لأنَّ الأُم والأُخت ممِن حُرِّم عليهِ مِن النساء.
وأمَّا قولُهُ: "أنت علىَّ [حرام] (١) مِثل كُلُّ شىءٍ حرّمهُ الكتاب".
هل يكون ظِهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يكون ظهارًا، وهو [قول] (٢) ربيعة في الكتاب، وقول عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ مِن الأصحاب.
والثانى: أنَّهُ يكون طلاقًا وتلزمهُ الثلاث، وهو قولُ مالك في المبسوط وابن القاسم في العُتبيَّة، بمنزلة الدم والميتة، وقول ابن نافع.
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الحكمان جميعًا، فإذا تزوّجها بعد زوجٍ لزمهُ الظهار، وهو اختيار بعض المتأخرين.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٣) في تأويل قوله: "مثل كُل شىء حرّمه الكتاب" هل يُحمل عل عمومه فيكون كما قال مالك وابن القاسم أو يُحمل على الخصوص فيكون كما قالَ عبد الملك [وغيره] (٤) فيتأول على [أنه كل] (٥) شىء حرمه الكتاب مِن النساء أو يبنى على الاحتياط فيكون كما قال اللخمى وغيرهُ؟.
والقسم الثاني [في] (٦) الظهار [من] (٧) الأجنبيات: فلا يخلو مِن أنْ يكونَ قد سمَّى الظهر أو لم يُسمِّهِ.
стр. 1927
فإن سمَّاهُ، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على خمسةِ أقوال:
أحدها: أنَّهُ ظهار إلا أن يُريد بهِ الطلاق، وهو [قول] (١) ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ طلاق إلا أنْ يُريد بهِ الظهار، وهو قول سحنون في "السليمانية".
والثالث: أنَّهُ ظهار وإن أراد بهِ الطلاق، وهو قولُ ابن الموّاز قال "وهو قول مالك وأصحابه".
والرابع: أنَّهُ طلاق وإن أراد بهِ الظهار، وهو قول عبد الملك في "المُدوّنة" [و] (٢) في كتاب ابن حبيب.
والخامس: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهذا ظاهر قولُ مُطرف [فيما] (٣) إذا قال: "أنت علىّ كظهر أمتي أو غُلامى" حيث قال: "لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا وإنَّهُ لمنكر مِن القول".
يقول: "لا يكون ظهارًا لأنَّهُ غيرُ ما نزل فيه القُرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّه لم ينْوهِ، وإنَّما نَوَى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة".
وهذا الذي قال مُطرف: "لا ينعقد الظهار في الأجنبيَّة لأنَّهُ خارج عمَّا نزل فيه القرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّهُ لم ينوهِ، وإنَّما نوى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في كنايات الظهار هل تُصرف إلى الطلاق بالنيَّة أم لا؟ لأنَّ قوله: "أنت علىّ كظهر فلانة الأجنبَّية" هو مِن كنايات
стр. 1928
الظهار عند ابن القاسم. وعبد الملك: "ليس للظهار كناية عنده".
ولذلك قال في هذه المسألة: "أنَّهُ طلاق، ولا يكون ظهارًا عنده إلا في ذوات المحارم".
وأمَّا إذا لم يذكر الظهر في [الأجنبيات] (١) مثل أن يقولَ لزوجتهِ: "أنت عليَّ كفلانة الأجنبيَّة"، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق الثلاث ولا يكون [ظهارًا] (٢) ولا يُصدَّق إذا ادَّعى أنَّهُ أراد الظهار، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يكون ظهارًا إلا أن يُريد [به] (٣) الطلاق، وهو قولُ أشهب في كتاب محمَّد.
والثالث: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهو [ظاهر] (٤) قولُ مُطرف.
[ويلزم] (٥) فيهِ قولٌ رابع: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار والطلاق جميعًا [والحمد لله وحده] (٦).
стр. 1929
المسألة الثالثة
في الظهار المُعلَّق بشرط أو بوقت .
والظهار على وجهين: مُطلق، ومُقيَّد.
فالمُطلق مِثل أن يقول: "أنت علىَّ كظهر أمِّي"، فلا خلاف أنَّهُ مُظاهر ويلزمُهُ ما يلزم المظاهر.
وأمَّا المُقَّيد: فعلى وجهين:
مُقَّيد بوقت، ومُقيَّد بشرط.
فالمُقيَّد بالوقت على وجهين:
أحدهما: أن يكون الظهار ينعقد عليه عند حلول الوقت. [والثانى: أن يكون انحلاله عند انحلال الوقت] (١)، فإنْ كان انعقادُهُ عند حلول الوقت مثل قولهِ: "إذا مضى شهر فأنت علىَّ كظهر أُمِّى" هل يلزمُهُ الظهار أو لا يلزمُهُ؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار [من] (٢) الآن قياسًا على الطلاق، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يكون مظاهرًا حتى يأتى ذلك الوقت، وهذا أحد قولى مالك في الظهار المُقيَّد انحلاله بأجل، وسيأتى الكلام عليهِ آنفًا.
وسبب الخلاف: هل يُقاس الظهار على الطلاق أم لا.
стр. 1930
فإن كان انحلاله عند حُلول الوقت مثل قوله: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى مِن الآن إلى شهر" هل يتعدَّ الظهار ذلك الوقت أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتعدَّاه ويلزمُهُ وإنْ خرج الوقت الذي علَّق عليهِ الظهار فإن لم تجب عليهِ الكفَّارة بالعودة في الأجل، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه، ويسقط عنهُ الظهار [إذا] (١) خرج الأجل قبل أن يعود، وهذا القولُ حَكاهُ مُطرف عن مالك في "الزاهى" لابن شعبان، ومثلُهُ مروىٌ عن ابن عباس ﵁.
وأمَّا قولُهُ: "أنت على كظهر أُمِّى إلى قُدوم [فُلانة" فقد قال في "المُدونة": "أنَّهُ لا يكون مُظاهرًا حتى يقدمُ فُلان بمنزلة من قال: "أنت طالق إلى قُدوم] (٢) فُلان" إنَّهُ لا يلزمُهُ [الظهار] (٣) فيها حتى يقدمُ [فلان] (٤).
فتأوّل أكثرهم أن "إلى" هاهُنا بمعنى "عند"، وأنَّها كالشرط لا كالأجل، ألا تَرَاهُ قال في الكتاب: "فإن لم يقدم فلان [فلا يقع] (٥) ظهار ولا طلاق".
وفرّق أبو الحسن اللخمى بين الظهار والطلاق: فيلزمهُ الظهار مِن الآن ولا يلزمهُ الطلاق حتى يقدم فلان.
стр. 1931
قال: لأنَّ "إلى" [فائدتها] (١) الغاية فيجب أن تُحمل على موضوعها حتى يقدم الدليل أنه أريد به الشرط المفهوم مِن قولهِ: "أنت علىَّ كظهر أمِّى إلى قُدوم فلان" أنَّها مِن الآن عليه كظهرِ أُمِّه حتى يقدم. فإذا قدُم سقط عنهُ الظهار إنْ لم تقع منهُ العودة قبل قُدومهِ، وقد قال بهِ "الصحابي"، وأخذ بهِ مالك في أحد أقاويلهِ.
وليس [أحدٌ يقولَ: "أنْ تُطلَّق عليه زوجتُهُ] (٢) الآن، وتعود عليهِ إذا قدم [فلان] (٣)، ويصحُّ ذلك في الظهار على قول".
وهذا الذي قال ﵁ ظاهرٌ في المعنى، والأصلُ في الصيغ الحقيقة، ولا تُصرف إلى المجاز إلا بدليل [قاطع] (٤)، و"إلى" موضوعها "الغاية" كما ذكروا.
