← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وسببُ الخلاف: هل يغلُبُ [فيها] (١) شائبة الطلاق، ثُمَّ لا إحداد عليها أو يغلبُ فيها شائبةُ الموت، فيكونُ عليها الإحداد، لأنَّ عدّتها عدَّة الوفاة؟ وبهذا الاعتبار قال بعض المتأخرين وأراه أبا الحسن اللخمى: تطلب أقصى الأجلين أربعة أشهرٍ وعشرًا مع ثلاثة قُروء. فإن لم يتبين حالهُ [ولا عرفت حياته] (٢) من موته كان النكاحُ لها مُباحًا. فإن تزوجت ثُمَّ ظهر خبره فلا يخلو ما يطلع بهِ الخبرُ من وجهين: أحدهما: أن يطلع بحياتهِ. والثانى: أن يطلع بموته. فإن طلع الخبرُ بحياته، هل يصح نكاح الثاني ويكون الأول أحقُّ بها أم ماذا يكون الحُكم [فيها؟ فالمذهب] (٣) على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّ الأولَ أحقُ بها، ما لم تتم أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا كمّلتها [و] (٤) خرجت من العدَّة وحلت للأزواج بانت من الأولى لخروجها مِن عصمته. وهو ظَاهر قولُ الشيخ: أبى بكر الأبهرى وغيره مِن البغداديين، لأنَّهُ قال: "أنَّ الطلاق يقعُ عليه للضرر الذي يلحقُها في عدم الوطء".

стр. 1752

وهذا هو الأظهر في النظر على القولِ بأنَّها تفوتُ [للأول] (١) بوجهٍ ما. وبيانُ ذلك: اتفاق مَن يقول بالتفويت: أنَّها بانقضاء العدَّة تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها. ومُحالٌ أنْ تبقى زوجتُهُ في عصمته وهي مع ذلك تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها. وهذا ما لم يُعهد لهُ في الشريعة نظير، والأصول موضوعة على أنَّ المعتدَّة تحلُّ بانقضاء العدَّة وتحل عصمتها. وأصل ذلك: المولى والمُعسر بالنفقة، إذا كان غائبًا مع الإمكان أنْ يكون قد ترك لها النفقة أو بعث بها إليها أو وصلت. [والثانى] (٢): أنَّها بالعقدِ تفوت. فإذا عقد عليها الثاني فلا سبيل للأول إليها. وهو أحد قولى مالك، وبهِ قال [من] (٣) أصحابُنا: المغيرة وغيره. والثالث: أنَّ الأول أحقّ بها ما لم يدخل بها الثاني، وهو قولُ مالك أيضًا، وبهِ قال ابن القاسم من أصحابنا وأشهب. ووجهُ القول الثاني: أنَّها تفوت بالعقدِ. لأنَّ [الحاكم] (٤) أباح النكاح مع إمكان حياة زوجها، وما كشف عن أكثر الذي [كان] (٥) يظن.

стр. 1753

وأمَّا الثالث: فتوجيهُهُ ظاهر. والقول الرابع: أنَّ الأول أحقُّ بها [أبدًا] (١) وأنَّها لا يفيتها العقد و [لا] (٢) الدخول. [قياسًا] على أحد الأقوال في النصرانية تُسلِم وزوجها غائب. وقد قال فيها عبد الملك بن الماجشون فيما حكاهُ عنهُ الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد إنْ ثبت إسلامُهُ قبلها أو بعدها في العدَّة كان أحقَّ بها وإن ولدت مِن الثاني. والجمع بين المسألتين نكاح في عصمة. وأحسبُ أنى رأيت لهذا القول نصًا لابن عبد الحكم. وحُدثت [أن] (٣) القاضى أبا بكر بن العربى نقل هذا القول في "القبس" وعزاه إلى المذهب ولم يُسم قائله، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى ﵁، في التي علمت بالطلاق، ولم تعلمْ بالرجعة، وقد ساوى مالك [في المدونة] (٤) بين "مسألة المفقود" وبين التي [علمت] (٥) بالطلاق ولم تُعلم بالرجعة في [جميع] (٦) وجوهها. ورام بعض المتأخرين استقراء هذا القول مِن "المُدوّنة" مِن مسألة: "التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة" على ما [سنبينه] (٧) [في فصله] (٨) إن شاء الله.

стр. 1754

والأصل في ذلك: قضية عمر بن الخطاب ﵁ في المفقود، وذلك أنَّهُ قد رُوى عنهُ في المفقود إذا قدم، وقد تزوجت امرأتهُ، ثلاثة أقوال: فَمرةً قال: الأول أحقُّ بها ما لم تُنكح. ومرَّة قال: الأول أحقُّ بها ما لم يُدخل بها الثاني. والقولان مشهوران عنه أيضًا. ورُوى عنه أيضًا أنَّهُ قال: يُخيَّر بين المرأة وأخذ الصداق. وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ أن امرأة المفقود لا تتزوّج، حتى يثبت موتُهُ، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة ﵄. وسبب الخلاف: بين مَن قال: يفوت أو لا يفوت: اختلافهم في الحُكم إذا وقع موقع السداد ثُمَّ انكشف عن الفساد، هل يُستصحب معهُ حالة الابتداء أو يُستصحب معه حالة الانتهاء؟ وسببُ الخلاف: بين مَن قال: تحلُّ [وبين من قال:] (١) لا تحل: [تعارض] (٢) استصحاب الحال للقياس، وذلك أنَّ استصحاب الحال يُوجب أنْ لا تخل عصمته لا بموتٍ أو طلاقٍ حتى يقوم الدليل على غير ذلك وأمَّا القياس: وهو تشبيهُ الضررُ اللاحق بها [من غيبته بالضرر اللاحق بها من] (٣) الإيلاء والعِنة، فيكون لها الخيارُ في هذين. فإن طلع الخبرُ بموتهِ، فلا يخلو ذلك مِن ثمانيةِ أوجه:

стр. 1755

[أحدها: أن يتزوجها الثانى بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها منه] (١). والثانى: أن يتزوجها بعد الموت وقبل انقضاء العدة. والثالث: أن يتزوجها ويدخلُ بها قبل موتهِ. والرابع: أن يموت بعد التزويج وقبل الدُخول ودخل [فى] (٢) العدَّة. [والخامس: أن يموت بعد التزويج وقبل الدخول ودخل بعد انقضاء العدة] (٣). والسادس: أن يكون التزويج والدُخول بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة. والسابع: أن يكونَ التزويجُ فى العدَّة والدخولُ بعدها. والثامن: [إن عُدم] (٤) التاريخ، ولا يدرى متى كان موته. والفصول الثمانية كُلها فى "المُدوّنة" غير أنَّها مُبددة فيها. فأمَّا الوجهُ الأول: إذا تزوجها [الثانى] (٥) بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها: فإنَّها ترثُ الأول وتبقى زوجة للثانى، لأنَّهُ تزوجها بعد خروجِها مِن العصمة وانقضاء العدّة. وأمَّا الوجهُ الثانى: إذا تزوّجها بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة: فإنَّها ترثُ الأوَّل وينفسخ نكاح الثانى، ثُمَّ ينظر إلى دخولهِ.

