← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

قال: إنَّ الأب يغرم القيمة، ويُفرق بين المسألتين، وهذا من باب اعتبار الطوارئ البعيدة، وهي من الطوارئ النادرة الوقوع، وقليل من السادات مَنْ يكون ذلك مقصوده من أمهات الأولاد، وهذا كله إذا كان الأب الواطئ حرًا. وأمَّا إن كان عبدًا فوطئ أمة ابنه الحُر، فأحبلها، هل تقوم عليه أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يُتبع الأب بشىء, لأن ذلك ليس بغصب، ولا خراج ولا حد عليه، ولو قال الابن: "أنا أسلمها إليه، وأتبعه بالقيمة" لم يكن ذلك له. فإن وضعت حملها: كان حرًا على أخيه. ولو أسلمها إليه الابن: لم تكن [له] (١) أم ولد بذلك الولد, لأنَّهُ خلق في بطنها على الحُرية، وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن سحنون"، وبه قال [ابن المواز] (٢). والثانى: أنَّ وطأها كالجناية، وقيمة الجارية في رقبة العبد الذي هو الأب، ويخير سيد العبد بين أن يفديه بقيمة الجارية أو يسلمه، وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز" وكتاب "ابن سحنون". فإن فداه، هل تتبعه الجارية أو تكون لسيده؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تكون لسيد العبد، وهو قوله في كتاب "ابن المواز". والثانى: أنَّ الجارية للعبد، والعبد للسيد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون".

стр. 2207

فإن أسلمهُ سيده في تلك الجناية، كان حرًا على ابنه الذي يُسلم له، وتتبعه الجارية، وهل تكون له أم ولد بذلك الولد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّها تكون أُم ولد بذلك الولد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون". والثانى: أنَّها لا تكون أُم ولد إلا بولد ثانٍ، لأنَّ ذلك الولد لسيِّده الذي أسلمه, لأن رقيق له، إلا أن يقال: إن علم السيِّد بأنه يتبعه ماله إذا أسلمه، كان تسليما للولد إذا ولد، وإسقاطًا لحقِّهِ فيه، وإن ماتت الجارية قبل أن يُخيَّر السيِّد فمصيبتها من العبد، وتكون القيمة في رقبتهِ، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد" وكتاب "ابن سحنون". والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون الأب عبدًا مأذونًا له في التجارة أو غير مأذون: فإن كان مأذونًا له في التجارة: قومت عليه قيمة عدل، ثُمَّ يؤخذ ذلك مِن مالهِ إن كان لهُ مال، وهو قول المُغيرة في "كتاب ابن سحنون". وإن لم يكن له مال، هل يُتبع في الذَّمة أو تُباع عليه؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يتبع بالمال في ذمته، وتكون الأمة والولد لسيده, لأنَّه ليس من مال العبد، وهو قول المغيرة في "الكتاب المذكور". والثانى: أنَّه إذا لم يكن لهُ مالٌ تباع عليه ويعتق الولد على أخيه [وهذا القول حكاه سحنون عن المذهب في كتاب ابنه.

стр. 2208

[فإن كان غير مأذون له في التجارة للابن، والولد لاحق بأب العبد، ويعتق على أخيه] (١)، وهو قول المغيرة. والابن إذا وطئ أمة أبيه فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون وطؤه إياها بتعدٍ. والثانى: أن يكون بنكاح. فإن وطئها بتعدٍ، فالحدُّ واجب عليه اتفاقًا، فهل تقوم عليه بالحكم أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تقوم عليه بالحكم، شاء الأب أو أبى، ويغرم القيمة إن كان مُوسرًا وتكون له ملكًا، وتُباع عليه إنك كان معسرًا، من غير اعتبار، بأن تكون حاملًا أو حائلًا. والثانى: أنَّ الخيار للأب إن كان معدمًا إن شاء قوِّم وإن شاء مسك، ويترك التقويم، ويتبع الابن بما نقصها [الوطء] (٢) أو الحمل إن كانت حاملًا. والقولان قد قدَّمناهما في جارية الابن. فإن وطئها بنكاح، فذلك مباح له, لأنَّهُ يجوز للابن أن يطأ أمة أبيه بنكاح اتفاقًا. وفي جواز نكاح الأب أمة ابنه بالنكاح قولان: أحدهما: أنه لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه، فإن فعل: فإنَّ نكاحه مفسوخ، وعلى الأب قيمتها يوم وطئ، حملت أو لم تحمل،

стр. 2209

وتكون له أم ولد إن حملت، وهو مشهور مذهب مالك ﵁. والثانى: "إنهُ لا يجوز له تزويجها ابتداءً، فإن نزل: فإنَّهُ يمضي ولا يرد، وهو قول محمد بن عبد الحكم في كتاب ابن المواز. فإذا ثبت أنه يجوز للابن وطء أمة أبيه بنكاح. فإن اشتراها من الأب بعد النكاح، فلا يخلو من أن تكون حاملًا أم لا: فإن كانت حائلأ، فالبيع جائز اتفاقًا. وإن كانت حاملًا، فهل يجوز البيع أم لا؟ قولان [قائمان] (١) من "المدوَّنة": أحدهما: أنَّ البيع جائز، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوَّنة"، وإن كان بعض المتأخرين تأوَّل قوله على الوفاق، فقال معناه بعد الوقوع. والثانى: أن البيع لا يجوز، وهو قول الغير. وسبب الخلاف: المستثنى، هل هو مبقى أو مشترى فابن القاسم يرى أنَّهُ مبقى، فجوز البيع. وغيره يرى أنَّهُ مشترى، فمنع البيع لما في ذلك من الغرر. وللخلاف فيه مطلع آخر، وهو الجنين [هل] (٢) تلحقه الحُرية في بطن أمه أو لا تلحقه إلا بعد الوضع والاستهلال صارخًا: فمن رأى أن الحُرية لا تلحقه إلا بعد الوضع، قال: بجواز البيع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة": في الابن يشترى امرأة أبيه،

стр. 2210

وهي حامل ثمَّ يلحقه الدين، قال: "تباع في الدين الذي على الابن"، وقال في التعليل: "إنَّهُ لا يعتق عليه إلا بعد الوضع". ومن رأى أن الحُرية تلحقهُ في بطن أُمه، قال: لا يجوز البيع, لأنَّ ذلك من باب استثناء الأجنَّة، وهو قوله في أمهات الأولاد أنها لا تباع في الدين حتى تضع, لأنَّهُ عتق سنة، خلاف قول ابن القاسم، ومشهور المذهب أنَّ الحرية تلحقه قبل الوضع. وعلى هذا ينبنى الخلاف في الأمة، هل تكون أُم ولد بنفس الحمل [أو بالوضع] (١)؟ قولان قائمان من المدوَّنة. فعلى القول: بأنَّ الحُرية تلحقُه قبل الوضع: فمن ضربها فألقت جنينا ميتًا، ففيه [غرة عبد أو وليدة] (٢). وعلى القول بأنَّهُ لا تلحقه الحُريَّة إلا بعد الوضع، فينبغى أن تكون به أُم ولد، كما قال إذا اشترى زوجة أبيه، وهي حامل أنَّها تباع في دين لحق الابن الذي اشتراها، وكل منهما عتق سنة. هذا أعتق الأخ، وهذا أعتق ابن الابن. أمَّا أن يحكم بعتقهما جميعًا قبل الوضع أولًا يحكم بعتقها إلا بعد الوضع، وهو ظاهر في المعنى جدًا لمن أمعن نظره واستعمل فكره، وغاص بذهنه في بحار المعانى، حتى يستخرج منها نفائس الجواهر واللآلئ. أمَّا من ركن إلى الدعة والراحة ولازم الرقاد طول الأيام والليالى، فهو

стр. 2211

معزول عمَّا نصف، ولاحظ له فيما نتحف، والفضل بيد الله يُؤتيه من يشاء. والحمد لله وحدهُ.

