← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وأمَّا سكنى أمد العدَّة هل ترجع بهِ على الزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّها ترجع عليهِ بِكراء أمد العدَّة، وإليه ذهب القاضى بن زرب وابن عتاب وأبو الحسن اللخمى ﵃، وهو ظاهر "المُدَوَّنة" في "كتاب العدَّة": في التي تسكنُ بِكراء منزل هى اكترتهُ، فطلقت ولم تطلب الزوج بالكراء حتى انقضت العدَّة، قال مالك: ذلك [لها] (١). والثانى: أنَّ ذلك لا يلزم [الزوج] (٢) ولا ترجع عليه بشىءٍ، وبهِ أفتى مِن شُيوخ [الأندلس] (٣) أبو عمران البكرى وابن القطان، وبهِ قال "الأصبهانى" وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن مسألة الأمة إذا طلَّقها زوجها وهو عبد ولم يتبوأ معها بيتًا: أنَّها لا سكنى لها في العدَّة كما لا سكنى لها في العصمة سواءٌ أَعتق بعد الطلاق [أم لا] (٤). لقولهِ في الكتاب: "وإنَّما حالها اليوم بعدما طلَّقها كحالها قبل أن يُطلِّقها في ذلك، وإنَّما يلزم الزوج ما كانَ يلزمُهُ حين طلَّقها، فما حدث بعد ذلك لم يُلزم الزوج [منه] (٥) شىء"، وهذا منهُ بناء على أنَّ السكنى لو لزمته قبل الطلاق لَلَزمتهُ بعد الطلاق وفي زمان العدَّة. وسببُ الخلاف: سكنى العدَّة هل هى تبعٌ لسكنى العصمة أم لا؟

стр. 1787

فمن رأى أنها تبعٌ لسكنى العصمة قال: لا [كراء لها] (١) على الزوج. ومن رأى أنها مخالفة لها [قال: لها أن] (٢) ترجع على الزوج بِكراء أمد العدَّة. والفرقُ بين سكنى العصمة وسكنى العدَّة على أحد القولين: أنَّ زمان العصمة زمان مكارمة فلا يُقبل فيه [للزوجة] (٣) دعوى لو طلبت فيه الكراء. وزمان العدَّة زمان المُنافرة والمُغايرة، فدعواها فيه مقبولة فإن كان المسكن بالكراء على الزوجة فسكنت فيهِ مع الزوج أمد العصمة [وسكنت فيه بانفرادها أمد العدة فطالبت الزوج بكراء أن العصمة] وكراء أمد العدة (٤). [أمَّا أمد العدَّة] (٥): فإنها تطلب الزوج بحصَّته من الكراء -بلا خلافٍ أعلمُهُ في المذهب في ذلك، وهو نصُّ "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة": لأنَّها قامت على الزوج في ذلك بالواجب، كما لو أنفقت على نفسها وهي في عِصمةِ الزوج وهو مُوسر وإنَّما ترجع عليه بما أنفقت ولا يبعد دُخول الخلاف [فيه] (٦) [بالمعنى] (٧). وأمَّا أمد العصمة فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":

стр. 1788

أحدها: أنَّها ترجع عليه بكراء تلك المُدَّة، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] (١) "العدَّة". والثانى: أنَّها لا ترجع عليه بشىء إلا أن يتبيَّن لهُ أنَّها في بيت كراء، وهو قولُهُ في "كتاب كراء الدور [والأرضين. والقول الثالث: أن لها عليه الأقل من كراء المثل وما اكترت به المرأة وهو قول الغير في كتاب الدور والأرضين] (٢). وسببُ الخلاف: ملكها لمنافع الدار هل هو كملكها لِرقبة الدار أم لا؟ فمن جعل مِلك المنافع كمِلك الرقبة قال: لا ترجع عليهِ بالكراء. ومَنَ جعلهُ مُخالفًا لمِلك الرقبة قال: ترجعُ عليهِ بالكراء لأنَّها [ترجع] (٣) عليهِ بالواجب. فإن كانت مُعتدَّة مِن وفاةِ الزوج فلا خلاف أنَّها لا نفقة لها، سواءٌ كانت حاملًا أو حائلًا لأنَّها وارثة [والحمل وارث] (٤). واختلف المذهب عندنا في وُجوب السكنى لها على قولين: أحدهما: وجوب السكنى لها، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنَّها لا سكنى لها، وهذا القولُ حكاهُ محمَّد بن خويز منداد عن مالك في "أحكام القُرآن" لهُ، وهو اختيار القاضى أبى الحسن بن القصار قال: "لأنَّهُ يزولُ ملكهُ عن المال، وبعد الموت تجب العدَّة". وهذا القول يُؤخذ مِن "المُدوّنة" مِن رواية ابن نافع عن مالك في "كتاب

стр. 1789

العدَّة": في المُطلَّقة تكونُ لها السكنى ثُمَّ يموتُ الزوج في العدَّة أنَّ: "السكنى تسقط بموتهِ، كما تسقط نفقة الحمل بموتهِ"، فهذا [يؤخذ منهُ] (١) ألا سُكنى للمُتوفى عنها جملة، لأنها إذا أسقط السكنى بالوفاة [مع تقدم الطلاق كان إذا وجبت العدة بالوفاة] (٢) مِن غير طلاق أولى وأحرى. وعلى القول بأنَّ للمُتوفى عنها السكنى على الجُملة فلا يخلو مِن أن يتوفَّى عنها الزوج وهي في بيت أبيها أو يتوفى بعد أن زفَّها وحملها ونقلها إلى بيتهِ: فإن توفَّى الزوج وهي عند أهلها قبل أن يزُفَّها فلا سُكنى عليه اتفاقًا في المذهب، وتعتدُّ زوجتهُ حيثُ كانت تسكُن ويلزمُها مِن اللبث واللازمة ما يلزمُها إذا اعتدَّت في بيت زوجها. فإن مات بعد أن حوّلها إلى منزلهِ فلا يخلو ذلك المنزلِ مِن أنْ يكونَ لهُ مِلك أو اكتراهُ: فإن كان لهُ مِلك، إمّا مِلك رقبة [الدار] (٣) أو مِلك [انتفاع] (٤) كالحبس والعمران وما كان في معناهما من العوارى فهي أحقُّ بالسكنى إلى آخر الآمد فيما قُدِّر بِمدة كالحبس المُؤجَّل والعارية المُؤجلة وإلى انقضاء العدَّة فيما يملك رقبتهُ وهي أحقُّ بهِ مِن الغُرماء في جميع ما ذكرنا. فإن أرادوا بيع الدار، وأرادهُ الورثة فإنَّهم يُبيعونها بشرط استثناء أمد