стр. 1756

فإن دخل قبل انقضاء العدَّة، كان في تأبيد التحريم قولان: والمشهور أنَّهُ يتأبَّد عليهِ التحريم. وإن دخل بعد انقضائها، فعلى الخلاف المُتقدم أيضًا إذا عقد في العدَّة ودخل بعد العدَّة. وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا تزوّجها ودخل بها قبل موتهِ فإنَّها لا ترثُهُ بالاتفاق، وتبقى زوجة للثانى. وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل الزوجُ في العدَّة، فهل ترث الأول أو لا ترثَهُ؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها ترثهُ. والثانى: أنَّها لا ترثهُ. وهذا الخلافُ: يتخرَّج على الخلاف في امرأة المفقود: هل يُفتيها العقد أو لا يفتيها إلا الدُخول؟ فعلى القول: بأنَّ العقد يُفتيها، فلا ترثُه. لأنَّهُ مات بعد انقضاء عصمتهُ منها. وعلى القول: بأنَّها لا تفوتُ إلا بالدُخُول، فإنَّها ترث، ويُفرّق بينها وبين الثاني، ولا تحلُّ لهُ أبدًا، لأنَّهُ ناكحٌ في عدَّة لدخولهِ في العدَّة. وأمَّا الوجه الخامس: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل بعد انقضاء العدَّة. فإنَّ النكاح الثاني مفسوخ، لأنَّهُ [ناكح] (١) في عصمة، ولهُ أنْ يتزوَّجها بعد الاستبراء، ولا يتأبَّد [التحريم بينهما] (٢)، لأنَّ

стр. 1757

العدَّة قد سلمت مِن أنْ يكون فيها عقد ودخُول. وهل ترث الأوَّل أو لا ترثُهُ؟ يتخرّج على الخلاف الذي قدّمناه. وأمّا الوجهُ السادس: إذا كان التزويج والدخول بعد الموت، وقبل انقضاء العدَّة، فهذا لا خلاف فيهِ أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكح الثاني، ويتأبَّد عليهِ التحريم، لأنه نكح في العدَّة ودخلَ فيها. وأمَّا الوجه السابع: إذا تزوّجها [بعد موته] (١) ودخل بعد انقضاء العدَّة. فلا خلاف أيضًا أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكاح الثاني، وهل يتأبَّد عليه التحريم أو لا يتأبَّد؟ قولان وقد قدّمناهُما. وأما الوجهُ الثامن: إذا عُدم التاريخ ولا يدرى هل مات قبلَ النكاح أو بعدهُ؟، وقد دخل الثاني، فلا ترث الأول، ولا يُفرّق بينها وبين الثاني، إذ لا ميراث [بالشك] (٢). وإن تزوّجت في الأربع سنين فنكاحُها فاسد قبل الدخول وبعدهُ. ثُمَّ يُنظر إلى ما ينكشف عنهُ الغائب بعد ذلك: فإنْ ثبت أنَّهُ حى أمسكت عن الأزواج. وإن ثبت أنَّهُ مات وَرِثتهُ، ثُمَّ يُنظر في نكاحهِ. فإن ثبت أنَّهُ تزوجها في عِدَّة فُسخ النكاح ويتأبد عليهِ [فيه] (٣) التحريم. فإن ثبت أنَّهُ تزوجها بعد انقضاء العدَّة فيُنظر. فإن ثبت ذلك بعد فسخ النكاح رُدّت إليهِ بِنكاحٍ جديد.

стр. 1758

فإن ثبت قبل فسخ النكاح، هل يُقرَّان على نكاحهما أو يُفسخ؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: [أنه] (١) يُفسخ، لأنَّهُ [قد] (٢) وقع على خطر. والثانى: [أن] (٣) النكاح [بينهما ثابت] (٤). لأنَّهُ قد انكشف الغيبُ على أنَّهُ كان وقع على وجهٍ صحيح. والقولان منصوصان في "المذهب". وسببُ الخلاف: الحكم إذا وقع موقع الفساد ثُمَّ انكشف عن السداد، هل يُستصحب معه حالة الابتداء أو حالة الانتهاء؟ وهذا الحُكم في نفسها [و] (٥) في ميراثها. وأمَّا الحُكم في صداقها: فلا يخلو مِن أن تكون غيبة المفقود قبل البناء أو بعدهُ. فإن كانت بعد البناء فلا خلاف في المذهب أنَّها تُمكَّن مِن جميع صداقها لاستحقاقها إياه بالدُخُول. فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها وكانت غيبةُ المفقود قبل البناء فهل يُحكم لها بالصداق إذا انقضت عدَّتها أو لا يُحكمُ لها بشىءٍ؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنَّهُ يُعجَّل لها جميع الصداق إذا كان على التأجيل، وهو قول

стр. 1759

مالك في كتاب "ابن سحنون"، وبهِ قال أصبغ في "كتاب ابن الموّاز"، وكتاب "ابن حبيب". والثانى: أنَّهُ يُعجَّل لها نصفهُ ويُؤخَّر النصف حتى يموت بالتعمير فتأخذه. وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن الموّاز". والقولُ الثالث: أنَّهُ ليس لها إلا النصف خاصةً، ويُعجَّلُ لها، وهو قولُ ابن دينار. والقولُ الرابع: أنَّهُ ليس لها إلا النصف، ولا يُعجَّل لها، ويُوقف إلى الوقت الذي تلزم الغائب فيه طلقة، وذلك إذا تزوّجت على القول بأنَّ العقدَ يفتيها. أو إذا دخل الثاني، على القول بأنَّ الدُخُول هو المُفيت. وهذا القول حكاه محمَّد بن أبي زيد عن بعض الأصحاب في "النوادر". وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب الصداق، هل يجب جميعُهُ بالعقد [أو نصفه بالعقد] (١) أو لا يجب بالعقد شىء؟ وقد بيَّنا هذا [الفصل] (٢)، واستقصيناهُ في كتابِ النكاح الثاني. وعلى القول [بأنَّها] (٣) يُدفع لها جميعُ الصداق ثُمَّ إنْ قدم الغائب وقد تزوّجت، هل يُسترجع منها نصفُ الصداق أم لا؟ فعن مالك [في ذلك] (٤) قولان في كتاب "ابن الموّاز". أحدهما: أنَّها تردُّ النصف على الزوج.

стр. 1760

والثانى: أنَّها لا تردُّ شيئًا. وهذا الخلافُ ينبنى على الخلاف في الحكم في امرأةِ المفقود، هل يُغلب فيها شائبة الطلاق فتردُّ النصف، أو يغلب فيها شائبة الوفاة فلا تردُّ شيئًا لِكونها اعتدَّت عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟ وعلى القول بأنَّها لا يكون لها إلا النصفُ فإن جاء الخبر أنَّهُ مات: فإن كان ذلك قبل أن تتزوج، أخذت النصفَ الباقي. وإن جاء الخبر في الوقت الذي لا سبيل له إليها لو قدم، فلا شىء لها إلا النصف الذي قبضتهُ، وهو قولُ سحنون. والجواب عن القسم الثاني: إذا فُقد في أرضِ العدو، فقد اختَلف فيه المذهب على أربعةِ أقوال. أحدها: أنَّهُ كالمفقود في أرضِ الإِسلام في جميع أحوالهِ جُملةً بلا تفصيل. والثانى: أنَّهُ كالأسير جُملةً بلا تفصيل. والثالث: التفصيل بين أن يُفقد قبل وصولُهُ إلى بلاد الشرك فيكون على [حكم] (١) المفقود، وإنْ فُقد بعد وُصولهِ كان كالأسير. والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون سفرهُ في البحر وفُقد قبل الوصول كان على حكم المفقود، وإن كان سفرهُ في البرِّ كان على حُكمِ الأسير. وسبب الخلاف: تردُّدُ هذا الفرع بين [هذين الأصلين] (٢) أيُّهما