стр. 2212

المسألة الثالثة في أُم ولد الذمي تُسلم: وقد اختلف المذهب عندنا في أُم ولد الذمِّى تُسلم، هل توقف أو تعتق؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّها تعتق الآن. والثانى: أنَّها توقف حتى يسلم أو يموت، والقولان لمالك [في المدونة] (١). والثالث: أنها تباع، وهو قوله في المختصر الكبير. ووجه القول بتعجيل عتقها أنَّ السيد ممنوع من الاستمتاع بها, لكونها مُسلمة في إيقافها ضرر بربها, لأنَّهُ بين إحدى حالتين: إمَّا أن تكلفهُ النفقة عليها، فذلك ضررٌ عليه, لأنَّهُ ينفق على أم ولد لا يستمتع بها. وإمَّا أن يدعها بلا نفقة، فذلك ضررٌ عليها، فكأن عتقها أصوب وزنًا بينهما بالقسطاس المُستقيم. ووجه القول بالإيقاف: رجاء أن يُسلم السيد، فتعود إلى فراشه، وتعجيل عتقها قطع لما يُؤمله ويرجوه. ووجه القول بأنها تباع عليه: قطعا [لمدة] (٢) الضرر [من كلا الضررين] (٣)، حتى لا يستقر السيد بالإنفاق دون الاستمتاع، ولا تستضر

стр. 2213

هى بالإيقاف دون النفقة، لأنَّ الإيلاد في حال الكُفر لم يُوجب لها حُرم أُم الولد، فالإسلام لا يُوجب لها حقًا لم يكن. وعلى القول بأنها تعتق، هل يفتقر [عتقها] (١) إلى حكم حاكم أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهُ يفتقر إلى حكم حاكم، وهو قول ابن القاسم، لأنه أمر مختلف فيه. والثانى: أنَّهُ لا يفتقر إلى حُكم حاكم، وأنَّها تُوقَّف حتى تحيض حيضة واحدة، فإن أسلم: كان أحقَّ بها. وإن انقضت الحيضة قبل أن يُسلم: أُعتقت بغير حكم، [حاكم] (٢)، وهو قول محمد بن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب، وجعل حكمها حُكم الزوجة، تسلم قبل البناء. والحمد لله وحده.

стр. 2214

المسألة الرابعة في إقرار السيد بالإيلاء، واستلحاق الولد: فإذا أقر الرجل بوطء أمته، وأنَّها ولدت منهُ، فلا يخلو مِن أن تكون في ملكه أو في ملك غيره: فإن كانت في ملكه، فلا يخلو إقراره من أن يكون في الصحة أو في المرض [فإن كان في المرض] (١)، فلا يخلو من أن يكون معها الولد أو لم يكن: فإن كان معها الولد، فلا يخلو من أن يكون موروثا بولد أو بكلالة: فإن كان موروثًا بولد، فالمذهب على أنَّهُ مصدق. فإن كان موروثًا بكلالة، وكان له إلى الولد انقطاع، فهل تلحقه التُهمة في ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ يتهم أن يُقر بميراثه عن الكلالة إليه، وهو قول ابن القاسم. والثانى: أنَّ التهمة لا تلحقهُ، وأنَّ الولد به لاحق، وهو قول أشهب، وقال: "إلحاق الولد قاطع لكل تهمة". فإن لم يكُن معها ولد، فلا يخلو مِن أن يكون مورثًا بولد أو بكلالة: فإن كان موروثًا بكلالة: فلا خلاف في المذهب أنَّه لا يصدق. وإن كان موروثًا بولد: فهل يصدَّق أو يتهم؟ قولان في "المُدوَّنة" عن

стр. 2215

مالك: أحدهما: أنَّهُ يُصدق، وبه أخذ ابن القاسم. والثانى: أنَّهُ لا يصدق، وبه قال أكثر الرواة, لأنَّهُ يتهم أن [يفر] (١) بذلك عن الورثة، وقالوا: لا يكون في الثلث ولا في رأس المال، كقوله: "أعتقت عبدي في صحَّتى"، فلا يعتق، لا في [الثلث] (٢) ولا في رأس [المال] (٣). وابن القاسم: فرَّق بين العتق والإيلاد، لأنَّ الإيلاد مبني على الإخفاء والإسرار، والعتق مبنى على الإعلان و [الإشهار إذ العرف فيه] (٤) الإشهاد. فإذا ادَّعى عتقه، ولم تكُن له بينة فقد ادعى خلاف العُرف. ثم لا يقبل قول مَنْ ادَّعاهُ منهما من عبد أو سيد إذا كان هناك أمرٌ يوجب الدَّعوى. فإن كان إقرارهُ في الصحة، فلا يخلو من أن يكون مديانًا أو غير مديان: فإن كان غير مديان: فيصدق، كان معهُ الولد أم لا. وإن كان مديانا: صُدِّق إن كان معهُ الولد، ولا يُصدَّق إن لم يكن معهُ الولد. فأمَّا الوجه الثاني: إذا كان في غير ملكه، مثل: أن يبيعها، ومعها

стр. 2216

ولد ثُمَّ استلحقه، أو باعها وحدها وهي حامل أو حائل، فولدت عند المشتري ثم استلحقه البائع، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يستلحق ولدًا ولد عنده [من أمته] (١). والثانى: أن يستلحق ولدًا لم يُولد عنده، ولا علم أنه ملك أمة بشراء ولا نكاح. والثالث: أن يستلحق ولدًا في ملك غيره. فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الثاني: إذا استلحق ولدًا عنده من أمته أو ولدته بعد أن باعها بمثل ما يُلحق به الأنساب، فلا يخلو من هما في يديه من أن يُحدث فيهما أو في أحدهما عتقا أو تدبيرًا أو لم يحدث فيهما شيئًا: فإن لم يحدث فيهما شيئا، فلا يخلو مِن أن يكون موسرًا أو معسرًا: فإن كان موسرًا , ولم يتهم في الأُم بالصبابة لذواتها: فلا خلاف أنَّهُ يصدق ويلحق به الولد، وتكون أُم ولد. وإن كان مُوسرًا، واتَّهم في الأم بالصبابة أو معسرًا ولم يتهم بالصبابة، فهل يُفسخ البيع وتُردَّ إليه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَهُ لا يلحق به، وهو قول ابن القاسم في الكتاب. والثانى: أنَّهُ يلحق به، وهو لابن القاسم أيضًا، وبه قال أشهب في المدونة أيضًا، ويتبع بالثمن والولد لاحق [به بكل حال] (٢)، ويتبع بحصته من الثمن في العسر.

