← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

يثبت النسب: لم يقع التحريم، وهذا القول [أشبه] (١) بأصول المذهب. وأما الثاني: فإنما اعتبر فيه الشبهة والصورة دون المعنى. والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان حرامًا لا يلحق فيه الولد ولا يحد فيه الواطيء، كالذي تزوج امرأة فأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ففسخ نكاحه، فأرضعت صبيًّا، أو وطأ أمة وهي حامل من غيره، هل تقع الحرمة بينه وبين ذلك الولد أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يقع به التحريم، ويكون الولد ابنا لهما جميعًا، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وقال [ابن عبد الحكم] (٢) وإن لم يكن لها لبن؛ لأن الوطء يخرجه وينزل الدر، ومعناه: إذا كان قريبا من الوطء، وهو قوله في التي أتت بولد لأقل من ستة أشهر. فإن بعد ما بين الوطء والرضاع وصار لها [ابنًا] (٣) على العادة التي تكون من الحامل عند الوطء ضعف أمر الثاني، وكذلك قال مالك وابن القاسم وسحنون في الأمة التي وطئها سيدها، وهي حامل من غيره: إن المحرمية تكون بين السيد وبين الولد؛ لأنه قد سقاه في بطن أمه بمائه، فكان كالرضاع. وهل يعتق عليه أم لا؟ فمشهور المذهب أنه يؤمر ولا يجبر. والقول الثاني: أنه لا يقع به التحريم بين الولد في المحرمية والثاني، وهو قول أبي إسحاق بن شعبان وغيره. والحمد لله وحده.

стр. 1612

المسألة الثالثة في الأمد الذي يوثر فيه الرضاع ولا شك ولا خفاء أن الله تعالى قد بين أمد الرضاع إباحة لمن أراد أن يتم الرضاع؛ لأن ذلك على سبيل الوجوب الذي لا يحل النقصان منه، ولا الزيادة عليه. وقال جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...﴾ الآية (١). ثم لا يخلو الولد في الرضاع من ثلاثة أوجه: إما أن تفطمه [أمه] (٢) قبل الحولين. أو بعد الحولين بيسير. أو بعدهما بكثير. فإن فطمته قبل الحولين، حتى استغنى بالطعام والشراب عن اللبن، بحيث أن لو عاد إلى الرضاع لم يكن له غذاء، ثم ارتضعته امرأة أخرى بعد ذلك قبل تمام الحولين، هل يحرم أو لا يحرم؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحرم شيئًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يحرم، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ. والثالث: إن كانت مصة أو مصتين فلا يحرم، وهو قول أبي

стр. 1613

الحسن اللخمي. وسبب الخلاف: تعارض الأثرين: قوله ﵇: "لا رضاع بعد فطام" (١)، وهذا الأثر يقتضي: ألا يحرم ما ارتضع بعد الفطام، كما قال ابن القاسم. والأثر الذي يعارضه قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٢)، غير أن هذا الأثر يحتمل أن يريد الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيف ما كان الطفل، وهو سن الرضاع، ويكون معارضًا لقول ابن القاسم، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فُطم في بعض الحولين لم يكن رضاع من المجاعة. [وأما الوجه الثاني:] (٣) إذا فطم بعد الحولين بيسير، فقد اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أن الزيادة على حولين لا تؤثر [فيها] (٤) الرضاعة، ولا توجب تحريما، وهذا قول قياسي؛ لأن ذلك [زيادة] (٥) على ما ذكره الله تعالى في كتابه. والثاني: أن الزيادة [اليسيرة] (٦) داخلة في الحولين، وهو قول مالك ﵀.

стр. 1614

وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (١) ما قارب الشيء هل يُعطى له حكمه أو لا يُعطى له؟ وعلى القول بأن الزيادة اليسيرة يحرم فيها الرضاع كالحولين، اختلف في حدها على أربعة أقوال: أحدها: أن تكون الزيادة مثل نقصان المشهور، وهو قول مالك في "الحاوي" لأبي الفرج، وبه قال سحنون. والثاني: أنها مثل الشهر لا أكثر، وهو قول القاضي أبي الحسن بن القصار. والثالث: الشهر والشهران، وهو قول مالك في "المدونة". والقول الرابع: أن الزيادة اليسيرة، [نحوًا من] (٢) ثلاثة أشهر، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر". وسبب الخلاف: معارضة الأثر لكتاب الله تعالى، فإن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣)، وهذا يوهم أن الزائد عليه لا يحرم. ويعارضه قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٤)، يقتضى [عمومه] (٥): أن ما دام الطفل غذاؤه اللبن، أن ذلك الرضاع يحرم.

стр. 1615

وأما الوجه الثالث: إذا جاوز الحولين بكثير، فإن ذلك الرضاع لا يؤثر، ولا له حرمة، ولا يحرم، سواء فطمته أمه أو كان رضاعًا متصلًا على ظاهر المذهب؛ لأن رضاعه حينئذ [تولّه] (١) وليس برضاع ينبت اللحم وينشز العظم، وذلك من باب رضاعة الكبير. والحمد لله وحده.

стр. 1616

المسألة الرابعة في اللبن الذي يقع به التحريم واللبن علي وجهين: لبن البهيمة ولبن بني آدم. وأما لبن البهائم: فلا خلاف أنه لا يؤثر في التحريم، لا في الصغير ولا في الكبير. وأما لبن بني آدم فعلى وجهين: ذكرانًا وإناثًا. فأما لبن الذكران، فهل يقع به التحريم أو لا يقع؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحرم، وهو نص "المدونة". والثانى: يكره إن تناكحا، وأن رضاعه يوجب المحرمية على وجه الكراهة، وهو قول مالك في "كتاب ابن شعبان". والثالث: أنه يحرم كما يحرم رضاع الآدمية، وهو مذهب بعض المتأخرين، واختاره بعض الشيوخ؛ لأنه إذا كانت الحرمة بما تكون عن وطئه من اللبن كانت الحرمة بمباشرة لبنه الولد أولى. وقال بعض المحققين من أصحابنا: هذا غير موجود فضلًا عن أن يكون له حكم شرعي. وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالألقاب والمسميات أو الاعتبار بالمعاني؟

