والثالث: أنَّهُ لا يقع عليهِ الطلاق إلا أنْ يُوقفهُ الحاكم، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب.
والرابع: التفصيل [بين] (١) أنْ يكون على بر، أو على حنث.
فإن قال: "إنْ كُنت حاملًا" لم يقع عليهِ الطلاق لأنَّهُ على بر حتى يعلم أنَّها حامل.
وإن قال لها: "إنْ لم تكونى حاملًا" عُجِّل عليهِ الطلاق لأنَّهُ على حنث، وهو قول أصبغ.
وعلى القول بأنَّ الطلاق لا يُعجَّل عليهِ وينتظر إن كان بها حملٌ أم لا.
فإن مات أحدهما قبل العلم بأنَّها حامل [أو حائل] (٢)، هل يتوارثان أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهما يتوارثان، والأصلُ استدامة الزوجية.
والثانى: ألا توارثَ بينهما، لأنَّها [موارثة بالشك والقولان قائمان من المدونة.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تموت فلا يرثها وإن] (٣) مات هو ورثتهُ بعد الاستبيان [والاستقصاء] (٤)، هل يظهر بها حملٌ أم لا؟، وهو قول سحنون.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵁: "معنى ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث" وعليه يُحمل قولُ مالك في "المُدوّنة".
стр. 1822
ولو كانت بطلقة واحدة أو بطلقتين لتوارثا قولًا واحدًا، لأنَّهُ وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعى.
وإن مات الزوج قبل أن يظهر، هل هى حامل أم لا؟ كان موتُهُ في العدَّة.
وكذلك إن كانت هى الميتة، أو أنَّها ماتت وهي في عدَّة، لأنّها على أحد [أمرين] (١):
إمَّا أن تكون حاملًا: فالعدَّة وضعُ الحمل.
وإمَّا أن تكون حائلًا: فالعدَّة [بالحيض] (٢).
فإن مات ثم حاضت: انتقلت إلى عدَّة الوفاة، فالموارثة بينهما على كُلِّ حال.
والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 1823
المسألة السادسة
فيما ينوى مِن حروف الطلاق، وما لا ينوى فيه، وذلك في [ستة] (١) أحرف:
منها: " [قوله] (٢) أنت طالق طالق [طالق] (٣) "، ومنها قولهُ: "أنت طالق أنت طالق [أنت طالق] (٤) ".
ومنها قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق [وأنت طالق] (٥) "، [ومنها قوله: "أنت طالق ثم أنت طالق"، ومنها قوله: "أنت طالق فأنت طالق".
ومنها قولُهُ: "قد طلَّقتُك".
أمَّا قولُهُ: "أنت طالق طالق [طالق] (٦) " و"أنت طالق أنت طالق أنت طالق" فهي ثلاث، إلا أن ينوى واحدة ويُريد بالبقيَّة الإسماع والتأكيد، فينوى باتفاق المذهب، ولا فرق بين أن تكون الزوجة مدخولًا بها أم لا.
[فإن] (٧) كان قولُهُ "أنت طالق" جُملةً [مستقبلة] (٨) مرَّكبة مِن
стр. 1824
مبتدأ وخبر، لأنَّ الكلام المنسوق المتتابع كالجملة الواحدة إذا [كانت] (١) مِن جنسٍ [واحد] (٢)، وهذا على "مذهب مالك" ﵀.
وأمَّا على "مذهب الشافعى [وأبى حنيفة] (٣) "، فإنَّهُ لا يلزمُهُ إلا تطليقة واحدة [إذا كان مِن جنسٍ واحدٍ، وهذا] (٤) في غير المدخول بها، لأنها بالطلقة الأولى بانت، والثانية والثالثة لم تُصادِف مَحَلًا قابلًا.
فأما قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق" بالواو فقد اختلف فيهِ قولُ مالك:
فمرَّة قال: "ينوى".
ومرةً قال: "لا ينوى"، وهو الأغلب مِن قولهِ.
قال بعض المتأخرين: "ينوى إن جاء مستفتيًا".
وسبب الخلاف: الشىء هل يُعطف على نفسهِ أو لا يعطف على نفسه؟
وأمَّا قولُهُ: "أنت طالق ثُمَّ أنت طالق" أو "أنت طالق فأنت طالق فلست أعرف في المذهب نصَّ خلاف أنَّهُ [لا ينوى] (٥).
والخلاف داخل فيه بالمعنى مِن اختلافهم في الطلاق لمجرد اللفظ، إذ لا شكَّ أن هذا مِن باب الطلاق باللفظ دون النية.
وأمَّا قولُهُ: "قد طلَّقُتكِ قد طلَّقتُكِ"، [فقد] (٦) حكى أبو إسحاق
стр. 1825
ابن شعبان في [كتاب] (١) "الزاهى" في قولهِ: "قد سرّحتُك قد سرحتُك" قولين في المذهب:
أحدهما: أنَّهُ ثلاث ولا ينوى.
والثانى: أنَّهُ ينوى إنْ ادَّعى نيةِ ويحلف على ما داعى.
والحمد لله وحده.
стр. 1826
المسألة السابعة
في الشكِّ في الطلاق. والكلام في هذه المسألةِ على ستةِ أسئلة:
السؤال الأول: إذا شكَّ، هل حلفَ أم لا.
والثانى: أنْ يتيقَّن باليمين وشكَّ في المحلوف به.
والثالث: أنْ يُوقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ [في] (١) عدده.
والرابع: أنْ يُوقن بالعدد ويشكُّ في عين المُطلَّقة مِن نسائهِ.
والخامس: أنْ يتيقَّن باليمين ويشكُّ في الحنث.
والسادس: أن يتيقَّن في الحنث ويشكُّ في اليمين.
والجواب عن [السؤال] (٢) الأول: إذا شكَّ، هل حلف أم لا؟، فهل يجبُ عليه بالشك حكم مِن الأحكام أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن المُدوّنة:
أحدها: أنَّهُ لا شىء عليه في يمينه، وأنَّ الشكَّ لا يُوجب عليه [حكمًا ولا يوجب عليه إثمًا] (٣)، وهو [ظاهر] (٤) "المدوّنة" في "كتاب الأيْمان بالطلاق"، وهو مشهور المذهب، لأنَّ الأصل براءة الذمَّة وفراغ الساحة، فلا تعمر إلا بيقين، والأصلُ استدامة العصمة.
والثانى: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق، وهو قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن "الكتاب المذكور"، ومِن "كتاب الوُضوء" مِن قولهِ: "إذا
стр. 1827
أيقن بالوضوءِ وشكَّ في الحدث أنَّهُ يُعيد الوضوء" فظاهِرهُ [من قولهِ] (١) وُجوبًا، وهو تأويل حُذَّاق المتأخرين على "المدوّنة" لتشبيهه "بمسألة الصلاة"، وهو قول القاضى أبى الفرج المالكى في "كتاب الحاوى" "ولا فرق بين الوُضوء والطلاق"، وهو قولٌ ضعيفٌ جدًا في كوْنِ الشكِّ المُجرد يُؤثر فيما يُتيقَّن بهِ وقد قدَّمنا هذا في "كتاب الوُضوء" وقد مزَّقناهُ كُلَّ مُمزَّق.
والقولُ الثالث: أنَّهُ يُؤمر بالفراق ولا يُخيَّر، وهو ظاهر قولُهُ في كتاب "الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال: "أنت طالق إنْ كُنت تبغضينى" فقالت: "أنا أُحبُّك".