وأمَّا الظهار المُقيَّد بالشرط: فلا يخلو ذلك الشرط مِن أن يتعلَّق بفعل نفسه أو يتعلَّق بفعل غيرهُ:
فإن علَّقهُ بفعلِ غيرهِ مِثل أن يقول: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى إنْ دخل زيدٌ الدار" أو "ركب دابة" أو "ما أشبه ذلك" فلا خلاف أنَّهُ لا يلزمُهُ الظهار حتى يوجد ذلك الفعل مِن فُلان.
فإن علَّقهُ بفعلِ نفسهِ، فلا يخلو مِن أنْ يقيد ذلك بيوم بعينهِ أو لا يقيد:
فإن لم يقيد ذلك اليوم بعينه مِثل أن يقول: "أنت على كظهر أُمِّى إنْ دخلت الدار" أو "كلمت زيدًا" فلا خلاف أنَّهُ لا شىء عليهِ حتى
стр. 1932
يُوجد منهُ الحنث.
فإن قيد ذلك بيومٍ بعينه فلا يخلو مِن أن يجعل اليوم ظرفًا للفعل أو يجعلهُ ظرفًا لليمين:
فإن جعلهُ ظرفًا للفعل مثل أن يقول: "أنت علىّ كظهر أمِّى إنْ دخلت هذه [الدار] (١) اليوم".
فإن وُجد منهُ الدُخُول في اليوم الذي علقهُ به لزِمهُ الظهار.
وإن مضى ذلك اليوم ولم يدخُل ولم يتكلم سقط عنهُ اليمين ولا خلاف في ذلك.
فإن جعل اليوم ظرفًا لليمين دون الفعل مثل قوله: "أنتِ عليَّ كظهر أُمِّى [اليوم] (٢) إن كلمتُ فلانًا" أو "دخلتُ الدار"، فلا يخلو مِن أن تكون لهُ نيَّة أم لا:
فإن كانت لهُ نيَّة في قوله: "أنت علىَّ كظهر أمِّى اليوم إنْ كلمتُ فلانا": يُريد إنْ كلَّمتُهُ اليوم فهو كالوجه الأول الذي جعل فيه اليوم ظرفًا للفعل، ولا خلاف أنَّهُ لا شىء عليهِ إنْ مضى اليوم ولم يفعل، وعلى هذا المعنى تأوّل الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
فإن لم تكن لهُ نيَّة هل يسقطُ عنهُ الظهار إذا مضى اليوم ولم يفعل فيهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا شىء عليه إذا مضى اليوم ولم يفعل كما لو نصَّ على تعيين ذلك اليوم للفعل، وعلى هذا تأوّل اللخمى [المسألة التي في الكتاب
стр. 1933
وهو] (١) قول مالك ومُطرف، وعليها اختصرها ابن أبي زمنين وابن عبد الحكم، وهو قولٌ موافق لما قاله ابن عبد الحكم [في القائل] (٢): "أنت طالق اليوم إنْ كلمت فُلانًا غدًا [أنه إن كلمه غدًا] (٣) ": فلا شىء عليهِ، لأنَّ ذلك الغد مَضَى وهي زوجة، وقد انقضى وقت وُقوع الطلاق.
ومثلُهُ لابن القاسم في كتاب "محمَّد" فيمن قال لامرأتهِ: "إنْ تزوجتُكَ فأنت طالق غدًا" فتزوجها بعدَ غدٍ فلا شىء عليه، وإنْ تزوّجها قبل غدٍ طُلَّقت عليهِ.
والقول الثانى: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار وإنْ مضى [ذلك] (٤) اليوم لتعلَّقه إياهُ باليوم دون الدخول ولأن الظهار صادف [عصمته] (٥)، كما لو قالَ لها ذلك في ظهار مطلق، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمَّد وابن لبابة وغيرهما، وأنَّ المسألتين مختلفتان عندهما على ظاهرهما، وإنَّما جعلهما ابن القاسم في الكتاب على جوابٍ واحدٍ لأن المُراد بهما واحد يُريد "إن كلمتك اليوم" وبهِ قال أبو القاسم بن محرز أيضًا.
وقال الشيخ أبو محمد في مسألة ابن عبد الحكم المُتقدمة: "هذا خلاف أصل قولُ مالك والطلاق يلزمُهُ إذا كلَّمهُ [غدًا] (٦)، وليس لتعلُّق الطلاق بالأيام وجه [والحمد لله وحده] (٧).
стр. 1934
المسألة الرابعة
فيمن أوْقع [الظهار والطلاق أو الظهار والإيلاء في كلمة واحدة ولا يخلو من وجهين: أحدهما: أن] (١) يوقع الظهار والطلاق معًا، والثانى: أنْ يُوقع الظهار والإيلاء معًا.
فأمَّا الوجه الأول: إذا أوقع الطلاق والظهار معًا فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يوقعهما في أجنبيَّة.
والثانى: أن يوقعهما في زوجة.
فإن أوقعهما في أجنبيَّة فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بشرط التزويج أو لا.
فإن أطلق ولم يُقيِّد بشرط التزويج فلا خلاف في المذهب عندنا أنَّهُ لا شىء عليه.
وإن قيَّد ذلك بشرط التزويج مثل قوله: "إنْ تزوجتُك فأنت طالق، وأنتِ علىَّ كظهر أُمِّى": فإنَّهُ يلزَمُهُ الظهار والطلاق إذا تزوجها على مشهور المذهب في تعليق الطلاق بشرط التزويج.
وسواءٌ كان الطلاق واحدة أو بتاتًا، وسواءٌ قدم الظهار على الطلاق أو قدم الطلاق على الظهار، و [قد] (٢) قال في "المُدوّنة": "والذي قدم الظهار في لفظهِ أبين. يُريد أنَّ الزوجية تبقى مع وقوع الظهار [ولا تبقى مع وقوع الطلاق] (٣)، ولكن حكمها في هذا السؤال واحد، فإذا تزوجها
стр. 1935
وقعا معًا، ولا يُقال أنَّ أحدهما أسبق مِن الآخر في الوقوع، وإن [أسبقه] (١) في اللفظ، لانتظارهما محلًا يقعان فيهِ، فإذا وقع العقد وقع الطلاق، ثُمَّ إنْ تزوجها بعد ذلك فلا يقربها حتى يكفر كفَّارة الظهار إذا حصلت منهُ العودة.
فإذا وقع ذلك في زوجته فلا يخلو من أنْ يُقدِّم الظهار على الطلاق أو قدَّم الطلاق على الظهار:
فإن قدَّم الظهار على الطلاق لزماه جميعًا، لأنَّ الظهار ينعقد مع بقاء الزوجية كما تقدَّم فتُطلَّق عليه، ثُمَّ إذا تزوّجها بعد ذلك لزِمهُ فيها الظهار.
فإن قدَّم الطلاقُ على الظهار فلا يخلو مِن أن يدخُل بها أم لا:
فإن دخل بها فلا يخلو مِن أن يكون الطلاقُ واحدة أو ثلاثًا:
فإن كان الطلاقُ واحدة وكانت مدخولًا بها فالطلاق والظهار يلزماهُ جميعًا إنْ كان الطلاقُ طلاقًا رجعيًا لبقائها في العصمة.
وإن كان الطلاقُ بتاتًا أو [هى] (٢) واحدة وهي غير مدخولٍ بها أو كانت مدخولًا بها وكان الطلاقُ بائنًا كطلاقُ الخلع فلا يلزمُهُ الظهار، لأنَّهُ لم يُصادف محلًا لانحلال العصمة بالطلاق السابق إلى المحلِ.
وفرق بين أنْ يعقب الظهار الطلاق في غير المدخول بها أو عقب الطلاق الظهار، مِثل أن يقول: أنت طالق [أنت طالق] (٣).
ولا فرق في [الحقيقة] (٤) بين الظهار والطلاق، لأنَّ قولَهُ: "أنت
стр. 1936
طالق أنت طالق" قد خرجت فيه الزوجة بنفس الطلقة الأولى مِن العصمة، وأوقع الثانية في غير الزوجة، فإلى هذا ذهب إسماعيل القاضى.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا أوقع الظهار والإيلاء معًا، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يُصرِّح بكلِّ واحدٍ منهما.
