك وثمرته العدة، فإن قلنا ببقاء أسباب الزوجية بينهما] (٤): فلتعتد أربعة أشهر وعشرا. وإن قلنا بانقطاع أسبابها فعدتها استبراء [إما] (٥) بثلاثة قروء

стр. 1582

على القول، وإما بقرء واحد على قول. وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟ فعلى قولين: فعلى القول بأنه يعد مختارًا لما ترك فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرا، لاحتمال أن تكون قد اختارت الإِسلام في حياة الزوج ثم كتمته وعادت إلى الكفر. وعلى القول بأنه لا يعد مختارًا لما ترك يكون عليها الاستبراء [بحيضة] (١) خاصة وهذا تحصيل مليح وتخريج صحيح يعضده نص صريح لم أر مثله لمتقدم ولا لمتأخر. والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وبه أستخير فيما أشاء. والحمد لله وحده.

стр. 1583

المسألة السابعة في الذمي يتزوج مسلمة أو اشتراها فوطئها بملك اليمين قال مالك: أرى أن يتقدم في ذلك أشد التقديم، ويعاقبوا على ذلك [بعد التقدم] (١). قال ابن القاسم: ولا أرى أن يقام في ذلك حد، وإن تعمداه، [وفي بعض الروايات إن تعمده بإسقاط الألف] (٢). وفي بعض الروايات: إسقاط "تعمداه" جملة وأسقطت لفظة "تعمداه" من "كتاب [ابن المرابط] (٣) ". واختلف المتأخرون في التأويل، لاختلاف هذه الروايات، وعلى من يعود ضمير التثنية في تعمداه اختلافًا كثيرًا، ونحن نحصله و [نلخصه تلخيصًا] (٤) [ملحظًا] (٥) إن شاء الله تعالى. فأما على إثبات رواية "تعمداه" [بإثبات] (٦) الألف، [فقد] (٧) اختلف المتأخرون في جواب الكتاب على أربعة أقوال:

стр. 1584

أحدها: أنه أجاب على أن النكاح دون الملك؛ لأن الملك لا حدّ فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح نفسه في هذه المسألة شبهة تدرأ بها الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: "وإن تعمداه"، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية. والثاني: أن جوابه على الملك والزوج الذمي، ولم يتعرض للكلام على الحرة المسلمة، ولذلك جمع الجواب وقال: "لكن أرى العقوبة إن لم يجهلوا". والقول الثالث: أن جوابه على الزوج الذمي والولي المسلم. والقول الرابع: أن جوابه في نفي الحد عن الزوج خاصة؛ لأنه وقع في بعض روايات "المدونة": "لا أرى عليه في ذلك حدٌ". وأما على رواية إسقاط الألف "إن تعمداه": فلا إشكال في صحة هذا التأويل. وكذلك على الرواية بإسقاط لفظة "تعمداه" جملة. وأما على إثبات الألف، فبعيد إلا على رجف في التأويل مثل أن يقول: أن التثنية في "تعمداه" تعود على الزوج [والولي] (١)، إذ لا يحد الولي في هذه الصورة بوجه ولا سبب. وأما على الرواية بإسقاط لفظة "تعمداه" جملة، أو إسقاط الألف منها. ويحتمل قوله الآخر في ذلك على الزوجين أو عليهما وعلى الولي وعلى المشتري أو عليهم، والاحتمال متساو.

стр. 1585

واختلفوا في الحُرَّة إذا علمت أنه ذمي، هل تحد أو لا تحد؟ على قولين: أحدهما: أنها تحد، وإليه مال الشيخ أبو القاسم بن محرز وغيره، وهو ظاهر [المذهب] (١). والثاني: أنها لا تحد، وإليه مال الشيخ أبو عمران الفاسي، وقال بعض المتأخرين: يؤخذ من قول ابن القاسم في "المدونة": "أن لا حد في ذلك، وإن تعمداه"، أن من تزوج ما حرَّمه الكتاب عالمًا بالتحريم لا يحد لشبهة النكاح كقول أبي حنيفة. قال: وهو مثل قول أصبغ في "الواضحة" فيمن تزوج أختين عالما بالتحريم، وهو مثل قول مالك في النكاح في العدة. قال: وقال بعض أصحابنا: وفي نكاح الخامسة. وقال القاضي أبو الفضل: ولا خلاف عندنا في المحرمات التي لا يحل نكاحهنَّ يوما ما إلا ما أشار إليه هذا المتأخر. قال: وإنما الخلاف في الحرمات لعلة التي يحل نكاحهن إذا ارتفع التحريم. وما قاله القاضي ﵁ صحيح، جار على أصول الشريعة. والحمد لله وحده.