ووجهُ هذا القول مُراعاة الشبهة.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أيقن باليمين وشكَّ في المحلوفِ بهِ، هل هو طلاقٌ أو غيرهِ؟ وهل يُقضى عليهِ [بالطلاق] (٢) أو يُؤمر؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق وهذا القولُ قائمٌ مِن المُدوّنة إذا قال لامرأتهِ: "أنت طالق إن دخَلتِ الدار" فقالت [قد] (٣): دخلتها وصدَّقها قلت: هُو وإنْ صدَّقها، فلا يُخرجهُ ذلك مِن الشكِّ لاحتمال أن تكون صادقة ولاحتمال أن تكون كاذبة.
ووجهُ هذا القول: أن اليمين مُتيقَّن [بها] (٤) ولليمين تأثير في حلِّ
стр. 1828
العصمة المُنعقد على الجُملة فيما وقع فيه اليمينُ المُتيقَّن بما يقدح في العصمة، ولا يصح البقاء عليها مع احتمال انحلالها، والشرعُ مبنىٌ على صيانة الأبضاع.
والثانى: أنَّهُ يُؤمر ولا يُجبر، وهو نصُّ المُدوّنة.
ووجهُه أنَّهُ وإنْ أيقن باليمين فإنَّ ذلك لا يُخرجُهُ مِن باب الشكِّ ولا يرقى [به] (١) إلى مرتبة اليقين. وأدنى مراتبهُ أن يُؤمر لئلا يخلو يمينهُ من إيجاب الحكم.
وعلى القول بأنَّ الطلاقَ يلزمُهُ إمَّا ندبًا وإمَّا وُجوبًا، فهل يلزمُهُ ثلاث تطليقات أو طلقة واحدة؟ فالذي يتخرَّج مِن الكتاب قولان:
أحدهما: أنَّها تُطلق عليهِ ثلاثًا، وهو قولُهُ في "المُدوَّنة": تُطلَّق عليه نساؤه ويُعتق عليه عبيدهُ" فمقارنتهُ الطلاق بالعتق ينبئ بأنَّ الطلاق ثلاثًا، وبيانُهُ أنَّهُ [بالعتق] (٢) يزول ملكه عن العبد وَلا سلطة لهُ على رِقِّهِ بوجهٍ فكان ينبغى أن تكون الزوجة كذلك إذْ لا يصحُّ زوال العصمة بدون الثلاث في المدخول بها. إذ بها تنقضى العصمة مع الاحتمال أن تكونَ يمينهُ بذلك.
والثانى: أنَّها واحدة، لأنَّ شكَّهُ لا يتناول عددًا محصورًا، فوجب أن يلزم أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهي واحدة، وهو اختيار بعضُ المتأخِّرين.
ويتخرج في المسألة قولٌ ثالث: أنهُ ينظُر إلى عادة الحالف وما جُبِلَ عليهِ طبعُهُ وعادتُهُ وعود لسانه مِن الأيمان والعدد في الطلاق:
стр. 1829
فإن كان ممن عوَّد لسانه الطلاق تقييدًا أو إطلاقًا قُضى عليه [بالبتَّة] (١) اتفاقًا حسمًا للباب وقطعًا لمادة [الارتياب] (٢).
وإن كان ممن قمع لسانهُ عن التلفظ بالطلاق الذي جعلهُ الشارع مِن أيمان الفُسَّاق، فلا يلزمُهُ الطلاق لا جبرًا ولا أمرًا، وهذا هو الصحيح مذهبًا ونظرًا.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أيقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ في عددهِ. فلا خلاف في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ على الجُملة، وإنَّما الخلافُ في كيفية ما يقعُ عليهِ على [قولين] (٣) قائمين على "المدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ ثلاث تطليقات، واحدةٌ إيجابًا، والثانية والثالثة استحبابًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّ الثلاثة إيجابًا، وهو ظاهر المُدوّنة".
والقولان قائمان منها، وذلك أنَّهُ قد أيقن بحصول الثلم في النكاح وأنَّ هناك تحريم لا يدفعهُ إلا الرجعة إن كانت مدخولًا بها، أو العقد المبتدأ إن كانت غيرُ مدخولٍ بها.
والرجعة والعقد مشكوكٌ فيهما، فهل يملكُ الزوج إحداثهما وإيقاعهما أم لا؟
وحاصل ذلك يرجع إلى الشكِّ في الطلاق، ولا فرق بين أن يشكَّ في نفس الطلاق أو شكَّ في عددهِ، فقد تبيَّن لك كيف يستقرأ القولان مِن "المُدوّنة". وبالله التوفيق.
стр. 1830
وعلى القول بأنَّها تُطلَّق عليه ثلاثًا إيجابًا، فإنْ استمر الشكُّ [ولم] (١) ينقشع بيقين [صدر] (٢)، هل يدور عى الزوج التحريم بعد كُلِّ طلاق إلا بعد زوج ولو بعدَ ألف أو يزول الدور ويسقط المور بعد ثلاثة أزواج؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الدور لا ينقطع، و [المور] (٣) لا ينقلع إلا بالثلاث في كلمةٍ واحدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو الأصح.
والثانى: أنَّ الدور ينقطع بعد ثلاثة أزواج، وهو قول أشهب في غير "المُدوّنة".
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أيقن بالعدد وشكَّ في عين المُطلَّقة من نسائه، هل يُطلَّقن عليه كُلَّهُنَّ أو لهُ أن يختار مَنْ شاء منهنَّ، كما يختار للعِتق؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يطلقهن كلهن، ولا خيار لهُ في واحدةٍ بعينها، وهو مشهور المذهب، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أن للزوج أن يختار مَن شاء منهنَّ للطلاق كما يختارُ للعتق، وهو قولُ المدنيين عن مالك ﵀.
وسببُ الخلاف: هل يجوز قياسُ الطلاقِ على العِتق أو لا يجوز، لأنَّ كلُّ واحدٍ منهما أصلٌ في نفسهِ؟
والجواب عن السؤال الخامس: إذا أيقن باليمين وشكَّ في الحنثِ هل يُقضى عليهِ بالطلاق أو يُؤمر؟ قولان قائمان مِن "المُدونة":
стр. 1831
أحدهما: أنَّهُ يُؤمر، وهو نصُّ "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ يُجبر، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا.
والجواب عن السؤال السادس: إذا أيقن في الحنث وشكَّ في اليمين، هل يؤمر أو يُجبر؟ قولان قائمان مِن "المدونة".
وهذا السؤال غيرُ منصوصٍ عليه في "الكتاب" إلا [أنه] (١) يُستقرأ مِن قوله: "إذا أيقن باليمين، وشَكَّ في المحلوف به"، حيث قال في "المُدوّنة": "تلزمه جميع الأيمان"، ولا شكَّ ولا خَفاء أنَّهُ [شاك] (٢) في حق كل يمين، هل حلفَ بها أم لا؟
والحمد لله وحدهُ.
стр. 1832
المسألة الثامنة
في الاستثناء في الطلاق. ولا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون الاستثناء في نفس الطلاق [والثانى: أن يكون الاستثناء في عدد الطلاق. فإن كان الاستثناء في نفس الطلاق] (١)، كتعليق الطلاق بالمشيئة فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يعلِّق ذلك بمشيئة الله تعالى، أو يُعلِّقهُ بمشيئة آدمي، أو بمشيئة مَنْ لا تُدرك مشيئتهُ [كالجماد] (٢) والحيوان.
فإن علَّق ذلك بمشيئة الله تعالى، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في يمين.