стр. 1617

فمن اعتبر الألفاظ والتسمية قال بوجوب التحريم لمشاركة الاسم التحريم. ومن اعتبر المعاني قال: لا يوجب التحريم، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، والرجل ليس بأم. وأما لبن الإناث: إناث بني آدم، فلا تخلو المرضعة من أن تكون صغيرة أو كبيرة. فإن كانت صغيرة، غير بالغة [ومثلها توطأ فالتحريم يقع بلبنها وإن كانت صغيرة غير بالغة] (٢) ولا يوطأ مثلها، هل يقع التحريم بوطئها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يحرم، وهو ظاهر المدونة. والثاني: أنه لا يحرم، وهو قول ابن الجلاب. فإن كانت كبيرة، فلا يخلو من أن تكون حية أو ميتة. فإن كان حية، فلا خلاف أعلمه في المذهب [نصًا] (٣): أنه يحرم سواء كانت ذات زوج أو فارغة من زوج، حاملًا كانت أو حائلًا، آيسة كانت أو غير آيسة. فإن كانت ميتة، فلا يخلو من أن يكون اللبن قد انفسد بموتها أو لم ينفسد. فإن انفسد اللبن وتغير عن الحال الذي يقع به الاغتذاء للصبي: فلا يقع

стр. 1618

به التحريم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن سحنون" ولا فرق على هذا بين أن تكون ميتة أو حية. فإن كان اللبن على صفته، ولم يتغير بموتها: فإن التحريم يقع به، وإن كان نجسًا، لأن نجاسته لا تخرجه عن أن يكون مغذِّيًا. وقال بعض المتأخرين: "وهذه المسألة تكاد أن تكون غير واقعة، ولا وجود لها إلا في القول". قال في "المدونة": ويحد من وطئ ميتة، وكذلك يقع التحريم [بلبنها] (١). يريد: أن حرمة الميتة في نكاحها والحية واحدة في إيجاب الحد وتحريم الفرج. وكذلك رضاعها في الحرمة في الحياة والممات، فهذا في الأجنبي إذا وطئها بعد موتها. فأما زوجها إذا وطئها، فقد اختلف المتأخرون في حده؟ على قولين: أحدهما: أنه يحد. والثاني: أنه لا يحد، وهو المشهور عند محققيهم، لبقاء أسباب الزوجية بينهما، وتمادى بعض حقوقها، لجواز غسله إياها متكشفة، [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1619

المسألة الخامسة فيما يجب على الأم من رضاع ولدها ولا تخلو الأم من أن تكون في عصمة الزوج أو [في غير عصمته فإن] (١) كانت [في عصمة الزوج أو] (٢) في عدة من طلاق رجعي. ولا تخلو المرأة من أن تكون من ذوات الشرف أو من غيرهن. فإن كانت من ذوات الشرف، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرا. فإن كان الأب موسرًا، والولد يقبل غير أمه من المراضع: فلا يلزم أمه من رضاع ولدها شيء؛ لأن العرف يشهد لها ألا ترضع؛ لأن ذلك عادة أمثالها، والعرف دليل شرعي [عندنا] (٣)، إلا أن ترضعه بأجرة فيكون ذلك لها. وإن كان الأب مُعسرًا، فلا يخلو الولد من أن يقبل غير أمه أو لا يقبلها. فإن كان يقبل غير أمه: فالأم والأجنبية في ذلك سواء. فإن وجد الأب من يرضعه: كان له أن يسلمه إليها، ولا تجبر الأم مع وجود غيرها. فإن كان الولد لا يقبل غير الأمه: جبرت الأم على إرضاعه بغير أجر

стр. 1620

يكون في ذمة الأب، كما لو [مات] (١). فإن كانت دنية ومن مثلها تباشر رضاع الصبيان. ومؤنتهم، فلا يخلو من أن يكون لها لبن أو لا لبن لها: فإن كان لها لبن: جبرت على إرضاع ولدها من غير اعتبار، عسر الزوج أو يسره. فإن لم يكن لها لبن، أو كان لها فانقطع، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرًا. فإن كان موسرًا: كانت الإجارة على الأب. وإن كان معدمًا، فلا تخلو الأم من أن تكون موسرة أو مُعسرة. فإن كانت معسرة: لم يكن عليها من رضاع ولدها شيء، ولا يلزمها أن تستأجر من ترضعه، وتتبع بذلك في ذمتها. فإن كانت موسرة [هل يلزمها أن تستأجر على رضاع ولدها؟] (٢)، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلزمها أن تستأجر [له] (٣) من ترضعه من مالها، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أن عليها أن تستأجر من مالها، وهو قوله في "كتاب محمَّد". وسبب الخلاف: هل رضاع الولد متعلق بذمتها أو متعلق بوجود اللبن؟ والقولان قائمان من "المدونة" في "كتاب الصيام".

стр. 1621

فإن كانت في غير عصمته: كان لها الأجر على الرضاع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). ثم إن الأب لا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا. فإن كان موسرًا، فطلبت الأجرة على الرضاع، ووجد الأب من قرابته من يرضعه بدون ذلك، فلا يخلو الولد من أن يقبل غير أمه أو لا يقبلها. فإن كان يقبل غير أمه، فالأم مخيرة بين أن ترضعه أو تسلمه، فإذا قلنا: إن لها أن ترضعه، هل ترضعه بأجرة المثل [ما بلغت] (٢) أو بما وجد؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنها ترضعه بأجرة المثل من غير اعتبار بما [طلبت] (٣) ولا ما وجد، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: وليس للأب أن يفرق بينه وبينها إذا أرادت أن ترضعه بما ترضعه به الأجنبية، ثم بين ذلك آخر المسألة قال: فإنها أحق به بأجر رضاع مثله، وقال أيضًا آخر المسألة: إذا وجد من يرضعه باطلًا، وهو موسر لم يكن له أخذه وعليها رضاعه بما ترضع به غيرها، ويجبر الأب على ذلك. فهذه كلها شواهد تشهد على أنه لا ينظر إلى ما وجد ولا إلى ما طلبت، وهو تأويل أبي القاسم بن المكاتب على "المدونة". والقول الثاني: أنها تخير بين أن تسلمه وترضعه بما وجد، وهو نص "المدونة" أيضًا، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين أيضًا.