والثانى: أنْ يضمن أحدهما الآخر.
فإن صرَّح باسم كُلِّ واحدٍ منهما مِثل أن يقول: "والله لا أطأكِ وأنت علىَّ كظهر أُمِّي": كان للزوجة أنْ توقفهُ عند مُضى الأربعةِ الأشهر مِن يوم آلى وظاهر.
واختُلف فيما يلزمُهُ إذا أوقفتهُ على ثلاثةِ أقوال:
أحدها: أنَّهُ مُخاطب بالإيلاء خاصةً فإنْ كفَّر كفَّارة الإيلاء سقط مقالها، ثُمَّ يُضرب الأجل للظهار ولا يُطالب بالظهار إلا بعد الفراغ مِن حُكم الإيلاء لضرورة الترتيب، وهو أحد أقاويل "المُدوّنة".
في المُظاهر المضار: أنَّ الأجل فيهِ مِن يوم الرفع.
والثانى: أنه مخاطب بالكفارتين جميعًا، كفَّارة الإيلاء وكفَّارة الظهار، وهو أحد أقاويل "المُدوّنة" أيضًا في المُظاهر [المضار] (١) إذا تبيَّن ضرره، وضُرب لهُ أجل أربعة أشهر فحلَّت لا زيادة أجل آخر يضر بالمرأة.
والقول الثالث: أنَّهُ مُخاطب بكفارة الظهار ثُمَّ بالإصابة أنَّهُ لا يجزئه غيرُ ذلك، لأنَّهُ قد اجتمع إيلاءٌ وظهار، وهو ظاهر المُدوّنة من كتاب الظهار وكتاب الإيلاء مِن المُدوّنة، وهو أصحُّ الأقوال، لأنَّهُ [مُطالب] (٢)
стр. 1937
[في الإيلاء] (١) بالإصابة أولًا، وهو لا يُمكَّن مِن الإصابة إلا بتقديم الكفَّارة في الظهار، والإصابة حقٌ للزوجة، فعليهِ أن يدفع كُل مانعٍ يمنعه منها.
وعلى القول بأنَّه يكفِّر كفَّارة الإيلاء فإذا كفَّر عن الإيلاء هل يزول حكمُهُ ويسقُط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يسقط حكمُهُ بالكفَّارة، وهو قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء مِن المُدوّنة.
والثانى: أنَّهُ لا يسقُط إلا بالإصابة، وهو قولُ أشهب في الكتاب المذكور.
وأمَّا إن ضمن أحدهما الآخر مثل قوله: إنْ [وطئتك] (٢) فأنت علىَّ كظهر أُمى، هل ينعقد عليهِ [الإيلاء] (٣) بنفس [اليمين] (٤) أو لا ينعقد عليهِ إلا بالإصابة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ يكون مؤليًا بنفس اليمين، وهو قوله في المدونة.
والثانى: أنه لا ينعقد عليه إلا بالإصابة أو الرفع إلى الإِمام إذا تبيَّن ضره فيوقف حينئذٍ أو يضرب لهُ أَجل المُؤلى على [الخلاف] (٥) في ذلك، وسنورده [بعد هذا] (٦) إنْ شاء اللهُ.
وعلى القول بأنَّهُ يكون مُؤليًا حين تكلَّم بذلك فإذا أوقف بعد الأربعة
стр. 1938
الأشهر هل يُمكَّن مِن الفيئة أو لا يُمكَّن؟ فالمذهب على أربعة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ لا يُمكَّن من الفيئة جُملةً، لأن باقى وطئهِ لا يجوز، وهو قولُ الرواة في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يُمكَّن مِن الوطء لتام، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" في "كتاب الإيلاء": في الذي قال لامرأته: "إنْ وطئتُك فأنت طالق ثلاثًا"، وهو ظاهر قوله في "كتاب الظهار" حيثُ قال: "فإنْ وطء زال عنهُ الإيلاء ولزمهُ الظهار بالوطء".
والثالث: أنَّهُ يُمكَّن مِن مغيب الحشفة [خاصة] (١) ولا يزيدُ على ذلك بُناءً على أنَّ النزع ليس بوطء، وهو قول مطرف في "ثمانية أبى زيد"، وهو ظاهر "المُدوّنة"، لأنَّ الحنث يقعُ بمغيب الحشفة [خاصة] (٢)، وبهِ يجبُ الظهار، والتمادى [في] (٣) الوطء بعد وجوبهِ حرام، لأنَّهُ وطء قبل أن يُكفر، والله تعالى يقولُ في كتابهِ: ﴿مَن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
والقول الرابع: أنَّهُ لا يطأ ولا ينزل، وهو أضعفُ الأقوال.
وسبب الخلاف: [بين] (٤) مَنْ قال: يُمكَّن مِن الوطء على الجُملة ومَنْ قال لا يُمكَّن: اختلافهم في النزع، هل هو وطء أم لا؟
فَمَنْ قال أنَّ النزع وطء منعهُ مِن الوطء جُملةً.
стр. 1939
وَمَنْ رأى أنَّ النزع ليس بوطء قال: يُمكَّن مِن الوطء.
وسببُهُ [بين] (١) مَنْ قال: يُمكَّن مِن الإنزال وبين مَنْ قال: لا يُمكَّن إلا [من] (٢) مغيب الحَشَفة: [اختلافهم في] (٣) [الحُكم] (٤) المُتعلق بماله أولًا وآخرًا مِن الأسماء، هل يتعلَّق بأول [الأسماء] (٥)، ثُمَّ لا يُمكَّن إلا مِن مغيب الحشفة، أو إنَّما يتعلق بأواخرها فيُمكَّن من الوطء التام.
ولهُ سببٌ آخر: الاستدامة هل هى كالإنشاء أم لا؟
وعلى القول بأنَّهُ لا يُمكَّن مِن الوطء جملةً هل يعجَّل عليه بالطلاق أو يُضرب لهُ أجلُ [الإيلاء] (٦)؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة" مِن "كتاب الإيلاء":
أحدهما: أنَّهُ يُعجل عليه الطلاق، وهو قولُ ابن القاسم في "الكتاب [المذكور] (٧) " في الذي قالَ لامرأتهِ: "إن وطئتَك فأنت طالق ثلاثًا".
والثانى: أنَّهُ لا يُعجَّل عليه بالطلاق ويضرب لهُ أجل المُولى أربعة أشهر، وهو قولُهُ في هذا "الكتاب": "أنَّهُ مولى حين تكلَّم بذلك"، وكذلك قال في "كتاب الإيلاء": "وفائدةُ الأجل وإن كان الزوج لا يُمكَّن مِن الفيئة، لاحتمال أنْ ترضى الزوجة بالمقام بلا وطء".
стр. 1940
وعلى القول بأنَّهُ يُمكن مِن الوطء التام هل تجب عليه كفَّارة الظهار بذلك الوطء أو لا تجب عليه إلا بوجود العودة الثانية؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا تجب [عليه] (١) الكفارة إلا بالعودة ثانيةً ولا تجب بالوطء للذى وجب [عليه] (٢) به الظهار، وهو قولُ ابن القاسم في "العُتبيَّة".
وعلى هذا حمل أكثرُ [المتأخرين] (٣) قوله في "المُدوَّنة" [والثانى] (٤): "أنَّه تجبُ عليهِ الكفَّارة بنفس الوطء"، وهو قولُ ابن الموَّاز وغيرهِ ممن منع الوطء جُملةً كعبد الملك وغيرهِ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" على ما تأوّلهُ بعضُ الشيوخ.
وذلك ظاهر [على] (٥) ما أصَّله وقدَّرهُ.
والحمدُ لله وحدهُ.
стр. 1941
المسألة الخامسة
في دخول الإيلاء على الظهار على سبيل الاضطرار .