والثانى: أن يكون في غير يمين.
فإن كان ذلك في يمين مثل أن يقول: "إن دخلت الدار فامرأتهُ طالق إن شاء الله" هل ينفعهُ الاستثناء أو لا ينفعُهُ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا ينفعهُ الاستثناء جُملةً، وهو قول [مالك] (٣) في "المُدوّنة".
والثانى: التفصيل: بين أن يكون الاستثناء عائدًا على الفعل أو عائدًا على المشيئة فإن كان عائدًا على الفعل فإنَّ الاستثناء ينفعُهُ.
وإن كان عائدًا على مشيئة الله تعالى فلا ينفعُهُ، ويلزمُهُ الطلاق، وهو
стр. 1833
قول عبد الملك وأشهب في "المجموعة".
وإن كان ذلك في غير يمين مثل أن يقولَ: "أنت طالق إن شاء الله" فلا خلاف أعلمُهُ في المذهب أَنَّ الطلاق يلزمُهُ في الحال ولا ينفعهُ الاستثناء، وذلك أنَّ الاستثناء رخصةً جعلها اللهُ حلًا لليمين ورفعًا ومنعًا لها مِن الانعقاد على ما قدَّمنا بيانُهُ في "كِتاب النُذُور" والحالف بالطلاق عاصٍ [والعاصى] (١) لا يُرخَّص لهُ بالرُخص.
وإن [كان] (٢) هذا الأصل مختلفٌ فيه، فلا يُدخل ذلك الخلافُ في الاستثناء إن شاء الله.
وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: وبيان ذلك: أن قوله "أنت طالق" [لفظه] (٣) لفظ خبرٍ على إيجاب وإيقاع، فإذا طلَّق اقتضى وقوع الحُكم مُطلقًا.
وإذا علق شرطًا وصفة تعلق بما علَّق له.
فإذا ثبت ذلك: نظرنا في قولِ القائل: "أنت طالق إن شاء الله تعالى" فقُلنا: لا يخلو هذا مِن أن يكون شرطًا أو استثناءً:
فإن كان شرطا وهو الذي يُوجبُهُ ظاهر الكلام في اللغة لأنَّ "إن" مِن أحرف الشرط كقولهِ "أنت طالق إنْ شاء زيد" فإذا ثبت أنَّهُ شرط وكُلُّ شرط عُلِّق الطلاق به ولا سبيل إلى العلم به فإنَّهُ يكون لغوًا ويصيرُ الكلام كالطلاق العارى من الشرط، كما لو قال: "أنت طالق إن كان الله خلق هذا اليوم حوتًا في بحر القلزم أو وُلد ببلاد الهند فيل"
стр. 1834
وما أشبهَ ذلك مما لا طريق إلى العلم به [فإنه يكون لغوًا ويحكم عليه بإيقاع الطلاق. فإذا كان ذلك كذلك لم تحل مشيئة الله تعالى لوقوع الطلاق من أن يكون لها طريقًا إلى العلم بها] (١).
فإن لم يكن [لها] (٢) طريق إلى معرفة ذلك بُطل تعليقُ الطلاقِ بهِ وكان لغوًا، فصار كأنَّهُ قال "أنت طالق" ولم يُعلِّق الطلاق بشىءٍ.
فإذا كانت معلومة لنا فلا سبيل لنا إلى ذلك لوقوع الفعلِ المُعلَّق بها فهو إذا قال: "أنت طالق" فقد لفظ بالطلاق وأوقعهُ.
وإذا قال "إن شاء الله": فقد علم أن مشيئة الله تعالى [خالصة] (٣).
إلى وقوع الفعل منهُ فوجبَ أن يُطلِّق، وهذا إذا كان شرطًا.
فإن كان استثناءً فذلك باطلٌ، لأنَّ الاستثناء إنَّما يكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها.
وقولُهُ: "أنت طالق" لفظُ إيجاب وخبر عن إيقاع، فلا يصحُّ الاستثناء فيهِ، والدليل على ذلك أيضًا: أنَّ الاستثناء أضعف مِن الكفَّارة والكفَّارة أقوى منه لأنَّها تدخُل فيما [لا] (٤) يدخُل فيه الاستثناء ويُؤتى بها مُتصلة ومُنفصلة، وليس كذلك الاستثناء لأنَّهُ لا حُكم لهُ، إلا إذا اتَّصل باليمن ثُمَّ ثبت وتقرَّر أنَّ الكفارة التي هى أقوى [من الاستثناء] (٥) لا تدخُّل في الطلاق فكذلك الاستثناء.
فإن علَّق الاستثناء بمشيئة آدمى، فلا يخلو ذلك الآدمي مِن أن يكون
стр. 1835
حيًا أو ميتًا:
فإن كان حيًا فلا يلزمُهُ الطلاق حتى يشاء من جُعلت إليه المشيئة.
فإن مات قبل أن تعرف مشيئته فلا شىء على الزوج وقدْ عُفِى مِن الطلاق.
وإن كان ميتًا والزوج عالمٌ بموتهِ فذلك يتخرّج على الخلاف في طلاق الهزل ونحن نذكره.
وإن لم يعلم فلا شىء على الزوج.
وإن علّقهُ بمشيئة ما لا تصح مشيئتهُ [ولا تدرك] (١) كالجمادات وغيرها مِن الحيوانات مثل: أن يقول لامرأتهِ: "إن شاء هذا الحجر" أو [ينشد] (٢) هذا الحمار: "قفا نبك مِن ذكرى. . . ." هل يلزمهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا شىء عليهِ، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمُهُ ويعدِ ذلك منهُ ندبًا، وهو قول ابن القاسم في "النوادر"، وبهِ أخذ سحنون.
وينبنى الخلاف على الخلاف: في طلاق الهزل هل يلزم أو لا يلزم؟
فمن قال أنَّ طلاق الهزل يلزم، قال في هذه المسألة: يلزم.
ومَن قال لا: يلزم [قال: لا يلزم] (٣)، في هذه [المسألة] (٤) أيضًا.
стр. 1836
والوجهُ الثاني: أنَّهُ إذا كان الاستثناء [في عدد الطلاق] (١)، فلا يخلو مِن أربعة أوجه:
أحدهما: أن يستثنى جميع العدد.
[والثانى: أن يستثنى أكثره. والثالث: أن يستثنى أقله. والرابع: أن يستثنى من المستثنى. فإن استثنى جميع العدد] (٢) الذي طلَّق [امرأته] (٣)، مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا أو واحدة إلا واحدة، فلا يخلو مِن أن تكون [عليه بينة] (٤) أو لم تكن:
فإن كانت [عليه بينة] (٥)، هل يلزمُهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ جميع العدد الذي طلّقهُ.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في طلاق الهزل، وذلك أنَّ استثناء الجميع [من الجميع] (٦) قد أتى فيهِ بما لا يُشبه فلا يُقبل منهُ.
وكقولهِ إن شاء هذا الحجر، هل يُعد ذلك منه ندم أم لا؟
فإن لم [تكن عليه بيِّنة] (٧) وإنَّما جاء مُستفتيًا فلا شىء عليهِ، ولا يلزمهُ مِن الطلاق شىء، لأنَّهُ طلاق بغير نيَّة.
стр. 1837
فإن استثنى أكثرهُ مِثل أن يقول [لها] (١) "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنين" أو "اثنان إلا واحدة" هل ينفعُهُ الاستثناء أو لا ينفعهُ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ ينتفع بذلك ويصح استثناؤُهُ وتلزمُهُ طلقةً واحدة [وهو قول محمَّد بن المواز] (٢).