стр. 1790

العدّة على الخلاف والتفصيل الذي قدَّمناهُ [في مسائل الطلاق] (١). فإن كان أمد السكنى المُؤجل يحل أجلهُ قبل انقضاء العدّة فإنَّها تخرج إذا أخرجها رب الدار وتنظر لنفسها في موضع تتمُّ فيهِ العدَّة على حسب ما ابتدأتها. فإن حوّلها إلى بيت اكتراهُ فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون على الوجبية. والثانى: أن يكون على المشاهرة والمساماة. فإن كان الكراء على الوجبية فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينقد الزوج الكراء ويسكن. والثانى: أن ينقد الزوج ثم مات قبل أن يسكن. والثالث: أن يعقد الزوج الكراء [وسكنته] (٢) ثمَّ مات قبل النقد. فإن نقد الزوج الكراء وسكنته [ثم مات الزوج] (٣) فلا خلاف في المذهب [أنها] (٤) أحقُّ بالسكنى مِن الورثة والغرماء وهي كدار يملكها الميت. فإن نقد الزوج الكراء أو عقدهُ ثُمَّ مات قبل أن يَسكُن فالكراء لازمٌ [له] (٥). في ذمتهِ وهو مالٌ موروثٌ عنهُ ولا سُكنى للزوجة في ماله. كما لو مات وهي ساكنة في بيتها أو في بيت أبيها وهو قولهُ في "المُدوّنة" وغيرها.

стр. 1791

فإن عقد الزوج الكراء وسكنت ثُمَّ مات قبل أن يُؤدى جميع الكراء أو بعضهُ هل تكون أحقُّ بالسكنى من الغُرماء والورثة أو يرجع الكراء ميراثًا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: [أنها] (١) أحق به، لأنَّ الكراء قد وجب في ذمَّته فأشبهَ دارًا يملكُها، وهذا تأويل ما وقع في "المُدوّنة" عند بعضهم، ومِثل هذا في رواية أبى قرَّة وعلي بن زياد وابن وهب عن مالك. والثانى: أنَّ باقى الوجبية التي لم يؤد الزوج كراها ميراث إلا أن تشاء المرأة أن تسكُن في حصَّتها وتكرى نصيب الورثة يريد برضاهم، وهو نصُّ قول مالك في كتاب محمَّد بن المواز، وهذا القول أسعد بظاهر "المُدوّنة". وعلى هذين التأويلين يتخرج ما في المُدوّنة من الإشكال في المسألة فإن كان الكراء [على] (٢) المشاهرة مِثل أن يُكريها كُلُّ شهر بكذا [أو كل سنة بكذا فهذا] (٣) لا يخلوا مِن أن ينقد الكراء أو لا ينقده: فإن نقد جميع الكراء كان كالوجبية، والكراء لازمٌ لها وهو مالٌ مِن مالِ الزوج. فإن لم ينقد الكراء فلا [سكنى] (٤) لها في ذمة الزوج، ثُمَّ لأهل الدار إخراجها إذا أرادوا. وكذلك إن كان الكراء على الوجبية فانقضت الوجبية قبل انقضاء العدَّة فلهم أن يُخرجوها إذا أرادوا، وهو نصُّ قولُ مالك في "المُدوّنة". قال بعض المتأخرين: "معنى ما وقع في "المُدوّنة": إذا كان

стр. 1792

إخراجهم لحاجةٍ لهم في الدار مِن سكنى أو بناء وشبه هذا". وهكذا فسَّرهُ بن كنانة في "المبسوط"، قال: "ليس لربِّ الدار أن يُخرجها إلا لعُذر مجحف يخاف على دارهِ إنْ تركت فيها، وليس لهم أن يزيدوا في الكراء على القدر الذي [كان] (١) يتكارى بهِ زوجها". وقال بعض الحُذّاق: "ومعناهُ عندي: أن يكون ذلك مِن قِبَلِ أنفسهم وأمَّا إن جاءهم مَنْ يكتريها منهم بأكثر كان لهم إخراجها إلا أن تلزم الزيادة". ولا خلاف في المذهب أنَّ: أهل الدار متى تركوها بكراءِ مثلها أنَّهُ لازمٌ للزوج في الطلاق ولها في الوفاة، وهذا في "الكتاب" ظاهر. فإذا ثبت ذلك وتقرَّر لها السكنى في مالِ زوجها، هل يجوز لها الانتقال مِن ذلك المنزل والتحول منهُ إلى غيرهِ؟، فذلك على وجهين: إمَّا أن يكون ذلك بغلبة واضطرار أو يكون ذلك على معنى الترفُّه والاختيار. فإن كان ذلك [على معنى الترفه والاختيار فإن ذلك] (٢) لا يجوز بالإتفاق، لقوله ﷺ لفريعة بنت مالك بن سنان: "امكثى في بيتك، حتى يبلغَ الكتابُ أجلهُ"، ولقوله ﷺ : "للنساء اللاتي أتين تتحدثن عند إحداكن ما بدا لكن ثم تؤوب كل امرأة إلى بيتها". فأباح لهنَّ الاجتماع بالحديث بالليل حتى إذا أرادت النوم، وترجع كُلَّ واحدةٍ منهنَّ إلى بيتها، قال محمَّد: "ومعناهُ: أن يقمن في الحديث إلى وقت نيام الناس"، ولهذا قال مالك ﵀:

стр. 1793

"تخرج إلى حوائجها سحرًا قرب طلوع الفجر [وترجع] (١) ما بينها وبين العشاء الآخرة" فأباح لها التصرُّف فيما لا مندوحة [لها] (٢) عنهُ في النهار وفي طرفى الليل ومنعها فيما سوى ذلك. وذلك أنَّ النهار محلٌّ للانتشار والتصرف فيُؤمَنْ عليها مِن الريبة لأنَّها لو حاولت شيئًا لظهرَ عليها. وكذلك طرفى [الليل] (٣) لأنَّ عوائد الناس مِن السَّحر يخرجون إلى أراضيهم وبساتينهم، فإذا أدلجت معهم فلا يبقى [عليها] (٤) ريبة. وكذلك ما بين العشاءين فإنَّ عادة الناس قضاء المآرب مِن الأسواق والمشى إلى المساجد. وما سوى ذلك فلا تمكن فيه وينبغى للإمام إذا علم منها المبيت عن بيتها أن ينهاها عن ذلك ويعظُها، فإن عاودت أدبها فإذا منعت من المبيت في غير بيتها، ومن كثرة الخروج بالنهار لغير حاجةٍ تعرَّضت لها فبأنْ تُمنع مِن الانتقال مِن منزلٍ إلى منزلٍ أولى وأحرى. ولا فرق في ذلك بين الحُرَّة والأمة، ولا بين العدَّة للوفاة والطلاق. وقد وقع في "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة" مسألة اضطربت [فيها] (٥) آراء المتأخرين في التأويل وهي "الأمة الحادَّة" حيثُ قال: "لا يُزينونها للبيع ولا يبيعونها لمنْ يُخرجُها مِن موضِعُها حتى تتمَّ عدَّتُها". ثُمَّ قال في آخر "الكتاب": "إذا انتقل أهلها انتقلوا بها".