стр. 1761

يغلب؟ هل يغلبُ الفقدُ فيكونُ لهُ حُكمُهُ، أو يغلب الأسر فيكون لهُ حُكمُهُ؟ وعلى هذا الأصل ينبنى الخلاف في هذه المسألة. والجواب عن القسم الثالث: وهو المفقود في الصفِّ الذي يكون بين المسلمين والمشركين. فقد اختلف فيه المذهبُ على خمسةِ أقوال. أحدها: أنَّ حُكمه حكم الأسير جُملةً، كان [القتال] (١) في أرض الحرب أو في أرض الإِسلام. فلا يُقسَّم مالُهُ ولا تُنكح زوجتُهُ ولا يُحكم [لها] (٢) بذلك حتى يأتى عليه مِن الزمان ما لا يحيا إلى مثله. وهي رواية ابن القاسم في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّ حكمهُ حُكم المقتول جُملةً. بعد أن يتلوم [لها] (٣) السلطان سنة مِن يوم ترفع أمرها إلى السلطانِ، ثُمَّ تعتد. وهي رواية أشهب عن مالك في الكتاب المذكور. والثالث: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم المفقود في جميع الأحوال. حكاهُ محمَّد ابن الموّاز في كتابه. والقول الرابع: أنَّهُ يُحكم [له] (٤) بِحكم المقتول في الزوجة [فتعتد] (٥) بعد التلوم، ويُحكم لهُ بحكم المفقود في ماله، ذهب إلى هذا أحمد بن خالد.

стр. 1762

والقول الخامس: التفصيل بين أن يكون الالتقاء في بلاد الإِسلام فتكون العدَّة واقتسام ماله [من] (١) يومَ افتراق الجيش، وبعد التربُّص والكشفِ عن أمره إلا أن يُعَلم أنَّه قد صار إليهم فيكون كالأسير، أو يكون في بلاد الشرك فَيكون حُكمهُ حُكم الأسير إلا أن يُعلم أنَّهُ مقتول. وهو اختيار [الشيخ] (٢) أبى الحسن اللخمى [﵁] (٣). فوجهُ القول بأنَّهُ كالأسير: لأن أمرهُ مُتردد بين الأسر والقتل، والأصل الحياة. ووجه القول بأنَّهُ يُنتظر [سنة] (٤): فلأن الغالب في القتال [القتل] (٥). وغيرهُ إن قُدِّر [نادر] (٦)، فكان تعلق الحُكم بالغالب أولى. ووجه القول بأنَّهُ كالمفقود: [أنه] (٧) لما أُشكلَ أمرُهُ بين القتلِ والأسر، كان لهُ حُكم المفقود. ووجه القول بأنَّهُ يُحكم لهُ [بحكم القتل] (٨) في الزوجة، وبحكم المفقود في المال: أنَّ ذلك حكمٌ بين حُكمين، لِما في ذلك مِن التشابه والتشاكل مِن الطرفين.

стр. 1763

والجواب عن القسم الرابع: وهو المفقود في الفتن التي تكون بين المُسلمين فيما بينهم، فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن تشهد البينة العادلة أنَّهُ حضر اللقاء. والثانى: أنْ تشهد البينة أنَّهُ خرج مع العسكر ولم يروهُ في المعركة. فإن شهدت البينة على حضوره في اللقاء فقد اختلف المذهبُ [فيه] (١) على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه يُحكم لهُ بحكم الموت وليس في ذلك أجل. وتعتد زوجتهُ [من يوم] (٢) اللقاء وإن لم تشهد [البينة] (٣) بموته، وهو قولُ سحنون في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّ زوجتهُ تتربَّص سنة. وهي رواية أشهب، وأحد قولى ابن القاسم: والثالث: التفصيل بين قُرب البلاد التي فيها الفتن وبُعدها. فما قُربَ مِن [البلاد] يتلوم (٤) الإِمام لزوجته باجتهادهِ، [بعد] (٥) انصراف مَن انصرف وانهزام مَن انهزم [ثُم تعتد] (٦) وتتزوج. وفيما بعد مثل: إفريقية ونحوها يريد من المدينة تنتظر سنة. وهو قولُ مالك في "العُتبيَّة" وكتاب [محمَّد بن الموّاز] (٧).

стр. 1764

والقول الرابع: أنَّ ما بعد هو على حكم المفقود، وتتربَّص أربع سنين وهو قول مالك في كتاب محمَّد أيضًا. وعلى القول بأنَّها تنتظر سنة، فهل تكون العدَّة داخلة في السنة [أم لا] (١)؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تعتدّ بعد السنة. والثانى: أنَّ العدَّة داخلة في السنة. والقولان لابن القاسم في كتاب "ابن الموّاز" على ما حكاهُ أبو محمَّد في "النوادر" [وهذا كله حكم الزوجة] (٢). وأمّا مالُهُ: فيتخرج الخلاف [فيه] (٣) على الخلاف الذي [ذكرناه] (٤) في الزوجة. فمن رأى أنَّ العدّة مِن يوم التقاء الصفين، قال: يُقسم مالهُ ساعتئذ. ومن رأى أنَّ الزوجة تتربَّص أربع سنين، قال: يُوقف مالهُ إلى التعمير. وعلى القول بأنَّها تتربَّص سنة، هل يُقسَّم مالهُ أو يُوقف؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يُقسَّم مالهُ ذلك الوقت الذي تحل فيه. والثانى: أنه يوقف ماله إلى التعمير.

стр. 1765

وأمَّا الوجه الثاني: إذا شهدت البِّينة أنَّهُ [خرج] (١) مع العسكر. ولم يروهُ في اللقاء، فهذا حُكمهُ حُكم المفقود في جميع أحوالهِ وأحكامهِ. والجواب عن الوجه الخامس: وهو المفقود في زمان الطاعون أو في زمان المجاعة فنسأل الله السلامة والعافية، هل يحكم لهُ بحكم الميت أو يُحكم لهُ بحكم الحي؟ فالمذهب يتخرج على قولين: [أحدهما] (٢): أنَّهُ يُحكم [له] (٣) بحكم المفقود في زمان الرخاء والراحة، وهو ظاهر المذهب. والثانى: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم الميت، وتعتدُّ زوجتُهُ بعد التربُّص والاستيفاء على قدْر ما يرى الإِمام، وهذا على وجه الاستحسان وإلا فالذي تقتضيه نُصوصُ المذهب وهو ظاهر الكتاب أنَّ الَمرأة يأمُرها الإِمام بالعدَّة بغيرِ تربُّصَ ويُقسَّم مالَهُ على ورثتهم. هذا نصُّ [ما حكاه] (٤) بعضُ أصحاب مالك. أنَّ الناس أصابهم سنة بطريق مكة سعال، وكان الرجلُ لا يسعل إلا يسيرًا ثُمَّ يموت، فماتَ مِن ذلك عالم وفُقد ناسٌ مِمن خرجوا إلى الحجِّ. فلم يأتِ لهم خبرُ حياةٍ ولا موت. فرأى مالك: "أن تُقسَّم أموالهم وتعتدُّ نساؤهم ولا يُضرب لهم أجلُ المفقود ولا غيره"، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة" في كتاب "النكاح الأوَّل" في الأعراب: تصيبهم السنة، فوقع عند الرجلِ منهم صبية،