والثاني: أنَّهُ لا يصحُّ استثناؤه ويلزمهُ جمي ما طلَّق، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في استثناء أكثر الجُملة هل يجوز أو لا يجوز؟
فمن منعهُ قال: إنَّ ذلك صحيحٌ في اللفظ وقليلٌ في الاستعمال.
ومَن جوَّزهُ قال: فإنَّ موضع الاستثناء [أن] (٣) يخرج مِن الكلام ما لولاهُ لانتظمه، وهذا حاصل في الكثير كحصولهِ في القليل.
وكونهُ قبيحًا في نفسه أو قليلًا في الاستعمال لا يُؤثِّر، لأنَّ الكلام في الصحة لا في الحُسن والقُبح.
فإن استثنى أقل الجُملة مثِل أن يقولَ لها: "أنت طالق ثلاثا إلا واحدة" فلا خلاف في المذهب أنَّهُ ينتفع بذلك الاستثناء، وتلزمُهُ تطليقتان إذا حصلت [عنده شروط] (٤) الاستثناء على ما [وصفناهُ] (٥) في كتاب
стр. 1838
"الأيْمان والنُذُور".
فإن استثنى مِن الاستثناء مثل أن يقول "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة" فلستُ أعرف في المذهب في هذه المسألة نصًا، والذي تقتضيه أصول مذهبنا أنَّهُ يلزمهُ اثنتان، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فاستثنا مِن الاستثناء، وذلك جائزٌ في [كلام] (١) العرب.
واختلف المذهب عندنا في الاستثناء في طلاق مِن البتَّة أو مِن لفظ التحريم مثل أن يقول: "هى طالقٌ البتَّة إلا واحدة" و"هى عليهِ حرامٌ إلا واحدة"، هل يصح استثناؤُهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يصحُّ، ولا يلزمُهُ إلا اثنتان، وهو قولُ أشهب في "العُتبيَّة" وسحنون وعبد الملك بن الماجشون.
والثانى: أنَّ ذلك الاستثناء لا يصحُّ، وإنَّما تلزمُهُ الثلاث، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في البتَّة، هل تتبعَّض أو لا تتبعَّض؟
فَمَنْ رأى أنَّها تتبعَّض، قال: يصحُّ الاستثناء.
وَمَنْ رأى أنَّها لا تتبعَّض، قال: لا يصحّ الاستثناء [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 1839
المسألة التاسعة
في الطلاق بشرط التزويج. ولا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أنْ يعمَّ.
والثانى: أنْ يخُصَّ.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا عمَّ الجنس وقال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالق"، فلا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يضرب لذلك أجلًا.
والثانى: ألا يضربَ أجلًا.
فإن ضَرَبَ أجلًا فلا يخلو مِن أن يُقيِّدهُ بزمانٍ معلومٍ أو [يقيده] (١) بموتِ زيد.
فإن قيَّدهُ بزمان معلوم مِثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلى مُدَّةٍ معلومة"، فلا يخلو مِن أنْ يضرب لذلك أجلًا يبلغه عمره أو لا يبلغه:
فإن ضرب أجلًا يُبلُغهُ عُمُرهُ مثل أن يقول: "إلى عشرين سنة، وهو ابن ثلاثين سنة": فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ إنْ تزوج قبل الأجل إلا أن يخشى العنت على نفسهِ فيجوز لهُ أن يتزوّج عند ابن القاسم في "المُدوّنة"، ولا يجوز عند أشهب وابن وهب.
فإن ضرب أجلًا لا يبلُغُه [عمره] (٢)، فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يلزمُهُ، ولهُ أن يتزوج أربعًا، خلافًا لأبي حنيفة في لُزوم الطلاق في
стр. 1840
العموم والخصوص.
والدليل لمالك ﵀: أنَّهُ إذا عمَّ جميع النسوان أو ضرب أجلًا لا يبلغه عمره أو لم يضرب [أجلًا] (١) كونُهُ ضيَّق الواسع وسدَّ باب الإباحةِ على نفسه، فكان ذلك مِن باب الحرج والمشقَّة، وهذا من باب نذر المعصية والله تعالى يقول: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ وهكذا الحُكم فيما إذا لم يضرب أجلًا سواء.
فأمَّا إذا قيَّد الأجل بموت زيدٍ مثل أن يقول "كُلَّ امرأةٍ أتزوجها ما عاش [زيدٌ] (٢)، طالق" فهل يلَزمُهُ اليَمين؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك يلزمُهُ، وتُطلَّق عليهِ كُلُّ امرأةٍ تزوّج قبل موتِ فُلان، وهذا هو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ، لإمكان أن يموت الحالفُ قبل موت فُلان فيكون بمنزلة مَن عمَّ جميع الأزمنة.
وهذا الوجهُ يعم جميع النسوان الحرائر والإماء.
وأما الوجهُ الثاني إذا خصَّصَ، فلا يخلو مِن أربعةِ أوجه:
أحدها: أن يقع التخصيص بالأزمان.
والثانى: أن يقع التخصيص بالبُلدان.
والثالث: أنْ يقع التخصيص بأجناس النسوان.
والرابع: أن يقع التخصيص بالأعيان.
فالوجهُ الأول: إذا وقع التخصيص بالأزمان فقد تقدَّم.
стр. 1841
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا وقع التخصيص بالبُلدان مثل أن يُخصص بلدًا بعينها إمَّا بالحظْر وإمَّا بالإباحة، فلا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون يمينهُ على بِر.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كانت يمينُهُ على بر مثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلا مِن بلدِ كذا طالق" أو قال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها مِن بلد كذا طالق" هل يلزمُهُ الوفاءَ بذلك أو لا يلزمُهُ [وأن كُلَّ امرأة يتزوجهَا من تلك البلد أو من غيرها على اختلاف أم لا] (١)؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بهِ، وأنَّ كُلُّ امرأة تزوَّجها مِن تلك البلد أو من غيرها على اختلاف ألفاظ يمينهِ هى طالق.
وهذا هو مشهور المذهب في النقل، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بذلك، فلا يجوزُ لهُ النكاح ابتداءً، فإن نزل فإنَّهُ يمضي ولا يرد ويفوتُ بالدُخُول، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاء بذلك، ويجوز لهُ أن يتزوّج مِن تلك البلدة التي حَظَرها على نفسِهِ، وهو قول مالك في "مُختصر ما ليس في المُختصر".
وسبب الخلاف: مُعارضة القياس بخبرِ الواحد، وذلك أنَّ في حديث عمرو بن شُعيب عن جده قال: "لا طلاق إلا من بعد النكاح" وفي رواية: "لا طلاق فيما لا يَملك"، وعارضهُ القياس المصلحى وهو مِن
стр. 1842
باب تعليق الشرط بالمشروط.
وأمَّا إن كانت يمينُهُ على حنث مِثل قولُهُ: "إنْ لم أتزوج مِن بلدِ كذا أو إنْ لم أتزوَّج فُلانة، فكُلُّ امرأَةٍ أتزوجها طالق".
فهذا يفترق الجوابُ فيه.
فإذا قال: "إنْ لم أتزوّج فُلانة"، فلا شىء عليهِ فيما تزوج قبلها أو بعدها لأنَّهُ ضيَّق على نفسه كما لو استثنى بلدة صغيرة ليس فيها ما [يكفيه] (١) مِن النساء.
وأمَّا إذا قال: "إن لم أتزوَّج مِن بلدِ كذا فكُلَّ امرأةٍ أتزوّجها طالق" وكانت بلدةً كبيرة فيها ما يكفيه مِن النساء.