стр. 1586

المسألة الثامنة في السبي، هل يهدم النكاح أو لا يهدمه ؟ ولا خلاف بين الأمة أن النبي حل المسبية غير الزوجة. وإنما اختلف العلماء في الزوجة، هل يهدم السبي نكاحها أو لا يهدمه؟ فمنهم من قال: إن السبي لا يهدم النكاح حتى يسبيا معا، وهو مذهب أبي حنيفة. ومنهم من يقول: إن السبي يهدم النكاح جملة، وهو مذهب الشافعي، وسواء سبيا معا أو [أحدهما ومنه قول الشاعر (١): وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالًا يبني بها لم تطلق وأما مذهب مالك فقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن السبي يهدم النكاح جملة من غير تفصيل عُلم النكاح بينهما أم لا سبيا معا أو] (٢) مفترقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب أول الباب. والثاني: أن السبي لا يهدم النكاح ولا يفسخه، وهو نص عن مالك في "الموَّازية"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في مسألة العلجين اللذين ادعيا أن بينهما نكاحًا، وعلى أنهما مسبيان حملها حذاق المتأخرين، وهو الظاهر من "الكتاب". والقول الثالث: أن نفس السبي لا يهدم النكاح ولا يفسخه، وإنما يهدمه

стр. 1587

الوطء، ولكن السبي مبيح للوطء، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"، ويدل على ذلك استدلال ابن القاسم بقول مالك في مسألة الأمة التي علمت بالطلاق، ولم تعلم بالرجعة: فإن وطء السيد هو الذي يهدم رجعة الزوج، وإلا فأي فائدة له في جلب هذه المسألة من موضعها إلى هذا الموضع، وموضعها "كتاب العدة". وإلى هذا التخريج ذهب الشيخ أبو القاسم بن [محرز] (١) وغيره من حُذَّاق المتأخرين، وهو تخريج صحيح ظاهر لمن أنصف وكشف له عن أسرار "المدونة". والقول الرابع: بالتفصيل بين أن يُسبيا جميعًا أو مفترقين: فإن سبيا معا: لم يهدم نكاحهما. وإن سبيا مفترقين: فانظر، فإن سبيت المرأة أولًا [فسخ نكاحها، ثم لا ينظر إلى حال الزوج بعد إذا لم يُسب أو قدم بأمان وهو قول ابن القاسم أيضًا؛ لأنه قال في الكتاب: إذا سبيت المرأة أولًا] (٢)، ثم قدم زوجها بأمان، وهي في استبرائها فلا سبيل له إليها، ولا فرق على هذا بين قدومه بأمان أو سبي. فإن سُبي الزوج أولًا ثم سبيت هي بعد ذلك فلا يفسخ النكاح بينهما [لأنه قال: إذا قدم الزوج بأمان أو قدم مسلمًا ثم سبيت امرأته أن النكاح لا يفسخ بينهما] (٣) إن أسلمت، وإن أبت: فرق بينهما، إذ لا تكون زوجة

стр. 1588

لمسلم وهي [أمة نصرانية] (١)، ولا تنقطع عصمة النكاح بينهما بنفس السبي، ولا فرق في ذلك بين إسلامه قبل البناء وبين سبيه بعدها؛ لأن العلة جامعة بين الفصلين، العلة المانعة [من فسخ] (٢) النكاح بينهما إذا قدم مسلما ثم سبيت [بعده] ماله من الأمان وحرمة الإِسلام، والعلة بعينها موجودة فيما إذا سُبي الزوج أولًا، فأمن من القتل بالاسترقاق، فكان ينبغي أن تنال حرمة أمانة زوجته إذا سبيت بعده ثم لا يفسخ نكاحها أصلًا، فهذا لازم لابن القاسم، فافهم وفرغ ذهنك إلى فهم هذه المعاني العويصة تصب إن شاء الله تعالى. وسبب الخلاف: بين من يقول يهدم أو لا يهدم تردد نساء المسترقين الذين أمنوا من القتل بين نساء الذميين أهل العهد، وبين الكافرة التي لا زوج لها. فمن ألحقهن بنساء الذميين، قال: لا يهدم السبي النكاح. ومن ألحقهن [بالكوافر] (٣) اللاتي لا أوزاج لهن، قال: السبي يهدم النكاح. وأما من فرَّق بين أن يسبيا معًا أو يسبيا مفترقين: فيشبه أن يكون المؤثر عنده في الإحلال هو اختلاف الدار بينهما لا الرق، والمؤثر عند غيره هو الرق. وإنما يبقى النظر هل هو الرق بانفراده من غير اعتبار بالزوجية، كانت، أو لم تكن أو مع عدم الزوجية؟

стр. 1589

قال القاضي أحمد الحفيد: والأشبه ألا تكون [الزوجية] (١) هاهنا حُرمة؛ لأن محل الرق وهو الكفر هو سبب الإحلال. وأما تشبيهها بالذمية فبعيد؛ لأن الذمي إنما أعطى الحرية بشرط أن يقر على دينه، فضلا [عن] (٢) نكاحه، وهذا الذي قاله صحيح لمن تأمله، [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1590