стр. 2217

وإن أحدث المشترى فيهما أو في أحدهما عتقًا أو تدبيرًا، هل يكون ذلك فواتًا في الأم أم لا؟ قولان لابن القاسم في "المدونة"، ولا خلاف أنَّهُ يكون فوتًا في الولد، وأنَّهُ يُلحق به، وإنَّما الخلاف في الولاء، وهل يسقط للمعتق أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا يسقط والولاء ثابت لهُ، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثانى: أنَّ الولاء يسقط ولا يثبت، وهو قول سحنون في غير "المدونة". وعلى القول بأنَّهُ يكون فوتًا، تُرد إليه في اليسير والعسير، قولان في الكتاب: أحدهما: أنَّهُ تُرد إليه في اليسر، ولا تُرد إليه في العسر، وهو قول ابن القاسم وأشهب. والثانى: أنَّها تُرد إليه في الحالتين، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم، وهذا كُلَّهُ ما لم يثبت إقراره في المسيس ببيِّنة قبل البيع. وأمَّا إن ثبت، فلا خلاف أنَّها [ترد] (١) في اليُسر والعُسر، ويبيع بالثمن، والولد يلحق به بكُل حال، ويُرد مقدار منابته من الثمن، إن كان له حصة من الثمن، ويتبع بها في العسر. واختلف في قدر حصَّته من الثمن، متى تُعتبر باختلاف حالاته: فإن كان معها يوم الصفقة، فبقدما يصح لهُ من الثمن.

стр. 2218

فإن كانت به حاملًا يوم الصفقة، ثم [وضعته] (١): فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يرد قيمتهُ يوم الولادة [وبه قال ابن القاسم. وليس] (٢)، كذلك المستحقة. والثانى: أنَّهُ يرد قيمته يوم أقر أن لو كان على تلك [الحالة] (٣) يوم الوضع، وهي رواية يحيى ابن عمر عن بن القاسم، وهذه كله إذا كان معها ولد. وأمَّا إذا لم يكن معها ولد، وقد اعترف بعد بيعها بأنَّها ولدت منهُ، فإن أعتقها البائع فلا ترد، وهو قوله في كتاب "أمهات الأولاد". فإن لم يعتقها، فهل ترد على المُشترى أم لا؟ [فالمذهب] (٤) على قولين منصوصين في كتاب السابق من "المدونة" و"الواضحة" و"العُتبية". والجواب عن الوجه الثانى: إذا استلحق ولدًا لم يُولد عنده، ولا علم أنَّهُ وطئ أمة بملك ولا بنكاح، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إمَّا أن يتبين صدقه، فيصدق اتفاقًا. وإمَّا أن يتبيَّن كذبه، فيُكذَّب اتفاقًا، مثل: أن يستلحق ولدًا جىء به من بلاد، يعلم أنَّهُ لم يدخلها قط. وأمَّا إن أشكل أمره، فلم يتبيَّن صدقهُ ولا كذبهُ، فالمذهب على قولين

стр. 2219

قائمين من "المُدونة": أحدهما: أنَّهُ لا يُصدَّق ولا يُلحق به، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، من قوله: "إذا عرف أنَّهُ لم يدخل تلك البلاد: لم يُصدق فقال: [فكذلك لا يصدق مع الإشكال أيضًا كما لو عرف. والثانى: أنه يصدق فيلحق به الولد] (١) حتى يتبين كذبهُ"، وهو ظاهر قوله في "الكتاب": "إذا لم يكن له نسب معروف، فإنَّهُ يُلحق به". والقولان: قد نبَّه على استقرائهما بعض حُذَّاق المتأخرين، وموضع استقرائهما ظاهر، والقولان منصوصان عن مالك في "كتاب ابن سحنون"، قال مرة: "إذا لم يكن [له نسب] (٢) معروف، ولا تبيَّن كذب الأب: لحق به، وإن لم يعرف أنَّهُ ملك أمة أو تزوَّجها". وقال مرة: "لا يلحق حتى يُعرف أنَّهُ [قد] (٣) ملك أمة أو تزوجها"، وبه أخذ ابن القاسم. والجواب عن الوجه الثالث: إذا استلحق ولدًا في ملك غيره، وقد أعتقه من هو في يديه أم لا، هل يُلحق به إن أكذبه الحائز لرقه أو لولائه؟ فقولان لابن القاسم: أحدهما: أنَّهُ لا يلحق به، وبه قال ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنَّهُ يلحق به، وبه قال أشهب [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 2220

المسألة الخامسة في القافة: والقافة مِن مدارك معارف البشرية، ومن غرائب نتائج المعرفة، متميزة من فنون الكهانة، ومترقية عن قوانين النجامة. وحقيقتها: اقتفاء الشبهة لتخايل الخلقة، وهو علمٌ خص اللهُ بهِ آحادًا أو أفرادًا مِن العباد، وهي سنة دائمة إلى يوم التناد، وكان الحُكم بها في الجاهلية، فأقرها الشرع في سائر الأزمان من مواضح البرهان. والدليل على ذلك: حديث ابن شهاب عُروة عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: دخل رسول الله ﷺ مسرورًا تبرق أسارير جبهتهُ، قال "ألم تسمعى ما قال محزر المدلجى لزيد وأسامة، ورأى أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض". فوجه الدليل مِن الحديث: أنَّ رسول الله ﷺ قد فرح مسرورًا لقولها، حتى برقت أسارير جبهتهُ، ولا يفرح النبي ﷺ إلا بالحقِّ، فدلَّ على أنَّ القافة دليلٌ يُعمل بهِ، ويجب المصير إليه، عند تعذر الفراش الصحيح الذي هو دليل على صحة الإلحاق، وقد قضى بها عمر ﵁ بمحضر خير القرون، وقد روى (١) مالك عن سليمان بن يسار: أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يليط أولاد الجاهلية لِمن ادّعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدَّعى ولد امرأة، فدعا قائفًا ينظر إليهِ، فقال القائف: "فقد اشتركا فيه"، فضربهُ عمر بالدرة ثُمَّ دعى المرأة، فقال لها: "أخبرينى خبرك"، فقالت: "كان هذا [لأحد] (٢)

стр. 2221

الرجلين، يأتينى [وهي] (١) في إبلٍ لأهلها، فلا يُفارقها حتى يظن وتظن أنها قد استمرَّ بها حمل، ثُمَّ انصرف عنها، [فأهريقت] (٢) عليه دمًا، ثُمَّ خلفَ [عليها] هذا "تعنى الآخر"، فلا أدرى مِن أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: "وإلى أيَّهما شئت"، فقال [حكم] (٣) بذلك عمر بن الخطاب [﵁] (٤) بمحضر جماعة الصحابة [﵃] (٥) مِن غير إنكار من واحدٍ منهم، فصار ذلك كالإجماع. وبهذا قال مِن فقهاء الأمصار مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأبو ثور والأوزاعي. وعلى الجملة فالناس في القول بالقافة على ثلاثة مذاهب: أحدها: القول والعمل بمقتضاهُ، وبهِ قال من ذكرنا، ودليلهم: ما تقدَّم. والثانى: أنَّهُ لا يجوز العمل بالقافة، وأنَّ الولد إذا تداعاهُ اثنان أو أكثر، فإنَّهُ يُقضى به لمن ثبت لهُ الفراش، وإن لم يكُن هناك [فراش] (٦): كان بينهما، وكذلك إذا اشتركا في الفراش، وهو مذهب الكوفيين وأكثر أهل العراق، وحُجتهم: ما خرّجه مالك وغيرهُ مِن أئمة الحديث مِن طريق عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش, وللعاهر