стр. 1794

فاختلف المتأخرون: هل ذلك اختلاف أقوال أو ذلك اختلاف سؤال أو ذلك اختلافُ أحوال؟ فمنهم مَن يقولُ: إن ذلك اختلاف قول، فإذا كان لهم الخروج فكيف لا يجوز للُمشترى؟! وهو قولُ بعض المتأخرين، [وإليه] (١) أشار حمديس. ومنهم من يقول: إن ذلك اختلاف أحوال، وإنَّما قال: لا يُخرجها المشترى مِن موضعها كالبائعين لها. فإذا أرادوا الانتقال بها انتقلوها كما جاز ذلك للبائعين. وقيل: لا يبيعونها إلا لمن يرعى ذلك ولا يبقى عليه في إخراجها. ومنهم مَن قال إنَّ ذلك اختلاف سؤال، وأنهم ينتقلون بها إذا لم يتبوأ معها بيتًا، وهو معنى [ما] (٢) قال في آخر "الكتاب"، وهو نصُّ قولُهُ في "كتاب محمَّد" ومعنى ما قال في "باب الإحداد": أنَّه قد بوأ معها بيتًا. فإذا كان انتقالها وتحوُّلها على معنى الغلبة والاضطرار، مِثل: أنْ تخافَ سقوط بيتها أو لُصُوص أو تخاف مِن جار سوء وهي في البادية أو خشيت أن ينتقل عنها الجيران أو حدث منها هى أمرٌ يُوجبُ إخراجها أو أخرجها ربُّ الدار لحاجةٍ لهُ [في الدار] (٣).

стр. 1795

إذا انقضى أمدُ الكراء قبل انقضاء أمد العدَّة. فلا حرج عليها في ذلك فيما بينها وبين الله تعالى. والحمد لله وحده.

стр. 1796

المسألة العاشرة في [سكنى] (١) التي تُوُفِى عنها زوجها في السفر، ولا يخلو سفرها معهُ مِن وجهين: أحدهما: أن [يكون سفر انتجاع. والثانى: أن يكون سفر ارتجاع. فإن كان سفر انتجاع كمن رفض سكنى بلده وانتقل بأهله إلى غيره ثم مات فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن] (٢) يموت قبل الوصول إليه. والثانى: مات بعد الوصول. فإن مات قبل الوصول إلى الموضع الذي انتقل إليهِ فلا يخلو مِن أن يموتَ ويتركُها في مُستعتب أو في غير مُستعتب. فإن تركها في مُستعتب فإنَّها تعتدُّ هناك ولا تنفد لوجهها ولا ترجع، لأنَّ ذلك يُؤدى إلى أن تفرغ عدَّتُها في الأسفار لغير معنى. فإن تركها في غير مُستعتب فلها الخيارُ بين ثلاثة أشياء: إمَّا أن تنفد إلى الموضع الذي أقبلت إليه. أو ترجع إلى الموضع الذي خرجَت منهُ. أو تعُد إلى أىِّ موضعٍ شاءت ممَّا هو قريبٌ منها. وهذا كُلُّهُ إذا كانت تصل إلى الموضع الذي تذهب إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها وَوَجَدَت ثقةً تذهب معهُ.

стр. 1797

فإن مات بعد الوُصول إلى الموضع الذي خرجت إليه فلا يخلو مِن أن يموت بعد أن [اتخذ لها] (١) مسكنًا أو قبل. فإن مات بعد أن [اتخذ لها] (٢) مسكنًا فلا إشكال أنَّها تعتدُّ فيهِ كما تعتد في المنزل الذي خرجت منهُ. فإن مات قبل أن يتخذ لها مسكنًا فإنَّها تعتدُّ حيث شاءت. فإن كان سفرُهُ سفرَ ارتجاع فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكونَ [سفر] (٣) بِر وطاعة. والثانى: أن يكون [سفرًا] (٤) لقضاء المآرب والحاجات. فإن كان سفرهُ سفرَ بِر وطاعات، فلا تخلو تلك الطاعات مِن أن تكون مِمن يحتاج إلى إحرام كالحج [أو ممن له يحتاج إلى الإحرام كالغزو والرباط. فإن كانت ممن يحتاج إلى إحرام كالحج] (٥) فلا يخلو مِن أن يموت الزوج قبل الإحرام أو مات بعدهُ. فإن مات الزوج بعد الإحرام فلا خلافَ أعلمُهُ في المذهب أنَّ امرأتهُ [تنفد في] (٦) حجِّها ولا ترجع إلى بيتها سواء قربت أو بعدت، وسواءٌ كان الحجُّ الذي أحرمت بهِ تطوعًا أو واجبًا. فإن مات الزوج قبل الإحرام فهاهنا يُفصَّل بين أن يكون الحجَّ واجبًا أو

стр. 1798

تطوُّعًا. فإن كان الحجُّ واجبًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقرب أو بالبُعد. فإن مات قبل أن يتباعد مِثل اليومين أو الثلاثة، فهل ترجع أو تنفد؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّها ترجع إلى بيتها ولا ترجع إلى مع ثقةٍ، وهو ظاهر "المُدونة"، لأنَّهُ قال: في "الكتاب": "ترجع" ولم يُفصِّل بين النفلِ والفرض. والثانى: أنَّها تتمادى قياسًا على الاعتكاف. وسببُ الخلف: اختلافُهم من الحجِّ، هل هو على الفورِ أو على التراخى؟ فَمَنْ رأى أنَّهُ على الفور قال: إنَّها تنفد ولا ترجع. وَمَنْ رأى أنَّهُ على التراخى قال: ترجع. فإن مات الزوج بعد أنْ يتباعد فإنَّها تنفد ولا ترجع اتفاقًا في المذهب. فإن كان الحجُّ تطوُّعًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقُرب أو بالبُعد: فإن كان بالقُرب فإنَّها ترجع قولًا واحدًا في المذهب. فإن كان بالبعد فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تتمادى ولا ترجع، وهو ظاهر "المُدوّنة". والثانى: أنها ترجع، وهو أحد قولى مالك فيمن خرج إلى الجهاد أو إلى الرباط ثُمَّ مات هناك أنَّ امرأتهُ ترجعُ وتعتدُّ في بيت زوجها الذي خرج منهُ.

стр. 1799

ولا فرق في الحقيقة بين حجِّ التطُّوع والجهاد إذا لم يتعيَّن. وإن كانت تلك الطاعات ممَّا لا تفتقر إلى الإحرام كالغزو والرباط فإنَّها ترجع في القرب، وفي البُعد والوصول قولان عن مالك. فإن كان سفرهُ [سفر] (١) قضاء المآرب والحاجات، وكانت الحاجة أوَّلها فمات في الطريق قبل الوُصول، أو مات بعد الوُصول إلى موضع الحاجة فإنَّها ترجع إلى بيت زوجها إن كانت تصلُ إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها ووجدت ثقةً ترجعُ معهُ. فإن كانت لا تصلُ إلا بعد انقضاء عِدَّتها لبُعد البلاد أو كانت تصلُ في بقيَّةِ العدَّة إلا أنَّها لا تجد ثقة، فإنَّها تعتدُّ في الموضع الذي توفَّى فيهِ زوجها. والحمد لله وحده.