ولا يخلو المُظاهر مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون قادرًا على إسقاط الظهار بأحد الكفَّارات الثلاث التي ذكرها الله تعالى في كتابهِ أو غيرُ قادرٍ على ذلكَ بعسرٍ وعجزٍ عن الصوم.
فإن كان مُعسرًا أو عاجزًا فلا يخلو مِن أن يكون العجز أو العُسر أمرًا طرأ بعد عقد الظهار [أو كان في تلك الصفة بين ظرفين. فإن كان العسر والعجز أمرًا طرأ بعد عقد الظهار] (١) لم يدخُل عليهِ الإيلاء، لأنَّهُ لم يقصد الضرر بها.
فإن كان مُعسرًا أو عاجزًا عن الصوم حين ظاهر [منها] (٢)، وكان قد قصدَ الضرر بنفس الظهار فهل تطلَّق عليه الآن أو يُضرب لهُ أجل الإيلاء؟ على قولين قائمين مِن "المُدوّنة" وبيانُهما في الفصل الذي يليه.
والوجه الثاني: إذا كان قادرًا على إسقاط الظهار بإحدى الكفَّارات الثلاث: فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ الإيلاء يدخُل عليهِ.
واختُلف متى يُضرب لهُ الأجل؟ على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الأجل فيهِ من يوم التظاهُر، وهو قولُ ابن القاسم في
стр. 1942
"المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ الأجل فيهِ من يوم الرفع، وهو قولُ الغير في "المُدوَّنة".
قال سحنون في الكتاب: "وكلٌ لمالك، والوقف بعد ضرب الأجل أحسن".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يتبيَّن ضررهُ أم لا.
فإن تبيَّن ضررهُ، ضُرب [له] (١) الأجل مِن يومئذ.
فإن لم يتبيَّن ضررهُ فلا شىء عليه ولا يتعرض لهُ إلا أن يتطاول ذلك فيكون لها القيام، وهو قول الغير في "المُدوّنة" في "كتاب الظهار"، وهو نصُّ قولُ مالك في كتاب "ابن الموّاز".
وعلى القول بأن الأجل من يوم التظاهر أو من يوم الرفع فإذا حلّ الأجل ولمْ يشرع في الكفَّارة ثُمَّ قال: "دعونى [أكفر] (٢) عن ظهارى" هل يتلوم له أو تُطلَّق عليه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتلوم لهُ مرةً بعد مرة ويؤخره الإِمام، فإن تبيَّن لهُ كذبُهُ: حكم عليهِ بالطلاق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يتلوم ولا يؤخر، وهو قول محمَّد وعبد الملك إذ لا يزاد في أجل الإيلاء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: "إن ابتدأ صومُ شهرين، بعد ضربِ السلطان الأجل، ثُمَّ [انقضى] (٣) الأجل قبل تمام صومهِ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك باختيار منهُ أو بغير اختيارٍ منهُ:
стр. 1943
فإن كان ذلك باختيارٍ منهُ، فإنَّها تطلق عليهِ، ثُمَّ [إن] (١) انقضى الصوم وهي في العدَّة كان لهُ أن يرتجع.
فإن ارتجع قبل انقضاء الصوم ثُمَّ انقضى وهي في العدَّة كانت رجعته رجعة.
فإن كان ذلك بغير اختيارٍ منه مِثل أن يبتديء الصوم في الأربعةِ الأشهر أول ما ضُربت وهو صحيح ثُمَّ مَرِضَ حتى مضى الأجل قبل أنْ يُكمل صومهُ: لم تُطلَّق عليه، لأنَّهُ معذور [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 1944
المسألة السادسة
فيمن ظاهر مِن جماعة النساء. ولا يخلو ذلك مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ يُعلِّق ذلك بشرط التزويج.
والثانى: أن يُعلِّقهُ بالكلام والدخول.
والثالث: أن يكون الظهار مُطلقًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا علَّقهُ بشرط التزويج، فلا يخلو ذلك مِن أن يكون في نساء معيَّنات أو في نساء مجهولات [فإن كان في نساء مجهولات] (١): [فله] (٢) ثلاثة ألفاظ "كُل" و"من" و"أي".
فأمَّا "كُلُّ" [فمثل] (٣) قولُهُ: كُلُّ امرأةٍ أتزوّجها فهي علىَّ كظهر أمِّى هل تُكرر عليهِ الكفَّارة أو كفارة واحدة تجزئه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ كفارة واحدة تجزئُهُ عن كُلِّ مَن تزوّج مِن النساء، وهو قولُ مالك في "المُدوّنة".
فإن تزوّج واحدةً ثُمَّ وطئها فإنَّهُ يجب عليه الكفَّارة ماتت أو طُلِّقت، ثُمَّ إن تزوّج أُخرى فلا يطؤها حتى يُكفِّر.
وكذلك إنْ ماتت الأُولى قبل الوطء ثُمَّ تزوّج غيرها فلا يقربها حتى يُكفِّر.
стр. 1945
فإن كفَّر ثُمَّ تزوّج ثانيةً فلهُ أن يطأ بغير كفَّارة، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ عليه في كل امرأة يتزوجها كفَّارة وهو قولُهُ في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو قول ابن نافع أيضًا، وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" مِن قولهِ: "مَنْ تزوجت منكنَّ" وكلاهما من صيغ العموم.
فأمَّا "من" و"أي"، مثل قوله: "مَن تزوجتُ مِن النساء فهي علىَّ كظهر أُمِّى [أو قال: أي امرأة أتزوجها فهي علىَّ كظهر أمى] (١) " فقد قال في الكتاب: "عليهِ في كُلِّ واحدةٍ كفَّارة" ولم أر في ذلك نص خلافٍ في المذهب، [والخلاف] (٢) داخلٌ فيها بالمعنى، قياسًا على"كُل".
والفرقُ بين "كُل" و"مِن" على مذهب الكتاب لأن "ومِن" "إياهما" مِن صيغ العموم [لإبهامهما] (٣) واشتمالهما على الآحاد بغير تعيين ولا تخصيص فأفادتا العموم مِن هذا الوجه، [لا من] (٤) مقتضى نفس صيغتهما كمُقتضى [لفظة] (٥) "كُل" و"أجمع".
فلمَّا كانت "من" و"أي " إنَّما تقعُ على الآحاد لزِمت في كُلِّ واحدة كفَّارة ولم يلزم ذلك في "كُل" إذ هى بنفسها ووضعها للاستغراق فكانت كاليمين على أشياء فحث بفعل أحدها، فلو جمع بين "كُل" و"مِن" مِثل: أن يقول: "كل مَن تزوّجت مِن النساء فهي علىَّ كظهرِ أمى" فكانت بمنزلة مَنْ لم يذكر "مِن"، وكان الحُكم لقولهِ "كُل"،
стр. 1946
لأن من هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض.
فإن قال ذلك [لنساء] (١) [معينات] (٢) فلهُ أربعة ألفاظ "إن" و"كُل" و"مَن" و"أي".
فأمَّا "إنْ": فمثل قوله: إن تزوجتكُنَّ فأنتُنَّ علىَّ كظهر أُمِّى، فليس عليهِ إلا كفَّارة واحدة بلا خلاف في ذلك.
وأمَّا "كُل" فعلى الخلاف الذي قدَّمناهُ إذا كن مجهولات.
وأمَّا "مَنْ" و"أي" فمثل قوله: "مَن تزوجتُ منكنَّ أو أيتكُنَّ تزوّجت فهي علىّ كظهر أُمِّى": ففى كُلِّ واحدةٍ منهنَّ كفَّارة.