стр. 2222

الحجر"، فإذا عُدم الفراش أو اشتركا في الفراش: كان الولد بينهما، وكأنَّهم رأوهُ في ذلك بقوة شرعية لا طبيعية، وقالوا: "فإنَّهُ يلزم مَنْ قال: أنَّهُ لا يمكن [أن يكون] (١) ابنًا واحدًا من أبوين بالعقل، إذ لا يجوز [وقوع] (٢) ذلك في الشرع، لاستحالة ورود الشرع بخلاف ما في العقل"، وروُى مِثل قولهم عن عمر ﵁. والثالث: أنَّهم يقترعون فيهِ، فمن وقعت [عليه] (٣) قُرعتهُ: فإنَّهُ يكون ابنًا له، ويغرم للباقين قدْر مالهم فيهِ على حساب الدِّية في مذهب أهل الظاهر وجماعة مِن أهل الحديث. وحُجَّتهم: حديث ذكرهُ أبو عمر بن عبد البر أنَّهُ رواه [الثورى] (٤) عن صالح بن خير عن الشعبى عن زيد بن أرقم، قال: كان علي بن أبي طالب ﵁ باليمن، فأُتى بامرأة وطئها ثلاث أُناسٍ في طهرٍ واحد، فسأل كُلُّ واحدٍ منهم أنَّ يُقَّر لصاحبه بالولد، فأبى فأقرع بينهم، وقضى بالولد للذى أصابتهُ قُرعتهُ، وجعلَ عليهِ ثُلُثى الدّية، فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ أعجبهُ وضحك حتى بدت نواجذهُ". فقالوا: إنَّ في هذا الحديث نفي الحكم بالقافة، وإلحاق الولد بالقُرعة. وسبب الخلاف: إجماع السكوت، هل يكون حجَّة أم لا؟ فمن جعلهُ حُجَّة، قال: بوجوب العمل للقافة، وهو الصحيح وربُّك أعلم. فإذا ثبت ذلك ووطئت امرأة في طُهرٍ واحد، فتأتى بولد لستة أشهر

стр. 2223

مِن يوم وطئها، فلا يخلو الواطئان مِن ثلاثة أوجه: أحدها: أنْ يكونا حيَّين. والثانى: أنْ يكونا ميِّتين. والثالث: أن يكون أحدهما حيًا والآخر ميتًا. فأما الوجه الأول: إذا كانا حيين، فلا يخلو وطؤهما مِن خمسة أوجه: إما بنكاحٍ منهما جميعًا. أو بملكٍ منهما. أو أحدهما بنكاح والآخر بملك. أو أحدهما بنكاح والآخر بزنا. أو أحدهما بملك والآخر بزنا. فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كان وطؤهما جميعًا بنكاحٍ، فإنَّهُ يُنظر: فإن أتت بولد لأقل مِن ستة أشهر مِن يوم وطئ الثاني، فهو للأول إذا أتت بهِ لستة أشهر مِن يوم وطئهُ. وإن أتت بهِ لستة أشهر فأكثر مِن يوم وطئ الثاني، فالولدُ بهِ لاحق، وإن كان وطؤه إياها بعد حيضة. فإن وطئها قبل الحيضة، هل يُلحق بالأول لصحة فِراشهِ أو يُدعى لهُ القافة؟ فعن مالك في ذلك قولان: والمشهور [عنه] (١) [نفى] (٢) القافة في الحرائر، وهو نصُّ قوله في

стр. 2224

"المُدوّنة"، حيث قال: "وإنَّما القافة في الأمة يطؤها السيدان في طهر واحد". وسبب الخلاف: الحكم بالقافة، هل هو مقصور على ملك اليمين أو يتعدى بهِ إلى النكاح؟ فمرةً [قال] (١): أنَّهُ يتعدَّى به لثبوت العمل بالقافة، وقبول قول القائف في لُحوق النسب بأحد الواطئين، وثبوت نسبة منهُ بذلك: هذا أمرٌ يستوى فيه الملك والنكاح. ومرةً رأى أنَّ الحكم بالقافة [يُقضى] (٢) له في الملك، ولا يتعدَّى إلى النكاح، لأنَّ الأمة يُمكن أن تكون فراشًا لسيِّدين لصحة الاشتراك في الأمة، والزوجة لا يصح أن تكون فِراشًا لزوجين، لاستحالة وجود المقتضى في ذلك، فكون الزوج الثاني ترك البحث حتى أُوقع النكاح في زوجة الغير، أو [في] (٣) العدة ليس ممَّا يقدح في فِراش الأول. ووجهٌ آخر أنَّ الولد في النكاح لا يُنفى إلا بِلعان، والنفى بالقافة ضرب من الاجتهاد، فلا ينقل الولد من فراش صحيح بالاجتهاد بخلاف [ولد] (٤) الأمة في ملك اليمين لأنه ينفى لمجرد الدعوى إذا ادعى الاستبراء فلأجل هذا شرع فيه الحكم بالقافة. والجواب عن الوجه الثانى: إذا كان وطؤها بملك اليمين في طهر واحد.

стр. 2225

فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها الثاني فلا خلاف أنه للأول وتقوم عليه وتكون له أم ولد على تفصيل [سيأتى] (١) في ذلك بيانه في وطء أحد الشريكين أمة بينهما. فإن وضعته [لأقل من ستة أشهر من وطئها الثاني] (٢) لستة أشهر فأكثر فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون بين حرين مسلمين. أو بين حر وعبد. أو بين مسلم ونصراني. فإن كانت [بين] (٣) حرين مسلمين فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكونا فيها شريكين. أو أحدهما بائع والآخر مشترٍ. فإن كانا شريكين فلا يخلو من أن تضع ولدًا [واحدًا] (٤) أو توأمين فإن وضعت واحدًا فلا يخلو من أن يكون حيًا أو ميتًا. [فإن كان ميتًا] (٥) فهل تدعى له القافة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا قافة في الأموات، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة". والثانى: أنهُ يدعى لهُ القافة، ولا يغير الموت شخصهُ، وهو قول

стр. 2226

سحنون في "العُتبيَّة". فإن وضعت واحدًا، وكان حيًا: فإنَّهُ يدعى لهُ القافة، فهل يكتفى [في ذلك بقائف أو لابد من الاثنين، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يكتفى بقائف واحد. والثانى: أنه لابد من اثنين] (١) وهو المشهور عن مالك، وبه قال الشافعي ﵁. وسبب الخلاف: هل طريقها طريق الشهادة، ثُمَّ لابُدَّ في ذلك، مِن اثنين، أو طريقها طريق الإخبار، فيكتفى في ذلك بواحد بعد اتفاقهم على أنَّهُ لا يكون إلا عدلًا. فإذا دعى لهُ القافة، فلا يخلو مِن أربعة أوجه: أحدها: أن يلحقوهُ بواحدٍ منهما. والثانى: أن يلحق بهما جميعا. والثالث: أن يشكل على القائف أمرهُ. والرابع: أن ينفيه عنهما جميعًا. فإن ألحقهُ بواحد منهما: فإنَّهُ يلحق [به] (٢) ويثبت نسبه منه، وتكون أمه أُم ولدٍ له، ويغرم نصف قيمتها يوم الحمل لشريكهِ، ولا [يحمل] (٣) عليهِ في الولد على الخلاف في التقويم، متى تعتبر في وطء أحد الشريكين. فأمَّا إن ألحقتهُ القافة بهما جميعًا، فقد اختلف [فيه] (٤) المذهب على