стр. 1766

فأراد أنْ يُزوِّجُها، فقال مالك: لا بأس بذلك ومن أنظر لها منهُ. فأباح مالك ﵀ [للمربى] (١) نكاحها، وما ذلك إلا لكونه حَكَمَ على أبيها وسائر أوليائها بالموت، لأنَّهم انجلوا في البلاد لأجل ما [نزل] (٢) بهم من المخمصة والحاجة. ولاسيَّما على تأويل بعض المتأخرين على مسألَة "المُدوّنة" [أن] (٣) للمُربِّى أن يُجبرها على النكاح وأنَّ لهُ أن يُزوجها قبل البلوغ، وهذا لا ينبغى أنْ يُمكَّن منهُ مع حياةِ الأب، فكان ذلك مِن أدلِّ الدلائل [على أن المفقود في سنة المجاعة وزمان الطاعون أنه يحكم عليه بالموت] (٤). والجواب عن السؤال الثاني: في التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة. فلا يخلو الزوج مِن أن يكون حاضرًا أو غائبًا. فإن كان غائبًا [فقدم] (٥) وقد تزوجت غيرهُ بعدَ انقضاءِ عدتها، هل ترد إلى الأول أو يكونَ الثاني أحق بها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّ العقد يفيتها. والثانى: أنَّ الأوَّل أحقُّ بها ما لم يدخُل بها الثاني. والقولان منصوصان عن مالك في "المُدوّنة". والثالث: أنَّ الأول أحقُّ بها أبدًا ولا يفيتها الدخولُ أصلًا قياسًا على أحدِ الأقوال في النصرانية تُسلم وزوجها غائب وقد أسلم قبلها أو بعدها في

стр. 1767

العدَّة. فقد حكى الشيخ أبو محمَّد [عن] (١) عبد الملك أنَّهُ يكون أحقُّ بها وإن ولدت مِن الثاني، وهو الأظهر. لأنَّ الإِسلام والرجعة [هدما] (٢) حكم الطلاق. ولا تباح للأزواج. فصارت بمنزلةِ امرأةٍ ذات زوجٍ [تزوّجت ولها زوج] (٣) ". وهذا القولُ استقرأهُ بعض الشيوخ مِن "المُدونة" مِن قوله في "كتاب العدَّة" في التي لم تعلم بالرجعة فتزوجت ثُمَّ قدم زوجها الأوَّل وأنَّ مالكًا وقف قبل موتهِ بعام فقال: "زوجُها الأول أحقُّ بها"، فاستقرأ بعض المتأخرين، مِن إطلاق هذا الجواب أنَّهُ أحقُّ [بها] (٤) أبدًا. وسبب الخلاف: تردُّدها بين امرأة المفقود والمنعى لها. فمن ألحقها بأحدِ الأصلين أجراها على حُكمهِ. ولا أعلمُ في المذهب نصَّ خلاف في المنعى لها زوجها إذا تزوّجت ثُمَّ قدم زوجها الأول أنَّهُ أحقُّ بها أبدًا. وأمَّا إذا كان حاضرًا وقد ارتجعها ولم تعلم برجعته حتى تزوّجت ودُخل بها. فهل يكون أحقُّ بها أو تفوتُ بالدُخول؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يكون أحقُّ بها كالغائب. والثانى: أنَّها تفوتُ بالدُخول. والحاضر أعظم ظُلمًا. وهو قول مالك

стр. 1768

في "كتاب محمَّد"، وقال بعض المتأخرين: وما قاله ليس بالبِّين ولو أنَّ رجُلًا رأى زوجتهُ تتزوّج فلم يُنكر عليها لم يكُن [ذلك] (١) طلاقًا؟ ولو عُد ذلك مِن المرتجع طلاقًا لاحتُسب عليه طلقةٌ أُخرى وفُرق بينها وبين الثاني واستأنفت العدة مِن الأول انتهى كلامُهُ. وما قالهُ مسلَّمٌ لهُ إلا قولهُ: [واستأنفت العدة] (٢) من الأول فكيف تستأنف العَّدة منهُ وهو لم يدخل بعد الرجعة؟ وإنَّما قُلنا: إنَّ الرجعة تهدم العدَّة فيما إذا طلَّقها بعد الرجعة وقبل الوطء وقبل انقضاء العدَّة فإنَّها تستأنف العدَّة [منه] (٣). وأمَّا إذا ارتجع ولم يطأ حتى [انقضت] (٤) العدَّة ثم طلَّقها فكأنَّهُ طلَّق قبل البناء، فكان ينبغى ألا تلزمُها العدَّة. وتأمّل هذا الموضع فإنَّهُ موضع البحث. على كُلِّ حال وعلى القول بأنَّهُ لا يُفيتها إلا الدُخول فلا يخلو مِن أنْ يتصادقا على الوطء أو يدْعيهِ أحدهما دون الآخر. فإن تصادق الزوجان على وجوب الوطء مِن الثاني فإنَّها تبقى زوجةً لهُ وفاتت للأوّل على مشهور المذهب. فإن تصادقا على عدم الوطء فإنَّها لا تحلُّ للثانى، على القولِ بأنَّها لا يُفيتها للأوّل إلا الدخول لإقرار الثاني أنَّها زوجة الأوّل ولا تحلُّ للأول إلا بعد ثلاثة قروء لثبوت الخُلوة بينهما وبعد اتفاقهما على ذلك [بالطلاق] (٥)،

стр. 1769

وهو قولُ محمَّد بن الموّاز. وهذا إذا كان الزوج الأوّل قد صدقها. وإن لم يصدقها كان لها أن ترفعَ أمرها إلى السلطان فيُطلِّقها على الأوَّل لأنَّها تقول: أبقى بلا نفقة وبغيرِ إصابة. فإنْ ادعاهُ [الزوج] (١) وكذّبته المرأة فلا تحلُّ للأوَّل أيضًا، وتبقى زوجةً للثانى غير أنها لا يحل لها أن تُمكِّنهُ مِن نفسها ولا يأتيها إلا وهي كارهة كما لو طلَّقها ثلاثة فجحدَ لها الطلاق. فإن ادّعتهُ الزوجة وكذبها الزوج فإنَّها لا تحلُّ للثانى أيضًا لإقرارهِ أنَّها زوجة الأوّل، ثُم ينظر إلى الأوَّل. فإن صدّقها كان لهُ أن يرتجعها، بعد ثلاثة قُروء. فإن كذّبها كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان كما تقدّم. والجواب عن السؤال الثالث: في المنعى لها زوجها وهي التي تبلغها وفاة زوجُها. وهو عند الفقهاء: بضم الميم وفتح العين، وهو خطأ عند أهل العربية، وصوابهُ عندهم: بفتح الميم وكسرِ العين وتشديد الياء. فإذا [بلغتها] (٢) وفاة زوجها ثُمَّ تزوجت ثم جاء زوجها الأول فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّها تُردُّ إلى الأوَّل وإن ولدت أولادًا، قال [في الكتاب] (٣): "لأنها كذبت وعجلت ونكحت مِن غير اعتداد ولا تربُّص مِن سلطان وتعتدُّ في بيتها التي كانت تسكُن فيه مع الآخر حتى تحيض أو

стр. 1770

يثبت حملُها إن كانت حاملًا". قال في الكتاب: "ويُحال بين الثاني وبين الدخولِ عليها، ولا أعلمُ خلافًا في منع الثاني مِن الدُخول عليها والنظر إليها وإلى شىءٍ مِن محاسنها لأنَّهُ أجنبىٌ عنها كسائر الأجانب". وأمَّا الأوّل فلا خلاف أيضًا أنَّهُ يُمنع مِن وطئها في هذهِ العدَّة لأنها إنْ كانت حائلًا يُؤدى إلى اختلاط الأنساب. وإن كانت حاملًا فيُمنع أيضًا على مشهور المذهب لئلا يسقى ماءَهُ زرع غيره. وأما ما عدا الوطء مِن أنواع الاستمتاع فمباحٌ له، لأنَّها زوجتهُ وإنما حُبست عنهُ، [لأجل اختلاط] (١) النَّسبين كما [لو ابتدأها] (٢) مَن زنا [أو غصب. وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين. وما قاله غير صحيح ومذهبنا حماية الذرائع] (٣). [وكيف] (٤) يباح لهُ الاستمتاع بدواعى الوطء مع ما يُخاف منهُ مِن الإفراط المؤدى إلى الوِقاع المُتفق على تحريمُه في تلك الحال. والحمد لله وحده.

