إلا أن حديث سبيعة الأسلمية عضَّد أحد العمومين، فرجَّح على الآخر به [على] (١) مشهور المذهب [والحوائل: حرائر وإماء] (٢).
وأمَّا الحرائر فعلى ضربين: مدخولٌ بِهنَّ وغيرُ مدخولٍ بهنَّ:
فغيرُ المدخول بهنَّ عليهن [العدة] (٣) أربعة أشهرٍ وعشرًا، على أيِّ صفةٍ كانت المعتدة منهنَّ، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية.
والإحداد على جميعهنَّ إلا الكتابية، ففيها قولان منصوصان في "المدوّنة":
أحدهما: [أن عليها الإحداد] (٤)، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّها لا إحداد عليها، وهو قولُ ابن نافع.
وسبب الخلاف: الكفار، هل هم مُخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
وينبنى الخلاف أيضًا على اختلافهم في قوله ﷺ : "لا يحلَّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاث ليال إلا على زوج فإنَّها تحدَّ أربعة أشهر وعشرًا"، هل خرج ذلك مخرج الغالب أم هو مقصورٌ على المؤمنات دون المُشركات [و] (٥) الكتابيات؟
فأمَّا المدخولُ بهنَّ: فلا يخلو حال المعتدة منهنَّ من ثلاثة أوجه:-
أحدها: أن يمر بها زمان حيضتها في عدتها [فحاضت] (٦)، فهذهِ لا
стр. 1717
خلاف أنَّها تحلُّ بانقضاء أربعة أشهر [وعشرا] (١).
والثانى: أنْ تنقضى عدَّتها قبل أن يأتى [عليها] (٢) زمان حيضتها، كالتى تحيض من خمسة أشهر إلى خمسة أشهر، فهل تُحلُّ بانقضاء العدّة أو تنتظر الحيضَة؟ قولان:
أحدهما: أنّها تحل ولا تنتظر الحيض، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور وهو ظاهر المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تنتظر الحيض ولا تحلُّ بها، وهو قولٌ ضعيف، عزاهُ أهل المذهب إلى ابن كنانة.
والوجه الثالث: أن يمر عليها زمان حيضتها، فرفعتها حيضتها [فلم تحض] (٣)، فلا يخلو من أن يكون لعذرٍ أو لغير عذر:
فإن كان ذلك لعُذر: فإنَّها تحلُّ بانقضاء العِدَّة مِن غير اعتبار بالحيضة إن كان الرفع لأجل [الاعتراض] (٤) بالرضاع [بالاتفاق] (٥).
أو لأجل المرض: على الخلاف.
فإن كان ارتفاعها لغير عُذرٍ، فالمذهب فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عدتها أربعة أشهر وعشرًا، كانت مستبرأة أو مستحاضة.
والثانى: أنَّها تنتظر ستة أشهر.
والثالث: أنَّها تنتظر تسعة أشهر.
стр. 1718
والرابع: التفصيل بين [المسترابة والمستحاضة] (١):
فالمرتابة: لابدّ لها من تسعة أشهر.
ومثارُ الخلاف: ما تقدَّم.
وأما الإماء: فلا يخلو مِن أن تعتد من وفاةِ زوج أوْ مِن وفاة سيد:
فإن كانت العدَّة من وفاة زوج: فعدتها شهران وخمس ليال مع الإحداد فإن كانت العدة مِن موت السيد: كأُم الولد، يموت عنها سيدها فالمذهب على أن عدّتها حيضة واحدة.
وهل عليها الإحداد أو لا إحداد عليها؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدونة":
قال في موضعٍ منها: لا تبيتُ إلا في بيت سيدها، ولها السُكنى على الورثة حتى تحل، وظاهر هذا [يعطى] (٢) أنَّ عليها الإحداد.
وأن حكم هذه الحيضة حُكم العدَّة، وقد نصَّ في "المُدوّنة" على أنَّ هذه الحيضة عِدة لها، لأنَّهُ قال: فيما إذا غاب سيدها ثُمَّ حاضت بعدهُ حيضًا كثيرًا ثُم مات، فقال: لابُدَّ لها مِن استئناف حيضة، لأنَّها لها عدة.
وقال في موضع آخر: لا إحداد عليها.
وسبب الخلاف: هل حُكم هذه الحيضة، حُكم العدَّة، أو حُكمها حكمُ الاستبراء؟ [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 1719
المسألة الرابعة
في أم الولد إذا مات زوجها وسيِّدها، [ولا يعلم أولهما موتًا] (١):
قلتُ: أرأيت أم الولد إذا مات سيدها وزوجها، ولا يُعلم أولهما موتًا، ما عِدَّتها في قول مالك؟
قال ابن القاسم: عدّتُها أربعة أشهر [و] (٢) عشرا، مع حيضة في ذلك لابدَّ منها.
قال سحنون: وهذا إذا كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسُ ليالِ، وأمَّا إن كان بين الموتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: اعتدَّت أربعة أشهرٍ وعشرًا [فقط] (٣). فهذا نصُّ المسألة في "المُدونة".
وقد اضطربت آراء المتأخرين في تأويل هذه المسألة وتنزيلها على وِفق مذهب ابن القاسم، واختلافهم في الحيضة: هل تلزمها أو لا تلزمُها؟
فمنهم مَن قال: لا [تلزمها] (٤) الحيضة أصلًا، كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ أو أقل، ويكفيهما في الأمرين: أربعة أشهر وعشرًا مِن آخرهما موتًا إلا أن تتأخر حيضتها في الأربعة الأشهر والعشر لغير عُذرٍ، فتُقيمُ إلى تسعةِ أشهر [من آخرهما موتًا في كلا الأمرين. فإلم يأت وقت حيضتها حتى مضت لها أربعة أشهر وعشرا كفاها ذلك] (٥)،
стр. 1720
على مذهب ابن القاسم. وانتظرت [الحيضة] (١) على مذهب ابن كنانة حتى يأتى أو يمضي عليها تسعة أشهر. وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التُونسى [قال] (٢):
وبيان ما قُلناهُ: أنَّهُ إذا كان بين الموتتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
فإن قدَّرنا أنَّ الزوجَ مات أولًا: كان عليها شهران وخمسُ ليالٍ إنْ حاضت فيها، فإن لم تحض فثلاثة أشهر.
فإن لم يأت وقت حيضها في الثلاثة الأشهر: حلَّت، على قولٍ، وانتظرت تسعة أشهرٍ على قولٍ. إلا أن تحيض قبلها، ثمَّ لا عِدة عليها من السيد؛ لأنَّها: لم تحل لهُ بعد.
فإن قَدَّرنا أنَّ السيِّد مات أولًا: فلا عِدَّة عليها منهُ، لموتهِ وهي تحت زوج، ثمَّ عليها عِدّة زوجها: أربعة أشهرٍ وعشرًا، عدَّة حُرَّة.
فإن لم يأت وقتُ حيضتها فيها: حلَّت عن ابن القاسم وانتظرت تسعة أشهرٍ عند غيرهِ.
فإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ:
فإن قدَّرنا أنَّ موت الزوج أولًا: فعدَّتُها شهران وخمسُ ليالٍ على ما تقدم، مِن أن تحيض أو تأخرت الحيضة، فلا تكرار.
