← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

المسألة الثالثة في التمليك المُقيَّد . اعلم أنَّهم قسُّموا التمليك على ثلاثة أقسام: تمليك مُطلق. وتمليك مُقيَّد. وتمليك مفوض. فأمَّا التمليك المُطلق: فهو أنْ يقول لها: "أمرُك بيدك" وهو على وجهين: أحدهما: أنْ يُواجهها بذلك. والثانى: أن يكتُب إليها بذلك أو أرسل إليها رسولًا. فإن واجهها بذلك أو من فَوَّض إليه، فإلى متى يكونُ ذلك بيدها؟ فالمذهب على أربعة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوَّنة": أحدها: أنَّ ذلك بيدها ما لم يفترقا بأجسامهما، وهو قولُ مالك في المُدَّونة. والثانى: أنَّ ذلك بيدها ما لم يفترقا في الحديث وخرجا عمَّا كانا فيه [من الحديث] (١) إلى غيرهِ [وهو ظاهر قوله في المدونة إذا علم أنهما قد تركا ذلك وخرجا عن ما كان فيه إلى غيره من الحديث] (٢). والثالث: اعتبار طول المجلس وقِصرهِ. فإذا طال المجلس وقَعَد معها ما يرى أنَّها تختارُ فيهِ لو أرادت فلا قضاء

стр. 1892

لها بعد ذلك، وهو ظاهر قوله في "المُدوَّنة" في قولهِ: "أما ما كان مِن طول المجلس، وذهب عامة النهار، وعُلم أنهما قد تركا ذلك، فلا أرى لها قضاء [بعد ذلك] (١) "، وهو تأويل بعض حُذَّاق المتأخرين على "المُدوّنة". وعلى القول الرابع: أنَّ ذلك بيدها طال بهما المجلس أم لا، افترقا أم لا، ما لم توقف أو توطأ طوعًا، وهو أحد قولي مالك. وسببُ الخلاف: هل المُعتبر في التمليك "اللفظ" فيكون قولُهُ "أمرك بيدك" سؤالًا يفتقر إلى جواب في الحال فيتقيَّد بالمجلس أو المُعتبر "المعنى" لأنَّ الزوج ملَّكها أمرَ الطلاق، وذلك أمرٌ تحتاج فيه إلى المشورة، وقد لا تستقل فيه برأى نفسها لأنَّه أمرٌ خطر، ولذلك قال النبي ﷺ لعائشة ﵂ حين تلا عليها آية التخيير: "ما عليك ألا تعجلى حتى تستأمرى أبا بكر". وأمَّا إن كتب لها أو أرسل إليها رسولا فلم يختلف قولُ مالك في هذا أنَّ ذلك بيدها وإن افترقا، وأنَّهُ لا يتقيَّد بالمجلس ما لم يطل ذلك، والطول في ذلك أكثرُ مِن شهرين على ما في سماع ابن القاسم في "العُتبيَّة". وهل يُقبل قولُها أنها ما [اختارت] (٢) ذلك إلا لتقضى أو لا يُقبل إلا اليمين؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تصدق بيمين. والثانى: أنَّها تصدق بغير يمين.

стр. 1893

والجواب عن القسم الثاني في التمليك المفوض: وهو أن يقُولَ لها: "أمرُك بيدك إن شئت" أو "إذا شئت" أو "متى شئت" أو "كُلَّما شئت"، فهذا يختلف باختلاف معانيها، وقد بيَّنا الحُكم فيها في "كتاب الأيمان بالطلاق" ممَّا لا مزيد عليهِ في هذا الموضع، والكلام في ذلك واحد. والجواب عن [القسم] (١) الثالث: وهو التمليك المُقيَّد بالصفة، وهو أن يقولَ لها: "أمرُك بيدك إنْ فعلت كذا وكذا" أو "إن لم [أفعل] (٢) كذا وكذا". فما كان فيه [على] (٣) بر: فلا يكون أمرها بيدها، حتى يفعل ما حلفَ على فعلهِ. وأمَّا ما كان فيهِ على حنث: فإنَّهُ لا شىء عليهِ حتى ترفع أمرها إلى السلطان، ويضربُ لها أجل الإيلاء [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 1894

المسألة الرابعة في [جواب] (١) المُخيَّرة في الطلاق. لا يخلو جواب المرأة لزوجها إذا خيَّرها مِن عشرةِ أوجه: أحدها: أنْ تُفصح بالطلاق واحدة أو ثلاثًا. والثانى: أنْ تُجيب بشىء مِن [كناياتهِ] (٢). والثالث: أن تُجيب بشىء يُحتمل أنْ تُريد بهِ الطلاق أو لا تريدُ به الطلاق. والرابع: أن تُجيب [بشىء] (٣) يُحتمل أنْ تريد بهِ الثلاث أو تُريد الواحدة أو الاثنين. والخامس: أنْ تُجيب بما ليس بمعنى الطلاق في شىء. والسادس: ألا تُجيب بشىء، وتفعل فعلًا يُشبهُ الجواب. والسابع: أنْ تُقيِّد الاختيار بشرط. والثامن: أن تقيد القبول [بالنظر] (٤). والتاسع: أنْ تُفوِّض الأمرَ إلى غيرها. والعاشر: أن تفصح باختيار زوجها. فالجواب عن الوجهِ الأول: إذا أفصحت بالطلاق، فهو على ما

стр. 1895

أفصحت بهِ. فإنْ أفصحت [بالثلاث أو ما يتضمنها] (١) فذلك لها إلا أنْ يُناكرها في الخيار قبل الدُخول أو في التمليك قبل الدُخول أو بعدهُ فيكون ذلك لهُ إنْ ادعى نيَّة، ولا تُسأل في ذلك عن شىء، ولا تُصدَّق إن ادَّعت [نية] (٢) "أنَّها لم تُرد الطلاق" أو "أنها لم تُرد الثلاث". والجواب عن الوجه الثاني: إذا أجابت بشىءٍ مِن [كنايات] (٣) الطلاق مثل أن تقول "قد خليت سبيلك" أو "سرحتك" أو "فارقتك" أو ما أشبه ذلك، فيُحمل قولها في ذلك على: ما يحمل عليهِ قولُ الزوج ابتداءً أو فيما يكونُ مِن الطلاق، وما ينوىِ فيه، وما لا ينوىِ فيهِ. والجواب عن الوجه الثالث: إذا أجابت بما يُحتمل أنْ تُريدَ بهِ الطلاق [أو لا تريد به الطلاق] (٤) مِثل أنْ تقول [قد] (٥) "قبلتُ أمري" أو "قبلت" أو "اخترت" أو "قد شئت" أو "قد رضيت": فهذه تُسأل عمَّا أرادت بذلك. فما قالت قُبل [قولها] (٦) وَجَرى الحكم في التخيير والتمليك على حسب ذلك. والجوابُ عن الوجهِ الرابع: إذا أجابت بما يُحتمل أن تُريد به الثلاث أو تُريدُ بهِ الواحدة أو الاثنتين، ففى ذلك ثلاثة ألفاظ:

стр. 1896

أحدها: أنْ تقول قد طلَّقتُ نفسى [والثانى: أن تقول: أنا طالق. والثالث: أن تقول: قد اخترت الطلاق. فإذا قالت: طلقت نفسي] (١) فقد اختلف المذهب في ذلك على خمسةِ أقوال: أحدها: [أنها] (٢) تسأل في المجلس وبعدهُ، في التخيير والتمليك. فإن لم يكُن لها نيَّة، فهي ثلاث إلا أن يُناكرها الزوج في التمليك، وهو مذهب ابن القاسم في "المُدوَّنة". والثانى: أنَّها تسأل في المجلس أيضًا وبعدهُ في التخيير والتمليك، فإن لم يكن لها نيَّة، فهي واحدة تلزم في التمليك وتسقُط في التخيير [والثالث: أنها لا تسأل لا في التخيير ولا في التمليك وهي واحدة ويلزم في التمليك ويسقط في التخيير] (٣). وإن قالت في المجلس: "أردت ثلاثًا"، فهي ثلاث إلا أن يُناكرها الزوج في التمليك، وهو قولُ ابن القاسم في الواضحة. والقول الرابع: أنَّها لا تُسأل في التخيير ولا في التمليك، وهي ثلاث إلا أنْ تقول في المجلس "أردتُ واحدة"، وتسقط في الخيار، وتلزمُ في التمليك، وهو قول أصبغ. والقول الخامس: أنَّها لا تُسأل في التمليك وهي واحدة، إلا أنْ تُريد أكثر مِن ذلك فيكون للزوج أنْ يُناكرها. وتُسأل في التخيير: فإن قالت: "أردتُ ثلاثًا" صُدِّقت، وإنْ قالت: "أردتُ واحدة" أو "اثنتين" أو "لم تكن لي نيَّة" أو افترقا في المجلس

стр. 1897

قبل [أن تسأل] (١) سقط خيارها. وأمّا إن قالت: أنا طالق فلا تُسئل في تمليك ولا خيار، وتكون واحدةٌ تلزمُ في التمليك، وتسقط في الخيار إلا أنْ تقول في المجلس "نويتُ الثلاث"، فتلزمُ في التخيير ويكون للزوج المُناكرة في التمليك، ولا خلاف في ذلك. وأمَّا إنْ قالت: "قد اخترتُ الطلاق" فإنَّها تُسأل في التخيير والتمليك. فإن قالت: "لم تكن لي نيَّة" فهل تكون ثلاثًا أو واحدة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها ثلاث، وهو [قول] (٢) ابن القاسم في المُدوّنة. [والثانى: أنها واحدة] (٣) وهو قول ابن القاسم في الواضحة. وسبب الخلاف: الألف واللام، هل هما للعهد أو للاستغراق؟ والجواب عن [الوجه] (٤) الخامس: إذا أجابت بما ليس مِن معنى الطلاق مثل أنْ تقول: "أنا أشربُ الماء" وما أشبه ذلك. فهذا يُسقط خيارها، ولا تُصدَّق أنَّها أرادت بذلك الطلاق. والجواب عن الوجه السادس: إذا لم تُجب بشىء، وفعلت فعلًا يُشبهُ أنْ يكون الجواب، مثل أن تنقل متاعها أو تخمر رأسها أو ما أشبه ذلك، فإنَّها تُسأل عمَّا أرادت بذلك؟

стр. 1898

فإن قالت: "لم أُرد بهِ الطلاق" صُدِّقت. وإن قالت: "أردتُ بهِ الطلاق" صدِّقت فيما أرادت بهِ. وإن قالت: "أردتُ ثلاثا" كان ذلك في الخيار، ولهُ المُناكرة في التمليك، إنْ ادعى نيَّة. وإن قالت "أردتُ بذلك الفِراق ولم تكن لي نيَّة في عدد الطلاق". فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها ثلاث، وهي رواية عن ابن القاسم. والثانى: أنَّها واحدة رجعية، وهو قول ابن الموّاز. والجواب عن الوجه السابع: إذا قيدت الإجابة بشرط، فإنَّ ذلك [الشرط] (١) ينقسم [إلى] (٢) أربعة أقسام: أحدها: أن يكون ذلك الشرط يحتمل أن يكون ويُحتمل ألا يكون. والثانى: أن يكون محتملًا أيضًا والأغلب منهُ أنْ يكون. والثالث: أنْ يكون ممَّا يُعلم أنَّهُ لابدَّ أن يكون في المُدَّة التي يُمكن أنْ يبلُغا إليها. والرابع: أن [يكون مما] (٣) يُعلم أنَّهُ لا يكون. فالأول أن تقول: قد اخترتُ نفسى إنْ دخلتُ على ضرتى أو قدم فُلان أو ما أشبه ذلك، ففيهِ قولان: أحدهما: أنَّ لها مُعاودة القضاء فتقضى أو ترد، وهو قول ابن القاسم.

стр. 1899

والثانى: أنَّ ذلك رد لما بيدها، ولا قضاء لها بعد ذلك، وهو قولُ سحنون، ويؤخذ [من قول] (١) ابن القاسم فيما إذا أجابت بغير ما جُعل لها، حيث قال: "ليس لها مُعاودة [القضاء] (٢) ". والوجه الثاني: مِثل أن تقول: "اخترتُ نفسي إذا حاضت فُلانة". ففيهِ قولان: أحدهما: أنَّها تُطلَّق مكانها، وهو قول ابن القاسم في المُدوّنة. والثانى: أنَّ الأمر يرجعُ إليها فتقضى أو ترد، وهو قول أشهب. والوجه الثالث: مثل أنْ تقول اخترتُ نفسي إذا جاء الغد أو جاء العيد، فإنها تكون طالقة مكانها. والوجه الرابع: مِثل أن تقول: "اخترتُ نفسي إن مسستُ السماء". فإنَّها تكون ردًا لما جعل لها، ولا [يُمكن] (٣) لها أن تقضى بعد ذلك. والجواب عن الوجه الثامن: إذا قيَّدت [القبول] (٤) بالنظر، مِثل أن تقول: [قد] (٥) قبلت لأنظرُ في أمرى فهذا [يكون] (٦) الأمر فيه بيدها، وإنْ انقضى المجلس حتى توقف، ولا خلاف في ذلك.

стр. 1900

والجواب عن الوجه التاسع: إذا فوّضت الأمرُ لغيرها مِثل أنْ تقول: قد شئت إن شاء فلان أو فوضتُ أمرى [إلى فلان] (١)، ففى ذلك قولان: أحدهما: أنَّ ذلك جائزٌ إن كان فلان حاضرًا أو كان قريب الغيبة مثل اليومين والثلاثة، وإن كان بعيد الغيبة رجع الأمرُ إليها، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنهُ. والثانى: أنَّها ليس لها أنْ تُحوِّل الأمرَ إلى غيرها، وإن كان حاضرًا، ويرجع الأمرُ إليها فتقضى أو ترد. وأمَّا [الجواب عن] (٢) الوجه العاشر: وهو أنْ تفصح باختيار زوجها مِثل أنْ تقول "اخترتُ زوجى"، أو "اخترتُ المقام مع زوجى" أو "في عِصمة زوج"، فذلك ردُّ ما بيدها، ولا خلاف في ذلك في المذهب [إلا ما حكاه النقاش عن مالك وقد قدمناه] (٣). والحمد لله وحده.