المسألة التاسعة في نكاح الكوافر ونساء الكوافر على ثلاثة أقسام: الوثنيات، والمجوسيات، وحرائر الكتابيات، [وإماء الكتابيات] (١). فأما الوثنيات والمجوسيات: فلا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز وطئهن بنكاح. ولا خلاف أيضًا بين فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد ابن حنبل ﵃ أنه لا يجوز وطئهن بالملك. ولا فرق في ذلك بين الإماء والحرائر. ذهب بعض السلف إلى جواز وطئهن بالملك. وذكر عن أبي ثور أنه أجاز وطئهن بنكاح وملك، فإن صح ما ذكر عن أبي ثور، فلا يصح الاحتجاج بالإجماع لمن احتج به. والجواب عن القسم الثاني: في حرائر الكتابيات، فلا خلاف بين العلماء في جواز وطئهن بالملك والنكاح، إلا ما رُوى عن عمر ﵁، وقد وقع له في [بعض] (٢) آثار "المدونة": أنهن كالمجوسيات. والجواب عن القسم الثالث: في إماء الكتابيات، ولا خلاف بين العلماء في جواز وطئهن بملك اليمين.

стр. 1591

واختلفوا في جواز وطئهن بالنكاح. والأصل في جميع المشركات الحرائر منهن والإماء: أنه لا يجوز وطئهن جملة لا بنكاح ولا بملك، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الْكَوَافِرِ﴾ (٢)، وهذا يعم كل مشركة وكافرة. فمن جوز وطء نساء المجوسيات والوثنيات بالملك عارض [هذا العموم] (٣) بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤)، وهن المسبيات، وظاهر الآية العموم والاستغراق للمشركات والكتابيات. ومن جوز وطء حرائر الكتابيات بنكاح: استدل بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٥) ويكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٦)، عمومًا أريد به الخصوص. والأصل عند أرباب الأصول بناء الخصوص على العموم، فخصصت حرائر الكتابيات من العموم بهذه الآية ويبقى الباقي على أصله، ويستدل به على العموم كما يستدل به على الخصوص، على مذهب أكثر الأصوليين. وأما وطء إماء الكتابيات بملك فبقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ

стр. 1592

أَيْمَانكُمْ﴾ (١)؛ فلا خلاف في مذهب الفقهاء أن عموم هذه الآية يتناولهن. وأما وطئهن بنكاح: فإنه ممنوع كما قدمناه عند من منعه، وجاز عند من جوَّزه. وسبب الخلاف: اختلافهم في معارضة العموم للقياس، وذلك أن قياسهن على الحرائر يقتضي إباحة تزويجهن وباقي العموم إذا استثنى منه الحرائر يعارض ذلك؛ لأنه يوجب تحريم نكاحهن، على مذهب [بعض] (٢) الأصوليين أن العموم إذا خصص بقى الباقي على عمومه. فمن خصص عموم الباقي بالقياس أو يرى أن الباقي من العموم بعد الخصوص مُجملًا، قال: بجواز نكاح الأمة الكتابية قياسًا على الحرة، أصل ذلك إماء المسلمات وحرائرهن؛ لأن إماء كل جنس يقاس على حرائره، وينبغي أن يُبنى هذا [الخلاف] (٣) على مطلع آخر، وهو معارضة دليل الخطاب للقياس، وذلك أن قوله تعالى: ﴿مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤)، يوجب ألا يجوز نكاح الأمة غير المؤمنة، كتابية كانت أو غيرها، بدليل الخطاب وقياسها على الحرة يوجب ذلك. [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1593

المسألة العاشرة إذا أسلم النصراني وتحته عشر نسوة ولا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يسلم وعنده عشر نسوة. [الثاني] أو أسلم وعنده أم وابنتها. والجواب عن الوجه الأول: إذا أسلم وعنده عشر نسوة أجنبيات: فإنه يختار منهن أربعًا ويفارق سائرهن، والأصل في ذلك حديث غيلان بن [سلمة] (١) الثقفي: أنه أسلم على عشر نسوة، فقال له رسول الله ﷺ : "اختر منهن أربعًا. . ." (٢) الحديث. وهل لمن فارق منهن صداق أم لا؟ ولا يخلو من أن يكون دخل بهن أو لم يدخل بواحدة. فإن دخل بهن كان لكل واحدة منهنَّ صداق المثل. وإن لم يدخل بواحدة منهن، هل يكون لمن فارق صداق [المثل] (٣) أم لا؟ فالمذهب على ثلالة أقوال: أحدها: أنه لا شيء لهن من الصداق، لا نصفًا ولا غيره، وهو ظاهر