فإن قدّرنا أنها قد حلَّت للسيد بعد موت الزوج بحيضة حاضتها في الثلاثة الأشهر أو تمضى ثلاثة أشهر، ولم يأت وقت حيضتها على قول ابن القاسم، ثُمَّ مات السيد بعدَ أن حلَّت له: فإنَّها تجبُ عليها [حيضتان. فإن لم تحض فثلاثة أشهر. فإذا جعلنا عليها من يوم مات الآخر أربعة
стр. 1721
أشهر وعشرا من الحيضة التي تجب عليها] (١) لموت السيِّد بعد أن حلَّت لهُ، إذ تأخير الحيض إنما يجب عليها ثلاثة أشهر فقط.
فإن قدرنا أن السيد مات أولًا: فلا شيء عليها مِن عِدَّة السيِّد، لأنَّهُ مات وهي تحت زوجٍ.
فإن مات الزوج بعد ذلك: فعليها عِدَّة الحُرَّة أربعة أشهر وعشرًا.
ومنهم من سلك مسلك التقسيم، فقال: لا يخلو [أمر] (٢) هذهِ [الأمة] (٣) مِن أن تكون عادتها، أن ترى الحيض في مقدار هذه الأشهر أو لا تراهُ إلا بعدها:
فإن كانت مِمن لا ترى [الحيض] (٤) إلا بعد الأشهر: فلابد لها مِن الحيضة بعد أن تعتد بالأربعة الأشهر والعشر مِن يوم مات الآخر منهما، إذا لم يُعلم متى مات الزوج.
وإن كانت ممن ترى الحيض في مقدار تلك الأشهر التي تعتدُّ بها:
فإن رأتها فيها: أجزأت عنها.
فإن لم ترها فيها: بلغت إلى تسعة أشهرٍ، عِدَّة [المُسترابة] (٥) من آخرهما موتًا، وناب لها ذلك عن الأمرين جميعًا، لأنَّها مسترابة مِن نكاح، والتسعة أشهر تنوب عن استبراء الملك.
فلو كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ، وادّعت أنَّها لم
стр. 1722
تحض في تلك المُدَّة، أرادت أن تُسقط عن نفسها العدَّة مِن سيدها، لأنها تكون بزعمها: إذا لم تحض، لم تحل للسيد: فإن سُمع ذلك منها في حياة سيِّدها صُدِّقت الآن وإلا لم تُصدَّق، لأنّها تُتهم إذا لم يُسمع ذلك منها، أنْ تُسقط عن نفسها ما لزمها مِن الاعتداد للسيِّد في حق الحُكم الظاهر لغالب العادة: اعتبارًا بما قالهُ مالك فيمن طلَّق زوجتهُ فأقامت مدة طويلة، فزعمت أنَّها لم تحض إلا حيضة واحدة، وقد مات الزوج، فقال مالك: إن كانت تذكر [ذلك] (١) في حياتهِ صُدِّقت وإلا لم تُصدق، فاتهمها على طلب الميراث، لمَّا كان الظاهر مِن أمرها أنَّها قد بانت قبل موتهِ.
ومنهم مَن قال: يتخرج ما قاله في هذه المسألة على رواية ابن وهب عن مالك في كتاب [الاستبراء] (٢) في التي ارتفع دمُها مِن الإماء أنَّ عليها تسعة أشهرٍ إذا بيعت.
وأمَّا على قول ابن القاسم الذي يُبرئها بثلاثة أشهر: فلا حيضة عليها.
وإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: وذلك أنَّهُ إذا كان موتُ الزوج أولًا: فتكونُ الحيضة عليها بعد موت السيد إذ موتُهُ بعد الشهرين وخمسِ ليالٍ: فهي [من] (٣) آخر الموتتين تستقبل أربعة أشهرٍ وعشرًا كما بيناهُ.
فهذه الأربعة الأشهر والعشر التي تستقبلها، إنْ عدمت فيها الحيضة فقد زادت [على ثلاثة أشهر التي تبرئها عند ابن القاسم إذا لم تر الحيضة فتستغنى عن الحيضة على قوله وصريح مذهبه وأما الجواب الذي أجابه
стр. 1723
على] (١) المسألة، [فهو] (٢) [على] (٣) رواية ابن وهب.
ووجهُ ما قالهُ ابن القاسم في الكتاب أن يُقال يُحتمل أن يكونَ الزوج مات أولًا، فيجب عليها في الوفاة شهران وخمس ليالٍ:
فإذا كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ فقد حلَّت للسيِّد، في هذا الوجه بمضى عدَّتها مِن زوجها، ثُمَّ بموت السيِّد وجبت عليها حيضة، ثُمَّ يقول: يُحتَمل أن يكون السيِّد مات [أوَلًا] (٤) فتكونُ حُرَّة، ثُمَّ مات زوجها، [فوجب عليها] (٥) أربعة أشهر وعشرًا عِدَّة الحرائر.
فلما كان الوجهان لا يُدرى بأيُّهما تخاطب بهِ مِنهما، جمعت [عليها] (٦) الأمرين.
وأما إذا كان بين الموتتين أقلُّ من شهرين وخمسِ ليالٍ [أو شهران وخمس ليال] (٧)، سواء فالزوج إن كان هو الميت أولًا، فهي لم تحل للسيد بعد [لكونه] (٨) مات، ولم تخرج من العدَّة، فلم تجب عليها حيضة: فأوجبنا عليها أربعة أشهرٍ وعشرًا فقط، لاحتمال [موت] (٩) السيِّد أولًا، فيكون عليها عدَّة الحرائر بموت زوجها آخرًا.
فهذا معنى قول ابن القاسم، وتفسير سحنون في الكتاب.
стр. 1724
قُلتُ: وهذا الذي ذكرهُ ابن القاسم [وسحنون] (١) في الكتاب، وكُلُّ مَن تكلم على هذه المسألة، ونَقلْنَا كلامَهُ إنَّما تكلَّمُّوا على وجهٍ واحد في المسألة وهو أنَّ الإباحة تقومُ مقام الفعل، وعليه بنوا.
وأمَّا على الوجهِ الآخر: الذي نقول فيهِ أن الإباحة لا تقوم مقام الفعل فلا حيضة عليها بوجهٍ ولا حالٍ، إلا أن تُقرَّ بإصابة السيد أو تشهد البينة على إقرار السيِّد بالإصابة، بعد انقضاء عِدّتها مِن الزوج، وقد كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
والقولان: قائمان من "المُدوَّنة" في الإباحة، هل تقومُ مقام الفعل أم لا [من هذا الكتاب ومن كتاب النكاح الثالث فقد جعل الإباحة في هذه المسألة تقوم مقام الفعل] (٢) لأنَّهُ ما [أوجب] (٣) عليها للسيد حيضة إلا لكونها حلَّت لهُ.
وفي كتاب النِّكاح [الثالث] (٤) خلاف هذا، فيما إذا زوَج أم ولده، ثُمَّ وطئ أختها، ثُمَّ رجعت إليه أُم ولدهِ، ثم قال أنَّهُ يتمادى على وَطء التي عندهُ ولا يضرُّهُ رُجوع أُم الولد عندهُ، وهو معلومٌ أنَّها رجعت إلى فراشها، فكان الذي ينبغى: أن يوقف عن التي عندهُ حتى يُحرِّم فرج إحداهما؟
لكون أُم الولد رجعت إلى فراشها فصارت مُباحةً لهُ.
ويُؤخذ مِن قولِ أشهب، مِن "كتاب الاستبراء" أيضًا: أنَّ الإباحةَ
стр. 1725
تقومُ مقام الوطء، فيما إذا تزوَّج امرأةً وتحتهُ أختُها يطؤها يملكِ اليمين، فقال أنَّ النكاح جائز، وعقدُ النكاح تحريم لها.