فإن تزوّج امرأةٍ مِن غيرها قبل أنْ يتزوّج منها هل تُطلَّق عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يكون مؤليًا ممن تزوّج، وكأنه حلف بطلاقها "لأتزوجنَّ عليها مِن تلك البلدة" التي عيَّنها، وهو قولُ سحنون.
والثانى: أنَّها تُطلَّق عليه وهو قولُهُ في كتاب "محمَّد بن الموَّاز"، وهو ظاهر "المدوّنة" لقوله: "لزمهُ الحنث"، وبهِ قال بعض المتأخرين.
وأمَّا ما تزوَّج مِن غير تلك البلدة بعد أن تزوج منها فإنَّ نِكاحهُ جائزٌ، لأنَّ مقتضى يمينهُ فيما تزوج قبل أن يتزوج منها.
وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا وقع التخصيص بأجناس النِّسوان، فلا يخلو من أنْ يُخصص الحرائر مِن الإماء [أو الإماء من الحرائر فإن خصص الحرائر من الإماء] (٢)، مثل: أن يقول:
стр. 1843
"كُلُّ [حرة] (١) أتزوَّجها فهي طالق"، هل يكون ذلك كما لو عمَ جنس النسوان أو يَعدُّ ذلك كالتخصيص بصفة [فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك كالتخصيص بصفة] (٢)، ويلزمهُ الطلاق في كُل امرأةٍ تزوجها، لأنَّهُ قد أبقى لنفسهِ جنسُ الإماء، ولاسيَّما على القول بجوازِ نكاح الأمة مع وجود الطول وعدم خوف العنت.
والثانى: أنَّ ذلك كعموم جِنس النِّساء، لأنَّ الاقتصار على الإماء ممَّا يُدرك منهُ الحرج قياسًا على عموم النكاح إذا أبقى التسرى، ولأنَّ المعرَّة تلحقُهُ بتزويج الإماء ويدرك بتسرِّيهنَّ ما يُدركُهُ أيضًا من المعرَّة في استرقاق الولد في النكاح، فكان النكاحُ في ذلك أشد فإن خصص الإماء من الحرائر مِثل أن يقولَ: كُلُّ [أمة] أتزوجها فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّه يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى لنفسهِ جنس الحرائر وهو الجنسُ المقصود بالنكاح على القول بأنَّهُ لا يلزمهُ إذا خَصَّصَ كجنس الحرائر، فيكونَ ذلك بمنزلة ما لو عمَّ.
فإن خصَّص جنس الحرائر بصفة مِثل: أن يقول: كُلَّ بكْرٍ أتزوّجُها" أو "كُلُّ ثيبٍ أتزوجها فهي طالق" أو "كُلُّ طويلة" أو "كُلُّ قصيرة" وما أشبهَ ذلك مِن الصفات التي يقع التخصيصُ بها ويصحُّ التمييزُ [لها] مِن غيرها.
أمَّا على القول بأنَّ الطلاق يلزمُهُ إذا خصَّص فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ ذلك يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى جنسًا لنفسهِ فيهِ كفايةً عن غيرهِ.
واختُلف إذا قال: "كُلَّ بكرٍ أتزوْجها، فهي طالق" ثُمَّ قال بعد
стр. 1844
ذلك: "كُلُّ ثيِّب أتزوّجها طالق"، فهل يُحكم لهُ بحكم العموم أو بحكم الخصوص؟
[على قولين: أحدهما: أن يحكم له بحكم الخصوص] (١) وأنَّ ذلك لازمٌ فيها جميعًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن الموّاز".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في اليمين الثانية، وهو اختيارُ محمَّد بن المواز والشيخ أبى إسحاق، وأكثَر المتأخِّرين، لأنَّ الثاني صار عمومًا يُؤدى إلى الحرج، فوجب أن يسقط كقولهِ: "كُلُّ امرأة". وإن كان الثاني لو انفرد لَلزِم. إلا أنَّهُ يُؤدى إلى الحرج والضيق، وهي العلَّة التي لأجلها مُنع العموم وسقط مُوجبُهُ.
وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا وقع التخصيص بالأعيان مِثل أنْ يقصد امرأةٍ بعينها فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون يمينهُ على برٍ.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كان يمينهُ على بر مثل أن يقولَ: "إنْ تزوجت فُلانة فهي طالق" فذلك يلزمُهُ إذا تزوّجها على القول بأنَّ الطلاق يلزم إذا اشترط التزويج، وهو يعود عليه الطلاق متى تزوجها أو إنما تُطلق مرةً واحدة؟ فالحكم في ذلك يختلف باختلاف الألفاظ التي تركَّب منها يمينُهُ.
فإن قال: "إن تزوّجتها" أو "إذا" أو "متى" أو "متى ما" فذلك يقتضى مرةً واحدة إلا أنْ ينوى [بمتى ما] (٢)، [أن تكون بمنزلة] (٣)
стр. 1845
كُلَّما على ما [نصف] (١) في حُكم "كُلَّما".
فإذا تمَّ العقدُ بينهما فُرق بينهما ساعتئذ، لأنَّ بتمام العقد وَقَعَ الطلاق السابق بالشرط، ويكونُ لها نصف الصداق.
فإن جهل الزوج ودَخَل بها كان لها صداقًا واحدًا لا صداقًا ونصفًا، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: "لها صداق ونصف" وشُبهتهُ في ذلك أنَّ لها [بالعقد] (٢) نصف الصداق، فإن دَخل بها كان لها صداقٌ آخر.
ونحنُ نقول: "ليس لها إلا صداقٌ واحدٌ، لأنَّ الدُخول إنما وَقَعَ بالعقد المُتقدَّم، وهو دخول على وجه الشبهة، وكذلك لا يُحدُّ عندنا، والولدُ بهِ لاحق، ولاسيَّما على أحد قَولى المذهب "أنَّ ذلك لا يلزم".
وأمَّا "كلَّما": فإنَّها تقتضى التكرار كُلَّما تزوجها ولو بعد ألف مرَّة، غير أنَّها إنَّما يكونُ لها [نصف] (٣) الصداقُ حتى تُطلق ثلاث تطليقات.
فإذا تزوجها [في] (٤) الرابعة فلا شىء لها مِن الصداق ولا نصف ولا غيرهِ، إذْ لا يحلُّ العقدِ عليها حتى تنكح زوجًا غيرهُ.
وإذا تزوجت غيرهُ حلَّ لهُ العقدُ عليها وعادت إلى سيرتها الأُولى، فهكذا أبدًا حتى يموتَ أحدُهما.
قلتُ: كيف يجوز للشاهد الحُضور على هذا العقد الذي لا يُحصُلُ للزوج فائدتهُ ولا يجنى ثمرته ومآلَهُ إلى الفراق؟ فذهاب المال بغيرِ عِوَضٍ، ومحضُ العقد يُؤذن بالقصد إلى ذلك، وهو عبثٌ وسفة لمخالفة مشروعية
стр. 1846
النكاح الذي هو المقصود منهُ الواصلة والمؤالفة، ولهذا ينعقد للأبد ولا يجوز فيه الأمد، إذ لا يسمى عقدًا يلزمُ منهُ الطلاق، [ولا تستحق] (١) فيهِ المرأة نصف الصداق إلا بشهادة البينة، وكيف يسوغُ للبينة الحُضور على مِثل هذا العقد الذي ليس فيهِ من البر شىء، وإنما هو إعانة على ما لا ينبغى.