стр. 2227

أربعة أقوال: أحدها: أنَّهُ يوالى [إذا] (١) كبر أيهما شاء، وهو قول مالك في "المُدوَّنة". والثانى: أنَّهُ يلحق بأوضحهم شبهًا ولا يترك، وموالاة من أحب، وهو قول مطرف وعبد الملك وابن نافع في كتاب "ابن حبيب". والثالث: أنَّهُ يلحق بالأول إنْ عُرف، وإن جُهل يلحق بأكثرهما شبهًا، وهو قول محمد بن مسلمة. والرابع: أنَّ الولد يبقى ابنًا [لهما] (٢) جميعًا, ولا يُوالى واحدًا دون الآخر، وهذا القول حكاهُ [سحنون] (٣) في "العُتبيَّة". وسبب الخلاف: [هل] (٤) قول القافة يُفيد العلم واليقين، ثُمَّ لا يجوز للابن إذا كبُر موالاة مَن شاء منهما، لما في ذلك مِن قطع نسب الآخر عنهُ بعد ثبوتهِ أو إنَّما يُفيد غلبة الظن، فيجوز للولد أن ينتهى إلى واحد يختارهُ، ويتخذ لهُ بنوَّتهُ لما في الانتساب إلى كليهما مِن مخالفة المُعتاد، في كون الولد الواحد لهُ أبوان، مع ما يلحق الابن مِن التبرى بذلك. فإذا انتهى إلى واحدٍ منهما، فقد قطع مادة الطعن عن نفسه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، فأشار إلى اتخاذ الأُبوَّة. وعلى القول بأنَّهُ يُوالى إذا كبر مَنْ شاء منهما.

стр. 2228

فإن مات أحد الواطئين قبل أن يبلغ الصبى، وقف لهُ سهمه مِن ميراثه، إن والى الميت كان له الميراث، وإن والى الحي ردَّ المال [الموقوف] (١) إلى ورثة الميت، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة"، لأنَّ الصبى لو مات ولهُ أبوان، وقد سبقهُ أحدهما بالموت، فَوَرَثَتُهُ يقومون مقامهُ. والثانى: أنَّهُ يرد ما وقف مِن مال الميت إلى ورثتهِ ثُمَّ يرثهُ الباقي، وهو قول أصبغ. وسبب الخلاف: هل حياة الباقي بعدهُ كموالاتهِ إياهُ أم لا؟ فإن مات الصبى قبل بُلُوغهِ [وهما] (٢) حيان، فميراثهُ بينهما نصفان. فإن مات الأبوان قبل أن يبلغ الصبى، ويُوالى مَنْ شاء منهما [فإنه يوقف له قدر ميراثه من كل واحد منهما. فإذا بلغ يوالى من شاء منهما] (٣)، ويرثهُ ويردُّ ما بقى للآخر، ويكون لورثته، وهو قول عبد الملك في "العُتبيَّة"، وقال أصبغ: "يرث مِن كُلِّ واحد نصف ميراث ولد". وأمَّا إذا أُشكل أمرهُ على القائف، فذلك كما لو قال: قد اشتركا فيه. وإنما دخل عليهِ الإشكال لتناسب الأشباه مِن الطرفين. وأمَّا إذا قالت القافة: "ليس لواحدٍ منهما"، ففى ذلك قولان: أحدهما: أنَّهُ يدعى [له] (٤) قافة أخرى، هكذا أبدًا، لأنَّ القافة [إنما] (٥) دُعيت لتُلحق لا لتنفى، وهو قول سحنون في

стр. 2229

"العُتبيَّة". والثانى: أنَّهما فيه شُركاء، وهذا القول حكاهُ الشيخ أبو إسحاق التونسي، ولم يُسم قائلهُ. وعلى القول بأنَّهُ لا يُلحق بواحدٍ منهما إلا بقافة أُخرى. فإن مات الأبوان أو أحدهما قبل أن يُدعى لهُ قافة فميراث من مات منهم لورثتهِ، ولا يرث الابن منهما شيئًا، لأنَّهُ ميراثٌ بالشك، لاحتمال أن يكون الولد مِن [غيرهما بسفاح] (١). وإن مات الابن، فلا يخلو مِن أن يترك أولادًا أم لا؟ فإن لم يترك ولدًا، فميراثهُ لهما جميعًا, لأنَّ الولد لم يخرج عنهما، ولم يدعه غيرهما بشكٍ ولا بيقين، كمال تداعياهُ، ولم يدعه غيرهما، وهو قول عبد الملك في "العُتبيَّة". فإن ترك ولدًا أو أولادًا، فإنَّهما يكون لهما [معهم] (٢) السُدُس. فإن ألحقهُ القافة بهما، ثمَّ مات قبل أن يبلغ، ويُوالى مَن شاء منهما، على القول بأنَّ ذلك سائغٌ لهُ، وترك [ولدًا أو] (٣) أولادًا. [فإن ترك ولدًا فإنه يوالى من شاء من الجدين كما كان للأب أن يوالى من شاء منهما] (٤). فإن ترك أولادًا، فهل يجوز لكلِّ واحدٍ منهما موالاة مَنْ أحبَّ [منهما] (٥) أم لا؟

стр. 2230

أحدهما: أنَّهُ لا يجوز لهما إلا موالاة واحد مِن الجدين، ولا يُوالى هذا واحدًا [وهذا واحدًا] (١) [كما لم يكن] (٢) لأبيهما أن يُواليهما جميعًا، وهو قول سحنون في "النوادر". والثانى: أنَّهُ يجوز موالاة كُل واحدٍ منهما مَن أحبَّ مِن الجدَّين، كما لو ولدت توأمين، فإنَّهُ يجوز لكلِّ واحدٍ منهما أن يُوالى مَنْ شاء مِن الأبوين. وأمَّا إن ولدت توأمين، فإنَّهما يُدعا لهما القافة أيضًا. فإن ألحقهما القافة بأحد منهما أو قالت: "قد اشتركا فيهما"، كان الحُكم على ما قالت القافة. وإن لحقت القافة كُل واحدٍ منهما بالآخر، وقال: هذا ابن هذا، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا يجوز، ويعاود النظر فيهما لهذه القافة أو لغيرها، وهو قول عبد الملك. والثانى: أنَّ ذلك جائز، ويكون كُل واحدٍ منهما ابنًا لمن لحق به، وهو قول سحنون. ثُمَّ ينظر [إلى] (٣) الواطئ منهما أولًا: فإن كان مُوسرًا، كانت لهُ أُم ولد، [وعليه نصف قيمتها يوم حملت وله على الثاني قيمة الولد جميعه وإن كان معسرًا كان] (٤) عليهِ نصفُ قيمةِ

стр. 2231

الولد للثانى، وهل لهُ على الثاني مِثل ذلك؟ قولان: أحدهما: أنَّ لهُ على الثاني مِثلُ ذلك. والثانى: أنَّهُ لا شىء لهُ عليهِ، والقولان حكاهما اللخمى. وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمة، هل تُعتق عليهما بنفس الحمل [من الثاني فإن وطأها عليهما حرام أو لا تعتق إلا بالحكم؟ فمن رأى أنها تعتق بنفس الحمل] (١)؟ قال: لا شىء على الثاني مِن قيمة الولد. ومن رأى أنَّها لا تعتق إلا بالحُكم، قال: للأول عليهِ نصفُ قيمة الولد، وهذا كُلَّه إذا كانا شريكين. فأمَّا إذا كانا مُتبايعين، فوطئها البائع، ثمَّ وطئها المشترى في طُهر واحد. [فإن أتت] (٢) بولد لأقلَّ مِن ستة أشهر مِن وطء المُشترى: فإنَّهُ يُلحق بالبائع، والأمة أُمُّ ولدٍ لهُ، ويُفسخ البيع. واختلف إن ماتت قبل الوضع، ممن ضمانها؟ على قولين: أحدهما: أنَّ ضمانها مِن البائع، والأصل استصحابهُ حتى تخرج مِن الاستبراء، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّ الضمان منهما جميعًا، ماتت قبل ستة أشهر أو بعدها، وهو [قول] (٣) سحنون في الكتاب المذكور, لأنَّهما أصابا في طُهرٍ