[وقد] (١) أغفل المتأخرون [عن] (٢) هذا الوجه ولم يتكلموا عليه.
واختلف المتأخرون في هذه الأمة، إن جاءت بولد، هل لها أن تلحقهُ بمن شاءت منهما أم يكون لاحقًا للزوج؟ على قولين وينبنى الخلاف على الخلاف الذي قدمناهُ في الإباحة [هل تقوم مقام الفعل؟ فمن رأى أن الإباحة تقوم مقام الفعل قال: تلحقه بمن شاءت. ومن رأى أن الإباحة] (٣) لا تقوم مقام الفعل، قال: الولد لاحقٌ للزوج دون السيد، لأنَّ فراش الزوج متيقَّن، [ومن رأى أن فراش الزوج غير متيقن] (٤) وهو ظاهر "المُدوّنة": فيمن تزوّج امرأةً في عِدَّتها ولم يدخل بها، ثُمَّ أتت بِولد أنَّ الولد يلحق بالأول دون الثاني لأنَّهُ لم يطأها، ولم يُعلم دخولَهُ بها، وكان فراشُ الأول أحقَّ منهُ، لأنَّهُ أثبت حُرمة وأقوى شبهة.
والحمد لله وحده.
стр. 1726
المسألة الخامسة
في النكاح في العدَّة: ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون [ذلك] (١) في عدةٍ مِن نكاحٍ أو شُبهة نكاح.
والثانى: أن يكون في استبراء، وما هو في حكم الاستبراء، كعدَّة أُم الولد مِن وفاةِ سيِّدها.
فإن كان في عِدَّة نكاح أو شُبهة نكاح، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن تكون في عدَّةٍ مِن وفاةٍ أو طلاقٍ بائن.
والثاني: أن تكون في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى.
فالجواب عن الوجه الأوَّل: إذا كانت العدَّة مِن طلاقٍ بائنٍ أو مِن وفاة، فلا يخلو ما فعلهُ في العدَّة مِن أربعة أوجه:
إما التعريض.
وإما الوعد.
وإما المُواعدة.
وإما وقوع العقد.
فإن كان ما أحدثهُ تعريضًا [فله ذلك] (٢) بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ مِثل: أن يقول [لها] (٣) إنيِّ بك مُعجب وأنا لك مُحب وإني للآتي خيرًا.
стр. 1727
واختُلف في الهدية فأجاز في "المُدوّنة" أنْ يهدى لها.
[ومنعها] (١) ابن حبيب في غير "المُدوّنة".
فإن كان ما أحدثهُ في العدَّة الوعد فذلك مكروهٌ [له] (٢) بالاتفاق ابتداءً لما يُتقى فيه مِن البراء المؤدى إلى مُخالفة الوعد، ومُخالفة الوعد مكروهة على الجُملة، ولهذا [كره] (٣) [المواعدة] (٤) في الصرف [أيضًا] (٥) لأنَّ الذي وعد بين حالتين ممنوعتين:
إما أنْ يَفي بما وعد: فيؤدى ذلك إلى النظرة في الصرف، لأنَّ العقد الواقع إنْ وقعَ فسبَبُهُ الوعد المتقدم.
أو لا يفى بما وعد: فيؤدى ذلك إلى مخالفة الوعد [ومخالفة الوعد] (٦) [ممنوعة] (٧).
فإن وقع العقدُ بعد العدَّة: فالنكاح جائز لهُ، ولا يُفسخ بالاتفاق، وسواء كان الوعدُ مِن أحد الزوجين أو الولى ممن يملك الجبر أو لا يملكهُ.
وأمَّا المُواعدة: فمعناها المُفاعلة [والمفاعلة] (٨) لا تكون إلا مِن اثنين فمكروهة أيضًا ابتداءً، لقولهِ تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا. . . .﴾ الآية.
[و] (٩) لأنه إن وقع العقد بعد العِدَّة. بواسطة المواعدة في العدَّة:
стр. 1728
فلا خلاف عندنا في المذهب أنَّهُ يُفسخ، فهل يُفسخ إيجابًا أو استحبابًا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ إيجابًا، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ يفسخ استحبابًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
وسبب الخلاف: النهي، هل يدلُّ على فسادِ المنهى عنهُ أم لا؟
وإذا وقع العقدُ والدخولُ، ثُمَّ فُسخ هل يتأبَّد التحريم أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم [وأحد قولى أشهب] (١).
والثانى: أنَّهُ لا يتأبَّد التحريم، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: ما يُؤدى إلى الشىء، هل هو كالشىء أم لا؟
وذلك أنَّ المُواعدة تُؤدى إلى العقد، والعقد يُؤدى إلى الوطء.
وأمَّا العقدُ: فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجه:
أحدها: أن يعقد في العدَّة ويعثر على ذلك قبل أن يطأ.
أو عقدٌ في العدة ودخل فيها.
أو عقدٌ في العدَّة ودخل بعدها.
فإن [عقد] (٢) في العدَّة، وعثر على ذلك قبل الدخول وبعد انقضاء العدَّة، فهل يقضي العقد أو يفسخ؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
стр. 1729
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يُفسخ، وهو ظاهر "المُدوّنة" من قوله " [و] (١) ما فسخهُ بالحرام البيِّن".
وسبب الخلاف: النهى، هل يدلُّ [على فساد] (٢) المنهى عنهُ أم لا؟
وعلى القول بأنَّه يفسخ، هل يتأبّد التحريم أم لا؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنَّهُ يتأبد التحريم منهُ، وهو قولٌ حكاهُ القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة".
وسبب الخلاف: الإباحة: هل تقوم مقام [الفعل] (٣) أم لا؟ وذلك أنَّ العقدُ مبيح للوطء، وهل هو كالوطء أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة" وقد بيَّناهُما.
فإن عقدُ في العدَّة ودخل فيها، هل يتأبد التحريم أو لا يتأبَّد؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبّد التحريم، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أن التحريم لا يتأبَّد، وهو قول ابن نافع.
وسبب الخلاف: قولُ الصحابي هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟
فإن عقد في العدة ودخل بعدها، فهل يتأبد التحريم أو لا يتأبد؟
стр. 1730
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يتأبد التحريم، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والثاني: أنه لا يتأبد، وهو قول المخزومى وغيره في "المدونة".
وسببُ الخلاف: الإباحة، هل تقوم مقام [الفعل] (١) أم لا.
واختلف في دواعى الوطء، هل هى كالوطء أم لا؟
على قولين قائمين مِن "المُدوّنة" مِن غير ما موضعٍ.
ونصُّ "الكتاب" أنَّها كالوطء.
وإن كانت في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى فتزوجها وهي في عِدتها فهل يكون كالناكح في عدَّة أو كالناكح في عصمة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ كالناكح في عصمة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المُدوّنة، ونصُّ قوله في غيرها.
والثانى: أنَّهُ كناكح في عِدَّة، وهو قولُ الغير في "المُدوّنة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرتجع أو لا يرتجع.
فإن ارتجع الزوج بعد ذلك، كان الثاني ناكحًا في عصمة.
وإن لم يرتجع، كان ناكحًا في عدَّة، وهو قول أحمد بن ميسر في مسألة: "النصرانية إذا أسلمت"، على ما في "الموَّازيَّة"، وهذا القول قائم في المُدوّنة أيضًا.