стр. 1800

المسألة الحادية عشرة في سكنى المُرتدَّة ، ولا تخلو المُرتدَّة مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا أو مشكوكًا فيها. فإن كانت حاملًا فلها النفقة اتفاقًا لأجلِ الولد، ولا سُكنى لها على مشهور "المذهب". وقد وقع في "المُدوّنة" حرف مُشكل في "كتاب العدَّة" في قوله: "أرأيت المُرتدَّة أيكون لها النفقة والسُّكنى؟ قال: "نعم، لأنَّ الولدَ يلحقُ بأبيهِ، فمن هنا لزمتهُ النفقة". واختلف المتأخرون في الاعتذار عن إطلاق جوابهِ "نعم" هل هو على عموم النفقة والسُّكنى معًا أو على النفقة خاصةً؟ فمنهم مَن حملهُ على النفقة خاصةً دون السُّكنى إذْ هى مسجونة لا تترك فكيف يجبُ لها السُّكنى على الزوج؟، وهذا تأويل ابن اللباد وغيره. ومنهم مَن قال: معنى ذلك "أن لها النفقة والسُّكنى إذا غُفل عن سجنها". ومنهم مَن قال: "معنى ذلك إذا كان الموضع الذي تُعتقلُ فيه يُطلب فيهِ الكراء فيكون على الزوج". فإن كانت حائلًا فإنَّها تقتل بعد الاستتابة، وهل تُستتاب ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّها تُستتاب ثلاثة أيام، وهو مشهور "المذهب".

стр. 1801

والثانى: أنَّها تُستتاب ثلاث مرات [استحبابًا] (١)، وهذا القول مروى عن مالك، وبهِ قال أشهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن قولِهِ: "إن كانت غيرُ حامل يعرفُ ذلك لم تُؤخَّر واستُتيبت". وقولُهُ "لم تُوخَّر" يُريد ثلاثة أيام. وقولُهُ "استُتيبت" يريدُ ثلاثَ مرات. فإن جُهل حالها ولا يُدرى إن كانت حاملًا أو حائلًا، فإنَّها تُؤخَّر إنْ طَلَبَ الزوجُ ذلك، إلى أن تحيضَ [حيضة] (٢) واحدة أو تمر بها ثلاثة أشهر. فإن أسقط الزوج حقَّهُ ينظر. فإن مضى لإصابته أربعون يومًا [لم يعجل عليها لاحتمال أن يكون الرحم مشغولًا بالولد لأنه بعد الأربعين] (٣) مِن [يوم] (٤) الإصابة يكونُ علقة. وإن لم يمض لإصابتهِ أربعون يومًا قتلت ولم تُؤخر. وهذا معنى قولهُ في "المُدوّنة": "وإن كانت غير حامل". فاعرف ذلك [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 1802

المسألة الثانية عشرة في المُكاتب إذا اشترى زوجتهُ . وإذا اشترى المكاتب زوجتهُ وقد كانت ولدت منهُ أو لم تلد فعجز [فرجع رقيقًا أو مات عنها فلا يخلو المكاتب من وجهين: أحدهما: أن يطأها بعد اشترائه لها. والثانى: ألا يطأها حتى مات أو عجز. فإن وطأها المكاتب بعد الشراء] (١) ثم مات [أو عجز] (٢) فعليها حيضة واحدة اتفاقًا وهي في العجز استبراء. وفي الموت قولان: قيل: استبراء، وقيل: عدَّة. فإن مات أو عجز قبل أن يطأ فهل تستبرئ بحيضة أو بحيضتين؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المُدوَّنة عن مالك في آخر "كتاب العدَّة": أحدهما: أنَّها تستبرئ بحيضة واحدة. والثانى: أنَّها تستبرئ بحيضتين، وهو الذي رجع إليه مالك. وسبب الخلاف: اختلافهم في الاستبراء مِن الفسوخ، هل هو استبراءٌ أو عدَّة؟ لأن طرآن الملك على النكاح قد تقدم أمره. فمن رأى أنَّهُ استبراءٌ محض قال: تُستبرئ بحيضة.

стр. 1803

وَمَنْ رأى أنَّهُ عدة قال: تُستبرئ بحيضتين. وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز: "وهذا غلط، بل [اختلاف قول مالك] (١) ينبنى على الخلاف في الإباحة، هل تقوم مقام الفعل أم لا؟ فمن رأى أنَّ الإباحة تقوم مقام الفعل [: قال: تستبرئ بحيضة] (٢) لأنَّ المكاتب لما ملك أن يطأ بملك يمينه عُدَّ ذلك منهُ كالوطء، لأنَّ الوطء إذا كان يُبطل حُكم الاعتداد كانت إباحة الوطء تُبطلهُ أيضًا. ومن رأى أنَّ الإباحة لا تقوم مقام الفعل قال: تستبرئ بحيضتين. وقد وقع في هذه المسألة اختلاف في الروايات وكُلُّهُ يرجعُ إلى ما فصَّلناهُ وحصَّلناهُ. [قال] (٣) قلت: أرأيت المكاتب يشترى زوجتهُ الأمة، فلم يطأها بعد الشراء، حتى خرجت حُرَّة فلا استبراء عليها. وهذه هى الرواية الثابتة عند الشُيوخ، و [قد] (٤) وقع في حاشية كتاب "ابن عيسى" على ما نقل بعضُ المحققين، وفي بعض النسخ " [فى] (٥) الاستبراء عليها على الإثبات". فمعنى الرواية الأولى: أنَّها إذا حاضت عند المُكاتب قبل عتقها. ومعنى الثانية: أنَّ عتقُها قبل الحيضتين، فيكون ذلك اختلافُ حال. تمَّ الكتابُ بحمد الله وعونه. ويليه كتاب الأيمان بالطلاق.

стр. 1804

كتاب الأيمان بالطلاق

стр. 1805

كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ بسم الله الرحمن الرحيم. تحصيل مُشكلات هذا الكتاب وجملتُها ثلاث عشرة مسألة. المسألة الأولى في الذي طَلَّق امْرأتهُ وقال لهُ رجلٌ: ما فعلت؟ فقال: هى طالق . فإن نوى إخبارُه بِنيَّتهِ فلا تخلو هذه المرأة مِن أن يدخُل بها زوجها أو لم يدخُل بها. فإن لم يدخُلُ بها فلا شىء عليهِ ولا يلزمهُ إلا طلقة. فإن دخل بها فلا يخلو جوابَهُ مِن أن يقولَ فيه: "هى مُطلَّقة" أو قال: "هى طالق". فإن قال: "هى مُطلَّقة" فلا يلزمُهُ غير الطَّلقة الأُولى بالإتفاق لأنَّ قولَهُ: "هى مُطلَّقة" إخبارٌ. وإن قال: "هى طالق" فلا يخلو مِنْ أنْ يدْعى نيَّة أو لا يدَّعيها. فإن ادَّعى نية وقال: "أردتُ الإخبار وأنَّها هى ذاتُ الطلاق". فإنَّهُ يُقبل قولُهُ باتفاق المذهب، وهل يُقبل قولُهُ بيمينٍ أو بغير يمين؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يمينَ عليهِ جُملةً. والثانى: أنَّهُ يحلفُ جُملةً. والثالث: التفصيل بين أن تتقدَّم لهُ فيها طلقة أم لا.