стр. 1901

المسألة الخامسة في قوله: الحلال [عليه] (١) حرام. وهذه المسألة اختلف فيها السلف و [الخلف] (٢)، واختلف فيها فُقهاء الأمصار، لاختلاف مَنْ [قبلهم] (٣)، والذي تحصَّل عندي من اختلافهم سبعة أقوال: أحدها: [أنه] (٤) يحمل على الثلاثة في المدخول [بها] (٥)، وينوى في غير المدخول [بها] (٦)، وهو قول زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب ﵄، وبهِ قال ابن أبي ليلى. والثانى: [أنه] (٧) إنْ نَوَى بذلك ثلاثًا فهي ثلاث، وإنْ نَوَى واحدة فهي واحدة بنيته وإنْ نَوَى يمينًا، فهي يمين يكفرها، وإنْ لم ينوهِ طلاقًا ولا يمينًا فليست بشىء، وهي كذبة، ومِمن قال بهذا القول سُفيان الثورى ﵁. والثالث: أيضًا أنْ يكون ما نوى بها واحدةً فواحدة، وإنْ نَوَى ثلاثًا فثلاث، وإنْ لمْ ينو شيئًا فهي يمين يُكفرها، وهذا القولُ قالهُ الأوزاعي. والرابع: أنَّهُ ينوى في موضعين في إرادة الطلاق وفي وقوعه، فما

стр. 1902

نوى كان ما نوى، فإنْ نوى واحدة كان رجعيًا، وإنْ أراد تحريمًا بغير الطلاق فعليهِ كفَّارة يمين، وهو قولُ الشافعى [﵁] (١). والخامس: أنَّهُ ينوى أيضًا في الطلاق، فإن نوى واحدة كانت بائنة، وإنْ لم ينوِ طلاقها [فهو يمين]، وإنْ نوى الكذب: فليس بشىء، وهذا القول قالهُ أبو حنيفة وأصحابه. والسادس: أنَّها يمين يُكفِّرها ما يكفر اليمين. والقائلون [بهذا القول على فرقتين: فرقة تقول: إنها يمين مغلظة. وفرقة تقول. أنها غير مغلظة. أما القائلون] (٢) بأنَّها يمين غير مغلَّظة فمنهم أبو بكر وعمر وابن مسعود ﵃ وابن عباس وجماعة من التابعين [﵃ أجمعين] (٣). وقال ابن عباس، وقد سُئل عنها: "لقد كان [لكم في] (٤) رسول الله أسوةٌ حسنة" خرّجهُ البخاري ومسلم. وأما القائلون أنَّها يمين مُغلَّظة: فبعضهم أوجب فيها الواجب في الظهار. وبعضهم أوجب فيها عتقُ رقبة. والسابع: أنَّ تحريم المرأة كتحريم الماء، وليس [فيه] (٥) طلاق، ولا كفَّارة، لقول الله سبحانه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وهو قولُ

стр. 1903

مسروق الأجدع وأبى سلمة بن عبد الرحمن [والشافعى] (١) وغيرهم مِن أهل [العلم] (٢). وسبب الخلاف: اختلافهم في كفَّارة النبي ﷺ ، هل كفَّر بها عن اليمين أو كفّر بها عن التحريم؟ و [ذلك] (٣) أنَّهُ ﷺ حرَّم أُمُّ ولده، وحَلَفَ ألا يطأها، فعاتبهُ اللهُ في التحريم وأمرهُ بالكفَّارة عن اليمين، وهو تأويل زيد بن أسلم، وبه أخذ مالك ﵁. فَمَنْ رأى أنَّهُ كفَّر عن التحريم، قال أنَّهُ يُكفِّر. وَمَنْ رأى أنَّهُ لا يلزمُهُ يمين، ولا طلاق، قال لأنَّ ذلك ليس بيمين، ولا كناية عن الطلاق. وأمَّا المذهب فتحصيلهُ أنَّ الرجل إذا قال: "الحلال عليه حرام" هل تكون [زوجتهُ] (٤) داخلة في التحريم حتى يخرجها أو هى خارجة حتى يُدخلها. على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّها خارجة حتى يُدخلها، وهو ظاهر قوله في كتاب "النُذور [والأيمان] (٥) " مِن "المُدوّنة". والثانى: أنَّها داخلة إلا أنْ يُخرجها، وهو قولُهُ في "كتاب التخيير والتمليك" مِن "المُدوّنة".

стр. 1904

ووجهُ القول بأنَّها داخلة حتى يُخرجها بقلبه أو بلسانه على قول أو بالنُطق وحده على قول. فإذا ادّعى أنَّهُ [حاشاها] (١) بقلبهِ أو بلسانه، هل يكون دون يمين أو لابُدَّ أن يحلف؟ فلا يخلو مِن أنْ تقوم عليهِ بيَّنةَ أم لا: فإن لم تقُم عليهِ بيّنة فلا يمين عليهِ. فإن قامت عليهِ بيِّنة فقولان: أحدهما: أنَّهُ يحلف، حكاه القابسى والأبهرى. والثانى: أنَّهُ لا يحلف. فإن لم يُخرجها، ما الذي يلزمُهُ مِن الطلاق؟ وكيف إنْ ادَّعى أنَّهُ أراد بذلك الظهار؟ فإن لم يُخرجها ولم يدع أنَّهُ أراد بذلك الظهار، ما الذي يلزمُهُ مِن أعداد الطلاق؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: [أنه] (٢) ثلاث في المدخول [بها] (٣)، وينوى في غير المدخول بها، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة". [الثاني] (٤): [أنه] (٥) ثلاث، ولا ينوى قبل ولا بعد، وهو قولُ عبد الملك في "المبسوط".

стр. 1905

[والثالث] (١): [أنه] (٢) ثلاثة في المدخول [بها] (٣) وواحدة في غير المدخول بها [وهو قول أبى مصعب وابن عبد الحكم. والرابع: أنها واحدة بائنة في المدخول وغير المدخول بها] (٤) وهذا القول حكاهُ محمَّد بن خويز منداد عن مالك. وقاله ابن إسماعيل في شرح "المُدوّنة"، وهذا القول أصحّ في النظر، لأنَّ الأخذ بأقل ما يقع عليه الاسم هو الأصل حتى يأتى نص أو إجماع وليس في [التحريم] (٥) نص ولا إجماع. فإن ادَّعى أنَّهُ أراد بذلك الظهار، هل يُصدَّق أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يُصدَّق ويلزمهُ الطلاق، وهو قول ابن القاسم، وبه قال سحنون في العُتبيَّة. [والثانى]: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق، ثُمَّ إن تزوّجها بعد ذلك لم يقربها حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قول يحيى بن عمر في المُنتخبة. [والثالث]: أنَّهُ يُصدَّق في الفتيا إذا لم تكُن عليه بيِّنة أو كانت عليهِ بيِّنة وقال في نسق قوله " [ذلك] (٦): أردت [الظهار] " (٧)، لأنَّ تحريم الزوجة يصحُّ بهذين الوجهين، فإنْ قال "أردت أحدهما" صُدِّق، وهو اختيار اللخمى.