وسبب الخلاف بين ابن القاسم والغير: هل يُغلّب تحريم الوطء بعد
стр. 1731
الطلاق الرجعى وقبل "الرجعة" فيكون كالبائن أو يُغلَّب [بقاء أكثر] (١) أسباب الزوجية واستمرارها فيكون كالعصمة؟
إذ لا خلاف بينهم في نكاح [ذات] (٢) الزوج عامدًا بلا شبهة، أنَّ ذلك النكاح لا يُؤثر في التحريم.
وأمَّا مَن فصَّل بين أن يرتجع أو لا يرتجع فقد تردد.
فإن كان في استبراء أو ما هو في حُكم الاستبراء، كعدة أُم الولد مِن وفاة سيِّدها. فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بنكاحٍ أو ملك.
فإن كان ذلك بنكاحٍ أو بشبهة نكاح. كمن تزوّج أمة في مُدة استبرائها، أو أُم الولد في حيضتها مِن سيِّدها. هل يفسخ نكاحهُ أو لا يفسخ؟ فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك في أُم الولد، في "كتاب العدَّة" مِن "المُدونة":
وهل يتأبَّد التحريم بذلك أم لا؟ فقد اختلف المذهب في تأبيد التحريم أيضًا، على القول بأنَّهُ يُفسخ، فأمَّا على القول بأنَّهُ لا يُفسخ فلا كلام.
فإن كان ذلك بملك، أو بِشبهة ملك، أو في استبراء من ملك: فقد حكى فيه القاضى أَبو الوليد بن رُشد الإجماع في المذهب أنَّهُ: لا يتأبد فيه التحريم.
واختُلف إذا تزوجها في استبراء من زنا، هل هو كالمتزوج في عدَّة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها] (٣) تحرُم عليه.
والثانى: أنَّها لا تحرم عليه. والقولان لابن القاسم.
стр. 1732
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون حاملًا فتحرم، أو تكون حائلًا فلا تحرم، وهذا القولُ [أيضًا] (١) لابن القاسم.
واختار أصبغ أن يتأبّد التحريم في ذلك. فإذا كان التحريم يتأبَّد بالنكاح فبأن يتأبد بالسفاح أولى.
وأمَّا مَن زنى بامرأةٍ [في عدتها] (٢)، فهل يتأبَّد بذلك تحريمها عليه أو لا يتأبد؟
[أما على القول بأن الزنا يحرم الحلال فلا تفريع] (٣) وأمَّا على القول بأنَّ الزنا لا يُحرِّم الحلال. فإنَّهُ يتخرّج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم بينهما، وهو ظاهر قولُ الغير في "المُدونة" في "كتاب العدَّة"، حيث قال: "فمن أصابها في عِدّة أو تزوّجها كان مُتزوِّجًا في عدَّة"، وقولُهُ: "أصابها": يُشعر بأنه أصابها لغير وجهِ النكاح، لأنَّهُ [ذكر النكاح] (٤) بعده.
والثاني: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو المشهور.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم مِن قولِ عُمر ﵁:
" [الناكحان] (٥) في العدة لا يتناكحان أبدًا"، هل يُفهم منهُ النكاح اللغوى أو يفهم منهُ النكاح الشرعي؟
فإن حُمل على أن المرادَ بهِ النكاح اللغوى، فلا يتناكحان.
стр. 1733
وإن حُملَ على أنَّهُ النكاح الشرعى، كان الزنا لا يتأبد منهُ التحريم.
واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لُغوى وشرعى، فإنَّها تُحمل على الشرعى عند كثير مِن الأصوليين. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 1734
المسألة السادسة
في تداخل العدتين:
[ومسألة تداخل العدتين] (١) من مشكلات المذهب، وهي معدودة عند النظار مِن الطوام الكبار، فها أنا أُشمِّر عن ساعد الجد إلى تفصيلها، وأستقصى كُنه الجهد في تحصيلها، حتى تنتظم في [نمط] (٢) الانحصار، وتُزم بروابط الاختصار، فإنْ بدا بها تقصير على المأمول، والاقتصاد دون المنقول، فالقدر كوْنِ الإنسان مجبورًا على النُقصان، و [الفضل] (٣) بيد الله يؤتيه مَن يشاء، وبهِ أستعين فيما أشاء فأقول:
تداخُل العُدَّتين لا يخلو مِن أن يكونا مِن شخص أو مِن شخصين:
فإن كانتا مِن شخصٍ واحد وكانتا مِن جنسٍ أو مِن جنسين.
فإن تجانسا مِن جهة الزمان والصفة، واختلف المُوجب والمقدار.
كذات الشهور يُطلقها زوجها طلاقا رجعيًا ثمَّ مات في العدَّة.
فالعدَّتان تتداخلان بلا إشكال.
وكذلك إن اتفقتا جنسًا وصفة واتحد الموجب كالمُطلَّقة ثلاثا [ثم تزوجها زوجها] (٤) في عدَّتها، ثُمَّ فسخَ نِكاحهُ بعد البناء: فإنَّ العدَّتين تتداخلان أيضًا.
فإن اختلفت أجناسهما، كذات الأقراء يُطلقها زوجها. فلا يخلو
стр. 1735
طلاقهُ مِن أن يكون بائنًا أو رجعيًا.
فإن كان رجعيًا ثُمَّ مات في العدَّة فلا يخلو مِن أن يموت قبل الارتجاع أو بعد الارتجاع:
فإن كان قبل الارتجاع: فهل تتداخل العدتان أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان. وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنهما لا تتدخلان، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة": "إذا كانتا من شخصين أنَّهما لا تتداخلان".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى اتحاد الشخص الذي منهُ العِدّة أو النظر إلى اختلاف الموجب؟ لأنَّ العِدة تختلف باختلاف الموجب.
فإن ارتجع ثُمَّ مات في العِدَّة قبل أن يطأ، فهل تتداخل العدتان أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوّنة".
ويتخرج الخلاف [فيها] (١) على الخلاف في الرجعة، هل تهدم [العِدَّة] (٢) أو لا تهدمُها؟
ويُستقرأ مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان" في "باب طلاق المريض":
أنَّ الرجعة تهدم العدَّة، ويستقرأ مِن "كتاب العدة وطلاق السُنة":
أن الرجعة [لا] (٣) تهدم العدّة مِن باب "الطلاق في الحيض".
وبهِ علَّل بعضُ حُذَّاق المتأخرين المنع مِن الطلاق في الطُهر الثاني
стр. 1736
للحيضة التي طلَّق فيها [لأنه يكون] (١) لو طلَّق طلق طلاقًا لغير عدّة.
فإن كان الطلاق تأبيدًا، كطلاق الخُلع فإذا راجعها الزوج بنكاحٍ جديد في عدَّتها ثُمَّ مات قبل أن يطأها، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، هو قول سحنون في غير "المُدوّنة".
والقول الثاني: أنَّهما تتداخلان، وهو مذهب "المُدوّنة".
وعلى القول بأنَّهما تتداخلان، فإذا انقضت عدة الوفاة قبل أن تستكمل ثلاثة قروء سقط عنها الإحداد في انتظار بقية الأقراء.
وسبب الخلاف: ما تقدمَّ، هل النظر إلى اتحاد الشخص المُعتد منهُ أو النظر إلى تعداد المُوجب؟ مع اختلافٍ جنس العدَّتين.