اللهمَّ إلا أنْ يكون صاحب "الكتاب" إنَّما تكلم على أمرٍ وقع ولم يتكلم على الابتداء والظنُّ به ذلك. والله أعلم.
فإن كانت يمينهُ على حنث مِثل أن يقول: "إن لم أتزوج فلانة، فكلُّ امرأةٍ أتزوجُها طالق" فهذا لا شىء عليه باتفاق المذهب لأنَّهُ حظر على نفسهِ نكاح كُلُّ امرأةٍ يتزوجها قبل أن يتزوج فُلانة وذلك مِن باب الحرج وسد باب الإباحة وهو داخل في باب العموم.
فرع ولو قال: "أول امرأة أتزوَّجها طالق" فإنَّ اليمين تلزمُهُ لأنَّهُ أبقى لنفسهِ ما بعد الأولى، ولا يحنث إلا في امرأةٍ واحدة.
ولو قال: "آخر امرأة أتزوجها طالق" هل يلزمُهُ ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك لا يلزمُهُ، [لأنه] (٢) كَمَنْ عمَّ تحريم جميع النساء ولم يبق مَنْ يتزوّج، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة" و"الموّازيَّة".
والثانى: أنّ ذلك يلزمُهُ ويوقف عنها حتى إذا تزوّجها خوفًا ألا يتزوج عليها غيرها، فإنَّ تزوّج غيرها، حلَّت لهُ الأُولى
стр. 1847
[ويتوقف] (١) عن الثانية.
فإن تزوج ثالثة حلَّت لهُ الثانية ويوقف عن الثالثة.
فإنَّ تزوّج رابعة حلَّت لهُ الثالثة ويوقف عن الرابعة، وهو قولُ سحنون ومحمد.
وهذا القولُ أظهر في النظر. ووجهُهُ ظاهر، ووجهُ القول [الأول] (٢) أنَّه إن كان كلما تزوّج امرأة: فُرق بينهُ وبينها لاحتمال أن تكون هى آخر نسائهِ، فلا تستقر معهُ امرأة أبدًا وذلك يُؤدى إلى ألا يتزوج أصلًا [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 1848
المسألة العاشرة
في الطلاق بالكتاب والنيابة فيه .
وأمَّا الطلاق بالكتاب فقد اختلف المذهب في الصفة التي يكتب [بها] (١) إذا كان الزوج غائبا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقول: "إذا جاءك كتابى هذا وأنتِ طاهر فأنت طالق" ولا يزيد على ذلك، فإنْ وصلَ الكتاب وهي طاهر وقع الطلاق.
وإن وصل وهي حائض بقيت زوجة، وهو قولُ ابن القاسم.
والثاني: أنْ يقول لها "إن كُنت حائضًا فأنت طالق إذا طهرت [من حيضتك] (٢) "، وهو قول أشهب في كتاب "محمَّد".
والثالث: أنَّهُ يكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب ولا يكتب "إذا طهُرت مِن حيضتِكِ بعد وُصول كتابى [إليك] (٣) فأنت طالق".
وهو قولُ [أحمد] (٤) بن المعدل في "المبسوط"، فإن كانت صغيرة [جاز أن يكتب] (٥) بإيقاع الطلاق الآن.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في المنع مِن الطلاق في الحيض هل هو مُعلَّل أو غير مُعلل؟
فمن رأى أنَّهُ غيرُ مُعلَل قال: يكتب [على] (٦) ما ذهب إليه ابن
стр. 1849
القاسم.
وَمَنْ رأى أنَّهُ مُعلَّل قال [يحرم] (١) عليه الطلاق من الآن وقد لا يصل الكتاب إلا وقد انقضت عدّتها.
فإذا ثبت ذلك فلا تخلوا حالة الزوج مِن أربعة أوجه:
إمَّا أنْ يكتب عازمًا على الطلاق.
وإمَّا أن يكتب وهو غير عازم على الطلاق وأخرجهُ عازمًا.
وإمَّا أن يكتبهُ غير عازم ويُخرجه غير عازم.
وإمَّا أن يكتبهُ غير عازم وأخرجه وهو لا يعلم هل كان عازمًا أم لا؟.
فالوجهُ الأول: إذا كتبهُ عازمًا على الطلاق فلا خلاف في لُزوم الطلاق ووقوعهُ مِن غير اعتبار بحالتهِ وقت إخراج الكتاب.
والوجهُ الثانى: إذا كتبهُ وهو غيرُ عازم وأخرجهُ وهو عازمٌ على الطلاق فالطلاق يلزمُهُ أيضًا بنفس إخراج الكتاب.
والوجه الثالث: إذا كتبهُ غير عازم وأخرجهُ غير عازم فهل يلزمهُ الطلاق إذا وصلَ الكتابُ إليها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الطلاق يلزمُهُ، وهو قولهُ في المُدوّنة.
والثاني: أنَّهُ لا يلزمهُ الطلاق إذا علم أنه إنما أخرجهُ لتنظرَ في ذلك وتؤامر.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في الطلاق: لمجرد اللفظ هل يلزم أو لا يلزْم؟
فمن رأى أنَّهُ يلزم قال: يلزم الطلاق بوصول الكتاب.
стр. 1850
ومن رأى أنَّهُ لا يلزم قال: لا يلزم [بوصول] (١) الكتاب، لأنَّهُ ليس معهُ إلا اللفظ الذي كتبهُ، وأدنى مراتبه أن يكون كالتعليق.
والوجه الرابع: وهو إذا كتبهُ غير عازم، وجهل الحال الذي أخرج عليهِ الكتاب، هل يلزم الطلاق بنفس إخراج الكتاب أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الطلاق لا يلزمهُ، ولهُ أن يسترجع الكتاب ما لم يصل وهو ظاهر "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمهُ بنفسِ خروج الكتاب مِن يدهِ، لأنَّهُ كالناطق بهِ والإشهاد عليهِ، وهو قول مالك في غير "المُدوَّنة" وبهِ قال ابن الموّاز.
وأمَّا النيابة في الطلاق: فلا تخلو تلك النيابة مِن أن تكون رسالة أو وكالة أو تفويضا.
فإن كانت رسالة مثل أن يقول [للرجل] (٢): "أخْبر امرأتى بطلاقها" فالطلاق واقع بنفس القَول اتفاقًا بلَّغها الرسولُ أم لا.
وأمَّا الوكالة: إذا وكَّل رجلًا أن يُطلق امرأتهُ فلا خلاف أنَّ الطلاق لا يقع بنفس الوكالة حتى يُوقعهُ الوكيل أو الزوج إنْ أوقع الطلاق قبل الوكيل، وللزوج أن يعزل الوكيل عن الوكالة ويُسقط ما بيدهِ مِن النيابة متى شاء [كانَ] (٣) حاضرًا أو غائبًا.
وأمَّا التفويض: فهو أنْ يُفوِّض أمر امرأتهُ إلى رجلٍ في طلاقها، فهو كالوكالةُ في ذلك. يلزمُهُ الطلاق إذا طلقها المُفوِّض إليهِ غير أنَّ الزوج ليس
стр. 1851
لهُ أن يعزِله ويُزيل ذلك مِن يدهِ، كما يفعل بالوكيل، وإنَّما يُزيل ذلك مِن يدهِ السُلطان بوقفه.
إمَّا أنْ يُطلَّق، وإلا ردَّ ما بيده، ويعودُ الحكم في ذلك إلى الزوج آخرًا كما كان لهُ أولا.
فعلى هذا تحمل أحكام النيابة في الطلاق.