стр. 1594

قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أن لكل واحدة منهن نصف صداقها، وهو قول ابن حبيب. والثالث: أن لكل واحدة منهن خُمس صداقها، وهو قول ابن الموَّاز. وهكذا اختلفوا في الفسخ فيهن بطلاق أو بغير طلاق. فابن حبيب يقول: إنه بطلاق. وابن القاسم يقول: بغير طلاق، وله قول آخر مثل قول ابن حبيب، والقولان قائمان من "المدونة". وقد قال فيما إذا أسلم قبل البناء، وقد قبضت صداقها في أرض الحرب: إن الزوج مخير بين أن يدفع [لها] (١) الصداق ويدخل، فإن أبى فُرِّق بينهما وكانت تطليقة، وهو نص "المدونة"، وفي كلا المسألتين أنَ الفراق باختياره. وسبب الخلاف: اختلافهم في عقود الكفار وأنكحتهم في الشرك، هل هي صحيحة أو فاسدة؟ فمن رأى [أنها صحيحة قال: لها نصف الصداق على قول من يرى أنه طلاقه وقع بالاختيار وخمس الصداق على قول من اعتبر ما يجب عليه، بفراق جميعهن ومن رأى] (٢) أن أنحكتهم فاسدة، وإنما جوزها الشرع إذا أسلما جميعًا على الصفة التي إذا وقع [عليها] (٣) [في] (٤) الإِسلام،

стр. 1595

وذلك شريعة غير معقولة المعنى قال: لا شيء لهن من الصداق؛ ولأنه فراق مغلوب عليه. وأما اختلافهم في الفراق، هل هو فسخ أو طلاق؟ فينبني أيضًا على أصلٍ آخر، وهو المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟ فإن اختار منهن أربعًا، فوجدهن من ذوات [المحارم] (١)، هل له الخيار والاختيار في البواقي أم لا؟ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يوقع عليهن الطلاق حين اختار منهن. والثاني: أن يسرحهن من غير [طلاق] (٢). فإن طلقهن حين اختار منهن: فلا إشكال أنه لا سبيل له إليهن سواء تزوجن أم لا. إذا كان ذلك قبل البناء أو بعده، وانقضت العدة. فإن سرحهن من غير أن يوقع عليهن طلاقا، فهل له أن يختار منهن أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن له أن يختار منهن أربعًا ما لم يتزوجن، وهو قول عبد الملك بن الماجشون. والثاني: أن له أن يختار [منهن] (٣)، وإن تزوجن ودخل بهن أزواجهن، [ويفسخ نكاحهن] (٤)، وهو قول ابن عبد الحكم.

стр. 1596

وسبب الخلاف: المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟ والجواب عن الوجه الثاني: إذا أسلم وعنده امرأتان من ذوات المحارم، فلا يخلو من أن تكونا أختين أو تكونا أمًا وابنتها. فإن كانتا أختين، فهل له أن يختار واحدة منهما أو يفارقهما جميعًا [فالمذهب على قولين: أحدهما: أن له أن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى كالأجنبيات سواء وهو قول مالك الذي عليه أكثر أصحابه. والثاني: أنه فارقهما جميعا] (١) ويتزوج بعد ذلك أيتها شاء، وهو قول ابن الماجشون، وخالفه في ذلك جميع أصحاب مالك ﵃ أجمعين. فإن كانتا أمًا وابنتها، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يدخل بهما جميعًا. أو لا يدخل بواحدة منهما. أو دخل بواحدة. فإن دخل بهما: فارقهما جميعًا، ولا تحل له واحدة منهما أبدًا. فإن دخل بواحدة [منهما] (٢)، فلا يخلو من أن تكون معلومة أو مجهولة: فإن كانت معلومة فإنه يبقى معها إن كانت الابنة بلا خلاف، وإن كانت الأم فعلى الخلاف.

стр. 1597

فإن كانت مجهولة، كانت بمنزلة ما لو دخل بهما جميعًا. فإن لم يدخل واحدة [منهما] (١)، ففي المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه يختار أيتها شاء، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يفارقهما جميعًا، وهو قول بعض الرواة في "المدونة". والثالث: أنه يمسك الابنة ويفارق الأم، وهو قول أشهب في أول "كتاب النكاح الثالث". وسبب الخلاف بين ابن القاسم وبين بعض الرواة: اختلافهم في الاستدامة، هل هي كالإنشاء أم لا؟ فبعض الرواة يقول: إنها كالإنشاء، وابن القاسم يقول: لا. والخلاف بين ابن القاسم وأشهب ينبني على الخلاف في العقد الفاسد، هل [هو] (٢) شبهة تؤثر أو لا؟ فأشهب يقول: نعم، وابن القاسم: اضطرب قوله، وقد قال في باب المجوسي يسلم وعنده عشر نسوة: أن الابنة التي أرسلها لا تحل لآبائه [ولا لأبنائه بناءً] (٣) على أن شبهة العقد الفاسد تؤثر، وقوله مضطرب كما ترى والله أعلم [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 1598

المسألة الحادية عشرة في طلاق النصراني وطلاق النصراني زوجته لا يخلو من أن يتقاررا أو يتجاحدا. فإن تجاحدا: فحكمهما حكم المسلمين في ذلك بلا إشكال. فإن تقاررا [فلا يخلو من أن يجوزها نفسها، أم لا. فإن جوزها حكم عليه الفقهاء إذا طلبت ذلك وترافعا إلى حكم المسلمين، فإن لم يجوزها نفسها] (١): فلا يخلو من أن يرضى بحكم الإِسلام أو لم يرض: فإن لم يرض بحكم المسلمين [لم] (٢) يجبر على الطلاق ولا يلزمه؛ لأن ذلك بمعنى الهبة، والنصراني لا يجبر على تسليم الهبة للموهوب له. فإن رضي الزوج بحكم الإِسلام [فالإمام مخير إن شاء حكم إن شاء ترك. قال مالك: وأحب إلى ألا يحكم بينهم، فإن حكم بينهم حكم بحكم الإِسلام] (٣). وهل يتوقف الحكم على رضا أساقفتهم أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا [ينظر] (٤) إلى رضا أساقفتهم، وهو ظاهر "المدونة". والثاني: أنه لابد من رضاهم، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".