стр. 1622

واختلف في الأب إذا وجد من يرضعه باطلًا، والأب موسر، هل تكون الأم أحق به بأجرة المثل أو تخير بين أن تسلمه أو ترضعه باطلًا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الأم أحق به، بأجرة المثل ولا قول للأب، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أن القول قول الأب إذا وجد من يرضعه باطلًا، لا حق فيه للأم إلا أن ترضى أن ترضعه بالأجر، وهو قول حكاه سحنون في "كتاب الرضاع" في بعض روايات "المدونة"، قال: وقد قيل، ولم يسم قائله. والقولان عن مالك من رواية ابن وهب عنه [وغيره] (١) في "الواضحة" و"الموَّازية". فإن كان الولد لا يقبل غير أمه، وقد علق بها، ولا صبر له عنها، وخيف عليه فإن الأم تجبر على رضاعه بأجرة مثلها، وهذا نص "المدونة"، ولا خلاف في هذا الوجه، وهذا كله إذا كان الأب موسرًا. [وأما: إذا] (٢) كان الأب معسرًا، فلا يخلو الولد من أن يكون له مال أو لم يكن. فإن كان له مال: فإنها ترضعه بأجرة مثلها من ماله. فإن لم يكن له مال، وكان لها لبن: جبرت على رضاعه، وقال في "الكتاب" بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها، غير أنه يستحب لها أن تنفق عليه، ولا تدعه بلا نفقة، وهذا مستوعب في "كتاب الصيام" بما أغنى

стр. 1623

عن تكراره في هذا الموضع، وقد وقع في "كتاب الرضاع" في أواخره في "باب استرضاع الكوافر" لفظة تؤذن بأن عرق السكران وعرق الجلالة من الأنعام ولبنها نجس، وهو قوله: إنما غذاء اللبن بما يأكلن وما يشربن، وهي تأكل الخنزير وتشرب الخمر. [وهكذا] (١) عند ابن عتاب فظاهره: أن العلة نجاسة لبنها، [وهو] (٢) ظاهر لمن تأمله [و] (٣) في بعض الروايات، وهي رواية ابن عيسى: إنما غَذِّي الصبي بما يأكلن ويشربن، إلى آخر الكلام. تم الكتاب والحمد لله

стр. 1624

كتاب إرخاء الستور

стр. 1625

كتاب إِرخاء الستور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم] (١). تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل: المسألة الأولى إذا خلا بزوجته ثم طلقها فلا يخلو حالهما من أربعة أوجه: أحدها: أن يتصادقا على وجود المسيس. والثاني: أن يتصادقا على نفيه. والثالث: أن يختلفا فتدعي الزوجة المسيس وينكره الزوج. والرابع: أن يدعيه الزوج، وتنكره المرأة. فالجواب عن الوجه الأول: إذا تصادق الزوجان على وجود المسيس، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تعلم الخلوة بينهما. والثاني: ألا تعلم. فإن علمت الخلوة بينهما: فلا خلاف في المذهب في وجوب الصداق [لها] (٢) ووجوب العدة عليها، وثبوت الرجعة له عليها من غير اعتبار، بأن تكون رشيدة أو [محجور عليها] (٣) وأن الإحلال والإحصان حاصل

стр. 1626

بينهما. وأما إذا لم تعلم الخلوة بينهما، وقد تصادقا على المسيس، فلا تخلو من أن تكون رشيدة أو سفيهة. فإن كانت رشيدة: فلها جميع الصداق وعليها العدة ولها النفقة، في أمد العدة ولا رجعة له عليها إلا أن يعطيها ربع دينار فيلزمها النكاح؛ لأنها أقرت له بثبوت الرجعة وبقاء العصمة غير إن اتهمناهما أن يكون ذلك [منهما] (١) [تواطئا] (٢) على إجازة النكاح بلا صداق ولا ولي. فإذا أعطاها ربع دينار فلا مقال لها ولا لغيرها [حتى] (٣) يقوم بحق الله تعالى. فإن كانت سفيهة أو يتيمة: فلا يجوز للزوج ارتجاعها بزيادة ربع دينار، إذ النظر في ذلك إلى من له عليها ولاية الحجر من أب أو وصي أو حاكم. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو القاسم بن محرز، وهو ظاهر "المدونة". والجواب عن الوجه الثاني: إذا تصادقا على نفي المسيس، فلا تخلو من أن يكون ذلك باختيار من الزوج أو بغير اختياره: فإن كان ذلك باختياره فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تعلم الخلوة بينهما. والثاني: ألا تعلم. فإن علمت الخلوة بينهما، فلا يخلو من أن تكون المرأة رشيدة أو سفيهة.

стр. 1627

فإن كانت رشيدة: فإنها تصدق في حقها الذي هو كمال الصداق وإسقاط النفقة، ولا تصدق في [إسقاط] (١) حق الله تعالى الذي هو العدة، وسواء كانت خلوة بناء أو خلوة زيارة. فإن كانت سفيهة، فلا تخلو من أن تكون الخلوة خلوة زيارة أو تكون بناء. فإن كانت الخلوة خلوة زيارة: فإنها [تصدق] (٢) أيضًا كما لو كانت رشيدة. فإن كانت خلوة بناء، فهل تصدق أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تصدق، ولها نصف الصداق، وهو ظاهر قول مالك في أول "كتاب إرخاء الستور" من "المدونة". والثاني: أنها لا تصدق لأنها تسقط ما وجب لها من الصداق والنفقة، وهو قول سحنون، وهذا القول أسعد بظاهر "المدونة" في غير ما موضع. فإذا لم تعلم الخلوة بينهما: فلا خلاف أنها تصدق رشيدة كانت أو سفيهة. [وأما] (٣) الوجه الثاني من الوجه الثاني: إذا كان ذلك من غير اختيار من الزوج، مثل أن يعجز عن الوطء حتى [طلق] (٤)، هل لها جميع الصداق أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":