стр. 1906

وينبنى الخلاف على الخلاف في كنايات الطلاق، هل تُصرف إلى الظهار بالنية أم لا؟ وتمام الكلام يأتى عليها في "كتاب الظهار" إن شاء الله تعالى، فهذا ما تحصل عندي في مسألة [التحريم] (١) في هذا الوقت، وإلى الله أرغبُ في الزيادة مِن فضله على ما أعطانى، والعمل بفضله ومنِّهِ في طاعته [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 1907

المسألة السادسة في صريح الطلاق وكناياتُه. ولا يخلو إيقاع الطلاق مِن ثلاثةِ أوجُه: أحدها: أنْ يقصد إلى إيقاعهِ بصريحِهِ. والثانى: أنْ يقصد إلى إيقاعهِ بكنايتهِ. والثالث: أن يقصد إلى إيقاعهِ [بغير صريحِهِ و [لا] (١) كنايتِهِ] (٢). فالجواب عن الوجه الأول: إذا قصدَ إلى إيقاعه بصريحه، فقد اختُلف في صريحِهِ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن صريحه الطلاق خاصة، وهو قول [القاضى أبى محمَّد عبد الوهاب] (٣)، وهو مشهور المذهب، وما عدا ذلك فهي الكناية. والثانى: أن الخلية والبرية وحبلك على غاربك كُلُّهُ صريحُ الطلاق كلفظهِ، وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصَّار. والقول الثالث: أنَّ الصريح ما ذكره اللهُ [تعالى] (٤) في كتابهِ مِن الطلاق والسراح والفِراق، وما عدا ذلك فهي الكنايات، وهو مذهب الشافعي [﵀] (٥). فإذا بنينا على المشهور أنَّ الصريح هو لفظُ الطلاق، أو ما اشتُقَّ منهُ كقوله: "أنت [الطالق] (٦) ". . . . . . . . . . .

стр. 1908

[أو طالق] (١) أو "مُطلَّقة" أو "طالقة"، فلا خلاف: أنَّ الطلاق يلزمُهُ إذا نوى بذلك الطلاق: لأنَّ الطلاق المُتَّفق على وُقوعِه ما اجتمع [فيه] (٢) ثلاثةُ أوصاف لفظ ونيَّة وأن يكون [ذلك] (٣) اللفظ مِن ألفاظ الطلاق. فإن نوى في العدد أكثر [ممَّا اقتضى لفظُهُ] (٤): لزِمهُ ما نوى، لقوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات"، ولأنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ قال في كنايتهِ: [هو] (٥) ما أردت، فصريحهُ في ذلك أوْلى. والجواب عن الوجه الثانى: إذا قصد إلى إيقاعه بكنايته، فلا يخلو مِن أنْ يكون قصَد إلى كنايةٍ ظاهرة، أو قصد إلى كنايةٍ باطنة مُحتملة: فإن قصد إلى كناية ظاهرة التي تقضى البينونة كالخلية والبرية والبائنة، وحبلُك على غاربك، وما أشبهَ ذلك مِن الكنايات الظاهرة، فلا خلاف أنَّهُ لا يُصدَّق إنْ ادَّعى أنَّهُ لم يُرد بذلك الطلاق. إلا أنْ يقومَ لهُ دليلُ الحال يشهدُ بِصحَّة ما يدَّعيه، فيُقبل قولُهُ، وهل ينوى فيما يدَّعيه مِن عدد الطلاق ويُصدَّق إنْ ادَّعىَ نيَّة أم لا؟ فالمذهب [في ذلك] (٦) على خمسة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّهُ لا ينوى في المدخول [بها] (٧) وغير المدخول [بها] (٨)، وهو قولُ أشهب في "الحاوى لأبي الفرج: في الخلية والبرية، وهو قولُ

стр. 1909

محمَّد بن عبد الحكم [أيضًا] (١) في "حبلك على غاربك"، و"وهبتُك لأهلك"، لأن الكناية الظاهرة ما لا يُصدَّق فيها أنَّهُ لم يُرد بها الطلاق كما قدَّمناهُ [في] (٢) "الخلية" و"البرية" و"البائنة" و"حبلك على غاربك" و"البتَّة" و"فارقتُك" و"سرّحتُك" و"خلَّيتُ سبيلك" و"وهبتُك لأهلك" و"وهبتُ لك نفسك" وما أشبه ذلك. وهذا كُلُّهُ ممَّا جرتُ فيه خمسة أقوال: منها القولُ الذي ذكرناهُ أولًا عن أشهب ومحمد بن عبد الحكم. وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" مِن قوله: "خلَّيتُ سبيلك" أنَّهُ ينوى في المدخول بها، وفي غير المدخول [بها] (٣)، أو لا فرق بين قولهِ: "أنت الخلية"، وبين قوله: "قد خليتُ سبيلك" مثلًا، لأنَّ المعنى في قولهِ: "أنت الخلَّية" إما من [زوج وإما من] (٤) عِصمتى. وكذلك قولُهُ: "قد خليتُ سبيلِك" معناهُ: أنِّى تركت عصمتِك، ومفهوم ذلك كلُّهُ واحد وهو ظاهر "الكتاب" أيضًا من قول سحنون في قوله: "وهذا الذي قال البتَّة في فتيا مالك، قد كان عليه شهود، فلذلك لم يُنوِّه مالك في دعواهُ أنَّهُ أراد واحدة"، ومفهومُه: أنّهُ لو جاء مُستفتيًا لنواهُ، وعلى هذا نبَّه بعض الشيوخ، وهو الصحيح، وهو [قول] (٥) [القاضى] (٦) أبى الحسن بن القصَّار.