стр. 1771

المسألة الثامنة في عِدَّةِ امرأة الخصي والمجبوب . [ومسألة الخصي والمجبوب] (١) تكررت في الكتاب بألفاظٍ مختلفة ومعانٍ مضطربة تُشعر باختلاف أقوال. فمنها قولُهُ في "كتاب النكاح الأول": في جواز نكاح الخصي والمجبوب وطلاقهِ فقال: "لأنَّ المجبوب يحتاج إلى شىء من أمور النساء". وقال في آخر الكتاب المذكور في "باب عُيوب الرجال" فيما إذا كان الرجل خصِيًا أو مجبوبًا ولم تعلمْ المرأة فلها الخيارُ؟ قال: "فإن اختارت الفِراق بعد الدخولِ [عليها] (٢) فعليها العدَّة إن كان يطأ، وإن كان لا يطأ فلا عدَّة عليها". قيل: "فإن كان مجبوبَ الذكر قائم الخصي، قال: "إنْ كان يُولد لمثلهِ فعليها العدَّة، ويُسأل عن ذلك فإن كان يُحمل لمثله لزمهُ الولد وإلا لم يلزمُهُ [ولا يلحق به] (٣) ". قال في "كتاب النكاح الثالث" من "المُدوّنة": "ولا يحل المرأة ولا يُحصنها مجبوب إذ لا يطأ". وقال في "كتاب العدَّة": "وتعتدُّ امرأة الخصيَّ في الطلاق". قال أشهب: "لأنَّهُ يُصيب ببقية ذكرِه ويتحاصنان بذلك، وإن كان المجبوب لا يمسُّ امرأتهُ فلا عدَّة عليها من طلَاق".

стр. 1772

فهذا ما وقع في الكتاب مِن الأجوبة والألفاظ. والمجبوب: في تعارف الفقهاء عبارة عن الممسوح، وهو: مقطوعُ [الذكر] (١). والخصىُّ: عبارة عن مقطوع إحدى [الآلتين] (٢)، إمَّا الذكر، وإمَّا الأُنثيين. وقولهُ: "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء" يفيد أنَّهُ يستمتعُ بعض الاستمتاع. وقولُهُ: "لأن المجبوب لا يطأ" يُفيد أنَّ المجبوب لا حاجة لهُ إلى النساء في ظاهر الأمر، لأنَّ مَن لا يطأ ولا عندهُ آله [الوقاع] (٣) فلا إربة لهُ في النساء. وقولُهُ: "إن كان يطأ أو لا يطأ" تردَّدَ في أمره، والجهل بحالهِ وهو مُنافٍ لقولهِ: " [المجبوب] (٤) لا يطأ". ولهذا قال أبو عُمران الفاسى ﵁: "هذا غريبٌ مِن اللفظِ في قوله إن كان ممن [لا] (٥) يمسَّ" قال: " [إذ] (٦) هو مِمن لا يمسّ". قال بعض المتأخرين اعتذارًا عما في الكتاب ودرأ لِما ألزمَهُ الشيخ أبو عمران [للكتاب] (٧): [و] (٨) قد يحتمل لفظُهُ في الكتاب عندي أنْ

стр. 1773

يكون معناهُ: "إن كان ممن لا يحتاج إلى النساء ولا ينزل ولا يتلذّذ فإن كان هذا متأكدًا تحقَّق أنَّهُ لا يُولد لهُ". ويكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الثالث". "وإنْ كان مِمن دنا إلى النساء، وعالج التداوى [وأنزل] (١) فهذا يُخشى منهُ الولد كما يُخشى مِمن يطأ ويعزل ولا ينزل". فيكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الأول" [في قوله] (٢): "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء"، ومعلومٌ أنَّهُ لم يقصد بذلك الاقتصار على القُبلة والمباشرة، وإنَّما قصدَ أمرًا زائدًا عليهما وهو أمرٌ يوصلهُ إلى اللَّذة الكبرى. فيكون قولهُ: "إن كان ممن لا يمس امرأتهُ" جزمًا على هذا المعنى. وما قالهُ [هذا المتأخر] (٣) رضي الله [عنه] (٤) ظاهر، وعليهِ يُحمل جميعُ ما في الكتاب، وهو تأويلٌ صحيح ولا وصم فيهِ. وإن كان ابن حبيب أشار إلى مثل ما قال الشيخ أبو عمران فقال: "إن كان ممسوحًا فلا عدَّة عليها ولا يلحق الولد بالزوج إن [جاءت به] وتحدُّ هى". وأمَّا الخَصِىُّ: فإن كان قائم الذكر كما قال في كتاب "النكاح الثالث" أو معهُ بعضَهُ كما يُفهم مِن كلام أشهب في "كتاب العدَّة". وهو مقطوع الأنثيين أو إحداهما أو اليُسرى منهما على اختيار "ابن

стр. 1774

حبيب". فهذا هو الخصي الذي قال في الكتاب: يُسأل عنه أهل المعرفة. إن كان يُولده لمثلِهِ. لأنَّهُ يُشكل إذا قطع الذكر دون الأُنثيين أو الأُنثيين أو أحدهما دون الذكر هل ينزل وينسل أم لا؟ وإن كان ابن حبيب فصَّل [في] (١) هذا فقال: "إذا بقى معه أُنثياه أو اليُسرى منهما وبقى معهُ من العسيب ما يُمكنه بهِ الوطء فالولدُ يُلحقُ بهِ"، لأنَّهُ يرى أنَّ الماء مِن الأُنثيين، والولد مِن اليسرى منهما، وما بقى معهُ مِن العسيب يُوصِّل بهِ الماء إلى داخل الفرج. وقال أشهب في "الكتاب": "يُحتمل ما قالهُ ابن حبيب". [وذلك أن] (٢) قولهُ: "لأنَّهُ يُصيب بما بقى مِن ذكره" يُحتمل أنْ يُريد بقولهِ "مِن" للتبعيض، ويكون بعض الذكر. وتكون "مِن" للبيان، فيُحمل على جميعهُ. وكلا التأويلين على مذهب الكتاب سواء، وكذلك [على] (٣) مذهب ابن حبيب. وإنَّما وقع الخلاف بين ابن حبيب والكتاب في بقاء الأنثيين أو إحداهما. فمذهب "الكتاب": الإحالة على سؤال أهل المعرفة

стр. 1775

عن صفةِ حالهِ من الحاجة للنساء. وعند ابن حبيب: الإحالة على رأى أهل الطب. وأمَّا ما يرجعُ إلى الإحلال والإحصان، ووجوب الصداق والحدُّ والاغتسال: فإن ذلك منوطٌ ببقاء الذكر أو بعضه خاصة، دون بقاء الأُنثيين أو إحداهما إلا أنْ يكون [منه] (١) أمر يُوجب الاغتسال كالإنزال مع المُلاعبة. وكان [كتاب] (٢) النكاح [الأول] (٣) أولى بهذهِ المسألة لكنَّا أخَّرناها إلى هذا الموضع لغرضٍ لنا فيهِ. والحمدُ لله وحدهُ [وصلى الله على محمَّد نبيه] (٤).