فإن كانتا مِن شخصين، فلا تخلو المعتدَّة مِن وجهين.
أحدهما: أن تكون حائلًا.
والثاني: أن تكون حاملًا.
فإن كانت حائلًا، فلا تخلو العِدَّتان مِن أن تكونا مِن جنسٍ واحدٍ أو مِن جنسين:
فإن كانتا جنسًا واحدًا، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان، وهو نصُّ قولُهُ في "المُدوّنة" حيث قال: "كان مالك يقول: "ثلاثةُ أقراء، يُستبرأ بها من الزوجين جميعًا".
стр. 1737
والثانى: أنهما لا تتداخلان، وهذا القول يُستقرأ من "المُدوّنة" مِن مواضع "جمة" (١):
منها قول ابن القاسم: أول الباب "كان مالك يقول: "ثلاثة أَقْرأ تبرئها من الزوجين [جميعًا] (٢) "، وهذا يشعر بأنَّ له قولةً أخرى، لأنَّ قولك: "كان فلانٌ يعمل كذا" ينبيء عمَّا كان يُكثر تكرارُهُ ووقوعُهُ منه، ويُشعِر بأنَّهُ كان يفعل غيرُ ذلك. إلا أنَّ صدورَهُ منهُ في نادر الأوقات.
كقولِ عائشة ﵂: "إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعاتٍ بمروطهن. . . ." الحديث.
ومعلومٌ أنْ النبي ﷺ : قد صلَّى الصبح بعد الإسفار في حديث السائل عن وقت صلاةِ الصُبح.
ويُؤخذ أيضًا مِن قولهِ: "وهذا قولُ مالك" في أمرِ هذا الزوج الغائب.
فأمرَ الذي تزوّجها في العدَّة، وفي الوفاة عنها [و] (٣) في حملها على ما وصفت [لك] (٤)، بعدد العدة على اختلاف أجناسها واختلاف مُوجبها.
وسببُ الخلاف: هل النظر إلى تجانس العدَّتين فتتداخلان أو النظر إلى تعداد الأزواج ثُم لا تتداخلان؟
فإن كانتا من جنسين كعدَّة الطلاق والوفاة، فهل تتداخلان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
стр. 1738
والثانى: أنَّهما تتداخلان، وهذا القولُ قائم من "المُدونة"، وتبين [لك] (١) الموضع الذي يُستقرأ منهُ الأصل الذي هو منشأ الخلاف، فإذا تأمّلتهُ يتبين لك ما أشرنا إليه إن شاء الله تعالى.
وسبب الخلاف: الأقراء الثلاثة، هل هى كُلُّها استبراء. أو كُلُّها عبادة. [أو بعضها عبادة وبعضها] (٢) استبراء؟
وقولنا هل هى كُلُّها عبادة لا يُنكر، لأنَّ الطلاق إذا وقع بعد الأقراء الكثيرة لا وطء بعدها، كالغائب والمريض مرضًا لا يقوى معهُ على الجماع أو امرأة علمُ براءة رَحمِها بالوضع، ثُمَّ [لا] (٣) يكون الطلاق عُقيب ذلك قبل أنْ يمسَّها، ولا شكَّ أنَّ الثلاثة الأقراء في هذا الموضع عبادة محضة.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كانت حاملًا، فلا يخلو [من] (٤) أن يكونَ مِن الأول أو مِن الثاني:
فإن كان من الأول مثل أن يتزوجها الثاني قبل الحيضة أو بعد الحيضة ثم تأتى بولدٍ لأقل مِن ستة أَشهر:
فاتفق أهل المذهب في هذا الوجه على أنَّ العدَّتينِ تتداخلان وأنَّ الوضع يُبرئها مِن الزوجين جميعًا.
ويلزم مِن المسألة قولٌ [ثان] (٥): أن لا يتداخلا.
ويتخرج على الخلاف: في الاستبراء من النكاح الفاسد الذي لا يُقرُّ عليه هل هو استبراء محض أو لهُ حُكم العدَّةَ؟
стр. 1739
فإن قلنا: إنهُ استبراءٌ محض، فيصحُّ التداخل، كما قالوا: تتيقَّن براءة الرحم بالوضع".
فإن قُلنا: أنَّ لهُ حكم العدّة في توابعه مِن مُلازمةِ البيتِ وغيرها، فيُجرى على الخلاف الذي قدَّمناهُ آنفًا.
وهذا الإلزام لا [محيد] (١) عنهُ. فكيف يُطلق القولُ بالتداخل، ومَن تدبَّر ما قلتُ يجدَهُ صحيحًا إن كان عارفًا بالمذهب.
فإن كان الحمل مِن الثاني، فهل يُبرئها من الزوجين جميعًا ويصحُّ التداخل ويُطلب أقصى الأجلين؟ فالمذهب علىَ قولين قائمين مِن "المُدوّنة" منصوصين في المذهب:
أحدهما: أنَّهما يتداخلان، وهو ظاهر قولهُ في المُدوّنة أول الباب حيثُ قال أنَّها تبرأ بالوضع. ولم يُفصِّل بين أن يكون مِن الأول أو مِن الثاني، وهو نصُّ أشهب في غير "المُدوّنة".
[والثانى] (٢): أنها تطلب أقصى الأجلين، وهو ظاهر "المُدوّنة".
ويُؤخذ مِن قوله في مسألة "المنعى لها زوجها"، إذا حملت مِن الثاني ثُمَّ مات زوجُها الأول، فلتطلب أقصى الأجلين، ثُمَّ قال: "وكذلك سائر هذه المسائل كلها"، إشارةً منهُ إلى ما قال أوَّل الباب.
وسبب الخلاف: ما تقدّم مِن العدَّة في النكاح الفاسد، هل تُضاهى عدةَ النكاح الصحيح أو هى استبراءٌ محض [فإن قلنا أنها استبراء محض] (٣) فلا يُبرئها الوضع مِن الثاني، مِن عدَّة وفاة الأول؟
стр. 1740
أصلُ ذلك: إذا وضعت مِن الزنا وهو موضعُ الاتفاق.
وعلى القول: بأنَّها [تضاهى] (١) عدَّة النكاح الصحيح فيتداخلان، وهو إذا كانت عدَّة الأول مِن الوفاة، لأنَّ هذا إنَّما يُتصَّور في المنعى لها زوجها.
وأمَّا إذا اعتَّدت مِن طلاق الأوّل، ثُمَّ حملت مِن الثاني، على القول بأنَّ الوضع مِن الثاني، لا يبرئها مِن عدّة الأول، هل ينبنى على ما مضى مِن الأَقْراء قبل الوضع، إن كان قد مضى لها شىءٌ أو تبتدئ بعد الوضع ثلاثة قُروء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تبنى على ما مضى منها، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهرُ المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تبتدئ، وهي رواية أفلح عن ابن القاسم.
وسبب الخلاف: طروء الوضع، هل يهدم ما مضى مِن عدَّتها أو لا يهدم؟
فعلى القول بأنَّ الوضعَ يهدمهُ: فإنَّها تبتدئ بثلاثة أقراء. وهل تحسب بدم النفاس قُرءًا أو لا تحسب به؟ قولان:
أحدهما: أنها تحسب [به] (٢)، وبهِ قال أبو القاسم بن مِحرز.
والثانى: أنَّها لا [تحسب به] (٣) وتلغيه.
وسبب الخلاف: هل العبرة بالعبر والمعانى أو العبرة بالألقاب
стр. 1741
[والأسامي] (١)؟.