стр. 1628

أحدها: أن لها جميع الصداق طالت إقامتها معه أو قصرت، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن مالك، وهو قول جماعة من الصحابة عُمر وزيد بن ثابت [وعليّ] (١) ومعاذ [﵃ أجمعين] (٢)، وبه قال الزهري والأوزاعي، وقال عمر ﵁: ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم (٣). والثاني: أنه ليس لها إلا نصف الصداق، طالت إقامتها معه أو قصرت، وهذا أحد أقاويل المذهب في التي طالت إقامتها مع زوجها: أن للأب أن يجبرها على النكاح، وهذا القول يشهد [له] (٤) ظاهر القول في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمسُّوهُنَّ ...﴾ الآية (٥). والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تطول إقامتها معه: فيجب [لها] (٦) جميع الصداق أو تقصر: فلا يكون لها إلا نصف الصداق، وهو قول مالك في "المدونة"، وهذا الذي ذكره [الأصحاب] (٧)، وردوه [واعتمدوه] (٨). وعوّلوا على أن طول المكث يقوم مقام الدخول، وقد ذكرناه قبل هذا في "كتاب النكاح الأول" ومزقناه كل ممزق. - ويشبه عندي أن يكون مثار الخلاف في المسألة [على اختلافهم] (٩)

стр. 1629

في دواعي الوطء، هل هي كالوطء أم لا؟ فمن رأى أنها كالوطء قال: يجب لها جميع الصداق، طالت المدة أو قصرت. ومن رأى أنها ليست كالوطء قال: لا يجب لها إلا نصف الصداق، والقولان قائمان من "المدونة" من [هذا] (١) "الكتاب"، ومن كتاب "الطهارة" وغيرها من كتب "المدونة" على ما [سنتكلم] (٢) عليه في مواضعه إن شاء الله تعالى. والتفصيل بين الطول وعدمه تردد بين القولين. والجواب عن الوجه الثالث: إذا ادعت الزوجة الوطء وأنكره الزوج، فلا يخلو من أن تعلم الخلوة بينهما أو لا تعلم: فإن لم تعلم الخلوة بينهما: فالقول قول الزوج ويحلف. فإن علمت بينهما، فلا يخلو من أن تكون خلوة بناء أو خلوة زيارة. فإن كانت خلوة بناء، فلا يخلو من أن تدعي إصابة صحيحة أو إصابة فاسدة. فإن ادعت إصابة صحيحة، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قولها، بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أنها إن كانت ثيبا قبل قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء؛ لأن ذلك دليل يتوصل به إلى تصديق من شهد له بوجود البكارة ودليل له.

стр. 1630

وبوجود البكارة وجود أثر عدم الافتضاض دليل لها، وهي رواية ابن وهب وإسماعيل بن أبي يونس عن مالك أيضًا. وعلى القول بأن القول قولها، هل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن القول قولها بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" في اختلاف الزوجين في متاع البيت. والثاني: أن القول قولها بيمين، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء الستور". والقولان منصوصان في [المدونة] (١). وسبب الخلاف: اختلافهم في دليل الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أو مقام الشاهد الواحد؟ وهذا الأصل ينبني عليه كثير من فروع المذهب. فإن كانت الخلوة خلوة بناء، فادعت إصابة فاسدة مثل: أن تدعي أنه وطئها، وهي محرمة أو معتكفة أو حائض أو في نهار رمضان، هل يقبل قولها أو لا يقبل؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه القول قولها جملة، وهو نص قوله في كتاب "إرخاء الستور". والثاني: أن القول قول الزوج؛ لأنه مدع الحلال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب السلم الثاني" في "باب اختلاف المتبايعين" في قوله: إذا اختلفا فقال أحدهما: لم يُضرب للسلم أجلًا، أو ادعى أن رأس المال تأخر شهر الشرط وأنكر الآخر، فقال: القول قول

стр. 1631

مدعي الحلال منهما، وهذا منه تناقض. والثالث: التفصيل بين أن يكون ممن يشار إليه بمثل ذلك فيصدق أو يكون الرجل الصالح فيصدق، وهو [اختيار] (١) اللخمي، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الشهادات"، وفي "كتاب الغصب"، وفي "كتاب القطع في السرقة" فيمن ادعى على رجل بالغصب أو بالسرقة، وادعت عليه المرأة أنه أكرهها على نفسها. فأما إن كانت خلوتهما خلوة زيارة، فادعت الوطء وأنكره الزوج، فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن القول قولها، حيثما أخذهما الغلق جملة، وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو ظاهر قول ربيعة في "الكتاب". والثاني: أن القول قول الزوج، حيثما أخذهما الغلق، وهو قول عيسى بن دينار فيما حكاه عنه فضل بن سلمة. والثالث: التفصيل بين أن تكون الخلوة في بيت أهلها فيصدق عليها أو تكون عنده فتصدق عليه، وهو قول مالك في "المدونة". والقول الرابع: التفصيل بين البكر والثيب. فإن كانت ثيبًا فالقول قولها. وإن كانت بكرًا نظر إليها [النساء] (٢)، وهذا القول مروي عن مالك فيما نقله عنه أبو محمَّد عبد الوهاب في "المذهب".