стр. 1599

واختلف المتأخرون في معنى قوله في "الكتاب": "فإن حكم بينهم حكم بحكم الإِسلام" هل يريد بذلك أنه يحكم بينهما بالطلاق؟ وهو تأويل أبي الحسن بن القابسي وغيره، أو يريد بذلك أنه لا يحكم بينهما بالفراق لأن حكم الإِسلام في أنحكتهم وطلاقهم لا يلزم، وهو تأويل [ابن] (١) أخي هشام وابن الكاتب وغير واحد من المتأخرين، وهو أظهر، ويدل عليه [قوله] (٢) في "الكتاب": وطلاق أهل الشرك ليس بطلاق. وفي المسألة قول ثالث: بالتفصيل بين أن يكون العقد وقع على شروط الصحة: فيجوز ويكون فيه الطلاق، أو يكون وقع على شروط فاسدة: فلا يلزم فيه الطلاق، وظاهر ما وقع في "كتاب العتق الثاني" يشهد بصحة تأويل ابن القابسي في لزوم الطلاق في النصراني إذا أعتق عبده وتمسك به أنه لا يعرض له إلا أن يرضى السيد بحكم الإِسلام: فيحكم عليه بعتقه. وظاهره: أن العتق والطلاق في ذلك سواء، ولا فرق بينهما في جميع ما ذكرناه، والحمد لله وحده.

стр. 1600

المسألة الثانية عشرة في أحكام المرتد والمرتد: إذا ارتد فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، لقوله ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" (١)، وقول عمر ﵁[في الاستتابة] (٢): هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه في كل [يوم] (٣) رغيفا (٤). واختلف عن عمر ﵁ في التأخير إلى ثلاثة أيام، واختلافه سَبَّبَ اختلاف قول مالك والشافعي ﵄ في الاستتابة، هل هي ثلاث مرات أو ثلاثة أيام؟ [فعن مالك في ذلك روايتان، والقولان قائمان من "المدونة"، ويؤخذ له من آخر "كتاب العدة وطلاق السنة": أنها لا تؤخر إلى ثلاثة أيام] (٥)، لقوله في المرتدة: وإن كانت [غير] (٦) حامل لم تؤخر واستتيبت، معناه: لم تؤخر إلى ثلاثة أيام واستتيبت في الوقت ثلاث مرات، إلا أن المشهور عنه التأخير إلى ثلاثة أيام. وإذا ثبت ذلك فهل الردة تزيل العصمة بينهما؟ فالمذهب على ثلاثة

стр. 1601

أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الردة تزيل العصمة بينهما جملة بلا تفصيل، وهو قول مالك في "المدونة" في "كتاب النكاح الثالث". والثاني: أن نفس الردة غير مزيلة للعصمة [جملة] (١) إذا رجع إلى الإِسلام، وهو قول أشهب في غير "المدونة"، وهو ظاهر قول الغير في "كتاب النكاح الثالث" (٢) [من المدونة] (٣): إن الردة [لا تسقط أيمانه ولا تحبط إحصانه] (٤). والقول الثالث: التفصيل بين أن تكون زوجته أمة أو كتابية أو كانت الزوجة هي المرتدة، فارتدت إلى اليهودية أو إلى النصرانية. فإن كانت الزوجة مسلمة أو كانت هي المرتدة، فارتدت إلى المجوسية فالعصمة منقطعة بينهما. وإن كانت كتابية أو نصرانية أو كانت الزوجة هي المرتدة، فارتدت إلى اليهودية أو إلى النصرانية فالعصمة بينهما قائمة، ولا يفسخ النكاح بينهما بالارتداد إذا عاود إلى الإِسلام، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب"، وهو قول علي بن زياد وابن بشير في الزوجة إذا ارتدت إلى المجوسية، وزوجها مسلم، ووقعت الفرقة بينهما، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله: إذا ارتدت وقعت الفرقة بينه وبين زوجاته إذا كن مسلمات، وهو [مثل] (٥) قول أصبغ، وظاهر قول ابن القاسم بعده خلافه في قوله: أنه