стр. 2232

واحد، وحصل الامتزاج بين المائين، وماتت قبل [أن] (١) يتبين مِن أيِّهما كان الحمل، وقد وجب الفداء بنفس الوطء، والأصل استصحابهُ عليهما حتى يتبين البراءة منهُ لأحدٍ منهما. ويكون على المُشترى على هذا القول الأكثر مِن نصف قيمتها يوم الوطء أو نصف الثمن إن وضعتهُ لستة أشهر فأكثر. فإن [مات] (٢) قبل نظر القافة، هل يُدعى لهُ بعد موتهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا يُدعى لهُ القافة، إذْ لا قافة في الأموات, وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّهُ يُدعى لهُ القافة، إذْ لا يُغير الموت شخصهُ، وهو قول سحنون في "العُتبيَّة". فإن عاش، فإنَّهُ يُدعى لهُ القافة: فإن ألحقتهُ بالبائع، كان ابنًا لهُ، ويُفسخ البيع. وإن ألحقتهُ بالمُشترى، لزم البيع وكانت الأمة أُم ولدٍ لهُ. فإن قالت القافة "قد اشتركا فيه": عجل عِتق الأمة [الآن] (٣)، إذ لا يحلُّ وطء واحدٍ منهما, لأنَّ نصفها أُم ولدٍ [لكل واحد] (٤) منهما،

стр. 2233

ويغرم المُشترى للبائع نصف الثمن، وينتظر بالصبى حتى يبلغ ويُوالى مَنْ شاء منهما. فإن مات قبل البلوغ، والموالاة: ورثاهُ جميعًا على حسبِ ما قدَّمناهُ. فإن مات أحد الأبوين، وقف لهُ ميراثهُ منهُ. فإن مات الصبى قبل بُلوغهِ، فهل يرثهُ ورثة الأب الميت أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّ [ورثة] (١) الأب الحى [يرثوه] (٢) دون ورثة الأب الميت، ويرد ما وقف لهُ مِن تركة الأول إلى ورثتهُ، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة"، وبهِ [قال] (٣) ابن عبد الحكم. والثانى: أنَّ ميراثهُ بين الباقي من الأبوين وبين ورثة الأب الميت [نصفين] (٤)، [ويضم ماله مع وقف له] (٥)، فيُقسمُونهُ بينهم أنصافًا، وهو قول سحنون في "الكتاب المذكور". ثُمَّ إن مات الباقي [مِن] (٦) الأبوين، فوقف لهُ ميراثهُ منهُ، ثُمَّ مات الصبى قبل أن يُوالى، فهل يُورث عنهُ ما وقف لهُ مِن الأبوين مع ما ترك أم لا؟ فالمذهب على قولين:

стр. 2234

أحدهما: أنَّهُ يورث عنهُ جميعًا، ويرثهُ [ورثة الأبوين] (١)، وهو قول سحنون. والثانى: [أنه] (٢) لا يورث عنهُ ما وقف لهُ مِن الأبوين، بل يُرد إلى ورثة كُل واحدٍ منهما، وميراث الصبى لمن يرث الأبوين، نصفٌ لكلِّ فرق منهما، وهى رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العُتبيَّة". واختلف على مَن تكون نفقتهُ إلى بلوغهِ: على قولين: أحدهما: أن النفقة على الواطئين جميعًا، فإذا بلغ الصبى ووالى أحدهما لم يرجع المنفق على الملتحق بهِ بشىء ممَّا أنفق، وهو قول عيسى ابن دينار في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّ النفقة على المُشترى، فإذا بلغ ووالى البائع، رجع عليه المُشترى بما أنفق، وهو قول أصبغ في "العُتبيَّة". وأمَّا إذا كانت بين حُرٍ وعبد، فوطآها في طهرٍ واحد، فإنَّهُ يُدعى للولد القافة أيضًا. فإن ألحقتهُ بالحُر كان ولدهُ وأُمهُ أُمَّ ولد لهُ، وعليه نصفُ قيمة الأُم وحدها إن كان مُوسرًا، وإن كان مُعسرًا. كان الخيارَ لسيِّد العبد بين أن يتماسك بنصف الأمة لعبده، ويتبع الحُر بنصف قيمة الولد, لأنَّ الولد للسيِّد. فإن قُوِّم عليهِ نصفُ الأمة ونصفُ الولد، فما ناب الولد مِن القيمة فلسيِّد العبد، وما ناب الأمة مِن القيمة فللعبد.

стр. 2235

واختلف هل يُتبع بذلك في الذمَّة أم يُباع عليهِ [النصف] (١) المقوم على ما يأتى بيانهُ في مسألة: وطء أحد الشريكين" إن شاء الله؟ فإن ألحقته بالعبد، كان الخيارُ للحُر، لأنَّ إيلاد العبد لا حرمة لهُ في أُمهات الأولاد: فإن شاء تماسك بنصفهِ، وكان لهُ نصفُ الأمة ونصف ولدها رقيقًا. وإن شاء قوَّم الأمة، ثُمَّ لا يخلو العبد حين التقويم مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا: فإن كان مُوسرًا: أُخذ مِن مالهِ نصف القيمة للحُر. وإن كان مُعسرًا: بيعت الأمة [في نصف قيمتها يوم الوطء, ولا يُباع معها الولد إنْ لم يف ثمنُها بنصف القيمة، لأنَّ الولد] (٢) ليس بمال العبد [وإنما هو للحر. واختلف فيمن عجز عن ثمن قيمة نصفها على قولين: أحدهما: أن ذلك جناية ويكون في رقبة العبد] (٣) ويُخيَّر سيَّدهُ بين أن يفديهِ أو يُسلمهُ، وهو قول سحنون في "العُتبيَّة". والثانى: أنَّهُ لا يكون كالجناية, لأنَّهُ مأذونٌ لهُ في الوطئ بملكِ اليمين كالحُر، فيكون ذلك في ذمَّتهِ لا في رقبتهِ، وهو قول [محمد بن] (٤) عبد الحكم في "المنتخبة". فإن قالت القافة: (٥) قد اشتركا فيهِ، هل يقوم على الحُر نصيب العبد مِن الولد والأُم أم لا؟ فالمذهب على قولين:

стр. 2236

أحدهما: أنَّهما يقومان عليهِ، ويغرم نصف قيمة الولد للسيد، ويعتق عليهِ جميعهُ، ويغرم نصف قيمة الأمة للعبد، ويحلُّ لهُ وطؤها، وهو قول الغير في كتاب أمهات الأولاد مِن "المُدوَّنة". والثانى: أنَّهُ لا يقوَّم الولد ولا الأُم، ويكون نصفُ الولد ونصفُ الأُم عتيقًا مِن الآن، فإذا بلغ ووالى الحر: لحق بهِ، وغرم نصف قيمته للسيِّد، وإن والى العبدُ لحق به نصيبهُ، وكان نصفهُ حرًا ولا يقوم عليهِ بقيمتهِ, لأنَّهُ لم يبتدأ عتقًا، وإنَّما هو عتق سنة كما لو ورثا نصفهُ. وأمَّا الأُم: فإن والى الحُر، كانت لهُ أُم ولد، وغرم نصف قيمتها. وإن والى العبد، كانت [أمة] (١) بينهما، إذ لا حُرمة لإيلاد العبد، ويرجع عليهِ [الحر] (٢) بما نقصتها الولادة، أو يقومها عليهِ إن كان النُقصان كثيرًا. وإن مات الولد قبل الموالاة، كان نصيب العبد مِلكًا لسيِّده، وهو قول أصبغ. وعلى القول بأنَّها تقوم على الحر، هل تكون أُم ولد بذلك الولد أو لابُدَّ مِن إيلادٍ ثان؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة" منصوصان في المذهب. وأمَّا الوجه الثالث: إذا كانت بين مسلم ونصراني، فإنَّهُ يُدعى للولد القافة أيضًا:

стр. 2237

فإن ألحقتهُ بالمسلم لحِق بهِ وغرم للنصرانى نصف قيمة الأُم. وإن ألحقتهُ بالنصرانى، كان ابنًا لهُ وعلى دينهِ، ويُوارثهُ [وينتسب] (١) إليهِ، ويغرم نصف قيمة الأُم للمسلم مُسلمة كانت أو كتابتة، غير أنَّها إن كانت كافرة أقرت عندهُ، وإن كانت مسلمة عُتقت عليهِ. فإن قالت القافة: قد اشتركا فيهِ كانت الأُم معتقة عليهما، والولد موقوف حتى يبلغ فيُوالى مَن شاء منهما. فإن والى المسلم، كان لهُ ولد. وإن والى الكافر، كان ولده، ولا يكون الولد إلا مُسلمًا. فإن مات الأبوان أو أحدهما قبل أن يبلُغ، وُقِّف لهُ ميراثهُ منهما. فإذا بلغ ووالى مَن أحبَّ منهما: ورثهُ، وردَّ ميراثهُ مِن الآخر، ولا يكون إلا مُسلمًا. وإن مات قبل أن يبلغ رد ما وُقِّف لهُ مِن المال إلى ورثة مَن وُقِّف مِن تركتهِ. فإن ترك مالًا وُقف وُهب لهُ، كان نصفهُ لعصبة أبيه المسلم بعد أخذ ذوى الفروض فروضهم إن كانوا، ونصفهُ لعصبة أبيهِ النصَرانى إن كانوا، وإلا فلبيت المال. والجواب عن الوجه الثالث: إذا وطئ أحدهما بنكاح والآخر بملك: فإن كان الوطىء بنكاح ثُمَّ مِلك، كان الوطء بالنكاح مِن الطرفين، وقد تقدَّم الكلام عليهِ. فإن كان بملكِ ثُمَّ نكاح، هل يغلب حُكم الملك على النكاح وهو

стр. 2238

المشهور، فيكون كالملكين أو يغلب حكم النكاح على الملك فيكون [كالنكاحين] (١): وهو الأضعف. والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان بنكاح وزنا: فإن كان بنكاح ثُمَّ زنا، فالولد لاحق بالزوج إلا أن ينفيهِ بلعان. وإن كان بزنا ثُمَّ نكاح، هل يُلحق بالزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يُلحق بفراش الزوج، تقدّم أو تأخَّر، وهو الصحيح: لقولهِ ﵇: "الولد للفراش". والثانى: أنَهُ يُدعى للولد القافة، كما لو كان مِن مِلك اليمين جميعًا. وسبب الخلاف: مُعارضة القياس للحديث، وظاهر قوله ﵇: "الولد للفراش"، سواءٌ تقدَّم أو تأخَّر والقياس: يقتضى أن يُدعى لهُ القافة إذا كان الزنا أولًا، لتعلق حقّ الواطئ، بتصحيح نَسَبِهِ حتى لا يُنسب إليه غيرُ ولده، مع الاحتمال أن يكون الولد مِن مائه السابق إلى قرار الرحم فجاز. فكانَ الحُكم يُوجب القافة دفعًا للاحتمال، وقطعًا للريبة كما حكم به عمر ﵁. والجواب عن الوجه الخامس: إذا كان بملكِ اليمين والزنا. فإن كان الوطء بالمِلك [أولًا ثُم بالزنا آخرًا ألحق الولد بالملك دون الزنا لأن الوطء بالملك لا لعان فيه والوطء بالزنا لا قافة فيه فوجب أن يكون الواطئ بالملك أحق] (٢)، وإن كان الزنا [أولًا] (٣)، فهل يُدعى للولد

стр. 2239

القافة أم لا؟ ويُلح بالسيِّد قولان: والجواب عن الوجه الثانى مِن أصل التقسيم: إذا كان الواطئان ميتين قبل نظر القافة، فلا يخلو القائف مِن [أن] (١) يكون عرفهما أو جهلهما أو عرف أحدهما وجهل الآخر: فإن عرفهما في حال الحياة، فهما كالحيين بلا تفريع. وإن جهلهما، هل يكون ابنًا لهما جميعًا ويرثهما أو لا يلحق بواحدٍ منهما؟ فالمذهب على قولين: [أحدهما] (٢): أنَّهُ يُلحق بهما ويرثهما، لأنَّهُ لم يخرج عنهما، ولم تتحقق فيهِ الإصابة لغيرهما، فيُدفع الولد إليهِ، والأصلُ الاشتراك فيهِ لاشتراكهما في الفراش، حتى يُوجد البين [بأمارة] (٣) دالة على أنَّ الولد مِن أحد الفراشين، ويبرأ منهُ الآخر، وقد ماتا قبل حصول تلك الأمارة، فلم يبق إلا البقاء على الأصل، وهو قول أصبغ. والقول الثانى: أنَّهُ لا يلحق بواحدٍ منهما، ويبقى لا أب لهُ، لأنَّ حملهُ على الاشتراك مع الاحتمال أن يكون مِن أحدهما أو مِن غيرهما مِن باب الميراث بالشكِّ، وباب الميراث بالشكِّ قد أمر الشارع ﷺ (٤) بسده، وانعقد الإجماع على حسمه ﷺ وهو قول ابن الماجشون. وسبب الخلاف: تعارض الدليلين كما ترى. فإن عرف القائف أحدهما وجهل الآخر.

стр. 2240

فإن ألحقهُ بِمن عَرفهُ منهما، فهو ابنٌ لهُ ويرثهُ كالحى على سواء. فإن برأه منه، فهل يُلحق بالمجهول أو يبقى لا أب لهُ؟ فإنَّهُ يتخرّج على الخلاف الذي قدَّمناهُ إذا جهلا جميعًا. وحقُّ المعروف: المبدى مِن الولد باقٍ في الأمة رقيقٌ لهُ. وحقُّ المجهول: يتخرّج على الخلاف في لحوق الولد به. والجواب عن الوجه الثالث: إذا مات أحدهما وعاش الآخر قبل نظر القائف [فإن كان القائف] (١) يعرف الميت: كان الجواب فيهما كالحيَّين. وإن جهلهُ، فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه: إمَّا أن يُلحقهُ بالحىَّ منهما. أو يبرئهِ منهُ، أو قال: لهُ فيه شرك. فإن قال القائف: "هو منهُ" لحق به، وكان الحُكم في العسر واليُسر وما يقوم عليهِ وما لا يقوم، كما يكون لو كان الميت حيًا، وقد قدَّمناهُ في الفصل الأول. وإن نفاهُ منهُ، فهل يلتحق بالميت أم لا؟ على قولين. وهذا الخلاف كالخلاف الذي قدَّمناهُ بين أصبغ وعبد الملك إذا [ماتا] (٢) جميعًا، وجهلهما القائف حالة الحياة. وأمَّا إذا قالت القافة: "لهُ فيهِ شرك"، كان له من الحى نصف الأبوة، ويرث منهُ نصف ميراثهِ إذا مات، ولا يرث مِن الميت الأول شيئًا،

стр. 2241

وإنَّما ورثاهُ مِن الحى نصف الميراث إذا مات، لاحتمال أن يكون للميت فيهِ شرك، بحيث لو عرفه القائف، وكان حيًا لأشركهما فيهِ، ولم يورثهُ مِن الميت الأول، لإمكان ألا يكون [له] (١) فيهِ شرك. فلمَّا احتمل الأمرين أعطينا لهُ مِن الميراث ما لا شكَّ فيهِ في ظاهر الأمر، ومعناهُ ممَّا هو مشكوك فيه طردًا للدلالة الشرعية، وسردًا للسنة [المحمدية] (٢). والحمد لله وحده.