فمن اعتبر الألقاب والتسميات، قال: لا تحسب بدمِ النفاس قُرءًا.
والله تعالى يقولُ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والنفاس لا يُسمى قرءًا.
ومن اعتبر المعانى، في كون دم النفاس لهُ حكم دم الحيض في جميع ما تعلَّق بهِ من الأحكام قال: تحسبُ بهِ.
ومعنى التداخُل: أن يكون الحُكم لإحدى العدتين، وتندرج الأُخرى تحتها.
وعدم التداخُل: إمَّا طلبُ أقصى الأجلين، إذا تمت إحداهما، انتظرت تمام الأخرى، وهو المشهور.
أو أنَّها إذا أتمت إحداهما، ابتدأت الأُخرى، كما قال عُمر ﵁ [وهو الذي نقله ابن الجلاب] (٢).
فهذا جُملة ما حضرَ عندي الآن في تحصيل مسألة تداخل العدَّتين.
وإلى الله الهداية في بُلُوغ الغاية.
والحمد لله وحده.
стр. 1742
المسألة السابعة
في امرأة المفقود، وما كان في [معناها] (١).
والكلام في هذه المسألة، على ثلاثة أسئلة:
منها سؤال المفقود.
ومنها سؤال التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة.
ومنها سؤال المنعى لها زوجها.
فأمَّا السؤال [الأول] (٢) الذي هو سؤال المفقود، فإنَّ [عادة] (٣) الأصحاب في تصانيفهم اختلفوا في تقاسيم المفقودين.
فمنهم من قسَّمهم ثلاثة أقسام:
مفقود في بلاد الإِسلام، ومفقود في المُعترك الذي يكون بين المسلمين والمُشركين، ومفقودٌ في الفتن التي بين المسلمين.
ومنهم مَن زاد قِسمًا رابعًا وهو:
المفقود في أرض الشِرك.
ونحن نزيد قسمًا خامسًا: وهو المفقود في سنة المجاعة.
فأمَّا المفقود في بلاد الإِسلام مِن غيرِ مضرَّة لحقتهُ ولا حاجة رمقته،
стр. 1743
فالكلامُ فيه في ثلاث مواضع:
أحدها: الكلام في حُكم نفسهِ.
والثانى: في ماله.
والثالث: في زوجهِ.
فأمَّا الموضعَ الأوَّل: وهو الكلام في نفسِ المفقود، وهو عندَ أهلِ اللُغة أعنى: الفقد، هو: تلفُ الشىء بعد حضورهِ وعدمِهِ بعد وجودهِ.
فحُكمُهُ في نفسه يُحمل على أنَّهُ حىٌ حتى يُتبيَّن موتُهُ حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء فيما لهُ وعليه.
مَمَنْ مات [له] (١) مَن ولد أو من لهُ [فيه] (٢) ميراثٌ [ولم يكُن حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء] (٣) [ولم يكن] (٤) هناك مَن يحجُبُهُ فإنَّهُ يرث منهُ ويوقف لهُ سهمهُ منهُ وقفًا مخالفًا لوقوف ماله على ما نصفه في موضِعِه، إنْ شاء الله تعالى.
فإن ثبت موتُهُ حسًا، وكان موتُهُ بعد موت مَن وُقف لهُ [منه] (٥) الميراث ضُمَّ ذلك إلى [ماله] (٦)، وكان من جُملة تركتهُ، ويُقسَّم [مَع] (٧) مالَهُ.
فإن كان موتُ الغائب [قبل] (٨) موتِ الحاضر [فإنه يرد إلى ورثة
стр. 1744
الحاضر] (١) ولا شىء [فيه] (٢) لورثة الغائب، [إذ لا يُورث الأموات مِن الأحياء.
وكذلك الحُكم إذا جُهل من مات منهما أولًا] (٣)، إذْ لا يُورث أحدٌ بالشكِّ.
فإن كان موتهُ معنًا مِثل أن يموت بالتعمير، فإنَّ المال [الموقف] (٤) يرجع أيضًا إلى مَن يرث الحاضر يوم مات، ولا شىء [فيه] (٥) لورثةِ الغائب، لاحتمال أن يكون قد مات قبل الحاضر لأنَّ ذلك مِن باب التوارث بالشكِّ، وإنَّما أوقَفناه لاحتمال أن يحيى أو يثبت أنَّه حى بعد موت الحاضر.
وقد حكى أبو إسحاق بن شعبان في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكرناه، وهو المشهور.
والثانى: أنَّ ميراث الأب مِن الابن [موقوف] (٦) إن كان [يرث] (٧) الأب بالتعمير.
والثالث: أنَّ الأب إذا مات بالتعمير يوقف مِن مالهِ ميراث ولده الذي كان مات ويكون الميراث بين موقوفين حتى يكشف مَن يرث منهما صاحبهُ.
وقد اختُلف في الجد الذي إذا انتهى إليه في السنّ حُكم الشرع بموته،
стр. 1745
على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُعمَّر سبعين سنة، لمالك وابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ يُعمَّر ثمانين سنة، وهي رواية عن مالك أيضًا.
والثالث: أنَّهُ يُعمَّر تسعين سنة، وهو قول ابن الماجشون.
والرابع: أنَّهُ يُعمَّر مائة سنة، وهو مروىٌ عن مالك أيضًا.
والخامس: مائة وعشرين، وهو قولٌ حكاه أبو جعفر الداوردى عن محمَّد بن عبد الحكم.
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: [والصحيح] (١) سبعون سنة، لقوله ﷺ : "أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين، وقلَّ من يُجاوز ذلك". وهذا إخبارٌ عن ما يتعلَّق به الحُكم مِن الأعمال، وما زاد عن ذلك فليس فيه دليل يتحرَّر عمَّا يتعلَّق لكلِّ قول، وإنَّما هو على حسب ما يغلبُ على الظنِّ ويترجَّح في النفس مِن طول المُدَّة وقصرها والله أعلم.
وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في: حُكم مالهِ.
ولا شكَّ ولا خفاء أنَّ مال المفقود موقوف، وأنَّ النظر فيه للسلطان، ولا يُمكَّن منهُ وارثٌ ولا غيرُ، وينظرُ لهُ السلطان بما هو الأحوطُ لهُ، وإلا سد فيما يخلف مِن رياع وأموال ومتاجر وديون وقراض وودائع وعوارٍ.
وأمّا الرياع: فإن كانت ممَّا يصلحُ للكراء أكراها، وإن كان فيها شىءٌ يحتاج إلى إصلاح ولا [يتقى] (٢) على انهدامهِ أُصلح له، وإن كان يتقى عليه أو كانت النفقة تعظُم ويُرى أنَّ البيعَ أحسن بيعت.
وأمَّا متاجرِهِ وذخائرهِ: فما كان يُخشى فسادُهُ أو يتسُّوس أو يدود:
стр. 1746
باعَهُ صاحبهُ، وإلا لم يتعرّض لهُ إلا أن يأتى على شىءٍ [من ذلك] (١) نفاق أو غلاء وما يُعلم أنَّهُ لو كان حاضرًا لم يُؤخِّر بيعهُ فإنَّهُ يُباع.
وأمَّا رقيقهُ: فإن كان لا يخشى عليهم الإباق وفي خراجهم ما يقومُ بمؤنتهم وكسوتهم لم يُباعوا، وإلا بيعوا.