والجواب عن [الوجه] (٣) الثاني: إذا علقه بالكلام والدخول فيتخرج على الخلاف الذي قدَّمناهُ مِثل قوله: "إن دخلتُنَّ هذه الدار" و"إنْ كلمتكنَّ" أو قال: "كُل منْ دخلت منكنَّ هذه الدار" أو "كُلُّ مَنْ كلمتها منكنَّ" أو "مَنْ دخلت منكنَّ" أو "أي امرأة دخلت أو كلَّمتُها". فهذه الحروف كُلُّها للتبعيض في هذا الوجه: [فمن] (٤) دخلت منهن وجب [عليه] (٥) فيها الظهار، وعليهِ مِن الكفَّارات بعدد مَن دخل منهنَّ إلا في حرفٍ واحد.
وهو قولُهُ: "إنْ دخلتُنَّ هذه الدار" فدخلتها واحدة منهنَّ فإن المذهب اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا شىء عليهِ في الداخلة حتى يدخُلنَّ كُلُّهنَّ فتكون عليهِ
стр. 1947
كفَّارة واحدة، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة" [في] (١) "كتاب العتق".
الثاني: أنَّهُ يحنث فيهنَّ بدخول واحدة ويُوقَّف عنهنَّ حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قول عبد الملك، وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب النذور" مِن قولهِ: "إن الحنث يقع بأقلِّ الأشياء".
والقول الثالث: أنَّهُ يحنث في الداخلة خاصة ولا شىء عليهِ في الآخرة حتى تدخل، وهو قول أشهب في كتاب "العِتق الثاني" مِن "المُدوّنة"، فجعل لكل واحدةٍ ظهارًا، وكفَّارة لكُل واحدةٍ.
ينبنى الخلاف على الخلاف في الحنث هل يقع بأقلِّ الأشياء أو لا يقع إلا بأكملها؟ والقولان قائمان مِن "المُدوّنة".
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان الظهار مطلقًا، فلا يخلو مِن [أن يظاهر من امرأة واحدة أو من أربع نسوة. فإن ظاهر من امرأة واحدة فلا يخلو من] (٢) أن يُكرر عليهِ الظهار أو لا يكرره:
فإن لم يُكرر عليه الظهار، مِثل: أن يقول: "أنتِ علىّ كظهر أُمِّى": فعليهِ كفَّارة واحدة اتفاقًا.
فإن كرَّر عليه الظهار فلا يخلو من أن يكون ذلك في يمين أو في غير يمين أو يكون أحد الظهارين بيمين والآخر بغير يمين.
فإن كان ذلك بيمين فلا يخلوا مِن أنْ يتَّحدَ المحلوف عليهِ أو يتعدَّد المحلوف:
стр. 1948
فإن اتَّحد المحلوف عليه مثل قوله: إنْ دخلت هذه الدار، فأنت علىَّ كظهر أُمِّى [فيُكرِّر اليمين كَذَلك مِرارًا فالحكم في هذا الوجه كالحُكم فيمن كرَّر الظهار بغير يمين مثل قوله] (١): "أنت علىَّ كظهر أُمىِّ" فلا شىء عليه إلا كفَّارة واحدة، لأنَّهُ ظهارٌ واحد لأنَّها بأوّل مرَّة هى عليه كظهر أُمِّه وصارَ في قوله الثاني والثالث كالمواصف لها، إلا أن ينوى بتكريره الظهار ثلاث كفَّارات: فيلزمُهُ ذلك، وهذا نصُّ قوله في "المُدونة".
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵁: "ولا يكون لهُ حُكم الظهار فإن نوى العدة وكفَّر عن الأوّل جاز لهُ الوطء، وإن لم يكفِّر عن الثاني".
والذي قالهُ صحيح، لأنَّهُ إنَّما تلزمُهُ كفارة مِثل كفارة الظهار يُؤديها مِن مالهِ للمساكين.
واختُلف إذا نوى بتكرار الظهار ظهارات، هل يلزمُهُ حكم ما ظهر مِن الظهارات مِن الكفارات أو لا يلزمهُ مِن الكفارات إلا كفارة واحدة؟ على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمه [عدد ما ذكر] (٢)، إذا نوى بذلك التكرار ظهارات، وهو أحد أقاويلهِ في "المُدوّنة" في "كتاب النذُور" حيث قال: "في يمينٍ واحدة، إلا أن يريد بما عمل الزور أو تلاهُ أيمان"، وهذا نصُّ الكتاب في بعض الروايات بإثبات "أو".
والثانى: أنَّهُ لا يكون عليه إلا ظهارًا واحدًا إلا أن ينوى ثلاث كفَّارات، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن "الكتاب المذكور" أيضًا، حيث قال:
стр. 1949
"فإن نوى باليمين الثانية غير الأولى، [وبالثالثة] (١) غير الثانية"، حيثُ قال: "لا يكون ذلك أبدًا إلا يمين واحد إلا أن يُريد بهما مُجمل النذور: [فتلزمهُ] (٢) ثلاث كفَّارات".
فإن تعدّد المحلوف عليهِ، مثل قوله: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى إن دخلتِ هذه الدار" ثم قال: "أنت عَلىَّ كظهَر أُمِّى إن لبِستِ هذا الثوب" فهما ظهاران.
فإن حنث في أحدهما ونوى العودة، وكفَّر ثُمَّ حنث في الأخرى كانت عليهِ كفَّارة أخرى إذا نوى العودة.
واختُلف إذا حنث في أحد اليمينين فلم يكفِّر حتى حنث في اليمين الأخرى على قولين:
أحدهما: أنَّ كفّارة واحدة تُجزئُهُ، وهو قول عبد الملك والمخزومى.
والثانى: أنَّ عليهِ لكُلِّ يمين كفَّارة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والوجهُ الثالث: إذا كان أحد الظهارين بيمين والآخر بغير يمين مثل أن يكون عليه ظهار يمين فحنث فيه فلم يُكفِّر، حتى دخل عليهِ ظهار مجرد قد أوقعهُ على نفسه أو كان الأول ظهارًا مجردًا ولم يُكفِّر حتى دخل عليهِ [ظهار] (٣) آخر بيمين حنث فيها. هل تجزئُهُ كفَّارة واحدة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ عليهِ لكُلِّ ظهار كفَّارة، وهو ظاهر المُدوّنة وهو قول محمَّد
стр. 1950
ابن الموّاز: "إذا تقدَّم الظهار باليمين على الظهار المجرد" ولا فرق بين أن يتقدَّم أو يتأخَّر على ظاهر "المُدوّنة" [وعلى] (١) ظاهر قول محمَّد.
والثانى: أنَّ كفَّارة واحدة تجزئُهُ مِن غير اعتبار بيمينٍ سَبَق، وهو قول المخزومي وعبد الملك في المسألة الأولى إذا كان الظهار بيمين.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يتقدَّم الذي [هو] (٢) بيمين فتكون عليهِ كفَّارة واحدة، و [بين] (٣) أن يتقدم الذي هو بغير يمين ثمَّ حلف فحنث كانت عليه كفَّارتان، وهو قولُ أصبغ في "المستخرجة".
فإن ظاهر مِن أربعة نسوة فلا يخلو مِن أن يجمعهن في كلمةٍ واحدة أو أفرد كُلُّ واحدةٍ منهنَّ بالذكر:
فإن جمعنَّ في كلمةٍ واحدة، وقال: "أنتُنَّ علىَّ كظهر أُمِّى" فعليه كفَّارة واحدة اتفاقًا.
فإن أفرد كُلَّ واحدةٍ [بالظهار] (٤) فلا يخلو من أن يكون ذلك في كلام مُتَّصل أو في كلام مُنفصل:
فإن كان في كلامٍ مُتَّصل مثل قولهِ: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى" وأنتِ يُشير إلى غيرها فهل تتعدّد الكفَّارَات أو تتَّحد؟ قولان:
أحدهما: أنَّ الكفَّارات [تتعدد] (٥) بتعدد النِّساء المُظَاهر منهنَّ، وهو قول يحيى بن عمرو.
стр. 1951
والثانى: أنَّهُ لا تلزمُهُ إلا كفارة واحدة، وهو قولُ أشهب.