والحمد لله وحده.
стр. 1852
المسألة الحادية عشر
في طلاق المريض .
قال [الشيخ] (١) أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀: "ولمَّا منع الرسول ﵇ المريضَ مِن التصرُّف في ثُلُثى مالهِ، لم ينقص ورثتهُ ما كان ممنوعًا أنْ يدخل عليهم وارثًا أو يخرج منهم وارثًا، ولمَّا منعَ رسول الله ﷺ أيضًا قاتل العمد مِن الميراث، لما أحدثَ مِن القتل ينبغى ألا يكون المريض مانعًا لزوجته الميراث بما أحدث مِن الطلاق، إذْ لا فرق بين الوارثين. أحدهما يدخلُ الميراث بوجهِ فيْمنع لأجلهِ، وآخر قد أخرج بغير ذلك الوجه".
وهذا الذي قالهُ الشيخ [أبو محمَّد] (٢) في القاتل مِن باب الاستدلال بالعكس، وقد اختلف الأصوليون [في القول به] (٣).
وقد قضى عثمان ﵁ بتوريث المُطلَّقة في المرض بمحضرٍ مِن المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين.
فإذا أثبت ذلك: فلا يخلو مِن أن يُطلِّقها وهو مريض، أو يُطلِّقُها وهو صحيح إلا أنَّهُ في حُكم المريض.
فإن طلَّقها وهو مريض فلا يخلو مرضة من ثلاثة أوْجُهٍ:
أحدها: أن يكون مرضهُ مرضًا غير مُخوِّف ولا مُطاول.
والثانى: أن يكونَ مُخوفًا غير مُطاول.
стр. 1853
والثالث: أن يكون مُطاولًا مُخوِّفًا.
فالجواب عن الوجه الأوَّل: إذا كان مرضُهُ غيرُ مُخوفٍ ولا مُطاوِل، فطلَّقها فيهِ ثُمَّ مات مِن ذَلك المرض فلا يخلو من أن يموت قبل انقضاء العدَّة أو مات بعد انقضائها.
فإن مات قبل انقضاء العدَّة فإنَّها ترثَهُ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاقُ رجعيًا أو بائنًا أو بتاتًا، لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّهُ مرضُ [موتٍ] (١).
وإن مات بعد انقضاء العدَّة فلا ميراث لها منهُ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المرضُ مُخوِّفًا غيرُ مُطاول فلا يخلو مِن أن يكونَ الطلاقُ بإيثارِ الزوج واختيارهِ أو يكون بغيرِ اختيارهِ.
فإن وقع الطلاق باختيار الزوج وإيثارِه ثُمَّ مات مِن ذلك المرض فإنَّها ترثُهُ وإن انقضت العدَّة، من غير اعتبارٍ بصفة الطلاق إن كان بائنًا أو بتاتًا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج [ممن] (٢) تتطرَّق إليه التُّهمة أو لا تتطرَّق إليهِ.
لأنَّ ذلك مِن باب سدِّ الذرائع، والقاعدة إذا [أُثبتت] (٣) لا تنقضها إحدى [المسائل] (٤)، وقد طلَّق عبد الرحمن بن عوف زوجتهُ [تماضر] (٥) حين مرِض وكان ذلك آخر طلاقها، فمات مِن ذلك المرض فَوَرَّثُهَا عُثمان ابن عفَّان ﵁ مِن تركة عبد الرحمن. فقيل لهُ: أتتهم أبا محمَّد؟ فقال: "لا ولكنَّها السُّنَّة يهاب الناس الفرار مِن كتابِ اللهِ تعالى".
стр. 1854
فإن وقع الطلاق بغير اختيار الزوج فلا يخلو من أن يكون للزوج في ذلك [سبب] (١) أو لا سببَ لهُ.
فإن كان للزوج في ذلك سببٌ [كالمعسر بالنفقة تطلق عليه زوجته وهو مربص ثم مات من ذلك المرض بعد انقضاء العدة وبعد أن أفاد مالًا فإنها ترثه كالطلاق الذي له فيه سبب اختيار ولا يبعد دخول الخلاف فيه بالمعنى فإن كان للزوج في ذلك بسبب] (٢)، فلا يخلو مِن أن يكون للزوجة في ذلك سببٌ أو لا سبب لها.
فإن كان لها فيه سبب مِثل أن يقول لها في صحَّته: "إنْ دخلت الدار فأنت طالق" فدخلتها وهو مريض أو قال لها: "إنْ فعلتِ كذا فأنت طالق" ففعلتهُ وهو مريضٌ معصيةً وخلافًا فمات مِن ذلك المرض، فهل ترثُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثُهُ، وهو قولُ مالك في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّها لا ترثُهُ، وهو قولُ مالك في كتاب "المدنيين".
ولا شكَّ ولا خفاء أنَّ الزوج من ذلك لم يقصد إلى الفرار ولا تلحقُهُ التهمة في ذلك غير أنَّ هذا مِن تفاصيل القاعدة.
فإن كان ممَّا لا سبب لها فيه إلا أنَّ للزوج فيهِ سبب في الصحَّة مِثل أن يقول لها في [صحته] (٣): "إذا قدم فُلان فأنت طالق" فقدم فُلان وهو مريض ثُمَّ مات مِن ذلك المرض فإنَّها ترثُهُ، ولا خلاف في المذهب أعلمُهُ نصا.
стр. 1855
واختُلف في الزوجة إذا كانت أمة أو نصرانية فطلَّقها في المرض ثُمَّ أعتقت الأمة وأسلمت النصرانية بعد انقضاء العدَّة على قولين:
أحدهما: أنَّهما ترثانهِ، وهو قول محمَّد.
والثانى: أنَّهما لا ترثانهِ، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وهذا الخلاف يتخرّج على الخلاف في نكاح المريض إياهما في المرض:
فَمَنْ جوَّز نكاحهُما قال: هاهُنا لا يرثان.
ومَنْ منعَ نكاحهما قال: يرثان.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان مرضه مرضًا مُخوِّفًا مُتطاولًا كالسُّل والاستسقاء وحُمَّى الريع وما أشبه ذلك فطلَّقها وهو في ذلك المرض ثُمَّ مات منه، فلا يخلو مِن أن يعقَبهُ الموت قبل المُطاولة أو [مات بعد المطاولة. فإن عقبه الموت قبل المطاولة و] (١) قبل انقضاء العدة أو بعدها فلا خلاف في المذهب أنها ترثه.
فإن عقبهُ الموت بعد المُطاولة، فهل ترثُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثُهُ، وهو مذهب "المُدوّنة"، لأنَّهُ قال: "إذا تزوّجت بعد الأول أزواجًا، [كلهم] (٢) يُطلِّقُها وهو مريض، ثُمَّ تزوّجت آخر، والذين تزوجوها أحياء أنَّها ترثُهُم [كُلّهم] (٣) "، وبه قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب، وإن كان بعضُّ [حذاق] (٤) المتأخِّرين يُضعِّف هذا الاستقراء مِن "المُدوّنة".
стр. 1856
قال: "والذي في الكتاب [يتفق أن يكون في المدة القرابية أو يكون جميعهم لم يدخل بها واتفق مرض كل واحد منهم بإثر عقد نكاحه أو تفترق الحالات] (١) فيكون الأوَّل [دخل] (٢) وتركها حاملًا فولدت مِن الغد ونحوه، ثُمَّ تزوّجت آخر فمِرض [لأمد] (٣) قريب، ثُمَّ ثالث فجرح جُرحًا مِرض منهُ وهكذا إلى ما لا يتناهى، وقد يتَّفق في الأيام اليسيرة، [وقد] (٤) يتصور مثل هذا في اليوم الواحد" والذي قالهُ رضى الله عنهُ صحيحٌ ظاهرٌ، لا مِراء فيهِ.