وكذلك الدواب: إذا كان في غلَّاتها ما يقوم بعلوفاتها ولم تبلغ [من] (٢) السن ما يُخشى [عليها] (٣): فلا تباع.
وأمَّا دُيونهُ: فإنَّها تُقبض بعد حُلول [أجلها] (٤) و [قراضها] (٥) بعد نضوضه، ووقف كُلُّ [ذلك] (٦) على يدٍ ثقة.
وكذلك عواريه: إن كان لها أجلٌ انقضى أو لم يكن لها أجل فانقضى، ما يُعارُ لمثله.
وإن أعار أرضًا فَبَنَى فيها المُستعير، أمر لهُ الإِمام بنقضهِ إذا مضى ما يُعارُ لمثلهِ.
فإن رأى الإِمام أنْ يُعْطِيَهُ قيمتهُ [منقوضًا] (٧)، كان ذلك لهُ، وقد قال مالك في "كتاب الشفعة" في العرصة المُستعارة، إذا بني فيها رجلان ثُمَّ أراد أحدهما الخروج منها وربُّها غائب، فقال مالك: "ينظر السلطان
стр. 1747
في ذلك: فإن رأى أن يُعطيه قيمة نقضه ويبقى البُنيان للغائب، كان ذلك له، فقيل له: مِن أين يدفُع الثمن؟ قال: هو أعلمُ بذلك".
وأمَّا ودائِعهُ: فإن كانت تركته على يدِ مأمون، وإلا نزعت.
وإن كان المفقودُ قد رضي بأمانته، لأنَّهُ قد تعلَّق بها حقُّ الورثة، لإمكان أن يكون قد مات، وأنَّهُ مالهم اليوم، ومراعاة لمذهبِ مَن يقول أنَّهُ يورث عند انقضاء الأربع سنين.
وأمَّا الموضعُ الثالث: وهو الكلام في حُكم [زوجهِ] (١).
وهو عمدةُ الباب. فإذا رفعت امرأة المفقود أمرها إلى السلطان واشتكت [إليه] (٢)، وأظهرت الحاجة والفاقة، وما يلحقُها مِن الضررِ في نفسها لغيبة زوجها، وسألت السُلطان [أن] (٣) يدفع عنها الضرر، [ويزيل] (٤) ما تشكى [به] (٥) مِن الضيم الذي لحقها مِن غيبةِ زوجها، فإنَّ السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة، فإذا ثبت [عنده] (٦) الأمران: وجب عليه الاعتناء بحقها، ودفعُ الضررِ اللاحق بها، ويكتبُ إلى والي البلد الذي يُظنُّ أنَّهُ فيهِ أو يكتب إلى سُلطان تلك البلد، إن لم يعلم أنَّهُ في بلدٍ بعينها ويُعرِّفهُ في كتابه إليه باسمهِ واسم أبيه، ويكتب صفته ومتجرهُ وصنعتهُ إن كانت [له] (٧) صنعة يُشتهرُ بها، وَيكتبُ هو في ذلك إلى نواحى بلدهِ، [فإذا
стр. 1748
ورد] (١) على الإِمام جواب كتابهُ، ولم يقع لهُ على خبر ولا وُجد لهُ أثر فحينئذٍ يضرب لامرأتهِ أجلًا: أربعُ سنين إن كان حرًا، وسنتين إن كان عبدًا، وهذا هو مشهور المذهب.
وقد قيل: يضرب لها أجل: أربعُ سنين مِن يوم الرفع، وهو قولُ محمَّد بن عبد الحكم. والأول أصح.
واختُلف في الحِكمة في ضرب أربع سنين، على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يضربُ لها أربع سنين، لأنَّهُ أقصى [مدَّة] (٢) الحمل، وهو قول أبى بكر الأبهرى.
وهذا تعليلٌ ضعيف. لأنَّ العلة لو كانت كما ذَكر لوجب أنْ يستوى فيه الحُرُّ والعبدُ لاستوائهما في مُدَّة لُحُوق النسب، وَلَوَجَبَ [أيضًا] (٣) أنْ يسَقط جُملةً في الصغيرة التي لا يوطأ مثلُها إذا فُقد زوجها.
والمذهب: أنها لو قامت عشرين سنة ثُمَّ رَفعت أمرُها، يُضرب لها أجلٌ أربعة أعوام، وهذا يبطل تعليله إبطالًا ظاهرًا.
والثانى: أنَّ الحكمة في ذلك، لأنَّه القدر الذي تصلُ إليه الكتابة في بُلدان الإِسلام مسيرًا وعودًا.
وهذا التعليلُ أيضًا باطل -لأنَّهُ ما يتخرج إلا على القول بأنَّ ضربَ الأجل أربعُ سنينٍ قبل الكشف، وهو [قول] (٤) ضعيفٌ في نفسهِ.
стр. 1749
والثالث: [أن ذلك] (١) لاختبار حاله والتماس موقعه في الجهات الأربع في المشرق والمغرب والشمال والجنوب. فجعل لكلِّ جهةٍ عامًا.
قال القاضى أبو بكر بن العربى ﵁: "وهذا مما [يمكن أن يكون] (٢) قصد عمر ﵁ مِن غير أن يقطع عليه بذلك".
والرابع: أن الأربعة الأعوام إنَّما أُخذت بالاجتهاد، لأنَّ الغالب أنَّ من كان حيًا لا تخفى حياتُهُ [مع] (٣) البحث [عنه] (٤) أكثر مِن هذه المُدَّة، فوجب الاقتصار عليها، لأن الزيادة فيها والنُقصان [منها] (٥) خرقٌ للإجماع.
لأن [امرأة] (٦) المفقود على قولين:
أحدهما: أنَّ زوجتهُ لا تتزوج حتى تعلمَ موتَهُ، أو يأتى عليهِ مِن الزمان ما لا يَحيا إلى مِثله.
والثانى: أنَّهُ يُباح لها التزويج إذا اعتدَّت بعد تربُّصِ أربعةُ أعوام.
فلا يجوز إحداث قول ثالث، وهذا هو المشهور عند الأصوليين.
ولها النفقة في هذه المُدَّة التي هى أربعُ سنين، لأنَّها باقية في عصمة الزوج الغائب.
стр. 1750
فإذا انقضت تلك المُدَّة خيَّرها الإِمام بين البقاء على العصمة أو الخروج مِنها.
فإن اختارت البقاء على العصمة كانت لها النفقة.
وإن اختارت الخروج منها أمرها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، ولا نفقة لها في مال الغائب في تلك المُدَّة.
فإذا انقضت عدتها فلا يخلو حالها مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يأتى زوجها أو العلمُ بحياتهِ.
وإمَّا أن يثبتَ موتُهُ.
وإمَّا ألا يتبيَّن حياته ولا موتهُ.
فإن جاء بنفسه أو أتى العلمُ بحياتهِ فإنَّها تُمنع مِن النكاح جبرًا ورجعت بالنفقة مِن يوم قُطعت عنها وذلك مِن يوم أخذت في العدّة.
فإن جاء الخبرُ بموتهِ وثبت الخبرُ بِبيِّنة: فإنَّهُ يُنظر إلى تاريخ موتهِ.
فإن مضى مِن ذلك ما تنقضى فيه عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا حلَّت للأزواج.
وإن بقىَ منها شىءٌ: تربَّصت [حتى تقضى ما بقى] (١)، ويكونُ عليها الإحداد في ذلك.