стр. 1776

المسألة التاسعة في سكنى المُعتدَّة . و [المُعتدَّة] (١) لا تخلو مِن وجهين: أحدهما: أنْ تكون معتدَّة مِن طلاق. والثانى: أنْ تكون معتدَّة مِن وفاة. فإن كانت معتدَّة مِن طلاق، فلا يخلو مِن أنْ يكون الطلاق رجعيًا أو بائنًا. فإن كان رجعيًا: فلا خلاف بين العلماء أن لها [النفقةَ والسُّكنى] (٢). وإن كان بائنًا: فلا يخلو مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا. فإن كانت حاملًا: فلا خلاف أيضًا أنَّ لها الأمرين جميعًا، النفقة والسكنى، لقولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ الآية. فإن كانت حائلًا: فهل لها النفقة والسكنى أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن لها السكنى والنفقة، وهو قولُ الكُوفيين. والثانى: أنَّها لا نفقة لها ولا سُكنى، وهو مذهب [أحمد بن حنبل] (٣) وداود وأبى ثور وإسحاق وجماعة.

стр. 1777

والثالث: أنَّ لها السَّكنى ولا نفقة لها، وهو [مذهب] (١) مالك والشافعى وجماعة. وسبب الخلاف: اختلاف الروايات في حديث فاطمة بنت قيس [ومعارضة ظاهر الكتاب له. فمن لم يوجب لها نفقة ولا سكنى استدل بما روى في حديث فاطمة بنت قيس] (٢) أنها قالت: "طلَّقنى زوجى ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيتُ النبي ﷺ فلم يجعل لي نفقة ولا سكنى" خرَّجهُ مُسلم. [و] (٣) في بعض الروايات [أنه قال:] (٤) "إنَّما النفقة والسُّكنى لمن لزوجها عليها الرجعة". وهذا القول مروىٌ عن علي وابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃ [أجمعين] (٥). ومَن أوجب لها السُّكنى دون النفقة احتجَّ بما خرّجهُ مالك في موطأه من حديث فاطمة المذكور، وفيه: فقال لها رسول الله ﷺ "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك، ولم يذكر فيها إسقاط السُّكنى، فبقى على عمومهِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. [وجعل] (٦) أنَّ أمرهُ ﷺ [لها] (٧) أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك مُعلَّلٌ

стр. 1778

بأمور منها: أنَّها كانت في مكان وحش، فخاف عليها رسول الله ﷺ ، وهو قول عائشة ﵂. ومنها أنها كانت [لَسِنَة تؤذى] (١) أحماءها وجيرانها، وهو قول سعيد بن المسيب ﵁. ومن أوجب لها الأمرين جميعًا (النفقة والسكنى) صار إلى وجوب السكنى لها بعموم قولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ وصار إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوُجوب السُّكنى في الرجعة وفي الحامِل وفي نفس الزوجية. وبالجُملة فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في حديث فاطمة هذا: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقولِ امرأةٍ لا ندرى أصدقت أم كذبت". يُريد: قولهُ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ. . . .﴾ الآية. والمعروف من [سنة] (٢) رسول الله ﷺ : أنَّهُ أوجب النفقة حيث تجب السُّكنى. وقال بعض المتأخرين: "الأوْلى في هذه المسألة أحد المذهبين: إمَّا أن يُقال: لها الأمرين جميعًا فيصير إلى ظاهر الكتاب والمعروف مِن السُّنة. وإمَّا أنْ يُخصص [هذا] (٣) العموم بحديث فاطمة بنت قيس المذكورة.

стр. 1779

وإمَّا التفريق بين إيجاب السُّكنى وإسقاط النفقة فعسير. ووجهُ عُسره: ضعفُ دليلهِ. فعلى مذهب مالك ﵀ [الذي] (١) أوجب لها السُّكنى دون النفقة، فلا تخلو الدار التي سكن فيها الزوج مع زوجته مِن أربعة أوجه: أحدها: أنْ تكونَ للزوج ملكًا. والثانى: أنْ تكونَ لهُ بِكِراء. والثالث: أنْ تكونَ للزوجة ملكًا. والرابع: أنْ تكونَ بكراء على الزوجة. فإن كانت مِلكًا للزوج فهي أحقُّ بها حتى تنقضى عدتها وهي أحقُّ بها مِن الغُرماء في الفلس بالاتفاق، وفي الموت على الخلاف على ما سنذكره في فصلِ [المُتوفى عنها زوجها] (٢) إن شاء اللهُ تعالى. [فإن أراد] (٣) [الغرماء] (٤) [أو الورثة] (٥) بيعها، ويُشترطوا مُدَّة العدَّة على المشترى، هل يجوز ذلك البيع أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدَّونة": أحدهما: أنَّ ذلك جائزٌ، وهو نصُّ المُدوَّنة. والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو قائم مِن المُدوّنة، وتبيَّن لك موضعهُ آنفًا.

стр. 1780

وعلى القول: بأنَّهُ يجوز البيع وتستثنى مُدة العدَّة، هل يستثنى أمد العِدَّة المعتادة أو يجوز لهُ أنْ يستثنى أمد الريبة؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يستثنى إلا [أمد] (١) العدَّة المُعتادة. خاصةً إن كانت العدة مِن طلاق ثلاثةِ قُروء أو ثلاثة أشهر. وإن كانت مِن وفاة: فأربعةُ أشهرٍ وعشرًا، وهذا ظاهر "المُدوّنة"، وهو مشهور المذهب. والثانى: أنَّهُ يجوز له أن يستثنى على المُشترى سُكنى [أمد] (٢) الريبة إلى أربع سنين [أو] (٣) إلى خمسِ سنين، على الخلاف بين أصحاب مالك في ذلك، وقد قدَّمناهُ فيما سلف من هذا الكتاب، وهذا القول استقرأهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى مِن [المذهب] (٤)، وهو ظاهر "المُدوّنة"، ونحن نُبيِّن موضع الاستقراء إن شاء الله. وعلى القول بأنَّهُ لا يجوز له أن يستثنى على المشترى [في] (٥) أمد الريبة فإذا استثنى أمد العدَّة المعتادة ثُمَّ استرابت بعد وفاته وكماله، هل يرجع الخيار إلى المُشترى [في] (٦) فسخ البيع أو لا خيار لهُ؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّهما إن ارتابت فهي أحق بالمقام إلى انقضاء أمدِ الريبة،

стр. 1781

وهو قولُ مالك في كتاب "ابن الموّاز". قال سحنون: "فإن تمادت إلى خمسِ سنين، فلا حُجَّة لهُ. لأنَّهُ قد علم، فكأنَهُ قد علمَ أن [قضاء] (١) العدَّة خمسُ سنين فكأنَّهُ قد دخلَ على عِلم". وروى أبو زيد عن ابن القاسم في "العُتبيَّة"، مِثل قولِ مالك وسحنون "أنَّهُ لا حجَّة للمُبتاع". والثانى: أنَّ الخيارَ يرجعُ إلى المُشترى على البائع، فإن شاء فسخَ بيعهُ وأخذ الثمن، وإن شاء تماسك ببيعه فلا شىء يرجعُ بهِ، لأنَّ البيع إنَّما وقع على استثناء العدَّة المُعتادة في الغالب ولو وقع البيعُ بشرطِ الاسترابة. فقال الشيخ أبو إسحاق التونسى ﵁: "أما جعلَهُ المُشترى بالخيار في فسخِ البيع والرضا به إذا استبرأت المرأة ففيه نظر لأنَّهُ إذا وجب لهُ [رد البيع] (٢) لمكان حبس جُملة الدار [عنها] (٣) أمدًا لا يعرفهُ لجواز أن يكون سنة أو خمسِ سنين. فإن رضي بالتمادى على هذا الشراء بعد وجوب الرد، كابتداء شرائه، وهو قد قال: لو اشتراها بشرط الاسترابة يفسخ البيع إلا أن يكون القولُ على أحد التأويلين فيمن خُيِّر بين شيئين فاختار أحدهما أنَّهُ لا يُعدُّ مُختارًا لما ترك". انتهى كلامه. فعلى هذا الأصل الذي ذكرهُ الشيخ ينبنى الخلاف في المسألة. فعلى القول بأنَّهُ يُعدُّ مُختارًا لما ترك، يجوز البيعُ بشرط استثناء أمد