стр. 1910

والثانى: أنَّهُ ثلاث ولا ينوى لا في المدخُول بها ولا في غير المدخول، وهو قولُ أشهب عن مالك في "مختصر ما ليس في المُختصر"، وهو قول مالك في [البتة وهو ظاهر قول مالك في] (١) "المُدوّنة" في "حبلِك على غاربك" لأنَّهُ قال فيه: "لا ينوى" لأنَّ هذا لا يقولُهُ أحد، وقد أبقى مِن الطلاق شيئًا، وهذا يقتضى ألا ينوى لا قبلُ ولا بعد. والثالث: التفصيل بين المدخول بها وغير المدخول: [فينوى في غير المدخول بها] (٢) ولا ينوى في المدخول بها جُملة بلا تفصيل، وهو نصُّ "المُدوَّنة" في "الخلية والبرية". والقول الرابع: التفصيل بين المدخول بها وغير المدخول، فيحتمل في المدخول بها على الثلاث، ولا ينوى في التي لم يدخُل بها على الواحدة لا أكثر، وهو قول أبى مصعب ومحمد بن عبد الحكم في "الحرام"، وهذا القول استقرأهُ بعضُ المتأخّرين مِن آخر "كتاب إرخاء السُّتور" مِن "المُدوّنة" مِن قولهِ: في باب الحكمين: "إذا قال أحدهما "برئت منك"، [وقال الآخر: "هى خلية" حيث قال: "أما التي لم يُدخل بها فهي واحدة، لأنَّ الواحدة تُخلِّيها وتبريها". فإن نوى بها البتَّة فهي واحدة، فقال بعضُ الشيوخ بخلاف ما قالهُ في كتاب "التخيير والتمليك". وقال أبو عبد الله محمَّد بن عتاب، لأنَّ مذهبهُ في خلية وبرية في غير المدخول بها: إنَّها ثلاث إذا لم يكن لهُ نيَّة، وظاهر ما هاهنا أنَّها واحدة] (٣).

стр. 1911

والقول الخامس: التفصيل بين "الخلية" و"البرية" و"البائنة" [والبتة] (١) و"حبُلك على غارِبك". فينوى في غير المدخول بها، ولا ينوى في المدخول بها وبين قوله: "سرّحتُك" و"خليتُك" و"فارقتك" و " [وهبتك] (٢) لأهلك"، و"وهبتُ لكِ نفسكِ" وما أشبه ذلك. فينوى في المدخول بها وغير المدخول بها، وهو مذهب "المُدوّنة". وسببُ [الخلاف] (٣) اختلافهم في ذلك: هل هو صريح أو كناية؟ فَمَن رأى أنَّهُ مِن الصريح، قال: لا ينوى كما لا ينوى إذا صرّح بالطلاق الثلاث. وَمَنْ رأى أنَّهُ مِن الكنايات، قال: ينوى في المدخول بها وغيرُ المدخول بها. والقول بالتفصيل تردَّد بين المذهبين، واستحسانٌ [جارٍ] (٤) على غير قياسى. والجواب عن الوجه الثاني من الوجهِ الثاني: وهو إذا قصدَ إلى كناية مُحتملة، مثل قولهِ: "ادخُلى أو اخرُجى". أو "تقنَّعى" أو "استترى" أو "لا سبيل لي عليك" أو "لا ملك لي عليك" أو "لا تحلين لي" أو "أنت سائبة" أو "منِّى عتيقة" أو "ليس بيني وبينك حلال ولا حرام" أو "لا نكاح بيني [وبينك] (٥) " أو "أجمعى عليك ثيابك" [أو ما أشبه ذلك من الكنايات

стр. 1912

التى تحتمل الطلاق وغيره. فالحكم في ذلك متوقف عليه] (١). فإن أراد بذلك الطلاق: [فلهُ] (٢) ما نوى، فإنْ لم يُرد بذلك الطلاق، فلا شىء عليهِ في مشهور المذهب. فإن نوى بذلك الطلاق على الجملة من غير أنْ ينوى عددًا، فيُحكم [عليه] (٣) بالطلاق الثلاث حتى يتبين أنَّه أراد واحدة، وهو قول أصبغ وبعض هذه الألفاظ أشدُّ مِن بعض. فإن ادّعى الزوج أنَّهُ لم يُرد بذلك [الطلاق] (٤)، فهل يُقبل قولُهُ أم لا؟ [فالمذهب] (٥) على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ لا يلزمُهُ الطلاق حتى ينويه، وهو قولُ ابن القاسم ومُطرف وابن الماجشون في "الواضحة" و"الموَّازية"، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوّنة" في [كتاب] (٦) "التخيير والتمليك" في قولهِ: "لا سبيل لي عليك" أو لا مِلك لي عليك"، [فقال] (٧): "لا شىء عليهِ إذا كان الكلام عِتابًا". والثانى: أنَّهُ يُحمل على الطلاق، ويلزمُهُ إلا أن يكون قبل ذلك سببٌ يُعلم [أنه لم يرد به طلاقًا وهو قوله في كتاب العتق الأول من المدونة فيما

стр. 1913

إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك أو ليس لي عليك سبيل قال: إن كان ذلك ابتداء] (١) مِن السيد عتق العبد. وإن كان قبل ذلك كلامٌ [يُستدلُّ به] (٢) أنَّهُ لم يُرد العتق، [فإنَّ] (٣) القولَ قولُهُ. وأمَّا إذا قال لها: "أنت طالق"، وقال الزوجُ: "أردت مِن وثاق" [فإن كانت في وثاق وسئل إطلاقها منه كان القول قوله اتفاقًا. فإن كانت في [الوثاق] (٤) ولم يُسأل في إطلاقها فهل يُقبل قولُهُ أم لا؟ قولان. فإن لم تكُن في وِثاق فلا يُقبل قولُهُ اتفاقًا. فافهم هذا التحصيل ترشد إن شاء الله تعالى. وأمَّا إذا قال [لها] (٥): "اعتدِّى" أو قال: "أنت طالق اعتدِّى" أو "أنت طالق واعتدى" أو "أنت طالق فاعتدى": فإن قال لها: "إعتِّدى" فإنَّهُ يلزمُه الطلاق ولا يُصدَّق إن ادّعى أنَّهُ لم يُرد بهِ الطلاق، إلا بقرينة ذلك كدراهم أعطاها إياها، فقالت "ما فيها كذا وكذا"، فقال لها: "اعتدِّى"، فيُقبل قولُهُ في ذلك بلا خلاف. فإن لم يكن هناك قرينة: فإنَّهُ يلزمهُ ما نوى مِن الطلاق. فإن لم تكُن لهُ نيَّة: فهي واحدة" فهذا نصَّ ابن القاسم في "المُدوّنة". فانظر كيف جعل قولُهُ: "فاعتدى" مِن الكنايات الظاهرية في لُزومِ

стр. 1914

الطلق لا في العدد، وغاية ما [عللوا] (١) به أنَّ قولهُ: "اعتدى" إعلامٌ لها بوجوب العدَّة عليها، والعدَّة لا تلزمها إلا بعد وقوع الطلاق، وهذا كما ترى. فإن كرَّر اللفظ، وقال: "اعتدِّى اعتدِّى اعتدِّى". ففيهِ قولان: أحدهما: أنَّها ثلاث إلا أن ينوى واحدة، وهو قول ابن القاسم، كتكرار الطلاق. والثانى: أنَّها واحدة، وهو قول ابن عبد الحكم. وكذلك إذا قال لها: "أنت طالق اعتدِّى" لأنَّهُ طلَّقها وأمرها بالعدَّة. وأمَّا قولُهُ "أنت طالق فاعتدى، أو اعتدى" فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها تطليقتان إلا أن ينوى واحدة، وهو قول مالك في "المجموعة" في "الفاء". والثانى: أنَّها ثنتان ولا ينوى، وهو قولُهُ في "الكتاب المذكور" في "الواو" ولا فرق بين الحرفين في الحقيقة في هذا الموضع. والثالث: أنَّها طلقة واحدة لا أكثر، لأنَّ حقيقة قوله: اعتدِّى لم يُوضع للطلاق، وإنَّما هو أمرٌ بالعدة. [وقد] (٢) جعل الله تعالى طلاقًا وعدَّة، وهذا رجلٌ طلَّق امرأتهُ وأمرها أن تعتد، وهو قولُ محمَّد بن عبد الحكم.