стр. 1806

فإن تقدَّمت لهُ فيها طلقة فإنَّهُ يحلفُ عند إرادة الرجعة. فإن لم تتقدَّم لهُ طلقة فلا يمين عليه. والأقوال الثلاثة لأصحابنا المتأخرين تأويلًا. فإن لم يدَّع النيَّة وعدمها، فهل تلزمُهُ طلقةً أُخرى؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ تلزمُهُ تطليقة ثانية، وهو ظاهر "المُدوَّنة" في قوله: "فإنْ نَوَى إخبارهُ فله نيةٌ" ظاهره أنَّهُ: إن لم [تكن له نية] (١) أنه تلزَمُهُ تطليقة أُخرى، وإليه ذهب القاضى أبو الفضل تأويلًا على "المُدوّنة". والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ غير التطليقة الأُولى، وهو قولُ الشيخ أبى الحسن اللخمى ﵁ [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1807

المسألة الثانية في الذي قال لزوجته: "إنْ أكلتِ أو شربتِ" [فقال] (١): هذه أيمانٌ كُلُّها. قال في الكتاب: "وَمَن قال لزوجته: إنْ أكلت أو شربت أو لبست أو قُمتِ أو قعدتِ أو دخلت أو خرجت [أو ركبت] (٢) فأنت طالق. . ." قال: "هذهِ أيْمانٌ كُلُّها". ولا يخلو ذلك مِن أن يكون ممَّا يُمكن فيه الترك والفعل أو ممَّا لا يُمكن فيه الترك. فإن كان ممَّا يُمكن فيه الترك والفعل كدخول الدار وركوب الدابة فهذا لا خلاف أنَّهُ يمين، وأنَّهُ لا شىء عليهِ إلا بوجودِ الفعل منها. فإن كان ممَّا لا يُمكن تركُهُ كالأكل والشُّرب والقُعود والقيام فلا يخلو مِن أن يُقيد ذلك بصفة أو مُدَّةٍ معلومةٍ [أو لا يقيد. فإن قيد ذلك بصفة أو مادة معلومة] (٣)، مِثل أن يقول لها: "إنْ أكلت [أو شربت] (٤) اليوم"، أو "قُمت أو قعدت إلى الظُهر"، أو "إنْ أكلتِ خُبزًا فطيرًا"، أو "شربتِ شرابًا حامضا"، أو نحو ذلك. فهذا أيضًا: لا خلاف فيه أنَّها أيمانٌ، وأنَّهُ لا شىء عليه إلا بِوُجود فِعل ما حلف عليه، وهذا كُلُّهُ ممَّا يُمكن فيهِ الفعلُ والترك.

стр. 1808

فإن لم يُقيد ذلك بصفةٍ معلومةٍ، فلا يخلو مِن أن [يعين] (١) لذلك عينًا مخصوصًا أو أطْلَق. فإن عيَّن ذلك في عينٍ مخصوصة مثل أن يقول [لها] (٢): إنْ أكلت هذا الطَّعام أو شربتِ هذا الشراب لشىءٍ بعينه أو أكلت طعام زيد أو قعدتِ مع فُلانة في بيت فُلانة. فهذا أيضًا ممَّا لا خلَاف فيه أنَّهُ أيمان، ولا يحنث إلا بُوجود الفعل. فإن أطلق ولم يُقيِّد بِصفةٍ ولا زمانٍ ولا عَيَّن ذلك في عينٍ. فهل يُحكم عليه بالطلاق بذلك في الحال أو لا ينجز عليه ذلك إلا بِوقوع الفعل [عليه] (٣)؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنةَ": أحدهما: أنَّ الحنثَ ينجز عليهِ في الحال، لأنَّهُ علّق الطلاق بأجلٍ لابُدَّ لها منهُ، إذْ لا مندوحةَ لها عن الأكل والشُرب والقيام والقعود [لأنها لو استدامت القيام أو القعود] (٤) على الدوام لأدَّى ذلك إلى أن تترك الصلاة، وإلى هذا ذهب أكثرُ المتأخرين، فحملوا قولهُ في "الكتاب": أنَّها أيمان فيما يُمكن تركُهُ. ولو استدامت ترك الأكل والشُرب لأدَّى ذلك إلى فواتِ نفسها وهلاكها، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيمن علَّق الطلاق [بالشرط الذي لابُدَّ مِن إتيانه] (٥)، وهو مذهب سحنون: لأنَّهُ قال فيمن قال لزوجتهِ: "أنت طالق إذا صلَّيتِ" أنَّهُ

стр. 1809

طلاقٌ إلى أجل، لأنَّ الصلاة لابُدَّ لها منها. والثانى: أنَّهُ لا يحنث حتى [تفعل] (١) ما [حلف] (٢) عليه، من أكلٍ أو شُربٍ أو رُكوبٍ أو قيامٍ أو قُعودٍ، لأنَّ هذهِ الأشياء يُمكن [ألا تفعلها] (٣)، إذ هى مُتعلقة بمشيئة آدمى، وأنَّها مِن جنس مقدورهِ، لأنَّ الحالف إنَّما علَّقَ حنثهُ بفعلها، ومتى لم تفعل ذلك الفعل لم يقع الحنث، وهو ظاهر "المُدوّنة"، في قولهِ: "هذه أيمان". وفي قولهِ في الحيضِ: إن قال لها: [أنت] (٤) "طالقٌ إذا حضت أو إن حضت" " [ليست] (٥) هذه يمين" لما كان الحيض ليس [من جنس] (٦) مقدُور النساء وإنَّما هو أمر يأتى على جِبِلَّة وعادةٍ قد أجراها الله في بنات آدم، وهذا على مذهبه في "المُدوّنة" في الحيض، وإلا فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِنَ "المُدونة": أحدها: أنَّه يعجل عليه الطلاق في الحال، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في الحيض حتى تحيض، وهو قول أشهب في كتاب "محمَّد"، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيما يُحتمل أن يكون ويُحتمل ألا يكون، وهو قول المخزومى وابن عبد الحكم وابن وهب.