стр. 1782

الاسترابة، لأنَّهُ قد اختار الفسخُ أولًا ثُمَّ تركه. ويرجع ثُمَّ يختارُ الإمضاء فيعودُ ذلك الاستثناء، وهو ظاهرٌ لِمن تأمَّلهُ. وعلى هذا الأصل ينبنى أكثر فروع "المُدوّنة". فإن مات الزوج قبل انقضاء عدتها ولا دين عليه، هل لها السكنى في مالِ الميت [إلى تمام المدة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة: أحدهما: أن لها السكنى في مال الميت ثابت] (١). بخلاف المتوفى عنها زوجها، وهو قولُ ابن القاسم في "الكتاب". ومعنى [قوله في المتوفى عنها زوجها ألا سكنى لها] (٢) إذا لم تكن الدار لهُ، ولا [نقد] (٣) الكراء، فلم يلزمهُ السكنى لانقطاع ذمَّتهِ بموته، وصار المالُ للورثة، فهذا معنى قولهُ في الكتاب ومعنى قولهُ في المطلقة: أنَّ السكنى ثابتٌ لها في [ذمَّتهِ] (٤)، وهو دينٌ عليه في حياته، وليس الموت بالذى يسقط عنهُ ما وجب عليه قبل الموت" وهذَا نصُّ "المُدَوّنة". والقول الثاني: أنَّ المُطلَّقة والمتوفَّى عنها سواء. أنَّهُ لا سكنى لواحدةٍ منهما بعد الموت في مال الميت، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المدونة". ووجههُ أنَّ سكنى المُطلَّقة ليس بدين ثابت في ذمَّةِ الزوج في الحياة بدليل: أنَّهُ لو اعتبر في حياتهِ لم يلَزمُهُ لأنَّ ما لم يأت بعد لا يتقرَّر في

стр. 1783

ذمته. فإن كانت بكراءٍ على الزوج فهي أحقُّ بسكناها أيضًا مِن الغُرماء إذا أنفذ الكراء وسكنت. فإن انقضى أمدُ [الكراء] (١) قبل انقضاء العدَّة فإنَّهُ [ينظر إلى رب الدار. فإن رضى أن يضاعف المدة بكراء الأول أو بكراء المثل مما لا ضرر فيه على الزوج فإنه] (٢) يُجبر على [إتمام] (٣) ذلك، ولا يُمكَّن مِن إخراجها. وإن أخرجها ربُّ الدار، لكونهِ محتاجًا إلى دارِهِ أو لِكونهِ طلب مِن الزوج ما يجحفه مِن الكراء: كان [له] (٤) الخروج [بها] (٥) ولا إثم عليها، ثُمَّ كان لها على الزوج أنْ يكترى لها منزلًا آخر تتمُّ فيه بقيةُ العدَّة. فإن اختلفا فدعا الزوج إلى موضعٍ، ودعت هي إلى غيره. فلا يخلو مِن أن يدعو الزوج إلى مسكنٍ يملكه أو إلى مسكنٍ يكتريه [فإن دعاها إلى موضع يملكه كان القول قوله إلا أن تسقط عند الكراء فيتخرج على الخلاف فكذلك إن دعاها إلى مسكن يكتريه] (٦)، ودعت هى إلى غيره وهو أكثر كِراء وهو الوجهُ الثاني كان القولُ قولهُ. فإن أسقطت عنهُ الزائد، هل يكون القولُ قولها؟ فالمذهب يتخرّج على قولين:

стр. 1784

أحدهما: أنَّ القول قولُها إذا توازى الكراءُ أو أسقطت جميعُ الكراءِ عن الزوج أو أسقطت الزائد عن كراء الزوج إذا دعت إلى موضعٍ مأمون وهو نصُّ "المُدوَّنة". والثانى: أنَّ القول قولُ الزوج ولا تُترك إلى ما دعت إليه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" أيضًا. وسببُ الخلاف: العدَّة هل هى حق لله تعالى خصوصًا أو فيها حقٌ للعبد؟ فمن رأى أنَّها حقٌ للهِ تعالى خصوصًا: كان القولُ قولُها فيما دعت إليه. وَمَنْ رأى أنَّ فيها حقا للزوج: كانَ القولُ قولهُ فيما دعاها إليه. فإن كان الزوج مُعسرًا في جميع العدَّة أو في [بعضها] (١): فلا شىء عليه فيما هو فيه مُعسر. فإن كان المسكن لها ملكًا، فسكنت فيه مع الزوج حتى طلَّقها، أو اعتدَّت فيه ثُمَّ طالبت الزوج بالكراء. أمَّا المُدَّة التي سكن معها وهي في عصمته فلا أعلمُ في المذهب نصَّ خلافٍ في أنَّها لا ترجع على الزوج بِكراء سكنى العصمة [إذا كانت رشيدة] (٢). وفي السَّفيهة: [إذا] (٣) سكنت في بيتها مع زوجها وحملتْ عنهُ موؤنة السكنى مخافة الطلاق قولان بين المتأخرين:

стр. 1785

أحدهما: أنَّ ذلك جائز ولا رُجُوعَ لها عليه بشىء ولا كلام في ذلك لوليِّها، واستقرأ بعض المتأخرين هذا القول مِن "المُدّونة" من كتاب "النكاح الثاني" في باب "نكاح التعويض" في عفو الوصى عن بعض الصداق مخافة الفِراق والرغبة في الزوج، فقال: "لا يجوز ذلك إلا برضاها" فقال: "يُؤخذ مِن هذه المسألة أنَّ المحجورة تسكن [مع] (١) زوجها في دارها وتُنفق على نفسها رغبةً في الزوج ومخافة الطلاق، وغبطتها بهِ، [وأنها] (٢) إن فارقها رجعت تسكُن دارها وتُنفق على نفسها وتعدم زوجها" وبهذا أفتى أبو القاسم بن عتاب وغيره من شُيُوخ الأندلسيين ﵏. والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وبه قال [مطرف] (٣) وغيرُهُ، ويكونُ الرُجوعُ لها عليهِ بِكراء المثل، كما لا يجوز له أن يأخذ شيئًا مِن مالها إذا ساعدتهُ [وخافت] (٤) من فراقهِ إن لم تفعل". قال القاضى أبو الفضل: "وهذا لا يلزم" والقولُ الأوّل أظهر والفرقُ بين أخذه مِن مالها وبين سُكناهُ معها في بيتها أنها تقول: "إن فارقَتنى رجعت [آكل] (٥) مالى وأسكن دارى ولا أتزوج سواهُ فسكونى الآن دارى وأكل مالى مع زوجى [أرغب أوليائى] (٦) [وغير] (٧) ذلك من مالها باقٍ طُلقت أو بقيت.