стр. 1915

والجواب عن الوجه الثالث: إذا قصد إلى الطلاق بما ليس بصريحٍ ولا كناية مثل أن يقول لها: "كُلى أو اشربى" أو "قُومى أو اقعدى" أو قال لها: "تعالي يا حرة"، وما أشبه ذلك: فإنَّهُ إنْ لم يُرد بذلك طلاقًا، فلا خلاف في المذهب أنَّهُ لا يلزمُهُ الطلاق. وإن قال: "أردتُ بذلك الطلاق"، هل يلزمُهُ أو لا يلزمُهُ؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّ الطلاقَ يلزمُهُ. والثانى: أنَّ الطلاقَ لا يلزمُهُ ولا شىء عليه. وسبب الخلاف: اختلافهم في الطلاق بالنيَّة دون اللفظ أو باللفظ دون النيَّة، هل يلزم أو لا. فَمَنْ ألزمهُ بمجرد النيَّة، [قياسًا] (١) على الإيمان والكفر أنهم يقعان بالاعتقاد مِن غير نُطق. وأمَّا سقوطه فلقوله ﷺ : "تجاوز الله عن أمتي ما حدَّثت بهِ نفسها ما لم تعمل أو تتكلَّم. . ." الحديث. والقولان قائمان مِن "المُدوّنة"، منصوصان، حكاهما أصحابُنا البغداديون عن مالك. فأمَّا إلزامهُ بمجرد اللفظ فمِن "المُدوّنة" [فمن] (٢) قولهِ: "أنت طالق"، وقال: "أردتهُ مِن وثاق"، ولا بيِّنة عليهِ، فلم يعذروهُ وإن جاء مستفتيًا. ومن قوله أيضًا: يُؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم، ولا تنفعهم

стр. 1916

نياتهم، ومِن الذي أراد واحدةً فسبقهُ لسانهُ وقال: البتَّة، وغير ذلك ممَّا لا يحصى كثيرةً. وأمَّا مجرد النَّية فمن قوله: "ادخُلى أو اخرجى" إذا أراد به الطلاق، ومِن قولهِ: "كُلُّ كلامٍ أراد بَهِ طلاقًا فهو طلاق" وغير ذلك ممَّا لا يخفى على من شد نظرًا في "المُدوّنة". فرع: قد اختلف المذهب فيمن باع زوجتهُ: هل ذلك طلاقها أم لا؟ فإذا قُلنا: إنَّهُ يُعدُّ ذلك منهُ طلاقًا، كم تُطلَّق عليهِ؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ ينكل نكالًا شديدًا، وتُطلَّق عليهِ [بواحدة] (١)، ولا يُمكَّن مِن رجعتها، ولا يتزوّجها [هى] (٢) ولا غيرها حتى [يُعلم] (٣) منهُ التوبة والصلاح مخافة أن يعود إلى مثل ذلك، ولم يجعل بيعُهُ إياها طلاقًا، وهو قول مالك في "المبسوط". والثانى: أنَّ ذلك يعد منهُ طلاقًا، وهي طلقةٌ واحدة، غاب عليها المُشترى أو لم يغب، وهو قول ابن نافع وسحنون وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة". والقول الثالث: أنَّها مُحرَّمة عليه بالبيع كالمرهونة، وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ في كتاب [محمَّد] (٤). وهكذا الحكم فيما إذا زوّجها أو أذِن لها بالتزويج فتزوَّجت.

стр. 1917

وسبب الخلاف: تمكين الزوجُ أجنبيًا مِن الاستمتاع بزوجتهِ، هل يُعدُّ ذلك [منه] (١) طلاقًا أو لا يُعد ذلك منهُ طلاقًا؟ إذْ ليس في البيع والنكاح أكثر مِن التمكين منها. والحمدُ لله وحدهُ.

стр. 1918

كتاب الظهار

стр. 1919

كتاب الظهار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحصيل مُشكلات هذا الكتاب، وجملتُها إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى [في شرح لفظ الظهار واشتقاقه . والظهار] (١): منكرٌ مِن القول وزورًا، كما قال الله ، والزور: الكذب، والمُنكر: ما لا حقيقة لهُ مِن الكلام، والكذب محرمٌ بإجماع الأمة على الجُملة. والظِّهار [محرم] (٢) لما فيهِ من المُنكر والزور لأنَّهُ تشبيه للمحللة بالمحرمة، [لكونه] (٣) جعل زوجتهُ كأمه وهي لا تكون كذلك أبدًا. وهو مأخوذ مِن الظهر وكناية عن الجماع، وكنَّى [عن] (٤) ذلك بالظهرِ لأنَّهُ موضع الركوب، فَخَصِّص الظهر بالتحريم دون البطن والفرج وسائر الأعضاء، فكان البطن والفرج أولى بالتحريم منه؛ لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة عند الغشيان، ولاسيَّما وعادة كثير مِن العرب وغيرهم المجامعة على حرة مِن جهة الظهر، ويستقبحون ما سواه ذهابًا منهم إلى التستر والحياء ولا تجتمع الوجوه ساعتئذ، ولا يُطَّلع على [العورات] (٥).

стр. 1920

وهذه كانت سيرة الأنصار حتى نزل قولُهُ تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لكُمْ فَأتُوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ على إحدى الروايتين في سبب نزولها. وكان الظهار أحد أنواع طلاق الجاهلية وفي أول الإِسلام حتى نزل في أول الإِسلام بأويس بن الصامت وزوجته خويلة بنت خالد، على الخلاف في اسمها واسم أبيها أيضًا: قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله الآية. فبيَّن الله ﵎ سنة الظهار، وكان ذلك [نسخًا] (١) لما كانوا عليه في الجاهلية وفي أول الإِسلام. وهو أعنى الظهار ينقسم على أربعة أقسام: [تشبيه] (٢) جُملة بجملة كقولهِ: "أنت علىَّ مثل أمِّى". أو تشبيه [البعض بالبعض] (٣)، كقولهِ فرجُك علىّ "كفرج أُمِّي". وتشبيه البعض بالجملة، كقوله: [بضعك] (٤) علىَّ كأُمِّى". وتشبيه الجُملة بالبعض، كقولهِ: "أنت علىّ كظهر أُمِّى". وكُلُّها في الحُكم سواء. والحمد لله وحده.