والثانى: أنَّها لا ترثُهُ وأنَّ [حكمه] (٥) حكمُ [الصحيح] (٦)، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في "المبسوط".
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا طلَّقها وهو صحيح إلا أنَّهُ في حُكم المريض فإنَّ ذلك يختلف.
فمِنهُ ما هو متفقٌ عليهِ.
ومنهُ ما هو مختلفٌ فيه، وذلك على حسب قوة الخوف عليهِ في الحالة التى هو فيها.
فإذا قرب للقتل في حقٍ وجب عليه إمَّا قصاصًا، وإمَّا حرابة، وأعتق أو عمل عملًا إذا عمله المريض يكون مصروفًا إلى ثُلُثهِ، فحُكمهُ حُكمُ المريض.
стр. 1857
فإن طلَّق امرأتهُ في تلك الحالة ورثَتهُ.
وإن أعتق عبدهُ أو تصدَّق أو وهب فذلك كُلُّهُ مصروفٌ إلى الثُلُث، ولذلك يتحقّق الخوف ويوقع ما منهُ الخوف.
ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه.
واختلف المذهب في راكب البحر في حال [النوء] (١) الشديد إذا حصل في اللجة، وراكب النيل أو الدجلة، في حال الهول، هل هو كالصحيح في أفعالهِ أو هو كالمريض؟ على قولين منصوصين في "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالصحيح وأنَّ أفعالهُ مِن رأسِ المال، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّها مِن الثُلُث وحكمهُ حُكم المريض، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
واختلف في حاضر الزحف هل يُحكم لهُ بِحكم مَنْ قرُب للقتلِ فيكونُ كالمريض قولًا واحدًا أو يحكم لهُ بِحكم راكب البحر؟
فيتخرَّج [الخلاف] (٢) على قولين:
أحدهما: أنَّهُ كالذى قرب للقتل، وهو قولُ مالك في المُدوّنة.
والثانى: أنَّهُ كراكب البحر، وهو قولُ قياسى، وحكاهُ الشيخ أبو الحسن اللخمى، وقد وقع في "المُدوّنة" لفظٌ مُشكل اضطربت في شرحه آراء المتأخرين وهو قولُهُ: "وَمَنْ قُرب لحد مِن قطع يدٍ أو رجلٍ أو جلدٍ، فطلَّق حينئذٍ ثُمَّ مات مِن ذلك".
стр. 1858
[حيث] (١) قال: "فإن خيف عليه مِن ذلك الموت فهو كالمريض"، فاختلفوا في ذلك على خمسة أقوال كُلُّها مُتأولة على [المدونة] (٢):
أحدها: أنَّ ذلك اختلاف قولٍ منهُ، لأنَّهُ قال في "كتاب القطع في السرقة" و"كتاب الرجم": "إنْ خيف عليه الموتُ مِن الحر أو البرد لم يُقطع، وظاهر قولُهُ في هذا الكتاب أنَّهُ يقطع.
والثانى: أنَّهُ لم يقصِد إلى جوازِ حدهِ، وإنما أجاب على القول الذي سُئل عنهُ، إذ لو سُئل هل يُقام الحدُّ على مَن هذه [حالته] (٣)؟
لقال: لا.
[وقد] (٤) وقع [له] (٥) مِثل هذا في "المُدوّنة" في مواضع كثيرة منها: ما وقع في "كتاب المُرابحة" إذا اشترى أمةً فولدت عندهُ حيثُ قال: "لا يبيع الأُم مُرابحةً ويحبس الولد [إلا أن] (٦) يتبيَّن" وذلك بعينهِ بيع التفرقة.
ومنها: ما وقع في "كتاب الشركة": [في الشركة] (٧) في حفر قبور الجاهلية، فقال: "إذا كان لا يغتر فإن الشركة جائزة"، وقد أجاب في غير ما موضع أنَّ حفرَ قُبور الجاهلية مكروهٌ، إلا أنَّهُ أجاب هناك على حُكم الشركة على الجملة.
والقولُ الثالث: أن ذلك إنَّما يتخرج على مذهب مَن يراهُ صوابًا مِن
стр. 1859
الحكام أو مكن يجهل ذلك منهم إذا وقع.
والرابع: أنَّ معنى ذلك بعد إقامة الحدِّ عليهِ.
قال الشيخ أبو الحسن بن القابسى: قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: وهذا إحالة المسألة مِن وجهين:
أحدهما: أنَّهُ قال في السؤال قُرِّب لضرب الحد.
والثانى: قياس ابن القاسم لها على حاضر الزحف الصحيح [وراكب البحر] (١)، فحكمَ [له] (٢) بحُكمها، قال: "ولو كان كما قال، لكان مريضًا، لا يختلف في فعلهِ".
والقول الخامس: أنَّ الخوف إنَّما حدث منهُ وأدركهُ مِن الجزع والفزع ما يُدرك حاضر الزحف وراكب البحر، وهو تأويل الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد ﵀، وهذا أشبه وأولى من تأويل غيره.
[اعتراض] (٣) فإن قيل: لِمَ اتهم المريض [بطلاق] (٤) امرأتهِ [في] (٥) ميراثها، ولم يتهم في صداقها، إذا كان الطلاقُ قبل البناء حيثُ لم يجعل لها إلا نصف الصداق، وما الفرق بين الميراث والصداق عندكم، والتهمة إذا تحقَّقت عندكم وجب العملُ بمقتضاها من غير [تبعيض] (٦).
فالجواب عن ذلك أنَّ الميراث إنَّما اتُّهم فيهِ لأنَّهُ حقٌ مِن حقوق الله تعالى وفرضٌ مِن فروضهِ، فلو سُوِّغ لهُ الطلاق في مرضهِ لكان ذلك ذريعة
стр. 1860
إلى مخالفتهِ حُكم الله فى إسقاطِهِ فرضِهِ.
ووجوبه يختص بالموت، [فقويت] (١) التهمة على المُطلق عند حصول سببه.
والصداقُ أمرٌ يجبُ بِحكم المُعاوضة والتراضى على قدره، وليس جميعُهُ مُقدَّر بفرضِ الله تعالى، وإنَّما مجراه فيما يزيد على ربع دينار مجرى حقوق الآدميين [من الديون] (٢) وغيرها، ولم يحافظ عليهِ بتُهمة الزوج كما يحافظ على الميراث.
[ولأن] (٣) الناس قد اختلفوا فى وجوب الصداق.
فمنهم مَن يقول: "نصفهُ واجب بعد النكاح".
ومنهم مَن يقول: "كُلُّهُ واجب بالعقد".
ومنهم مَن يقول: "بل جميعُهُ مترقب لأنَّ النكاح مُعرَّض [للفسخ] (٤) ".
والقائل بأنَّهُ يستقر عليه جميعُهُ [بالعقد] (٥) يقول: له أن يسقط عن نفسه نصفهُ بالطلاق قبل البناء ولا تُهمة فى ذلك، لأن الصداقَ لم يزل واجبًا بالعقد، والزوج لم يزل مالِكًا للإسقاط بخلاف الميراث الذى لا يجب إلا بالموت.
فإذا حضر السبب مُنع الزوج مِن الطلاق [والله أعلم] (٦)، وهكذا