والثانى: أنَّ عتقهُ موقوف إلى العجز أو الأداء، وهو ظاهر "المُدونة" مِن قولهِ: إن لهم الرجوع عليهِ إذا أدوا عنهُ. وهو نصُّ "المُدوَّنة": أنَّ لهم الرجوع على الزمن.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الضرر الذي درأ عنهم فى الحال مِن مؤنتهِ ونقله أو النظر إلى ما فوت لهم فى المال مِن الرُجوع عليهِ إذا أدوا؟
فإن كان العتيق لهُ قوة وسعاية إمَّا بيدهِ وحرفتهِ أو بمالهِ الحاصل عندهُ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن أصحابهِ أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بغير إذنهم فقولان قائمان مِن "المُدونة":
أحدهما: أنَّ العتق موقوف وهو قولهُ فى المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ العتق نافذ وهو قولهُ فى آخر الكتاب فى الزمن الذي لهُ مال.
وسبب الخلاف: هل للسيَّد أن يعجز مكاتبه وإن أراد البقاء على الكتابة أو ليس لهُ ذلك؟
فعلى القول بنفوذ العتق فى الحال فلهُ أن يعجزه إذ فعلهُ يُؤدى إلى [عجز] (١) الباقين.
فإذا قُلنا بنفوذ العتق فى الحال هل يوضع الباقين منابة العتيق مِن الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يُوضع عنهم شىء، وهو قولُ مالك فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهم توضع عنهم حصتهُ، وهو ظاهر قوله فى "الكتاب" فى الأمة التي أحبلها السيَّد فى الكتابة فرضيت هى ومَن معها فى الكتابة
стр. 2172
بتسليمها إلى السيد حيث قال: يوضع عنهم جميع حقها مِن الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم جميع حقها من الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم مع رضاهم بالتسليم، وإخراجها مِن الكتابة بفعل السيِّد فبأن توضع عنهم جميعهم مع الإكراه أولى وأحق.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد أن يُجبر عبده على الكتابة أم لا؟
فعلى القول بأنَّ لهُ الجبر فلهُ أن يعتق وتبقى جميع الكتابة على مَن بقى كماله أن يوصف ذلك القدر عليهم [ابتداءً] (١).
وعلى القول بنفى الجبر فتسقط عنهم.
وعلى القول بأن العتق موقوف على الأداء أو العجز فإذا أعتق بالأداء فهل يرجع على سيِّده بما أدى إن أدى عن نفسه، وهل يرجع عليهِ أصحابه إن هم أدوا عنهُ؟ قولان منصوصان فى المذهب قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَهُ لا يرجع على السيد بشىء ولا يرجع عليهِ أصحابه وهو نص "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع [هو] (٢) على سيده ويرجع عليه أصحابهُ إن أدوا عنه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة " مِنَ "كتاب العتق الثاني" مِن مسألة العبد المستأجر إذا أعتقه سيدهُ قبل تمام الإجارة ولم يشترط أن يكون لهُ جميع الإجارة، وأن المُستأجر لهُ مِن إسقاط حقِّه مِن بقية الإجارة. فقد تأوَّل بعض الشيوخ على "المُدوَّنة" أنَّ بقية الإجارة للعبد ويرجع بها على السيِّد إنْ كان قد قبض جميعها عند العقد إذ لا سبيل له إن مد الإجارة عن الحر، وهي مسألتنا بعينها.
стр. 2173
وسبب الخلاف: هل تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّ العتق مُيسر ثُمَّ مِن جهة السيد حتى لا يلحقه ديْن حدث. أو تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّهُ يستسعى بالرق على وجهٍ شرعى.
فإن أعتقهُ بإذنهم ورضاهم هل ينفذ فيه العتق أو يتوقف؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّ العتق نافذ جُملةً وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن العتق موقوف وهو قول الغير فى المُدونة ولابن القاسم مثله من مسألة النصراني إذا أسلم حيثُ قال: يُباع عليهِ مكاتبتهما جميعًا لحقِّ الحمالة رضي أم كره.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتساويا فى القوة فيجوز أو يكون العتيق أفضلهم وفيه ترجى علتهم ثم لا تجوز ويوقف.
وسبب الخلاف: هل له أن يعجز نفسهُ أم لا؟ [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2174
المسألة الرابعة عشرة
فى المكاتب إذا مات ومعه أولاد وأمهات أولاد فى كتابته .
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يترك مالًا فيه وفاء بالكتابة.
والثانى: أن يترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة (١).
والثالث: أن يموت ولم يترك مالًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء بالكتابة فلا خلاف أن من معه فى الكتابة يعتقون فيه عاجلًا.