стр. 1810

والثالث: أنَّها لا تُطلَّق عليه بنفس اللفظ حتى ترفع إلى حاكم فيحكمُ عليهِ بالطلاق، لأنَّهُ أمرٌ مختلفٌ فيهِ، والحكم يرفع الاختلاف. وهذا القول حكاهُ اللخمى في "المذهب" ولم يُسمِّ قائلَهُ، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال لامرأتهِ "إن لم أُطلقَكِ فأنت طالق" فقال في أحدُ الأقوال: أنها لا تُطلَّق عليهِ حتى ترفع أمرها إلى السلطان ويوقفه". والقولُ بأنَّ ذلك كلَّهُ أيمان، وأنَّها لا تُطلَّق عليه إلا بوقوع الفعل، وهذا الذي اختارهُ الشيخ أبو القاسم بن محرز، وهو أسعد بظاهر "المُدوّنة" مِن هذا الكتاب ومِن آخر "كتاب النذور" ومن "كتاب أمَّهات الأولاد" في الذي حلف ليبعينَّ أمتهُ فألفاها حاملًا منهُ، حيثُ قال: "هو حانث"، وقال في مسألة "الحمامات [في كتاب النذور] (١) ": "لا حنثِ عليه" وما ذلك إلا لإمكان وُقوع البيع في أُم الولد على الجملة. وسبب الخلاف: اختلافهم في الإمكان المُعتبر، هل هو الإمكانُ على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ، أو المُعتبر الإمكان الشرعى؟ فَمَنْ اعتبر الإمكان على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ قال: "هذهِ أيمانٌ كُلَّها، لا يلزم الزوج الطلاق حتى تَفعل، لأنَّها قادرة على أن تترك الأكل والشَرب حتى تموت". وَمَنْ اعتبرَ الإمكان الشرعى قال: "هو حانثٌ في الحال، إذ لا يحلُّ لها في الشرع أنْ تقعُد بلا أكلٍ ولا شُرب حتى تموت ولا أنْ تقعُد أبدًا ولا أنْ تقف أبدًا". ولهذا الخلاف مطلعٌ آخر وهو: هل الاعتبار بالمقاصد أو بالألفاظ؟

стр. 1811

فمَنْ اعتبر المقاصد قال: يحنث في الحال. ومن اعتبر الألفاظ قال: لا يحنث إلا بوجود الفعل منها. والحمد لله وحده.

стр. 1812

المسألة الثالثة في الطلاق المقُيَّد بالمشيئة: فإذا قال: "أنت طالق إنْ شئت [أو إذا شئت أو مثل ما شئت] (١) " فهل [يتعديان المجلس] (٢) أم لا؟ [و] (٣) الطلاق المُقيَّد لهُ سبعةُ ألفاظ: "كُلَّما" و"ومتى ما" "متى" و"إذا" و"إن" و"ما" و"كم". فأمَّا "كُلَّما" إذا قال لها "أنت طالق كُلَّما شئت": فلا خلاف أنَّهُ يتعدى المجلس وأنَّ الوطء بطوعها لا يقطعها، ولها أن تقضى المرة بعد المرة لأن ذلك تفويض. وأمَّا "متى ما [ومتى] (٤) ": فلا خلاف أنَّهما يتعديان المجلس، واختُلف هل يزول ذلك مِن يدها إذا وطئها طائعةً أم لا؟ على قولين. إلا أنْ ينوى أنْ يكون "متى ما" بمنزلةِ كُلَّما، كان بمنزلتهِ إلى طرف. وأمَّا "إن وإذا": فهل هما كالتفويض فيتعديان المجلس قولًا واحدًا أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنَّهما كالتفويض مِثل: "متى ما، ومتى"، وأنَّهما يتعدَّيان على قولى مالك جميعًا، وهو ظاهر قولُهُ في أول "كتاب الأيمان بالطلاق" في قوله: "أنت طالقٍ "إنْ شئت" أو "إذا شئت"، حيث قال: "ذلك

стр. 1813

بيدها حتى توقف أو توطأ طوعًا أو يتلذذ بها طائعة، قال: "وكأن "إذا" عند مالك أشدُّ مِن "إنْ"، ثُمَّ ساوى بينهما"، وهو نصُّ قول ابن القاسم في غير "المُدوَّنة". ومعنى قولُهُ في "المُدوّنة" في هذه المسألة في الطلاق المُقيد بمشيئتها فهو أشكل [وأشد] (١) مِن التمليك. أي أنَّ لها أن تقضى بعد المجلس على قولى مالك في التمليك المُطلق كالتمليك المُقيَّد. فإذا قال مالك في التمليك المطلق أنَّها [تقضى] (٢) بعد المجلس على قولٍ [مالك] (٣)، فهذا الذي لم يختلف فيه قولُهُ أشد، وهكذا رأيتُ لبعض المتأخرين [في] (٤) تأويل هذا الكلام، وهو موضع مُشكل. وهذا القول أيضًا قائمٌ مِن "المُدوّنة" من "كتاب الظهار"، فيما إذا قال: "إن شئت الظهار، فأنت [عليّ] (٥) كظهر أمى" أنَّ ذلك تفويض، على قولِ ابن القاسم: والقولُ الثاني: أنَّ ذلك لا يتعدَّى المجلس، إلا على [أحد قولى] (٦) مالك في "التمليك المطلق"، وهو قولُ مالك، [و] (٧) أحد قولى ابن القاسم في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهرُ قولُ الغير في "كتاب الظهار" في "إن" وظاهر قول ابن القاسم في "كتاب التخيير والتمليك"، وكتاب

стр. 1814

"العتق الثاني" مِن "المُدوّنة". والثالث: التفصيل بين "إن، وإذا"، "فإنْ" بمنزلة التمليك المطلق، و"إذا" بمنزلة "متى"، فيتعدَّى المجلس فيكونُ تفويضًا، وهو أحد قولى مالك على ما قال ابن القاسم في [أول كتاب الأيمان بالطلاق -وكأن "إذا" عند مالك أشد من "إن" ثم ساوى بينهما. وهو قول الغير في كتاب الظهار وظاهر قول ابن القاسم في أول] (١) كتاب "التخيير والتمليك" في قولهِ: "أنت طالق إن شئت أو اختارى، أو أمرك بيدك". فقال ابن القاسم: قد اختلف قولَهُ فيها، فكان يقول "ليس لها أنْ تقضي إلا في المجلس". فظاهر قوله: أنَّه اختلف قولُهُ في "أنت طالق إن شئت" ولم يجعلهُ [كالتمليك] (٢) إذا علَّقهُ بالمشيئة. وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز ولقوله عندي وجهٌ صحيح، لأنَّ قولَهُ: أنت طالق إيقاع للطلاق، وإنَّما يُصِّيرهُ تمليكا [بتعليقه] (٣) بالمشيئة فيصيرُ كالتمليك المُطلق ولابد أنْ يكونَ الطلاقُ بنفس تعليقه بالمشيئة مِثل: التمليك المطلق المعلق لأنَّ بينهما رُتبة، فمتى ترقَّى الطلاق عن مرتبتهِ [بتقييد] المشيئة انتهاء إلى رُتبة التمليك المُطلق ولابد أن يكون للتفويض بالمشيئة تأثير وقوة، وذلك أن "إذا" ظرفٌ لما يأتى من الزمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾. و"إن" شرطيَّة، وذلك موضوعها في اللُّغة إلا أنَّ الاستعمال قد