стр. 1921

المسألة الثانية فيما يلزم مِن الظهار مِن القول: والظّهار ينقسم على قسمين: ظهار مِن ذوات المحارم. وظهار مِن الأجنبيات. فالقسم الأول: [في الظهار] (١) مِن ذوات المحارم، لا يخلو مِن أنْ يذكر الظهر فيهنَّ أو لا يذكره: فإن ذكر الظهر فيهنَّ فإنَّهُ يلزمُهُ الظهار بالاتفاق. وإن ادّعى أنَّه أراد بهِ الطلاق، هل ينوى أو لا ينوى. فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا ينوى ويلزمهُ الظهار ولا يلزمُهُ الطلاق، وهذا القول يُروى عن مالك: "أنَّهُ يكون ظهارًا، ولا يكون طلاقًا" وإنْ نواه في "كتاب [النوادر] " (٢)، وبهِ قال محمَّد بن عبد الحكم في كتاب "محمَّد". والثانى: أنَّهُ ينوى ويصرف إلى الطلاق بنيَّتهِ ويسقط عنهُ الظهار، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب بن سحنون. والقول الثالث: [التفصيل] (٣) بين أن تشهد البينة على لفظه أم لا:

стр. 1922

فإن شهدت البيِّنة على لفظه فإنَّهُ يلزمُهُ الطلاق والظهار جميعًا، يلزمُهُ الطلاق بنيَّته والظهار بلفظه، فإذا تزوّجها بعد ذلك فلا يمسَّها حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قول مالك في مختصر [الوقار] (١)، في قوله: "أنت علىَّ حرام مِثل أمِّى". وعلى القول بأنَّ الطلاق يلزمُهُ، هل ينوى في العدد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا ينوى ويلزمهُ الطلاق الثلاث، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون. والثانى: أنَّه ينوى ويلزمهُ ما نوى مِن واحدةٍ فأكثر، وهو قول سحنون في كتاب "محمَّد" على ما نقلهُ محمَّد بن أبي زيد في "النوادر". وسبب الخلاف: صريح الظهار، هل يُصرف إلى الطلاق بالنيَّة أم لا؟ فمن رأى صريح الظهار يصرف إلى الطلاق بالنيَّة قال: ينوى فيكون الطلاق عندهُ أصل، والظهار فرع مِن فروعهِ، ولاسيما أن مآل الظهار إنْ لم يرد بهِ العودة [إلى الطلاق] (٢). وَمَنْ رأى أنَّهُ لا يُصرف [إلى الطلاق] (٣) [بالنيَّة قال: لأنَّ الظهار أصل كما أنَّ الطلاق أصل فلا يُصرف أحدهما بالنيَّة إلى الآخر، ولا أعرف في المذهب نص خلاف في أنَّ صريحه لا يُصرف إلى الظهار] (٤) بالنيَّة، ولا يبعُد دخول الخلاف فيهِ بالمعنى، ولاسيَّما على القول بأنَّ

стр. 1923

الطلاق بمجرد اللفظ لا يلزم. وأمَّا كناية الظهار: فهل تصرف إلى الطلاق بنيَّة أم لا؟ فقولان: في كل فصل، وقد قدَّمناهُ في "مسألة الحرام"، وهو قول يحيى بن عمر في "المنتخبة" فانظرهُ. فإن لم يذكر الظهر في ذوات المحارم ففى ذلك ستة ألفاظ: أحدها: أن يقول: "أنت علىّ حرام مِثل أمِّى". والثانى: أن يقول لها: "أنت علىَّ مِثل أُمِّي". والثالث: أنْ يقول [لها] (١): "أنت علىَّ أحرم مِن أمِّي". والرابع: أنْ يقول لها: [أنت أمى] (٢). والخامس: أن يقول لها: "أنت علىَّ كبعض مَنْ حُرِّم علىَّ مِن النساء". والسادس: أن يقول: "أنت علىَّ مِثل كلُّ شىءٍ حرمَّهُ [الله] " (٣). أمّا قولُهُ: "أنت علىّ حرام مثل أُمِّى" أو "مثل ابنتى" أو "أُختى" أو قال لها: "أنت علَىَّ حرام كأمى"، فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون أراد بذلك الطلاق. والثانى: ألا يكون لهُ نيَّة. فإن ادْعى أنَّهُ أراد بذلك الطلاق، ما الذي يلزمُهُ؟

стр. 1924

فالمذهب على أربعة أقوال كُلُّها قائمة مِن الكتاب: أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق الثلاث، وهو قولُهُ في "كتاب الظهار" مِن "المُدوّنة": "ولا يلزمُهُ الظهار"، وهو ظاهر قول أشهب في كتاب "العتق الأول" في مسألة "ناصح ومرزوق"، حيث قال: "يُعتق مرزوق بالنيَّة". والقول الثاني: أنَّهُ يلزمهُ الظهار ولا يلزمُهُ الطلاق، وهذا القول ذكرهُ سحنون عن غيره، وظاهر قول ابن القاسم في "مسألة ناصح" حيث قال: "لا يُعتق فيما بينهُ وبين الله تعالى إلا ناصح". والقول الثالث: أنَّهُ يلزمهُ [الطلاق] (١) والظهار جميعًا، فيلزمُهُ [الظهار] (٢) بلفظه والطلاق بنيَّته، وهو نصُّ قول ابن القاسم [في المدونة] (٣) في "مسألة [ناصح] (٤) " لأنَّهُ قال: "يُعتقان جميعًا". والقول الرابع: أنَّهُ لا شىء عليهِ، ولا يلزمُهُ الطلاق ولا الظهار، وهذا القول قائمٌ مِن المُدوّنة في اللفظ دون النيَّة أو النيَّة دون اللفظ. وقد بَيَّنَّا مواضع الاستقراء مِن "المُدوّنة" في كتاب "التخيير والتمليك" وتوجيه كلُّ قولٍ ظاهر، فلا فائدة من التطويل. فأمَّا إذا لم تكن لهُ نيَّة الطلاق، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يكون ظهارًا، ولا يلزمُهُ الطلاق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".

стр. 1925

والثانى: أنَّهُ طلاق البتَّة، فإن تزوجها بعد زوجٍ فلا يطأها حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قوله في "مختصر الوقاد"، وهذا القول مبنىٌ على الاحتياط. وأمَّا إذا قال [لها] (١): "أنت علىَّ أحرم مِن أُمِّى" فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ طلاقُ البتَّة، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّهُ مُظاهر، وهو قول محمَّد بن الموَّاز [ووجه القول الأول أنه لم يعلق التحريم بها وإنما علقه بغيرها فخرج عن الظهار وجرى على حكم من حرم زوجته ولم يذكر أمه] (٢). ووجهُ القول الثاني: أنَّهُ ليس في بنات آدم أحرم عليه مِن أُمِّهِ، فلم يلزمُهُ أكثر مِن الظهار. وأمَّا إن قال لها: "أنتِ أمِّى": فإن نوى به الطلاق، فهي ثلاث، ولا ينوى في أقلِّ منهما، ولا يعود عليه الظهار إن تزوجها يومًا ما، وهو قولُ مالك في رواية أشهب [عنه] (٣) في العُتبيَّة". فإن لم يُرد به طلاقًا فهو ظهار، أرادهُ أو لم يُردهُ، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم [في العتبية] (٤)، وبهِ قال سحنون. أمَّا قولُهُ: "أنت على كبعضِ مَنْ حُرِّم علىَّ مِن النساء" كانَ مظاهرًا،