فإن ترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة فلا يخلو الأولاد مِن أن يكونوا صغارًا أو كبارًا:
فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى فلا يخلو ذلك المال من وجهين:
إمَّا: أن يكون [فيه] (٢) ما يبلغهم السعى.
والثانى: أن يكون ذلك مما لا يبلغهم السعى (٣).
فإن كان فيه ما يبلغهم السعى، فإنه يُؤدى عنهم [على] (٤) النجوم حتى يبلغهم السعى.
فإن كانوا كبارًا، فهل يُدفع لهم المال ويسعون فيه؟ فلا يخلو الولد من
стр. 2175
أن يكون مأمونًا أم لا:
فإن كان الولد مأمونا قائما بالمال مشتغلًا بالاشتغال به فلا خلاف فى المذهب أنه يدفع له خلافًا لقول ربيعة فى "الكتاب" حيث قال: [لا يدفع إلا للسيد] (١).
فإن كان الولد غير مأمون فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلَّها قائمة منِ "المدوَّنة":
أحدها: أنَّه لا يدفع إلا للولد إن كان مأمونًا ولا يُدفع لأُم الولد وإن كانت معهُ، وهو قول مالك فى كتاب المكاتب من "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يدفع لأُم الولد خاصة إذا لم يستقل بهِ الولد إمَّا لكونهِ صغيرًا وإمَّا لكونهِ غير مأمون ولا يدفع لغيرها وهو ظاهر قوله فى "كتاب الجنايات".
والقول الثالث: أنَّهُ يدفع لكل مَن كان معه فى الكتابة ويسعى فيه، وإن كان أخًا أو أجنبيًا، وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
وعلى القول بأنَّهُ لا يدفع لأحد إلا للولد.
فإن كان الولد غير مأمون أو لم يترك ولدًا معهُ فى الكتابة أصلًا كان للسيَّد أن يأخذ ذلك المال.
واختلف هل يُؤديه على النجوم أو يحسب ذلك [لهم] (٢) من أول الكتابة أو مِن آخرها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يحسب ذلك لهم مِن آخر كتابتهم، وهو قول ابن القاسم
стр. 2176
فى آخر كتاب الجنايات مِن "المُدونة".
والثانى: أنَّ ذلك يُحسب لهم من أولها، وهو قول مالك فى "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ مقسوم [على النجوم] (١) ومفضوض على سائرها، وهو قولٌ قياس وإليه أشار بعض المتأخرين, لأنَّهُ لما مات حلَّ ما عليه من الدين فى خاصة نفسه، وحمالته توجب أن يُؤدى ما ترك عن ذلك [كله] (٢) وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّه يشفق وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّهُ يشفق عليه ويصونه ولا يُبذره كما كان الأب يفعل.
[وأما] (٣) الأجنبى فربَّما يَبذرهُ ويسرف فيه ولا تُدركه منهُ شفقة لكونهِ لم يعرف فيه ولا تعب فى اقتنائه فى غالب الأمر.
فإن مات ولم يترك مالًا فلا يخلو من معه فى الكتابة من أن يكونوا صغارًا أو كبارًا:
فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى.
فإن كانت معهم أم ولد لأبيهم فإن قويت على السعى فإنَّها تسعى فى بقية الكتابة عنها وعنهم. فإن أدت رجعت عليهم بما أدت عنهم إن لم يكونوا أولادها [فإن كانوا أولادها] (٤) فلا ترجع عليهم بشىء ولها أن تستسعيهم فى الكتابة إذا أطاقوها.
стр. 2177
فإن عجزت عن السعى فلا يخلو من أن يكون فى ثمنها إذا بيعت ما يفى ببقية الكتابة أو ليس فيه ما يفى:
فإن كان فى ثمنها ما يفى ببقية الكتابة فإنَّها تباع، وتؤدى الكتابة من ثمنها.
وكذلك الحكم إذا كانوا كبارًا عاجزين عن السعى فإنَّ لهم بيعها وإن كانت أمهم.
واختلف إذا كانوا جماعة أمهات أولاد وكان مع [كل] (١) واحدة منهن ولد، وكان مع واحدة خاصة أو كان معهنَّ الولد من غيرهن، وكان فى بيع بعضهن ما يفى بالكتابة، كيف يُباع منهن؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الخيار فى ذلك للولد فيختار [بيع] (٢) من فيها نجاتهم، وهو قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والثانى: [أنه] (٣) لا تباع واحدة منهنَّ إلا بالقُرعة، وهو قول سحنون.