стр. 1815

ينقل كل واحدٍ منهما عن وضعهِ اللُّغوى. ومثار الخلاف بين "إن" و"إذا"، هل النظر إلى وضعهما في عُرف اللُّغة أو النظر إلى وضعهما في عُرف الاستعمال، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "الواضحة" و"المبسوط". والقولُ الرابع: التفصيل بين الطلاق والتمليك، فتكون "إنْ" في الطلاقِ تفويضًا، ولا تكون في التمليك تفويضًا. وهذا القولُ مُتأوّل على ابن القاسم، وحكاهُ أبو النجا الفرائضى، وهو أضعفُ الأقوال. وأمَّا ["ما" و"كم"] (١) فيجرى في العدد دون الأمد، في الطلاق والتمليك جميعًا، ولا خلاف في ذلك [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1816

المسألة الرابعة في تعليق الطلاق بأجل . قال مالك في "العُتبيَّة" وغيرها: "ولمَّا لم يكُن للزوج في الزوجة غيرَ المُتعة فُحرِّمت المتعة [عليه] (١) بطلاقه إياها إلى أجلِ لم يُجز أن تبقى في عصمته. وعجَّلنا عليه ما أجل من الطلاق، كما لم يجز أن يتزوجها إلىَ أجل، فليس ذلك كَالعتق إلى أجل؛ لأنَّهُ بَقِى لهُ الأمة الخدمة. والعِتق يتبعَّض والعصمة لا تتبعَّض، وهذا قولُ عُمر وغيرهُ مِن الصحابة ووفدٌ مِن التابعين ﵃ أجمعين". ولا يخلو ما يُعلَّق الطَّلاق بوقُوعِهِ مِن ثلاثة أوجه. فمنها ما لابُدَّ مِن وُقوعهِ. ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكون، والغالب أن يكون. ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويحتمل ألا يكون، احتمالًا متساويًا. فالجواب عن الوجهِ الأول: إذا علَّق بأجل لابدَّ [مِن مجيئه] (٢) فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجُه: أحدها: ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها. والثانى: ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها. والثالث: مما يُمكن أنْ يأتى بعد موتها أو أحدهما. فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها مِثل أن يقول: "إذا جاء

стр. 1817

الشهرُ أو السنة فأنت طالق" وكان ذلك ممَّا يمكن أنْ يبلُغَهُ عمرها فلا خلافَ أعلمهُ في "المذهب" أنَّ الطلاقَ واقعٌ عليه حين التكلم بذلك، لأنَّ الشَّهرَ والسنة لابُدَّ من مجيئهما، فإن كان الأجَلُ ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها مثل أن يقول لها: أنت طالق إلى مائة سنة، والزوج ابن سبعين سنة أو الزوجة أو كلاهما فلا يلزمُهُ الطلاق. وَمَنْ طلق إلى أجلٍ لا يبلغُهُ عمُرهُ فلا شئ عليهِ، لأنَّهُ طلاقٌ يقعُ بعد الموت. قال مالك ﵀: "ولا تُطلَّق ميتةٌ، ولا يُوصِى ميتٌ بِطلاق". فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى بعدَ موتِها أو أحدهما مثل أن يقول لها: "أنت طالق إذا متُّ أنا" أو "إذا متِّ أنت" فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّه لا يلزمُهُ الطلاق، لأنَّهُ طلاق يقعُ بعد الموت، وهو نصُّ قولُه في "المُدوَّنة". والثانى: التفصيل: بين أن يقول: "إذا مت أنا" فيلزمه الطلاق، وبين أن يقول: "إذا مت أنت" فلا يلزمُهُ الطلاق. وهي رواية ابن وهب قال: "لأنَّ الطلاقَ يسبقُ الموت". وفي المسألة قولُ ثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق سواءٌ قال: "إذا متُّ أنا" أو قال: "إذا متِّ أنت". وهذا القولُ ألزمهُ اللخمى للمذهب، وهو قائمٌ مِن "المُدوّنة" مِن كتاب "العِتق الأوّل" في الذي قال لعبدهِ: "إنْ بعتَك فأنت حُر" حيثُ قال: "يُعتق على البائع"، فانظر كيف ألزمهُ العِتق وهو عتقٌ وقع بعد البيع، وهو بعد أنْ خرج مِن ملكِه، فكذلك يلزمُهُ الطلاقُ في الحال.

стр. 1818

والجواب عن الوجه الثاني: إذا علَّق الطلاق بأجلٍ يُحتمل أنْ يكُون ويُحتمل ألا يكون [والأغلب أن يكون] (١)، كتعليق الطلاق بوضعِ الحمل ومجىء الدم والطُهر، فهل يجوز عليهِ الطلاقُ في الحال؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الطلاقَ يقعُ عليهِ في الحال، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوَّنة". والثانى: أنَّهُ لا يقع عليهِ بطلاق حتى يقع عليه ذلك الشرط، وهو قول أشهب. والثالث: أنها لا تطلق عليه حتى ترفعَ أمرها إلى السُّلطان، وهذا القولُ قائمٌ مِن "المُدوَّنة". والجواب عن الوجه الثالث: أنَّهُ إذا علَّق الطلاقَ بأجلٍ يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكونَ، واحتمالهما احتمال متساوٍ، كدُخُول الدار وقُدُوم زيد. فهذا لا خلافُ عندنا أنَّها لا تُطلَّق عليهِ حتى تدخُل الدارَ أو يقدمَ زيدٌ [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1819

المسألة الخامسة إذا قال لها: "إذا حملتِ فأنت طالق" فهل يُعجَّل عليه الطلاق أو يُمكَّن مِن وطئها ؟ فالمذهب على أربعة أقوال كُلَّها قائمةٌ مِن "المُدَوَّنة": أحدها: أنَّهُ يُمكن مِن وطئها [مرة واحدة ثم تطلق عليه وهو قول ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة. والثانى: أنه يمكن من وطئها] (١) في كل طهرٍ مرة واحدة، ثمَّ يَدَعْهَا حتى تحيض، فإذا حاضت تبيَّن أنَّها حائل، وإن تراخى الدمُّ عنها وتأخَّر عن عادتها فإنَّها تُطلَّق عليه، وهو قولُ ابن القاسم في كتاب "العتق الثاني" في الأمة إذا قال لها سَيِّدُها [إنْ] (٢) حملتِ فأنت حُرَّة"، وَلا فرق بين الأمة والزوجة [وهو نص ابن الجلاب] (٣). والقول الثالث: التفصيل بين أن يطأها في ذلك الطهر فيُعجَّل عليه الطلاق في الحال، أو لا يطأها في ذلك الطُهر فيُمكَّن مِن وطئها مرةً واحدة ثُمَّ تُطلَّق عليه. وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "الأيمان بالطلاق". والقولُ الرابع: التفصيل بين أن تكون مدخُولًا بها أو غير مدخول بها. فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها فلا تُطلَّق عليهِ حتى [يطأها] (٤). وإن كانت مدخولًا بها فإنَّهُ يُعجَّل عليهِ الطلاق ساعتئذ [سواء] (٥)