стр. 1632

وسبب الخلاف: اختلافهم [في المقصور] (١) بخلوة الزيارة، هل المقصود [بها] (٢) [الإيناس] (٣) والاجتماع دون الإصابة والاستمتاع أو المقصود بها التسليم والتمكين؟ فيكون القول قول من ادعى ما يصدقه العرف. والجواب عن الوجه الرابع: إذا ادعى [المسيس الزوج] (٤)، وأنكرت هي، فلا يخلو من أن تكون الخلوة بينهما معلومة أو لم تعلم. فإن علمت الخلوة بينهما فإن كانت خلوة زيارة فعليها العدة ولا رجعة له، وليس لها إلا نصف الصداق. وإن كانت خلوة بناء كان لها جميع الصداق وعليها العدة، وهل للزوج الرجعة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا رجعة له، وهو قول مالك في "كتاب ابن عبد الحكم"، قياسا على الإحلال عنده فقال: فكما لا يصح الإحلال إلا باجتماعهما على الوطء، فكذلك الرجعة. والثاني: أن له الرجعة، وهو قول ابن القاسم ومحمد بن عبد الحكم. فإن لم تعلم الخلوة بينهما أصلًا فلا خلاف في المذهب أنها لا عدة عليها ولا رجعة له، وهل يكون لها على الزوج جميع الصداق لإقراره [به] (٥) أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":

стр. 1633

أحدها: أن لها عليه جميع الصداق [لاعترافه إن شاءت أخذته وإن شاءت تركته وهذا هو قول ابن القاسم في المدونة وظاهره أن لها جميع الصداق] (١)، وسواء رجعت إلى تصديقه أو تمادت على الإنكار. والثاني: أنها لا يكون لها الصداق ولا لها إلا نصفه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الرهون": فيما إذا قال المشتري اشتريت هذه السلعة بثمن إلى أجل، وقال البائع: [بل] (٢) بالثمن حالًا. فقال ابن القاسم: القول قول البائع ويؤخذ المشتري بما أقر به من الثمن حالًا، إلا أن يكون أكثر مما ادعاه البائع. فظاهره أنه لا فرق بين أن يرجع البائع إلى تصديق المشتري أو لا يرجع، بل لا يجوز للبائع الرجوع إلى قول المشتري، إذا كان ما أقر به المشتري أكثر، لما في ذلك من الربا لأنه باع مثلا عشرة بخمسة إلى أجل، وذلك سلف بزيادة، وهو ربا الجاهلية. والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرجع إلى تصديقه فيكمل لها جميع الصداق، أو لا يرجع إلى تصديقه فلا يكمل لها، وهو قول سحنون، وتأويله على "المدونة"، وهو ظاهر قول أشهب في "المدونة" [في كتاب إرخاء الستور في الذي لم يعلم له بزوجته خلوة فطلقها أو أقر الزوج بوطئها] (٣)، فقال أشهب: إن صدقته فلها النفقة والسكنى، وإن لم تصدقه فلا نفقة لها ولا سكنى، فمنعها النفقة والسكنى إذا لم تصدقه مع كونه مقرًا لها بذلك.

стр. 1634

وإلى هذا [التخريج] (١) ذهب بعض [شيوخ] (٢) المتأخرين. وذهب بعضهم إلى أن بين المسألتين فرقا، وذلك أن الصداق حق مجرد اعترف به لها، وأنه متقرر في ذمته، وإن كانت لا تدعيه. وهل هنا النفقة والسكنى من توابع العدة؟ فهي لا تطلبها ولا تجب لها ما لم تجب عليها عدة، ولا يلزمها عدة ما لم تصدقه، وكيف تطلبه بها، وهي تكذبه، وتتزوج غيره إن شاءت؟ وهذا لا يجتمع مع أحكام العدة والذي ذكره [هؤلاء المتأخرون] (٣) فرق صحيح. والله أعلم [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 1635

المسألة الثانية في الرجعة والرجعة يملكها الزوج في كل طلاق نقص عدده [عن] (١) الثلاث، ما لم يكن معه فداء. وقد قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢). إذا كانت الزوجة مدخولا [بها] ما دامت في عدتها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣)، [وقال أهل التأويل] (٤) الرجعة. وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء" (٥). ولا خلف بين الأمة أن الزوج يملك الرجعة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، من غير اعتبار برضاها. واتفق العلماء على أنها تكون بالنية مع القول.

стр. 1636

واختلفوا في الرجعة بالنية مع الفعل أو ما يقوم مقام الفعل؟ فذهب الشافعي إلى أن الرجعة لا تصح إلا بالقول. وذهب أبو حنيفة أنها تصح بالقول بانفراده، وهو بالوطء بانفراده. وذهب مالك إلى أنها تصح بالنية مع الفعل من الوطء [ودواعيه] (١). واختلف المذهب عندنا في الرجعة بالقول أو بالفعل دون النية على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الرجعة بالقول والفعل العاري عن النية صحيحة ثابتة، وهو قول ابن وهب في القول والوطء، وهو مذهب الليث بن سعد، وهو قول أكثر أهل المذهب في القول العاري عن النية، قياسا منهم على الطلاق بمجرد القول. والثاني: أن الرجعة لا تصح إلا بالنية مع أحدهما، إما الفعل وإما القول، وهو قول أشهب في كتاب محمَّد، وهذا هو المشهور. والثالث: التفصيل بين القول والفعل، فأسقطها في الفعل العاري عن النية، وأثبتها في القول المجرد عن النية، وهو قوله في "المدونة"، في قوله: إذا قال [لها] (٢) قد راجعتك، ثم قال: كنت لاعبًا، ولا نية على قوله: راجعتك. فقال مالك: هي رجعة. وسبب الخلاف: اختلافهم في هذا النكاح، هل هزله جد أو هزله هزل؟ وهذا الخلاف أيضًا ينبني على اختلافهم في الطلاق بمجرد القول أو

стр. 1637

بمجرد القلب. واختلف في الإشهاد على الرجعة، هل هو واجب أو مستحب؟ وهو مذهب الشافعي، وبه قال القاضي من أصحابنا. واختلف المتأخرون في قول بكر القاضي، هل هو وفاق أو خلاف؟ فبعضهم يقول: إنه خلاف، وهو الصحيح؛ لأنها مسألة الخلاف بيننا وبين الشافعي. ومنهم من حمل ذلك على أنه اختلاف يرجع إلى حال، وأن معنى قوله: الإشهاد واجب، أي: أنه [لا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، بدليل أنه لو انقضت العدة، فزعم أنه ارتجع لم يقبل قوله إلا بالبينة. ومعنى "الاستحباب" عند من استحب: أن يكون] (١) مقارنا للرجعة لا يتأخر عنها، وهذا التلفيق لا بأس به. وسبب الخلاف: [عند من حمله على الخلاف] (٢) معارضة القياس للظاهر، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) يقتضي الوجوب وتشبيه هذا الحق الذي هو الرجعة بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان [دون] (٤) الإشهاد، ويقتضي ألا يجب الإشهاد، فكان الجمع بين القياس والآية: حمل [الآية] (٥) على الندب.