والقولان قائمان مِن "المُدوَّنة" بالتأويل، وقد قال في "الكتاب" فيمن قال لامرأته: "أنت عليَّ كظهر أُمِّي" ثم قال للأُخرى: "وأنتِ عليَّ مِثلها: أنَّ عليهِ كفَّارتان.
وقولُهُ "ثُمَّ": هل [هى] (١) مِن كلام الحاكى من غير أن [يقتضيها] (٢) الزمان كما تقول: "قال زيد كذا ثم جاوبه عمرو بكذا. وإن كان جواب عمرو مُطابقًا لقول زيد" مِن كلام الحاكى [في اللفظ] (٣) دون المعنى فتكون عليه كفَّارتان كما لو انفصل الثاني عن الأول كما قال يحيى ابن عمرو. أو يُحمل قولُهُ "ثُم" على المعنى وعلى [موضوعها] (٤) في اللَّغة فيكون الحاكى إنَّما حكى المجلس على ما كان عليهِ، فلذلك قال في "الكتاب": عليهِ كفَّارتان.
فلو كان كلامُهُ مُتصلًا بعضُهُ ببعضِ مِن غير تراخٍ كما يقول ابن القاسم عليه كفَّارة واحدة [كما قال أشهب] (٥)، إذْ لا فرق بين قوله: "أنتما عليَّ كظهر أُمِّى" أو يقول: "أنت وأنت" إذا كان [كلاما] (٦) نسقًا.
فإن كان ذلك في كلامٍ مُنفصل فلا خلاف أنَّ الظهار يتعدد.
والحمد لله وحده.
стр. 1952
المسألة السابعة
في تعليق الظهار بدواعى الوطء . مِثل أن يقول: مُضاجعتُك وملامستُك وقبلتك علىَّ كظهر أُمِّى، هل ينعقد فيهِ الظهار أم لا؟ على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّ الظهار يتعلَّق بجميع دواعى الوطء، وهو مشهور المذهب، وهو تأويل جميع أصحابنا بالبغداديين وغيرهم أنَّ جميع أنواع الاستمتاع محرَّمة عليه حتى يُكفِّر، وهو ظاهر قول عبد الملك [أيضًا] (١)، لأنَّه قال: "إذا أخذ في صيام [المُظاهر] (٢) ثُمَّ قبَّل أو باشر قبل أنْ يُتمَّ صيامهُ، فإنَّهُ يستأنف".
فعلى هذا يكونُ مُظاهرًا إذا علَّق الظهار بذلك.
والثانى: أنَّهُ لا يتعلَّق الظهار بدواعى الوطء جُملةً، وهو تأويل الشيخ أبى الحسن اللخمى [على المذهب] (٣).
واستقرئ ذلك مِن قوله في المُظاهر: "لا يُقبِّل ولا يُباشر لأنَّ ذلك لا يدعو إلى خير"، فجعل المنعُ من ذلك حمايةً أن يقعَ في الجماع الذي هو مُحرَّم، ليس أنَّهُ تتعلق بهِ الكفَّارة في نفسه، وهو ظاهر قول أصبغ في غير "المُدوّنة" فيمن أخذ في الكفَّارة عن ظهار ثُمَّ قبل أو باشر فلا شىء عليه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين النظر إلى محاسنها وبين القُبله والمُلامسة وغيرها. فيتعلق الظهار بالمُلامسة وغيرها ولا يتعلَّق بالنظر إلى محاسنها
стр. 1953
كالنظر إلى شعرها وصدرها، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن قولهِ: "ولا بأس أن يكون معها ويدخُل عليها بغير إذن إذا كان تُؤمن ناحيتُهُ" وإباحة الدُخول عليها بغير إذن سبب أن ينظر إلى ما اتفق عند دُخوله مِن سائر أطرافها مِن رأسها وشعرها وذراعيها وقدميها الذين هما عورة لما عُلم بالعادة أنَّ المرأة لا تتحرز في بيتها ولا تتحفظ في ستر أطرافها كما كانت تتحفَّظ إذا كانت خارجة، وكوْن الزوج مأذونًا في الدُخول عليها بلا إذن إباحة النظر إليها على [تلك الحالة] (١)، وهو قول أبى القاسم بن الجلاب: أنَّ لهُ النظر إلى الوجهِ والرأس واليدين وسائر الأطراف، وهو نصُّ قول مالك في "العُتبيَّة" في الرأس والشعر.
وأمَّا الوجهُ فقد قال في "الكتاب": "يجوز لهُ النظر إليه [وقد ينظر غيره إليه] (٢) "، ومعناهُ: لغير لذَّة وأمَّا باللذَّة فلا يجوز.
والقول الرابع: التفصيل بين النظر إلى المحاسن للذَّة أو لغير لذَّة:
فإن كان للذَّة حرم.
وإن كان لغير لذَّة لم يحرُم.
وهذا ظاهر قوله في "المُدوَّنة" في الوجه حيثُ قال: "وقد ينظر [غيره] (٣) إليه".
فيتحصَّل مِن "المُدوّنة" في تعليق الظهار بدواعى الوطء ثلاثة أقوال.
وفيما يجوز للمُظاهر مِن امرأتهِ قبل الكفَّارة أربعة أقوال:
أحدها: إباحة ما عدا الوطء مع الكراهة، لقولهِ في "الكتاب":
стр. 1954
"لأنَّ ذلك لا يدعو إلى خير".
والثانى: أنَّهُ محظور جُملةً مِن غير تفصيل كالوطء، لقوله في "الكتاب": "لا يُقبِّل ولا يُباشر ولا يُلامس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يُكفِّر".
والثالث: التفصيل بين القُبلة والمُباشرة والنظر إلى المحاسن، وهو قولُهُ في "المُدوّنة" ولا يدخُل عليها بغير إذن.
والرابع: التفصيل بين الوجهِ وغيره مِن سائر المحاسن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في دواعى الوطء، هل هى كالوطء أم لا؟
وَمَنْ فرَّق بين القُبلة والنظر إلى المحاسن يقول: القُبلة والمباشرة [والملامسة] (١) مقصودة في نفسها، والنظر إلى المحاسن مُرادٌ لغيره، لأنَّها مِن دواعى [الوطء] (٢) والمباشرة كما قدَّمناهُ في "كتاب الصيام".
وعلى هذا يتخرَّج الخلاف في الظهار مِن الرتقاء والصغيرة، لأنَّ الوطء منها لا يتمكن ودواعيهِ مِن القُبلة والمباشرة منهما متمكن.
ويبنى [عليه] (٣) اختلافهم في ظهار المجبوب والمعترض والشيخ الفانى وَمَنْ لا يقدرُ على الجماع هل يلزمُهم الظهار إذا ظاهروا مِن نسائهم أم لا؟
فمن رأى أنَّ دواعى الوطىء كالوطء يقول يلزمهم الظهار، لأنهم يستمتعون بما عدا الوطء مِن سائر أنواع الاستمتاع.
وَمَنْ رأى أنَّ دواعى الوطء ليست كالوطء قال لا يلزمهم الظهار، وهو قولُ علىَّ بن زياد وسحنون.
стр. 1955
وفرق في "المُدوّنة" بين المُتظاهر منهما وبين المعتدَّة وقال في المُعتدَّة: لا يجوز النظر إلى شىء من محاسنها، وذلك أنَّ المُعتدَّة مُنحلَّة العصمة مختلة النكاح، والمُتظاهر منها ثابتة العصمة صحيحة النكاح.
وينبنى الخلاف على الخلاف في تأويل قولهِ تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، هل هو عامٌ في جميع أنواع المُلامسة كما هو صريحُ مذهب مالك وجمهور العلماء أو مخصوص بالجماع، كما به قال "الحسن" و"عطاء والزُهرى وقتادة".
والحمد لله وحدهُ.