стр. 1820

وطئها في ذلك الطُهر أم لا. لاحتمال أن تكونَ حاملًا مِن وطء سَبَقْ والحاملُ تحيض [عندنا] (١)، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن غير ما موضع. وسببُ الخلاف: هل [المراد] (٢) بذلك وُجود الحمل بِها جُملةً مِن غير اعتبارٍ بأن يكون مِن وطء مُتقدَّم أو مِن [وطء] (٣) مُستقبل أو المرادَ بذلك أن يكونَ الحمل مِن وطء مستقبل؟ فمن قال: "يطأها في كُلِّ طهر مرَّة"، قال: لا تُطلق عليه بالشكِّ، وهو قول عبد الملك. وَمَن قال: "تطلَّق عليه في الحال إن كانت مدخولًا بها قال: يُفرَّق بينهما بالشكِّ، لاحتمال أن تَكون حملت مِن وطء تقدَّم. والحامل تحيضُ كما قدَّمناهُ، وربُك أعلم. واختلف المذهبُ أيضًا، إذا قال لها: إن كُنتِ حاملًا، [أو] (٤) إن لم يكن بك حمل، هل تُطلَّق عليهِ أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه يُعجَّل عليهِ الطلاق في الحال، وهو قول مالك في المُدوّنة. لأنَّهُ في شكٍ مِن حملها وسواء قال لها: "إن كُنت حاملًا أو إن لم تكونى حاملًا". والثانى: أنَّها لا تُطلَّق عليه وينتظر بها ظهور الحمل [فإذا] (٥) ظهر الحمل بها طُلِّقت عليه، وهو قولُ أشهب.

стр. 1821

والثالث: أنَّهُ لا يقع عليهِ الطلاق إلا أنْ يُوقفهُ الحاكم، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب. والرابع: التفصيل [بين] (١) أنْ يكون على بر، أو على حنث. فإن قال: "إنْ كُنت حاملًا" لم يقع عليهِ الطلاق لأنَّهُ على بر حتى يعلم أنَّها حامل. وإن قال لها: "إنْ لم تكونى حاملًا" عُجِّل عليهِ الطلاق لأنَّهُ على حنث، وهو قول أصبغ. وعلى القول بأنَّ الطلاق لا يُعجَّل عليهِ وينتظر إن كان بها حملٌ أم لا. فإن مات أحدهما قبل العلم بأنَّها حامل [أو حائل] (٢)، هل يتوارثان أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهما يتوارثان، والأصلُ استدامة الزوجية. والثانى: ألا توارثَ بينهما، لأنَّها [موارثة بالشك والقولان قائمان من المدونة. والقول الثالث: التفصيل بين أن تموت فلا يرثها وإن] (٣) مات هو ورثتهُ بعد الاستبيان [والاستقصاء] (٤)، هل يظهر بها حملٌ أم لا؟، وهو قول سحنون. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵁: "معنى ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث" وعليه يُحمل قولُ مالك في "المُدوّنة".

стр. 1822

ولو كانت بطلقة واحدة أو بطلقتين لتوارثا قولًا واحدًا، لأنَّهُ وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعى. وإن مات الزوج قبل أن يظهر، هل هى حامل أم لا؟ كان موتُهُ في العدَّة. وكذلك إن كانت هى الميتة، أو أنَّها ماتت وهي في عدَّة، لأنّها على أحد [أمرين] (١): إمَّا أن تكون حاملًا: فالعدَّة وضعُ الحمل. وإمَّا أن تكون حائلًا: فالعدَّة [بالحيض] (٢). فإن مات ثم حاضت: انتقلت إلى عدَّة الوفاة، فالموارثة بينهما على كُلِّ حال. والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 1823

المسألة السادسة فيما ينوى مِن حروف الطلاق، وما لا ينوى فيه، وذلك في [ستة] (١) أحرف: منها: " [قوله] (٢) أنت طالق طالق [طالق] (٣) "، ومنها قولهُ: "أنت طالق أنت طالق [أنت طالق] (٤) ". ومنها قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق [وأنت طالق] (٥) "، [ومنها قوله: "أنت طالق ثم أنت طالق"، ومنها قوله: "أنت طالق فأنت طالق". ومنها قولُهُ: "قد طلَّقتُك". أمَّا قولُهُ: "أنت طالق طالق [طالق] (٦) " و"أنت طالق أنت طالق أنت طالق" فهي ثلاث، إلا أن ينوى واحدة ويُريد بالبقيَّة الإسماع والتأكيد، فينوى باتفاق المذهب، ولا فرق بين أن تكون الزوجة مدخولًا بها أم لا. [فإن] (٧) كان قولُهُ "أنت طالق" جُملةً [مستقبلة] (٨) مرَّكبة مِن

стр. 1824

مبتدأ وخبر، لأنَّ الكلام المنسوق المتتابع كالجملة الواحدة إذا [كانت] (١) مِن جنسٍ [واحد] (٢)، وهذا على "مذهب مالك" ﵀. وأمَّا على "مذهب الشافعى [وأبى حنيفة] (٣) "، فإنَّهُ لا يلزمُهُ إلا تطليقة واحدة [إذا كان مِن جنسٍ واحدٍ، وهذا] (٤) في غير المدخول بها، لأنها بالطلقة الأولى بانت، والثانية والثالثة لم تُصادِف مَحَلًا قابلًا. فأما قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق" بالواو فقد اختلف فيهِ قولُ مالك: فمرَّة قال: "ينوى". ومرةً قال: "لا ينوى"، وهو الأغلب مِن قولهِ. قال بعض المتأخرين: "ينوى إن جاء مستفتيًا". وسبب الخلاف: الشىء هل يُعطف على نفسهِ أو لا يعطف على نفسه؟ وأمَّا قولُهُ: "أنت طالق ثُمَّ أنت طالق" أو "أنت طالق فأنت طالق فلست أعرف في المذهب نصَّ خلاف أنَّهُ [لا ينوى] (٥). والخلاف داخل فيه بالمعنى مِن اختلافهم في الطلاق لمجرد اللفظ، إذ لا شكَّ أن هذا مِن باب الطلاق باللفظ دون النية. وأمَّا قولُهُ: "قد طلَّقُتكِ قد طلَّقتُكِ"، [فقد] (٦) حكى أبو إسحاق

стр. 1825

ابن شعبان في [كتاب] (١) "الزاهى" في قولهِ: "قد سرّحتُك قد سرحتُك" قولين في المذهب: أحدهما: أنَّهُ ثلاث ولا ينوى. والثانى: أنَّهُ ينوى إنْ ادَّعى نيةِ ويحلف على ما داعى. والحمد لله وحده.
следующие страницы →