وحالها في [جميع الأحوال] (٢): حال المعتدَّة مِن وفاةٍ، ولها الميراثُ في كلا الوجهين، وهذا قولُ أشهب في كتاب "محمَّد".
وقال عبد الملك في "المبسوط": "لا إحداد عليها".
стр. 1751
وسببُ الخلاف: هل يغلُبُ [فيها] (١) شائبة الطلاق، ثُمَّ لا إحداد عليها أو يغلبُ فيها شائبةُ الموت، فيكونُ عليها الإحداد، لأنَّ عدّتها عدَّة الوفاة؟
وبهذا الاعتبار قال بعض المتأخرين وأراه أبا الحسن اللخمى: تطلب أقصى الأجلين أربعة أشهرٍ وعشرًا مع ثلاثة قُروء.
فإن لم يتبين حالهُ [ولا عرفت حياته] (٢) من موته كان النكاحُ لها مُباحًا.
فإن تزوجت ثُمَّ ظهر خبره فلا يخلو ما يطلع بهِ الخبرُ من وجهين:
أحدهما: أن يطلع بحياتهِ.
والثانى: أن يطلع بموته.
فإن طلع الخبرُ بحياته، هل يصح نكاح الثاني ويكون الأول أحقُّ بها أم ماذا يكون الحُكم [فيها؟ فالمذهب] (٣) على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الأولَ أحقُ بها، ما لم تتم أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا كمّلتها [و] (٤) خرجت من العدَّة وحلت للأزواج بانت من الأولى لخروجها مِن عصمته. وهو ظَاهر قولُ الشيخ: أبى بكر الأبهرى وغيره مِن البغداديين، لأنَّهُ قال: "أنَّ الطلاق يقعُ عليه للضرر الذي يلحقُها في عدم الوطء".
стр. 1752
وهذا هو الأظهر في النظر على القولِ بأنَّها تفوتُ [للأول] (١) بوجهٍ ما.
وبيانُ ذلك: اتفاق مَن يقول بالتفويت: أنَّها بانقضاء العدَّة تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها. ومُحالٌ أنْ تبقى زوجتُهُ في عصمته وهي مع ذلك تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها.
وهذا ما لم يُعهد لهُ في الشريعة نظير، والأصول موضوعة على أنَّ المعتدَّة تحلُّ بانقضاء العدَّة وتحل عصمتها.
وأصل ذلك: المولى والمُعسر بالنفقة، إذا كان غائبًا مع الإمكان أنْ يكون قد ترك لها النفقة أو بعث بها إليها أو وصلت.
[والثانى] (٢): أنَّها بالعقدِ تفوت. فإذا عقد عليها الثاني فلا سبيل للأول إليها.
وهو أحد قولى مالك، وبهِ قال [من] (٣) أصحابُنا: المغيرة وغيره.
والثالث: أنَّ الأول أحقّ بها ما لم يدخل بها الثاني، وهو قولُ مالك أيضًا، وبهِ قال ابن القاسم من أصحابنا وأشهب.
ووجهُ القول الثاني: أنَّها تفوت بالعقدِ. لأنَّ [الحاكم] (٤) أباح النكاح مع إمكان حياة زوجها، وما كشف عن أكثر الذي [كان] (٥) يظن.
стр. 1753
وأمَّا الثالث: فتوجيهُهُ ظاهر.
والقول الرابع: أنَّ الأول أحقُّ بها [أبدًا] (١) وأنَّها لا يفيتها العقد و [لا] (٢) الدخول.
[قياسًا] على أحد الأقوال في النصرانية تُسلِم وزوجها غائب.
وقد قال فيها عبد الملك بن الماجشون فيما حكاهُ عنهُ الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد إنْ ثبت إسلامُهُ قبلها أو بعدها في العدَّة كان أحقَّ بها وإن ولدت مِن الثاني. والجمع بين المسألتين نكاح في عصمة. وأحسبُ أنى رأيت لهذا القول نصًا لابن عبد الحكم.
وحُدثت [أن] (٣) القاضى أبا بكر بن العربى نقل هذا القول في "القبس" وعزاه إلى المذهب ولم يُسم قائله، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى ﵁، في التي علمت بالطلاق، ولم تعلمْ بالرجعة، وقد ساوى مالك [في المدونة] (٤) بين "مسألة المفقود" وبين التي [علمت] (٥) بالطلاق ولم تُعلم بالرجعة في [جميع] (٦) وجوهها.
ورام بعض المتأخرين استقراء هذا القول مِن "المُدوّنة" مِن مسألة:
"التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة" على ما [سنبينه] (٧) [في فصله] (٨) إن شاء الله.
стр. 1754
والأصل في ذلك: قضية عمر بن الخطاب ﵁ في المفقود، وذلك أنَّهُ قد رُوى عنهُ في المفقود إذا قدم، وقد تزوجت امرأتهُ، ثلاثة أقوال:
فَمرةً قال: الأول أحقُّ بها ما لم تُنكح.
ومرَّة قال: الأول أحقُّ بها ما لم يُدخل بها الثاني.
والقولان مشهوران عنه أيضًا.
ورُوى عنه أيضًا أنَّهُ قال: يُخيَّر بين المرأة وأخذ الصداق.
وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ أن امرأة المفقود لا تتزوّج، حتى يثبت موتُهُ، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة ﵄.
وسبب الخلاف: بين مَن قال: يفوت أو لا يفوت: اختلافهم في الحُكم إذا وقع موقع السداد ثُمَّ انكشف عن الفساد، هل يُستصحب معهُ حالة الابتداء أو يُستصحب معه حالة الانتهاء؟
وسببُ الخلاف: بين مَن قال: تحلُّ [وبين من قال:] (١) لا تحل: [تعارض] (٢) استصحاب الحال للقياس، وذلك أنَّ استصحاب الحال يُوجب أنْ لا تخل عصمته لا بموتٍ أو طلاقٍ حتى يقوم الدليل على غير ذلك وأمَّا القياس: وهو تشبيهُ الضررُ اللاحق بها [من غيبته بالضرر اللاحق بها من] (٣) الإيلاء والعِنة، فيكون لها الخيارُ في هذين.
فإن طلع الخبرُ بموتهِ، فلا يخلو ذلك مِن ثمانيةِ أوجه:
стр. 1755
[أحدها: أن يتزوجها الثانى بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها منه] (١).
والثانى: أن يتزوجها بعد الموت وقبل انقضاء العدة.
والثالث: أن يتزوجها ويدخلُ بها قبل موتهِ.
والرابع: أن يموت بعد التزويج وقبل الدُخول ودخل [فى] (٢) العدَّة.
[والخامس: أن يموت بعد التزويج وقبل الدخول ودخل بعد انقضاء العدة] (٣).
والسادس: أن يكون التزويج والدُخول بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة.
والسابع: أن يكونَ التزويجُ فى العدَّة والدخولُ بعدها.
والثامن: [إن عُدم] (٤) التاريخ، ولا يدرى متى كان موته.
والفصول الثمانية كُلها فى "المُدوّنة" غير أنَّها مُبددة فيها.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا تزوجها [الثانى] (٥) بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها:
فإنَّها ترثُ الأول وتبقى زوجة للثانى، لأنَّهُ تزوجها بعد خروجِها مِن العصمة وانقضاء العدّة.
وأمَّا الوجهُ الثانى: إذا تزوّجها بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة:
فإنَّها ترثُ الأوَّل وينفسخ نكاح الثانى، ثُمَّ ينظر إلى دخولهِ.