стр. 1638

فإذا ثبت بثبوت الرجعة للمطلق الطلاق الذي وصفناه فهي ثابتة له ما لم تنقضي العدة، على اختلاف أنواعها، بوضع الحمل إن كانت حاملًا، أو انقضاء ثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض لكبر أو صغر أو تربص ثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض. بيد أن العلماء اختلفوا في الأقراء، هل هي الحيض أو [الأطهار] (١)؟ - فذهب أبو حنيفة إلى أن الأقراء هي الحيض، وهو مذهب أحد عشر صاحب وجماعة من التابعين. - وذهب الشافعي ﵁ إلى أن الأقراء هي الأطهار، وهو مذهب عائشة أم المؤمنين ﵂. - وأما مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبه: مرة يقول: إن الأقراء هي الأطهار، وهو المشهور من مذهبه، وإليه ذهب من [أصحابنا] (٢) الحذاق، وعليه يناظرون بالعراق. ومرة يقول: إن الأقراء هي الحيض، إلا أن هذا القول لم يصرح به تصريحًا، لكنه يفهم من مذهبه، وذلك أن أصل مذهبه أن عدة الحرة ثلاث حيض والأمة حيضتان؛ لأن عدتها [حيضة ونصف] (٣) على النصف من عدة الحرة، إلا أن الحيضة لا تتبعض، فكملت [لها] (٤) حيضتان، فهذا يفهم منه أن الأقراء هي الحيض، فلو كانت الأقراء هي الأطهار: لكان على

стр. 1639

الأمة طهر ونصف؛ لأن الطهر مما يتبعض على ما علم من عادة كل حائض. وهذا ظاهر لمن أنصف. وفائدة الخلاف وثمرته: أن من رأى الأقراء هي الأطهار: أنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة انقضت عدتها، ولم يكن للزوج عليها رجعة، على ما لنا فيه من الخلاف سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومن رأى أنها هي الحيض: لم تحل عنده إلا بانقضاء الحيضة الثالثة. وسبب الخلاف: اختلافهم في الذي يدل عليه ظاهر الآية في اسم (القرء) بعد اتفاقهم على أنه اسم مشترك: فمن رأى أنها الأطهار، قال: هو الذي يدل عليه ظاهر الآية؛ لأن هذا الجمع خاص "بالقرء"، الذي هو "الطهر"، وذلك أن "القرء" الذي هو الحيض يجمع [على] (١) "أقراء" لا على "قروء"، وحكوا ذلك عن ابن الأنباري. ومن طريق العربية [أيضًا] (٢): أن الحيض [مؤنثة] (٣)، والطهر مذكر، فلو كان القرء يراد به الحيض، لما ثبت في الجمع بالهاء؛ لأن الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة. ومن طريق الاشتقاق أيضًا: أن القرء مشتق من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر. وربما استدل من انتحل هذا القول بقول الأعشى: وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائك

стр. 1640

مورثة مالًا وفي الحمد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائك يريد: أنه يطيل الغزو [ويطهر نساؤه من حيضتهن قبل قدومه] (١)، ويضيع ذلك الطهر من غير استمتاع. وأما استدلالهم من جهة المسموع: فبحديث عبد الله بن عمر وقوله ﷺ : " [فليراجعها فيمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك] (٢) فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" [قالوا: وإجماعهم على أن طلاق السنة لا يكون إلا في طهر لم تمس فيه، وقوله ﷺ : "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"] (٣)، دليل واضح على أن الأقراء هي الأطهار لكي يكون [الطلاق متصلًا بالعدة] (٤). ومن ذهب إلى أن الأقراء [هي الحيض قال: قوله تعالى] (٥): ثلاثة قروء ظاهر في تمام كل قرء منها؛ لأنه ليس ينطلق على بعضه ألا تجوز، وإذا وضعت الأقراء على الأطهار أمكن أن تكون العدة عندهم بقرأين وبعض قرء؛ [لأنها] (٦) تعتد عندهم بالطهر الذي تطلق [فيه] (٧) وإن مضى أكثره. وإذا كان ذلك كذلك، فلا ينطلق عليه [اسم الثلاثة إلا تجوزًا واسم] (٨)

стр. 1641

الثلاثة ظاهر في كمال كل قرء منها، وذلك لا يتفق إلا بأن تكون الأقراء هي الحيض؛ لأن الإجماع منعقد على أنها إن طلقت في حيضة [أنها لا تنعقد لكل] (١) واحد من الفريقين احتجاج ودليل، فناهيك عن مسألة اختلف فيها الصدر الأول. وقد اختلف المذهب عندنا في [المرأة هل تحل بدخولها في الدم الثالث أو بانقضائه، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن المرأة إذا رأت أول قطرة من دم الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها] (٢)، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب إرخاء الستور". والثاني: أنها لا تحل حتى تستمر الحيضة الثالثة [وتكون حيضة مستقيمة] (٣) وهي رواية أشهب عن مالك، وقال أشهب في "المدونة": غير أني أستحب لها ألا تتعجل بالتزويج حتى يتبين [أن الذي رأته دم الحيض] (٤) لأنها قد ترى الدم ساعة أو ساعتين، ثم ينقطع ذلك الدم عنها، فعلم أن ذلك ليس بحيض. واختلف المتأخرون: هل هو [وفاق لقول ابن القاسم] (٥) وتفسير له أو هو خلاف [له] (٦)؟ والصحيح أنه خلاف له، وموافق لقول ابن وهب. وفائدة الخلاف وثمرته: [إذا مات أحد الزوجين في أول] (٧) الدم من