стр. 2242

المسألة السادسة في الأمة بين الشريكين، يطأها أحدهما ، فلا يخلو مِن أن تكون حائلًا أو حاملًا: فإن كانت [حائلًا] (١) فهل تقوم على الواطئ أم لا؟ فقد اختلف فيها على خمسة أقوال كُلَّها قائمة مِن "المُدوَّنة": أحدها: أنَّ الخيار في التقويم للشريك الذي لم يُطأ، وهو نصُّ "المُدوَّنة". والثانى: أنَّ الخيار للواطئ دون شريكهِ، وهو قولهُ في كتاب الشركة مِن "المُدوَّنة"، حيثُ قال: "يتقاومانها والمقاواة ترجع إلى ما ذكرنا، لأنَّ الواطئ إن شاء زاد وتلزمُهُ القيمة، وإن شاء ترك ولا يُخيَّر. والثالث: أنَّها تقوم على الواطئ جبرًا مِن غير خيار لواحد منهما، وهو قولهُ في "الموَّازية"، وهو ظاهر قوله في "المُدوّنة" في الذي وطئ أمة أُحلت لهُ، ويُؤخذ أيضًا مِن وطء الأب أمة ابنهِ، وهو ظاهر قوله في "كتاب الشركة" أيضًا. والرابع: التفصيل بين أن يكون الواطىء مُوسرًا أو مُعسرًا، وهو قولهُ في عتق أحد الشريكين وتدبيرُهُ. والخامس: أنَّها لا تقوم عليهِ أصلا، وهو قولهُ فيمن وطئ أمة غيره، ويكون وطؤه كالجناية، وإنَّما عليهِ ما نقصها الوطء. وعلى القول بالتقويم، متى تُعتبر قيمتُها؟ ففى المذهب ثلاثة أقوال

стр. 2243

كُلُّها قائمة مِن "المُدوَّنة": أحدها: قيمتُها يوم الوطء. والثانى: يوم الحُكم. والثالث: التخيير بين يوم الحُكم ويوم الوطئ، وهو قول أشهب، وعليه اختصر أبو سعيد البراذعى. وعلى القول بتخيير الذي لم يطأ، فإن اختار إسقاط التقويم، فهل يتبعه [بما] (١) نقصه [الواطئ] (٢) [أم لا] (٣)؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ لا يتبعهُ شىء، وهو نصُّ المُدوَّنة. والثاني: أنَّها يتبعهُ بما [نقصها] (٤) الوطء، وهو قول مالك وابن القاسم في كتاب "ابن حبيب" على ما حكاهُ الشيخ أبو محمد في "النوادر"، وهو اختيار أكثر المتأخرين، كأبى الحسن وغيره، وهو قولهُ في "الكتاب": فيمن وطئ أمة غيرهِ، فنقصها وطؤه. فهذه خمسة أقوال، فيتحصَّل في هذا الوجه عشرة أقوال. والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت حاملًا، فلا يخلو الواطئ مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا: فإن كان مُوسرًا، فهل تقوم عليهِ أم لا؟ قولان: أحدهما: أنَّها تقوم عليهِ، وهو نصُّ "المُدوَّنة".

стр. 2244

والثانى: أنَّها لا تقوم عليهِ، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" مِن مسألة: أحد الشريكين إذا أعتق حصَّتهُ إلى أجل، حيث قال في أحد قولى "الكتاب": "إنَّهُ لا تقوم حصة المُتمسك بالرقِّ، لأنَّ الذي أعتق حصَّتهُ إلى أجل يُتهم في استخراج حصة شريكه مِن يدهِ بالحيلة، فالواطىء في هذه المسألة أشدُّ تُهمة. وعلى القول بالتقويم، متى تُعتبر قيمتها؟ ففى المذهب خمسة أقوال: أحدها: قيمتها يوم الوطء، وهو قولهُ في باب القافة. والثانى: قيمتها يوم الحمل، وهو قولهُ في المُدوَّنة في مسألة الشريكين، وهو قولهُ في كتاب القذف [أيضًا] (١). والثالث: أنَّ الشريك الذي لم يطأ مخير إن شاء قيمتها يوم الوطىء، وإن شاء قيمتها يوم الحمل، وهو أحد أقاويل مالك أيضًا، وهو اختيار ابن الموَّاز وابن لُبابة، على ما نقلهُ القاضى أبو الفضل وغيرهُ مِن المُتأخرين، وهو تأويل بعض الشارحين على "المُدوَّنة". والرابع: قيمتها يوم الحُكم، وهو قولهُ في "كتاب الاستحقاق" في الأمة المستحقة بعد أن أولدها المشترى. والخامس: قيمتها يوم الوضع، على القول بأنَّها لا تكون أم ولد إلا بالوضع، إذ بهِ يحصل الفوات وتجب القيمة، وهل يُتبع بنصف قيمة الولد مع قيمة الأُم أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنُّه يُتبع بنصف قيمة الولد. والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ مِن قيمة الولد.

стр. 2245

والقولان قائمان مِن "المُدوَّنة". وينبنى الخلاف على الخلاف في القيمة متى تراعى. فعلى القول باعتبار القيمة فيها قبل الوضع، إمَّا يوم الوطء وإمَّا يوم الحمل، فلا شىء عليهِ في الولد. وعلى القول باعتبار قيمتها بعد الوضع، إمَّا يوم الوضع وإمَّا يوم الحُكم، فيُتبع بنصف قيمة الولد. وعلى القول بأنَّهُ يغرم نصف قيمة الولد، هل تعتبر قيمتهُ يوم الوضع أو قيمتهُ يوم الحُكم. [قولان] (١). وسبب الخلاف: ما قدَّمناهُ [فهذه أربعة أقوال في قيمة الولد] (٢). والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الثاني: إذا كان الواطئ مُعسرًا، هل تقوم عليهِ أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال: أحدها: أنَّها تقوم عليهِ جبرًا ويتبع بنصف قيمة الأم، ولا شىء عليه [في الولد] (٣)، وهذا هو المشهور. والثانى: أنَّها تقوم عليهِ جبرًا، ويُباع ما قُوم عليهِ في القيمة، ويُتبع بنصف قيمة الولد، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، والقول الأول: هو القديم، مِن قولهِ في "كتاب محمد" وغيره، والثانى: ظاهر قوله في كتاب "أُمهات الأولاد". والثالث: أنَّها تقوم عليه برضا الشريك الذي لم يطأ، ويُباع عليهِ النصف الذي قوم عليهِ في القيمة، يُريد بعد الوضع، ويُتبع بنصف قيمة
следующие страницы →