стр. 1786

وأمَّا سكنى أمد العدَّة هل ترجع بهِ على الزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّها ترجع عليهِ بِكراء أمد العدَّة، وإليه ذهب القاضى بن زرب وابن عتاب وأبو الحسن اللخمى ﵃، وهو ظاهر "المُدَوَّنة" في "كتاب العدَّة": في التي تسكنُ بِكراء منزل هى اكترتهُ، فطلقت ولم تطلب الزوج بالكراء حتى انقضت العدَّة، قال مالك: ذلك [لها] (١). والثانى: أنَّ ذلك لا يلزم [الزوج] (٢) ولا ترجع عليه بشىءٍ، وبهِ أفتى مِن شُيوخ [الأندلس] (٣) أبو عمران البكرى وابن القطان، وبهِ قال "الأصبهانى" وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن مسألة الأمة إذا طلَّقها زوجها وهو عبد ولم يتبوأ معها بيتًا: أنَّها لا سكنى لها في العدَّة كما لا سكنى لها في العصمة سواءٌ أَعتق بعد الطلاق [أم لا] (٤). لقولهِ في الكتاب: "وإنَّما حالها اليوم بعدما طلَّقها كحالها قبل أن يُطلِّقها في ذلك، وإنَّما يلزم الزوج ما كانَ يلزمُهُ حين طلَّقها، فما حدث بعد ذلك لم يُلزم الزوج [منه] (٥) شىء"، وهذا منهُ بناء على أنَّ السكنى لو لزمته قبل الطلاق لَلَزمتهُ بعد الطلاق وفي زمان العدَّة. وسببُ الخلاف: سكنى العدَّة هل هى تبعٌ لسكنى العصمة أم لا؟

стр. 1787

فمن رأى أنها تبعٌ لسكنى العصمة قال: لا [كراء لها] (١) على الزوج. ومن رأى أنها مخالفة لها [قال: لها أن] (٢) ترجع على الزوج بِكراء أمد العدَّة. والفرقُ بين سكنى العصمة وسكنى العدَّة على أحد القولين: أنَّ زمان العصمة زمان مكارمة فلا يُقبل فيه [للزوجة] (٣) دعوى لو طلبت فيه الكراء. وزمان العدَّة زمان المُنافرة والمُغايرة، فدعواها فيه مقبولة فإن كان المسكن بالكراء على الزوجة فسكنت فيهِ مع الزوج أمد العصمة [وسكنت فيه بانفرادها أمد العدة فطالبت الزوج بكراء أن العصمة] وكراء أمد العدة (٤). [أمَّا أمد العدَّة] (٥): فإنها تطلب الزوج بحصَّته من الكراء -بلا خلافٍ أعلمُهُ في المذهب في ذلك، وهو نصُّ "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة": لأنَّها قامت على الزوج في ذلك بالواجب، كما لو أنفقت على نفسها وهي في عِصمةِ الزوج وهو مُوسر وإنَّما ترجع عليه بما أنفقت ولا يبعد دُخول الخلاف [فيه] (٦) [بالمعنى] (٧). وأمَّا أمد العصمة فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":

стр. 1788

أحدها: أنَّها ترجع عليه بكراء تلك المُدَّة، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] (١) "العدَّة". والثانى: أنَّها لا ترجع عليه بشىء إلا أن يتبيَّن لهُ أنَّها في بيت كراء، وهو قولُهُ في "كتاب كراء الدور [والأرضين. والقول الثالث: أن لها عليه الأقل من كراء المثل وما اكترت به المرأة وهو قول الغير في كتاب الدور والأرضين] (٢). وسببُ الخلاف: ملكها لمنافع الدار هل هو كملكها لِرقبة الدار أم لا؟ فمن جعل مِلك المنافع كمِلك الرقبة قال: لا ترجع عليهِ بالكراء. ومَنَ جعلهُ مُخالفًا لمِلك الرقبة قال: ترجعُ عليهِ بالكراء لأنَّها [ترجع] (٣) عليهِ بالواجب. فإن كانت مُعتدَّة مِن وفاةِ الزوج فلا خلاف أنَّها لا نفقة لها، سواءٌ كانت حاملًا أو حائلًا لأنَّها وارثة [والحمل وارث] (٤). واختلف المذهب عندنا في وُجوب السكنى لها على قولين: أحدهما: وجوب السكنى لها، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنَّها لا سكنى لها، وهذا القولُ حكاهُ محمَّد بن خويز منداد عن مالك في "أحكام القُرآن" لهُ، وهو اختيار القاضى أبى الحسن بن القصار قال: "لأنَّهُ يزولُ ملكهُ عن المال، وبعد الموت تجب العدَّة". وهذا القول يُؤخذ مِن "المُدوّنة" مِن رواية ابن نافع عن مالك في "كتاب

стр. 1789

العدَّة": في المُطلَّقة تكونُ لها السكنى ثُمَّ يموتُ الزوج في العدَّة أنَّ: "السكنى تسقط بموتهِ، كما تسقط نفقة الحمل بموتهِ"، فهذا [يؤخذ منهُ] (١) ألا سُكنى للمُتوفى عنها جملة، لأنها إذا أسقط السكنى بالوفاة [مع تقدم الطلاق كان إذا وجبت العدة بالوفاة] (٢) مِن غير طلاق أولى وأحرى. وعلى القول بأنَّ للمُتوفى عنها السكنى على الجُملة فلا يخلو مِن أن يتوفَّى عنها الزوج وهي في بيت أبيها أو يتوفى بعد أن زفَّها وحملها ونقلها إلى بيتهِ: فإن توفَّى الزوج وهي عند أهلها قبل أن يزُفَّها فلا سُكنى عليه اتفاقًا في المذهب، وتعتدُّ زوجتهُ حيثُ كانت تسكُن ويلزمُها مِن اللبث واللازمة ما يلزمُها إذا اعتدَّت في بيت زوجها. فإن مات بعد أن حوّلها إلى منزلهِ فلا يخلو ذلك المنزلِ مِن أنْ يكونَ لهُ مِلك أو اكتراهُ: فإن كان لهُ مِلك، إمّا مِلك رقبة [الدار] (٣) أو مِلك [انتفاع] (٤) كالحبس والعمران وما كان في معناهما من العوارى فهي أحقُّ بالسكنى إلى آخر الآمد فيما قُدِّر بِمدة كالحبس المُؤجَّل والعارية المُؤجلة وإلى انقضاء العدَّة فيما يملك رقبتهُ وهي أحقُّ بهِ مِن الغُرماء في جميع ما ذكرنا. فإن أرادوا بيع الدار، وأرادهُ الورثة فإنَّهم يُبيعونها بشرط استثناء أمد

стр. 1790

العدّة على الخلاف والتفصيل الذي قدَّمناهُ [في مسائل الطلاق] (١). فإن كان أمد السكنى المُؤجل يحل أجلهُ قبل انقضاء العدّة فإنَّها تخرج إذا أخرجها رب الدار وتنظر لنفسها في موضع تتمُّ فيهِ العدَّة على حسب ما ابتدأتها. فإن حوّلها إلى بيت اكتراهُ فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون على الوجبية. والثانى: أن يكون على المشاهرة والمساماة. فإن كان الكراء على الوجبية فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينقد الزوج الكراء ويسكن. والثانى: أن ينقد الزوج ثم مات قبل أن يسكن. والثالث: أن يعقد الزوج الكراء [وسكنته] (٢) ثمَّ مات قبل النقد. فإن نقد الزوج الكراء وسكنته [ثم مات الزوج] (٣) فلا خلاف في المذهب [أنها] (٤) أحقُّ بالسكنى مِن الورثة والغرماء وهي كدار يملكها الميت. فإن نقد الزوج الكراء أو عقدهُ ثُمَّ مات قبل أن يَسكُن فالكراء لازمٌ [له] (٥). في ذمتهِ وهو مالٌ موروثٌ عنهُ ولا سُكنى للزوجة في ماله. كما لو مات وهي ساكنة في بيتها أو في بيت أبيها وهو قولهُ في "المُدوّنة" وغيرها.
следующие страницы →