стр. 1602

تقع [الفرقة] (١)، وإن كان من غير أهل الإِسلام. وعلى القول بأن الردة تزيل العصمة، هل ذلك فسخ أو طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه طلاق، وهو نص قول مالك في "المدونة". والثاني: أنه فسخ، وهو قول مالك في "المبسوط"، وهو ظاهر "المدونة" في إسلام أحد الزوجين، إذ لا فرق في التحقيق بين الموضعين. وعلى القول بأنه طلاق، هل هو طلاق بائن أو رجعي؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها طلقة بائنة، وهو نص "المدونة". والثاني: أنها طلقة رجعية، وهو قول منصوص في المذهب، وهو ظاهر "المدونة" في الزوج إذا أسلم في العدة. وسبب الخلاف: [في جميع] (٢) ما ذكرناه من وجوه هذه المسألة من الأقوال: اختلافهم في المرتد إذا رجع إلى الإِسلام، هل هو كالكافر الأصلي إذا أسلم أو حكمه حكم المسلم الأصلي الذي لم يرتد قط، وهذا مدار هذه المسألة، وعليه ينبني ما فيها من الخلاف، فابن القاسم اضطرب، [مذهبه في المدونة] (٣) فتارة حكم له بحكم الكافر الأصلي إذا أسلم سقط عنه كل ما كان عليه من حقوق الله، ويبتدئ ما كان الكافر يبتدئه إذا أسلم.

стр. 1603

وتارة يقول كقول غيره. وغيره اضطرب مذهبه وما اضطرب وقال: إن حكمه حكم المسلم الأصلي الذي لم يغير دينه قط. وعلى هذا الأصل ينبني اختلافهم أيضًا في المرتد إذا مات له ولد في حال ردته حيث قال ابن القاسم: [لم يوقف [له] (١) من ميراثه شيء ولا يرث، والميراث لمن وجب له يوم مات الميت. وقال أشهب:] (٢) يوقف له ميراثه منه فإن أسلم كان له، وإن قتل على ردته كان فيئا لجميع المسلمين كسائر ماله. والحمد لله وحده، تم "كتاب النكاح الثالث" [بحمد الله وحسن عونه والصلاة على نبينا محمَّد وآله] (٣) [ويتلوه "كتاب الرضاع"] (٤).

стр. 1604

كتاب الرضاع

стр. 1605

كتاب الرضاع تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل: المسألة الأولى في مقدار ما يقع به التحريم في الرضاع ولا خلاف عندنا في المذهب أن المصَّة والمصتين يقع بها التحريم، ويقع بأقل ما يصح عليه اسم الرضاع، قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١). فإذا لم يكن هناك سنة متفق عليها، ولا دليل يدل على حد معلوم، كان الرجوع إلى أقل ما يقع عليه اسم الرضاع، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن. فإذا ثبت ذلك فلا يخلو ذلك القدر من اللبن من أن يدخل [من] (٢) مدخل الطعام أو من غيره من سائر المنافذ: فإن كان من مدخل الطعام، كالوَجُور: وهو ما يدخل من وسط الفم، وقيل: ما صُبَّ في الحلق، وكاللدود، وهو: ما صُبَّ من تحت اللسان. وقيل: ما صُبَّ في جانب الفم. فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه يقع به التحريم ولا يشترط [فيه] (٣) ما يشترط فيما عداه من سائر المنافذ من الوصول إلى الحلق على ما نصف إن شاء الله تعالى: لأن الوجور دخل من المدخل المعتاد.

стр. 1606

وأما السعوط وهو: ما أُدخل [من الأذن] (١)، وما أُدخل في العين من الكحل، وما استدخل من أسفله أو من الحقنة، فقد اختلف في جميع ذلك. فأما السعوط: فهو ما صب في الأذن والعين، فالمذهب فيها على قولين: أحدهما: أنه يقع به التحريم جملة، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب". والثاني: التفصيل بين أن يصل إلى جوف الصبي فيقع به التحريم أو لا يصل فلا يقع به، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". وهذا منه بناء على أن هذا مشكوك فيه لقلته، واختلاف أحوال الناس في ذلك: فمنهم من يصل ذلك له من ذلك المنفذ. ومنهم من لا يصل له منه. وأما الحقنة، فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه يقع بها التحريم جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن حبيب في "واضحته"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصيام" من "المدونة". والثاني: أنه لا [يقع بها] التحريم جملة، وهو قول رواه أبو عبيد عن مالك ﵀.

стр. 1607

والثالث: التفصيل بين أن يقع بها الاغتذاء أو لا يقع بها: فإن وقع بها الاغتذاء للصبي، بحيث لو منع الطعام ولم يصل منه شيء إلى جوف الصبي: لكان غذاء الحقنة يكفيه، كما فسره محمَّد بن الموَّاز: كان التحريم يقع بها. فإن لم يقع بها الاغتذاء فلا يقع بها التحريم، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة". وسبب الخلاف: هل يعتبر في اللبن وصوله [إلى] (١) الحلق أو يعتبر الوصول إلى الجوف [على الجملة] (٢)؟ فمن [اعتبر] (٣) الوصول إلى الحلق قال: لا تقع الحرمة بشيء مما وصل من سائر المنافذ غير الفم. ومن اعتبر الوصول [خاصة قال: مهما تيقن أن اللبن وصل] (٤) إلى الحلق أو إلى الجوف إن كانت حقنة، فالتحريم واقع. ومن فصَّل في الحقنة بين أن تكون غذاءً أو لا تكون فقد راعى الأمرين ولاحظ الشقين، [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1608