стр. 1642

الحيضة الثالثة وقبل أن تستمر وتعلم أنها حيضة صحيحة، هل يتوارثان أم لا؟ فعلى القول بأنها [تحل بأول الدم فلا يتوارثان وعلى القول] (١) بأنها لا تحل إلا بعد استمراره، قال: يتوارثان. وهكذا اختلف المذهب فيما إذا راجعها [زوجها] (٢) قبل أن تستمر الحيضة [وقد انقطع الدم الثالث] (٣)، ثم عاودها بالقرب، هل هي رجعة صحيحة أو فاسدة؟ على قولين: أحدهما: أنها رجعة فاسدة إذ قد [استبان أنها حيضة ثالثة] (٤) صحيحة وقعت الرجعة فيها، وهو الصحيح. والثاني: أنها رجعة صحيحة ثابتة، رجع الدم عن قرب أو بعد، وهذا يتخرج [على الخلاف في الأمر] (٥) إذا وقع موقع السداد، ثم انكشف عن الفساد، هل يستصحب معه حالة الابتداء أو حالة الانتهاء؟ وأما [اختلافهم في أصل المسألة فسببه] (٦) اختلافهم في أقل الحيض، والدفعة من الحيض هل تسمى حيضة أم لا؟ فمذهب ابن القاسم أن الحيضة لا حد في [أقلها وأن الدفعة واللمعة تسمى عنده] (٧) حيضًا وحيضة، ويؤخذ له من كتاب "إرخاء الستور"

стр. 1643

و"كتاب الاستبراء" من "المدونة". ومن رأى أن الدفعة لا [تسمى حيضة قال: لابد من] (١) تمادي الدم، والمسألة مبسوطة في "كتاب الوضوء" بما نعني عن إعادتها في هذا الموضع. وإذا ادعت المرأة انقطاع الدم دون [مسيس] (٢) فلا يخلو من أن تكون تعتد بالشهور أو [بوضع الحمل] (٣) أو بالأقراء. فإن كانت ممن تعتد بالشهور، فهي والرجل في معرفة انقضاء العدة سواء، [ولا تصدق إذا أكذبت] (٤). فأما من تعتد بالوضع، فلا يخلو من أن تدعي الولادة أو تدعي السقط. فإن ادعت الولادة، فقد ادعت أمرًا يشاركها [فيه غيرها من النساء، ولا] (٥) تصدق إذا كذبتها. فإن ادعت أنها [قد] (٦) أسقطت، قال مالك في [المدونة] (٧) السقط لا يكاد يخفى عن الجيران، ولكن الشأن [تصديقهن لأنهن مأمونات على فروجهن] (٨).

стр. 1644

فإن كانت ممن تعتد بالأقراء، فلا يخلو من أن تدعي أمرًا يصدِّقها فيه العرف غالبًا أو تدعي [أمرًا نادرًا] (١) أو تدعي أمرًا كذبها فيه العرف من كل وجه. فإن ادعت أمرًا يصدقها فيه العرف غالبًا [مثل أن تدعي أنها قد] (٢) انقضت عدتها، وأنها حاضت ثلاث حيض في شهرين: فإنها تصدق؛ لأنها ادعت ما يصدقه العرف [غالبًا] (٣). فإن ادعت أمرًا يصدقه العرف نادرًا، مثل أن تدعي ثلاث حيض في شهر، هل تصدق أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: [تصدق إذا وافقت] (٤) عادة بعض النساء، وهو قول مالك في "المدونة"، حيث قال: تسأل النساء عن ذلك فإن كن يحضن [لذلك] (٥) ويطهرن [وله] (٦) صدقت، إذا ادعت أمرًا نادرًا، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، حيث قال: تصدق في شهر. وقال أيضًا: لا تصدق في شهر [ولا في شهر ونصف] (٧) وما أراها إلا عجلت، ومن أقل حيض النساء أن تقيم خمسًا، [وإنما] (٨) تقيم هذه طاهرًا عشرًا ثم تحيض.

стр. 1645

فإن ادعت [ما لا تصدق فيه أصلًا] (١) مثل: أن تدعي أنها [حاضت] (٢) ثلاث حيض في عشرة أيام باتفاق المذهب: أنها لا تصدق جملة. وسبب الخلاف: [اختلافهم في النادر] (٣) هل يعطى له حكم نفسه أو يعطى له حكم غالب جنسه؟ فإن ادعى الزوج بعد انقضاء العدة أنه قد راجعها [في العدة لا يخلو من] (٤) أن يقوم له دليل على ما يدعيه أو لا دليل له: فإن قام له دليل على ما يدعيه، إما دليل المقال كالبينة [تشهد أو دليل الحال مثل أن] (٥) تشهد البينة أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، وقال محمَّد: يبيت عندها في بيت أو تشهد [البينة أنه كان يقول] (٦) في العدة جامعتها أو قبلتها، فيصدق إلا أن يدعي أنه أراد بذلك الرجعة. وقولنا: إذا كان يدخل عليها، وهي في العدة، إنما ذلك على أحد قولي مالك: أنه لا يجوز له الدخول عليها، ولا يرى لها من صدرًا ولا شعرًا حتى يراجعها، فعند ذلك يكون الدخول عليها دليل على الرجعة؛ لأن ذلك شيء لا يجوز له فعله إلا بإرادة الرجعة.