стр. 1926

لأنَّ الأُم والأُخت ممِن حُرِّم عليهِ مِن النساء. وأمَّا قولُهُ: "أنت علىَّ [حرام] (١) مِثل كُلُّ شىءٍ حرّمهُ الكتاب". هل يكون ظِهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ يكون ظهارًا، وهو [قول] (٢) ربيعة في الكتاب، وقول عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ مِن الأصحاب. والثانى: أنَّهُ يكون طلاقًا وتلزمهُ الثلاث، وهو قولُ مالك في المبسوط وابن القاسم في العُتبيَّة، بمنزلة الدم والميتة، وقول ابن نافع. والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الحكمان جميعًا، فإذا تزوّجها بعد زوجٍ لزمهُ الظهار، وهو اختيار بعض المتأخرين. وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٣) في تأويل قوله: "مثل كُل شىء حرّمه الكتاب" هل يُحمل عل عمومه فيكون كما قال مالك وابن القاسم أو يُحمل على الخصوص فيكون كما قالَ عبد الملك [وغيره] (٤) فيتأول على [أنه كل] (٥) شىء حرمه الكتاب مِن النساء أو يبنى على الاحتياط فيكون كما قال اللخمى وغيرهُ؟. والقسم الثاني [في] (٦) الظهار [من] (٧) الأجنبيات: فلا يخلو مِن أنْ يكونَ قد سمَّى الظهر أو لم يُسمِّهِ.

стр. 1927

فإن سمَّاهُ، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على خمسةِ أقوال: أحدها: أنَّهُ ظهار إلا أن يُريد بهِ الطلاق، وهو [قول] (١) ابن القاسم في "المُدوّنة". والثانى: أنَّهُ طلاق إلا أنْ يُريد بهِ الظهار، وهو قول سحنون في "السليمانية". والثالث: أنَّهُ ظهار وإن أراد بهِ الطلاق، وهو قولُ ابن الموّاز قال "وهو قول مالك وأصحابه". والرابع: أنَّهُ طلاق وإن أراد بهِ الظهار، وهو قول عبد الملك في "المُدوّنة" [و] (٢) في كتاب ابن حبيب. والخامس: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهذا ظاهر قولُ مُطرف [فيما] (٣) إذا قال: "أنت علىّ كظهر أمتي أو غُلامى" حيث قال: "لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا وإنَّهُ لمنكر مِن القول". يقول: "لا يكون ظهارًا لأنَّهُ غيرُ ما نزل فيه القُرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّه لم ينْوهِ، وإنَّما نَوَى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة". وهذا الذي قال مُطرف: "لا ينعقد الظهار في الأجنبيَّة لأنَّهُ خارج عمَّا نزل فيه القرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّهُ لم ينوهِ، وإنَّما نوى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة. وسببُ الخلاف: اختلافهم في كنايات الظهار هل تُصرف إلى الطلاق بالنيَّة أم لا؟ لأنَّ قوله: "أنت علىّ كظهر فلانة الأجنبَّية" هو مِن كنايات

стр. 1928

الظهار عند ابن القاسم. وعبد الملك: "ليس للظهار كناية عنده". ولذلك قال في هذه المسألة: "أنَّهُ طلاق، ولا يكون ظهارًا عنده إلا في ذوات المحارم". وأمَّا إذا لم يذكر الظهر في [الأجنبيات] (١) مثل أن يقولَ لزوجتهِ: "أنت عليَّ كفلانة الأجنبيَّة"، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق الثلاث ولا يكون [ظهارًا] (٢) ولا يُصدَّق إذا ادَّعى أنَّهُ أراد الظهار، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة". والثانى: أنَّهُ يكون ظهارًا إلا أن يُريد [به] (٣) الطلاق، وهو قولُ أشهب في كتاب محمَّد. والثالث: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهو [ظاهر] (٤) قولُ مُطرف. [ويلزم] (٥) فيهِ قولٌ رابع: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار والطلاق جميعًا [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 1929

المسألة الثالثة في الظهار المُعلَّق بشرط أو بوقت . والظهار على وجهين: مُطلق، ومُقيَّد. فالمُطلق مِثل أن يقول: "أنت علىَّ كظهر أمِّي"، فلا خلاف أنَّهُ مُظاهر ويلزمُهُ ما يلزم المظاهر. وأمَّا المُقَّيد: فعلى وجهين: مُقَّيد بوقت، ومُقيَّد بشرط. فالمُقيَّد بالوقت على وجهين: أحدهما: أن يكون الظهار ينعقد عليه عند حلول الوقت. [والثانى: أن يكون انحلاله عند انحلال الوقت] (١)، فإنْ كان انعقادُهُ عند حلول الوقت مثل قولهِ: "إذا مضى شهر فأنت علىَّ كظهر أُمِّى" هل يلزمُهُ الظهار أو لا يلزمُهُ؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار [من] (٢) الآن قياسًا على الطلاق، وهو المشهور. والثانى: أنَّهُ لا يكون مظاهرًا حتى يأتى ذلك الوقت، وهذا أحد قولى مالك في الظهار المُقيَّد انحلاله بأجل، وسيأتى الكلام عليهِ آنفًا. وسبب الخلاف: هل يُقاس الظهار على الطلاق أم لا.

стр. 1930

فإن كان انحلاله عند حُلول الوقت مثل قوله: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى مِن الآن إلى شهر" هل يتعدَّ الظهار ذلك الوقت أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يتعدَّاه ويلزمُهُ وإنْ خرج الوقت الذي علَّق عليهِ الظهار فإن لم تجب عليهِ الكفَّارة بالعودة في الأجل، وهو قولُهُ في "المُدوّنة". والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه، ويسقط عنهُ الظهار [إذا] (١) خرج الأجل قبل أن يعود، وهذا القولُ حَكاهُ مُطرف عن مالك في "الزاهى" لابن شعبان، ومثلُهُ مروىٌ عن ابن عباس ﵁. وأمَّا قولُهُ: "أنت على كظهر أُمِّى إلى قُدوم [فُلانة" فقد قال في "المُدونة": "أنَّهُ لا يكون مُظاهرًا حتى يقدمُ فُلان بمنزلة من قال: "أنت طالق إلى قُدوم] (٢) فُلان" إنَّهُ لا يلزمُهُ [الظهار] (٣) فيها حتى يقدمُ [فلان] (٤). فتأوّل أكثرهم أن "إلى" هاهُنا بمعنى "عند"، وأنَّها كالشرط لا كالأجل، ألا تَرَاهُ قال في الكتاب: "فإن لم يقدم فلان [فلا يقع] (٥) ظهار ولا طلاق". وفرّق أبو الحسن اللخمى بين الظهار والطلاق: فيلزمهُ الظهار مِن الآن ولا يلزمهُ الطلاق حتى يقدم فلان.
следующие страницы →