المسألة الثانية في اللبن، هل هو للفحل أم لا ؟ فمذاهب فقهاء الأمصار أن اللبن للفحل، وأن الصبي [المرضع] (١) ابن له، وبه قال علي بن أبي طالب [وعبد الله بن عباس] (٢) ﵃. فإذا طئها ودَّرت لبنا بوطئه فاللبن له، ومن ارتضعته من الصبيان فهو ابن [له] (٣)، وهذا مذهب مالك ﵀ ويكون اللبن للفحل قبل أن تلد عنده. وإنما اختلف المذهب في المرضع المطلقة إذا تزوجت ودخلت، ثم [ارتضعت] (٤) صبيًّا، هل يكون ابنا للأول أو للثاني أو لهما جميعًا؟ على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن لبن الأول ينقطع بوطء الثاني، وهو قول ابن وهب في "كتاب ابن شعبان": والمرضع ابن للثاني؛ لأنه بنفس الوطء دَرَّت اللبن، وتنقطع حرمة لبن الأول. وهو ظاهر قوله في "المدونة": ويكون اللبن للفحل قبل أن تلد. والثاني: أن اللبن لهما جميعًا، إن كان لبن الأول لم ينقطع وإن حملت، على ما نص عليه في "الكتاب"، أو "وضعت" على ظاهر ما في "الكتاب"، ونص مالك في "كتاب محمَّد".

стр. 1609

والقول الثالث: أن حرمة لبن الأول تنقطع بالوضع، وهو قول مالك في "مختصر الوقار"، وهو الذي حكى ابن المنذر عليه إجماع العلماء. والرابع: أنه لا ينقطع حرمة لبن الأول إلا بعد مضي خمسة أعوام، أقصى أمد الحمل من فراق الأول، وهو قول سحنون. والقول الخامس: التفصيل بين أن يتساوى اللبنان أو يكون لأحدهما [غلبة على الآخر] (١): فإن تساويا: فيشتركان في الولد. وإن كان أحدهما تبعًا للآخر: فالحكم [للأكثر] (٢)، ويكون الولد ابنًا لصاحبه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة الدواء والطعام إذا مزج بلبن امرأة، فغذي به الصبي، حيث اعتبر الغالب والمغلوب. وإلى هذا الاستقراء ذهب بعض المتأخرين، وهو مذهب بعض العلماء. وفرق بعض الحُذَّاق من المتأخرين بين الموضعين بأن الكثير من اللبن المضاف إلى القليل: لا يغير القليل عن صفته ولا يخرجه عن حكمه، بل هو لبن على ما كان عليه واللبن المضاف إلى الدواء أو الطعام فيه يُعتبر الغالب والمغلوب على مذهب ابن القاسم لإضافته إلى غير جنسه. وأما ابن حبيب وغيره فلم يراعيا شيئًا من ذلك، وإنما اعتبرا وصوله إلى الجوف خاصة، واختلاط [اللبن مع] (٣) غيره من أنواع الأدوية والأطعمة لا يؤثر في إسقاط حكمه، للعلم الحاصل أن أجزائه هناك قائمة، وإن كانت غير بادية؛ لأن الجواهر تتراسن ولا تتداخل، والأقوال كلها

стр. 1610

ضعيفة إلا قول سحنون؛ لأنه أشبه للقياس على الأمد الذي ينقطع فيه النسب، وهذا يشترط أن يكون لهذا التحديد نص يعضده دليل مسموع، وإلا [فدليل] (١) عليل يداويه غليل، وهذا إذا كان وطء الفحل حلالًا. وأما إذا كان حرامًا، فلا يخلو ذلك الحرام من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حرامًا، يلحق فيه النسب ويدرأ فيه الحد. والثاني: أن يكون حرامًا، لا يلحق فيه النسب، ولا يدرأ فيه الحد. [والثالث: إذا كان حرامًا لا يلحق فيه الولد، ولا يحد فيه الواطيء] (٢). [والجواب عن الوجه الأول: إذا كان حرامًا يلحق فيه النسب ويدرأ فيه الحد كالذي تزوج خامسة أو المبتوتة قبل زوج أو أخته من الرضاعة جاهلا بالتحريم فالتحريم يقع بلبنه] (٣). والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان حراما لا يلحق فيه النسب كالزنا والغصب وما أشبهه، هل يقع التحريم أو لا يقع؟ فعن مالك في ذلك قولان: أحدهما: أن التحريم يقع به، وهذا القول الذي ثبت عليه مالك على ما ذكر ابن حبيب. والثاني: أنه لا يقع به التحريم، فجعل مالك ﵀ أن الحرام في هذا القول تابع للولد، فمهما ثبت النسب: وقع التحريم، ومهما لم