стр. 1646

أما على القول بأنه يجوز للزوج الدخول عليها والأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها، فلا يكون ذلك دليلًا، وإن ادعاه؛ لأنه فعل فعلًا كان فعله مباحًا له دون الرجعة، فإن لم يقم له دليل على ما يدعيه: فلا يخلو من أن تصدقه الزوجة على ذلك أو تكذبه. فإن: صدقته فيما يدعيه: لم تحل لغيره [لاعترافها] (١) أن عصمة الأول باقية عليها [ويجبر على النفقة عليها] (٢) إلا أن يطلق. فإن أجرى عليها النفقة، هل لها مطالبته بالوطء أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا مطالبة لها عليه؛ لأنه لم يقصد بذلك ضررًا، وإنما هو [شيء] (٣) أوجبته الأحكام. والثاني: أن لها مطالبته [بالوطء] (٤) قياسًا على من قطع ذكره بعد الدخول، بل الطلاق على المرتجع أبين، إذ لا منفعة له فيها، إذا حيل بينه وبينها، والذي قطع ذكره له فيها استمتاع بغير الإصابة، فإن أراد الزوج أن يعطيها ربع دينار ويحضر الولي [جاز] (٥)، وله جبرها على ذلك، لاعترافها ببقاء العصمة، فإذا أجردها بوجه جائز فلا كلام لها، [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 1647

المسألة الثالثة في الخلع والكلام فيه في ثلاثة فصول: الأول: فيما يجوز الخلع فيه. والثاني: إذا أبهم أو فُسِّر، وكان بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق. والثالث: إذا كان العطاء من جهة الزوج. فالجواب عن الفصل الأول: فيما يجوز الخلع به، ولا خلاف في جواز الخلع بما تجوز به [وعليه] (١) المعاوضة في البياعات، وهل يجوز بالغرر أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": [أحدها: أنه يجوز بالغرر وهو نص ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنه لا يجوز بالغرر وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة] (٢) فيما إذا خالعها على نفقة نفسه حولين أو اشترط عليها نفقة الولد حولين زائدين على أمد [الرضاع] (٣)، [إذ] (٤) لا فرق بين أمد الرضاعة وما زاد عليه، وكل ذلك غرر، كما قال المخزومي في "الكتاب". والقول الثالث: أن الخلع بالغرر مكروه، وهو ظاهر قوله في "المدونة": إذا خالعها على مال إلى أجل مجهول حيث قال: فالمال حال كالبيع، إذا

стр. 1648

وقع على هذا الوجه، وفات فالقيمة فيه، حالة [يعبأ] (١) على [ما علل] (٢) ابن القاسم من الدرك، في قياسه الخلع على البيع، فلو كان كالبيع لكان للزوج قيمة ذلك المال على غرره، كما قال في البيع، فيقال: مثلا كم يساوي هذا المال الذي خالع عليه إلى أجل مجهول؟ فإن كانت له قيمة أخذها الزوج، وإلا فلا. وهذا على التسليم أنه لا يجوز بالغرر، ولا شبه بين المسألتين لا في الأصل ولا في الجواب. ويؤخذ أيضًا لابن القاسم من "الكتاب" أنه مكروه في مسألة الخلع بقيد بعينه يقبض إلى أجل. وسبب الخلاف: الخلع هل حكمه حكم المعاوضة المحضة [أم لا؟ فمن قال أن له حكم المعاوضة المحضة] (٣)؟ قال لا يجوز بالغرر وكان فيه خلع المثل كالبيع الفاسد إذا فات فإنه يرد إلى القيمة. وقد مال مالك [مدة] (٤) في الكتاب إلى هذا المعنى [ومن رأى] (٥) أنه لا يكون له حكم المعاوضة المحضة قال: يجوز بكل غرر يجوز تملكه إذا قدر عليه والقول بالكراهية تردد بين القولين. والجواب عن الفصل الثاني: إذا كان الخلع من جهة الزوجة، فلا يخلو

стр. 1649

من أن [يكون ذلك قبل البناء أو بعده] (١). فإن كان [غير مدخول بها فلا يخلو من أن يكون] (٢) ذلك بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق: فإن كان منها بلفظ الخلع، فلا يخلو من أن يكون الخلع مبهما أو مفسرًا: فإن كان مبهما مثل أن تقول: خالعني [ولم ترد على ذلك أو تقول خالعني] (٣) على عشرة دنانير. ولم تقل من صداقي، فهل ترجع على الزوج بنصف الصداق أو لا ترجع عليه بشيء؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا ترجع على الزوج بشيء، وهذا هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور. والثاني: أنها ترجع عليه بنصف الصداق، وهو قول أشهب، وقد انفرد به من بين سائر الفقهاء، ووقع في بعض روايات "المدونة" [في كتاب العدة وطلاق السنة] (٤) ما يدل على [مثل] (٥) قول أشهب: في الصبي إذا خالع عنه أبوه أو وصيه امرأته، قال ابن القاسم: ليس لها إلا نصف الصداق، وهذا خلع مبهم وقع [قبل البناء] (٦)، فأوجب فيه للزوجة

стр. 1650

نصف الصداق. ومعلوم أن الخلع [إنما وقع] (١) على مال أخذ للصبي من الزوجة، إذ لا يجوز أن تطلق عليه زوجته على مشهور المذهب إلا على هذا الوجه، والذي قاله أشهب هو الأظهر في المعنى. والقول الثالث: في الفصل بين أن تكون الزوجة قد قبضت صداقًا من الزوج أو لم تقبض. فإن كانت قبضته فهو لها كله، ولا شيء له سوى ما خالع عليه. وإن قبضت نصفه لم يكن له مما قبضت شيء. وإن لم تقبض شيئًا لم يكن لها شيء، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو [قول] (٢) ضعيف جدًا، وهو قول مدخول. فإن وقع مفسرًا، كقولها: خالعني على عشرة من صداقي، فلها نصف ما بقي بلا خلاف في المذهب. فإن كان ذلك منها بلفظ الطلاق مثل أن تقول: طلِّقني، فلا يخلو من أن تذكر مع ذلك عوضًا أو لم تذكر. فإن ذكرت مع ذكر عوضًا مثل أن تقول: طلقني على عشرة، فلا يخلو من أن تقول: من صداقي، أو لم تقل. فإن قالت: طلقني على عشرة من صداقي، فلها نصف ما بقي. فإن قالت: على عشرة، ولم تقل [من] (٣) صداقي،
следующие страницы →