стр. 1956
المسألة الثامنة
في العودة ما هى ؟، و [قد] (١) قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وقد اختلف العلماء فيها على أربعة مذاهب:
أحدها: أن العودة نفس لفظة الظهار لا أمرٌ زائد عليهِ، وبه قال مجاهد وطاووس فَحَمَلا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [أن يعود] (٢) إلى لفظ الظهار [الذي كانوا يطلقون به في الجاهلية فيعودوا إليه في الإِسلام بعد نزول الآية بتحريمه فتجب الكفارة عليه بنفس الظهار] (٣) لأنَّهُ عاد إلى فعل الجاهلية.
والثانى: أنَّ العودة تكرار لفظ الظهار مرَّة ثانية فإذا عاود اللفظ وكرَّرهُ وجبت عليهِ الكفَّارة، وهو مذهب أهل الظاهر.
والثالث: أنَّ العودة نفس وجود الإمساك، فمهما مضى لهُ [بعد الظهار] (٤) زمان يُمكنهُ أن يُطلِّق فيه [فلم يطلق ثبت أنه عائد ولزمته الكفارة لأن إقامته زمانًا يمكنه أن يطلق فيه] (٥)، دليلٌ على إرادة الإمساك، وهو مذهب الشافعى.
والرابع: أنَّ العودة العزمَ على وطئها، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد بن حنبل ﵄.
وأمَّا مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبُهُ واختُلف أقوال أصحابهُ،
стр. 1957
وتحصيل اختلافهم يحصرُهُ خمسةُ أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ العزمَ على الوطء وعلى الإمساك، وهو مشهور المذهب، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب "ابن الموَّاز".
فإذا عزمَ على وطئها وأمسكها فقد وجبت الكفَّارة عليه وإن ماتت أو طلَّقها، وهذا نصُّ قوله في الكتاب المذكور، وبهِ قال أصبغ، وقال ابن عبد الحكم: أخبرنى بهذا أشهب عن مالك.
وقال القاضى أبو الوليد الباجى: "وليس مِن شرط العزم الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة، كان عازمًا"، وهذا القولُ قائمٌ مِن "المُدوَّنة" مِن قولهِ: لأنَّهُ كفَّر قبل نيَّة العودة، ولا ينوى ذلك فيمن ليست في عصمته.
والثانى: أنَّ العودة: العزم على الوطء خاصة، [فمتى] (١) عزم على الوطء وجبت الكفَّارة، وهو نصُّ قوله في "المُدوَّنة".
والثالث: أنَّ العودة: العزم على الإمساك خاصةً، [فمتى] (٢) عزم على الوطء: وجبت الكفارة، وهذا قولٌ حكاهُ ابن الجلاب عن مالك ونحوهُ لعبد الله بن عبد الحكم، وعليه تأوّل يحيى بن عُمر قولُ نافع في الكتاب، حيثُ قال: " [وهو] (٣) لَا يُريد المصاب إلا حبس امرأتهُ" قلت: "وهذا بيِّن في مُجرد العزم على الحبس"، ويُؤخذ مِن "المُدوَّنة" أيضًا مِن: "مسألة الأمة التي تظاهر منها سيِّدها وليس لهُ مالٌ سواها"، حيث قال: "يجوز لهُ أنْ يعتقها عن ظهاره"، وهذا يقطع أنَّ العودة
стр. 1958
ليست مِن شرطها العزم على الإمساك الأبدى كما فسَّر القاضى أبو الوليد الباجي.
فقولهُ في هذه المسألة يحتمل ثلاثة أوْجه:
[إما] (١): العزم على الوطء وحده، وإما العزم على الإمساك [وإما مجرد الإمساك] (٢)، والوجهُ الأول والثالث أظهر مِن الثاني لأنَّهُ لو عزم على إمساكها ما أعتقها.
والوجه الثالث: [أيضًا] (٣) أظهر من الأول، لأنَّ عتقَهُ إياها يُنافى العزم على الإصابة إلا على القول بأنَّ نفس وجود العودة تجب الكفَّارة طلَّق أو أعتق أو مات، فيصحُّ وجهُ الأول والثانى.
والقول الرابع: أنَّ العودة: الوطء نفسهُ، وهذا القول حكاهُ [القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب] (٤) وغيرهُ عن مالك، وكما قال أبو حنيفة.
فعلى هذا لا يلزمُهُ الكفارة حتى يطأ، ثُمَّ لا يطأ بعد ذلك حتى يُكفِّر، وقالهُ جماعة مِن السلف وحكاهُ أصبغ عن مَن يرضى مِن [أهل] (٥) المدينة، وليس لهذا القول موضع يُستقرأ مِن "المُدوّنة".
والقول الخامس: أنَّ العودة: الإمساك مجردًا أو البقاء معها فمهما مضى لهُ مِن بعد الظهار زمان يُمكنُهُ أن يُطلِّق فيه ولم يُطلّق فيهِ ولم يُطلِّق وجبت عليهِ الكفَّارة كما يقول الشافعىَّ، وعليهِ تأوّل القاضى
стр. 1959
أبو الوليد بن رُشد [قول] (١) ابن نافع.
ووجهُ الصواب في هذه المسألة وتصحيحُ القولُ المُختار منها يتبيَّن [ويتضح] (٢) مِن طريق "السبْر والتقسيم"، وذلك أنَّ معنى العودة لا يخلو [من] (٣) أن يكون:
تكرار اللفظ والوطء نفسهُ والإمساك نفسُهُ أو العزم على الوطء والإمساك أو العزم على الإمساك:
وباطلٌ أن يكون "تكرار اللفظ" أنَّ ذلك تأكيد والتأكيد لا يُوجب الكفَّارة.
وباطلٌ أيضًا أن يكون "إرادة الإمساك" أو "الإمساك مُجردًا".
فإنَّ الإمساك موجود بنفس الظهار وإرادة الإمساك دون إرادة الوطء لا يُؤثِّر، ولو كان العود نفس الإمساك لكان الظِّهار نفسهُ يُحرِّم الإمساك ولكان الظهارُ طلاقًا.
وباطلٌ أيضًا أن تكون العودة هى "الوطء نفسه" لقولهِ تعالى: ﴿من قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
فإذا بَطُلت الأقسام كُلَّها: تعيَّن أن تكون العودة العزم على الوطء مع استدامة العصمة، وهذا أشهر أقوال المذهب، وهذا الذي يصير على البر.
فإذا ثبت ذلك فنحنُ بحمد اللهِ نُبيِّن شُبهة كل قول.
стр. 1960
فشبهة الشافعية: أنَّ الإمساك يلزم منه الوطء، فجعلوا لازم الشىء شبيها [ببابه] (١)، ولأن الإمساك هو السبب في وجود الكفَّارة وإنما ترتفع بارتفاع الإمساك.
وشبهة من يقول "الوطء نفسه شبيه الظهار باليمين": فكما أنَّ كفَّارة اليمين إنَّما تجبُ بالحنث فكذلك الظهار، وهو قياس [شبه] (٢) عارضهُ النصُّ.
وشبهة الظاهرية: تعلق بظاهر اللفظ وأنَّ "اللام" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ على أصلها [وأما مالك والشافعى ﵄ فقدرا في الآية محذوفًا وأن اللام في قوله تعالى: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ بمعنى في] (٣) والتقدير "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون" أي: يُريدون العوْدة فيما قالوا، ومَنْ لم يُقدِّرها هذا التقدير تجبُ الكفَّارة عندهُ بنفس الظهار [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 1961
المسألة التاسعة
فيمن كفَّر قبل إرادة العودة أو بعد العودة ثُمَّ طلَّق أو ماتت قبل تمام الكفَّارة. ولا يخلو المُظاهر مِن [ثلاثة أوجه: أحدها] (١): أن يُكفِّر قبل إرادة العودة. أو كفَّر بعد العودة. أو حصلت العودة ثُمَّ [طلَّق] (٢) أو [مات] (٣) قبل أن يُكفِّر.