стр. 1611

يثبت النسب: لم يقع التحريم، وهذا القول [أشبه] (١) بأصول المذهب. وأما الثاني: فإنما اعتبر فيه الشبهة والصورة دون المعنى. والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان حرامًا لا يلحق فيه الولد ولا يحد فيه الواطيء، كالذي تزوج امرأة فأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ففسخ نكاحه، فأرضعت صبيًّا، أو وطأ أمة وهي حامل من غيره، هل تقع الحرمة بينه وبين ذلك الولد أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يقع به التحريم، ويكون الولد ابنا لهما جميعًا، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وقال [ابن عبد الحكم] (٢) وإن لم يكن لها لبن؛ لأن الوطء يخرجه وينزل الدر، ومعناه: إذا كان قريبا من الوطء، وهو قوله في التي أتت بولد لأقل من ستة أشهر. فإن بعد ما بين الوطء والرضاع وصار لها [ابنًا] (٣) على العادة التي تكون من الحامل عند الوطء ضعف أمر الثاني، وكذلك قال مالك وابن القاسم وسحنون في الأمة التي وطئها سيدها، وهي حامل من غيره: إن المحرمية تكون بين السيد وبين الولد؛ لأنه قد سقاه في بطن أمه بمائه، فكان كالرضاع. وهل يعتق عليه أم لا؟ فمشهور المذهب أنه يؤمر ولا يجبر. والقول الثاني: أنه لا يقع به التحريم بين الولد في المحرمية والثاني، وهو قول أبي إسحاق بن شعبان وغيره. والحمد لله وحده.

стр. 1612

المسألة الثالثة في الأمد الذي يوثر فيه الرضاع ولا شك ولا خفاء أن الله تعالى قد بين أمد الرضاع إباحة لمن أراد أن يتم الرضاع؛ لأن ذلك على سبيل الوجوب الذي لا يحل النقصان منه، ولا الزيادة عليه. وقال جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...﴾ الآية (١). ثم لا يخلو الولد في الرضاع من ثلاثة أوجه: إما أن تفطمه [أمه] (٢) قبل الحولين. أو بعد الحولين بيسير. أو بعدهما بكثير. فإن فطمته قبل الحولين، حتى استغنى بالطعام والشراب عن اللبن، بحيث أن لو عاد إلى الرضاع لم يكن له غذاء، ثم ارتضعته امرأة أخرى بعد ذلك قبل تمام الحولين، هل يحرم أو لا يحرم؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحرم شيئًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يحرم، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ. والثالث: إن كانت مصة أو مصتين فلا يحرم، وهو قول أبي

стр. 1613

الحسن اللخمي. وسبب الخلاف: تعارض الأثرين: قوله ﵇: "لا رضاع بعد فطام" (١)، وهذا الأثر يقتضي: ألا يحرم ما ارتضع بعد الفطام، كما قال ابن القاسم. والأثر الذي يعارضه قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٢)، غير أن هذا الأثر يحتمل أن يريد الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيف ما كان الطفل، وهو سن الرضاع، ويكون معارضًا لقول ابن القاسم، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فُطم في بعض الحولين لم يكن رضاع من المجاعة. [وأما الوجه الثاني:] (٣) إذا فطم بعد الحولين بيسير، فقد اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أن الزيادة على حولين لا تؤثر [فيها] (٤) الرضاعة، ولا توجب تحريما، وهذا قول قياسي؛ لأن ذلك [زيادة] (٥) على ما ذكره الله تعالى في كتابه. والثاني: أن الزيادة [اليسيرة] (٦) داخلة في الحولين، وهو قول مالك ﵀.

стр. 1614

وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (١) ما قارب الشيء هل يُعطى له حكمه أو لا يُعطى له؟ وعلى القول بأن الزيادة اليسيرة يحرم فيها الرضاع كالحولين، اختلف في حدها على أربعة أقوال: أحدها: أن تكون الزيادة مثل نقصان المشهور، وهو قول مالك في "الحاوي" لأبي الفرج، وبه قال سحنون. والثاني: أنها مثل الشهر لا أكثر، وهو قول القاضي أبي الحسن بن القصار. والثالث: الشهر والشهران، وهو قول مالك في "المدونة". والقول الرابع: أن الزيادة اليسيرة، [نحوًا من] (٢) ثلاثة أشهر، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر". وسبب الخلاف: معارضة الأثر لكتاب الله تعالى، فإن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣)، وهذا يوهم أن الزائد عليه لا يحرم. ويعارضه قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٤)، يقتضى [عمومه] (٥): أن ما دام الطفل غذاؤه اللبن، أن ذلك الرضاع يحرم.

стр. 1615

وأما الوجه الثالث: إذا جاوز الحولين بكثير، فإن ذلك الرضاع لا يؤثر، ولا له حرمة، ولا يحرم، سواء فطمته أمه أو كان رضاعًا متصلًا على ظاهر المذهب؛ لأن رضاعه حينئذ [تولّه] (١) وليس برضاع ينبت اللحم وينشز العظم، وذلك من باب رضاعة الكبير. والحمد لله وحده.
следующие страницы →