فإن كفَّر قبل أنْ يُريد العودة، و [هو] (٤) مع ذلك يُريد أن يُطلِّقها.
هل تجزئُهُ تلك الكفَّارة إذا راجعها يومًا ما أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تُجزئُهُ، حتى ينوى العودة، وهو قول محمَّد بن سحنون، والثانى: أنها تجزئه وهو ظاهر قولُ ابن سحنون عن أبيه أيضًا حيث قال: "وأكثر قول أصحابنا أنَّ مَنْ كفَّر بغير نيَّة العودة [لا تجزئه] (٥) "، وذلك يدلُّ على أنَّ هناك مَنْ يقول "إنَّها تجزئُهُ".
وأمَّا [إن] (٦) كفَّر بعد وجود العودة ثُمَّ [طلَّق أو مات] (٧) فلا خلاف في المذهب أنَّها تجزئهُ، ومتى تزوّجها كان لهُ أن يطأها بغير كفَّارة.
стр. 1962
وأمَّا الوجه الثالث [إذا نوى العودة ثم طلق أو مات] (١): فلا يخلو مِن أن يكون ذلك قبل الشروع في الكفَّارة أو بعد الشروع فيها:
فإن كان ذلك قبل الشُروع فيها، فهل تجب عليه الكفَّارة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يجب عليه أن يُكفِّر، لأنَّهُ بنفس العودة تجب الكفارة، وهو قول مالك في كتاب "محمَّد"، وبهِ قال أصبغ.
وقال محمَّد بن عبد الحكَم: "أخبرنى بهذا أشهب عن مالك وسواءٌ طلَّق أو مات".
والثانى: أنَّها لا تجبُ إلا مع استدامة الملك، وهو قولُ ابن القاسم في المدونة. فإن طلقها بعد الشروع في الكفارة هل يلزمه إتمامها وتجزئهُ [إن] (٢) أتمَّها أم لا؟ [أما] (٣) على القول بأنَّها [واجبة] (٤) بنفس [وجوب] (٥) العودة" فلا تفريع.
وعلى القول بأنها [لا] (٦) تجب عليه فلا يلزمُهُ إتمامها، وهل تجزئُهُ إن أتمَّها؟ فلا يخلو مِن أن يكون الطلاقُ رجعيًا أو بائنًا:
فإن كان الطلاق رجعيًا فأتمَّها قبل انقضاء العدَّة أجزأته مِن أيِّ أنواع الكفَّارات كانت ولا خلاف في ذلك.
وإن انقضت العدَّة قبل أن يُتمَّها وكان الطلاق بائنًا فهل تجزئُهُ إن أتمَّها أم
стр. 1963
لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تُجزئُهُ إذا أتمَّها وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "الكتاب" حيثُ قال: "إذا طلَّقها قبل أنْ يمسَّها وقد عمل في الكفَّارة لم يلزمهُ إتمامها"، وظاهرهُ: أنَّهُ يُجزئُهُ التمادى عليها لأنَّهُ إنَّما تكلَّم على اللزوم، وهو نصُّ قول ابن نافع في "المُدوّنة" حيث قال: "وإن تمادى أجزأه إذا أراد العودة"، وظاهرُهُ أن لا فرقَ بين انقضاء العدَّة وعدم انقضائها، ولا بين الصيام والإطعام، وهو نصُّ قول عبد الله بن عبد الحكم في "النوادر".
والثانى: أنَّها لا تُجزئُهُ، و [أنه] (١) إذا تزوَّجها يبتدئ الكفَّارة فيها كانت صيامًا أو طعامًا، وهو قول مالك وابن القاسم وابن وهب وأشهب في "النوادر".
والثالث: التفصيل بين الصيام والإطعام، وأنَّهُ يُتم على الإطعام، ويستأنف الصيام إذا تزوّجها، وهو قول أصبغ في "النوادر".
وسبب الخلاف: هل مَن شروطُ [وجوب] (٢) الكفارة استدامة الملك أو ليس مِن شروطهِ؟
فمن اشترطهُ قال: لا تجب الكفَّارة إذا طلَّق أو مات لأنَّهُ [إنما كفر ليطأ] (٣).
ومن لم يشترطهُ، قال: تجب بنفس وجود العودة وهذا أظهر في النظر.
والحمد لله وحدهُ.
стр. 1964
المسألة العاشرة
في ظهار العبد وما يجوز [له] (١) أن يُكفِّر به. ولا خلاف أعلمُهُ في المذهب أن العبد لا يجوز لهُ أنْ يكفر بالعتق، وإنْ أذن لهُ سيدهُ إذْ الولاء لغيرِه.
وعلى هذا جميع العلماء إلا داود وأبو ثور فإنَّهما جوّزا للعبد الكفارة بالعتقِ.
وأمَّا الإطعام فلا يخلو مِن أنْ يأذن [له] (٢) سيدهُ فيهِ أو لم يأذن:
فإن لم يأذن له في الإطعام فلا خلاف أعلمه في المذهب نصًا أنَّهُ يجوز لهُ الكفَّارة بالإطعام.
والقياس: الجواز إذا كان العبد غير قادرٍ على الصيام، لأنَّه حقٌ متعلق بالمال [فوجب] (٣) اقتضاؤه منهُ، أصل ذلك الجنايات التي لم يأذن لهُ فيها، ومع ذلك يتعلَّق بماله إذا جنى، لأنَّ السيد إذا اختار تسليمهُ في الجناية أسلمهُ بمالهِ على مشهور المذهب.
فإن شئت فقس ظهاره على ما أذن له فيهِ من المعاملات إذا تركبه منهُ الدين، لأنَّ الإذن بالمُعامَلات يُشعر بالإذن في المُداينات، والإذن في النكاح يُشعر بالإذن في توابعهِ ومن توابعه الظهار وهذا لازمٌ للمذهب.
فإن أذن لهُ السيد في الإطعام وهو عاجز عن الصوم، هل يجزئُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
стр. 1965
أحدهما: أنَّهُ يُجزئُهُ، وهو قولُ ابن القاسم في كفَّارة اليمين بالله تعالى.
والثانى: أنَّهُ لا يُجزئُهُ، لأنَّ الإطعام يخرج إلى ما يعطاه وفيهِ ملك للسِّيد بعدما أذن لهُ [ولو شاء رجع فيه] (١)، وهو قول عبد الملك في "المبسوط"، ومثلُهُ لابن دينار، وهو ظاهر قوله في "المُدوّنة": "ليس على العبدِ عتقٌ ولا إطعام، ولو وجد مالًا يُطعم ويعتق"، ولكن يصوم، ويُؤخذ أيضًا مِن تعليل ابن القاسم في كفَّارة اليمين بقولهِ: "كأجنبى كفَّر عنه، إذا أذن لهُ السيِّد في الإطعام".
وأشهب يقول: "لا تجزئُهُ إذا كفَّر عنهُ الأجنبى، وإن كان بأمرهِ، فإنَّهُ يلزم أيضًا على قول أشهب ألا يجور وإن أذن لهُ السيِّد.
فإن عجز العبدُ عن الصيام ولا عندهُ مِن المال [ما يكفر به] (٢) إذا أذن لهُ السيِّد على قولٍ، فإنَّهُ لا يدخُل عليهِ الإيلاء، لأنَّهُ ليس بمضار.
وأمَّا كفَّارتهُ بالصيام: فلا يخلو [من] (٣) أن يكون الصيام يضرُّ بالسيِّد أولًا: فإن كان لا يضرُّ به فلا خلاف أنَّ ذلك كفَّارتهُ، وأنَّهُ إن تركهُ مع القُدرة عليهِ فإنَّهُ يدخُل عليه الإيلاء لأنه مضار.
وإن كان الصيام يضرُّ بالسيِّد في كون العبد يضعفُ عن الخدمة، هل لهُ أن يمنعَهُ منهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ للسيد أن يمنعَهُ مِن الصيام، وهو قولُ ابن القاسم في