والقول الثالث: أنه يُباع منهنَّ بالحصص، كالمدبرين، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى ﵁ (٤).
وكذلك الحكم فى السيَّد إذ لو كان حيًا.
فإن لم يكن فى ثمن أم الولد إذا بيعت ما يفى بالكتابة.
стр. 2178
فإن كان فى ثمنها ما يبلغهم السعى إن كانوا صغار فإنَّها تُباع ويأخذ السيد الثمن ويقبضه لنفسه على النجوم حتى يبلغوا السعى.
فإن لم يكن فى ثمنها ما يُبلغهم السعى فإنَّهم يرقون جميعًا للسيد.
واختلف إذا لم يكن معها ولد فى الكتابة مجال لا منها ولا من غيرها وكانت مع الأب أو الأخ هل تسعى معهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تسعى إلا مع الولد خاصة، وهو قول ابن القاسم فى المُدَّونة.
والثانى: أنَّها تسعى مع [الأب] (١) والأخ، وهذا القول ذكره اللخمى ولم يُسم قائله.
وقد اختلف فى أم ولد المكاتب متى تكون أُم ولد [بعد اتفاقهم] (٢). على أنَّها لا تكون أُم ولد بما ولدت منه قبل الكتابة.
وعلى أنَّها تكون أُم ولد بما حملت به بعد أداء الكتابة.
وإنَّما اختلف فيما حملت به فى حين عقد الكتابة أو حملت [به] (٣). بعد الكتابة ثم وضعته بعد الأداء على قولين منصوصين: لعبد الملك فى كتاب العدة وطلاق السنَّة فى "المُدونة"، وكتاب "المأذون له فى التجارة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى أم الولد هل تكون أم ولد بنفس الحمل أو لا تكون أم ولد إلا بعد الوضع؟
стр. 2179
وهكذا الخلاف فيمن اشترى زوجته وهي حامل [منه] (١) هل تكون أُم ولد بذلك الحمل منهُ أم لا؟ على قولين قائمين من "المُدوَّنة".
والحمد لله وحده
стр. 2180
المسألة الخامسة عشرة
في الكتابة في المرض ، وفيها ثلاثة أسئلة:
الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة فى الصحة.
والثانى: إذا كاتبه فى المرض.
[والثالث: وقوعها فى المرض وإقراره فى المرض] (١) بقبض الكتابة.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة في الصحة، فلا يخلو من أن يكون موروثًا بولد أو بكلالة:
فإن كان موروثًا بولد، فلا خلاف أعلمه فى المذهب فى نفى التُهمة، وخروج العبد من رأس المال، ويكون حُرًا من ساعته.
فإن كان موروثًا بكلالة، هل يخرج من الثلث أو يبطل رأسًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يخرج من الثلث، وهو قول ابن القاسم فى "كتاب المكاتب".
والثانى: أنه يبطل إقراره، وهو قوله فى كتاب الوصايا من "المدونة"، وهو قول الغير فى كتاب [الوصايا] (٢)، حيث قال: "ولا يكون فى الثلث إلا ما أُريد به الثلث".
وسبب الخلاف: هل إقراره كالإنشاء، فيُعدَّ كما لو أعتقه ساعتئذ أو هو كالإخبار عمَّا وقع فيتهم ثمَّ يبطل؟
стр. 2181
وعلى القول بأنَّهُ كالإنشاء، فيدخله الخلاف الذي أسلفناه فى "كتاب العتق الأول" فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كاتبه فى المرض، ففى هذا السؤال فى الكتاب إشكال:
وقد قال فى أول الكتاب: "إذا كاتب عبدهُ فى المرض، فإن حمله الثُلُث جاز، وإن لم يحمله: خُير الورثة، إمَّا أجازوا وإمَّا عتقوا منه ثلث الميت بتلا".
ثم قال مالك [فى المريض] (١) [بيعه وشراؤه جائز] (٢) إلا أن يحابى، فيكون مُحاباة فى الثلث".
فانظر ما بين المسألة التي استدل بها والتي يستدلَّ عليها من المنافرة، لأنَّ التي استدل عليها شرط فيها [حملان] (٣) الثلث حابا أم لا والتي استدل بها، إنما اعتبر الثلث، مع وجود المحاباة خاصة، ولا فرق في التحقيق بين المسألتين، ولاسيما على القول بأن الكتابة بيع، إلا أن يتأول متأول أن نفس الكتابة محاباة للعبد من السيد، مثل: أن تكون الكتابة، مثل قيمة رقبته إلا أنَّ السيد [كان] (٤) قادرًا على أن [يُخرجهُ] (٥) بمثل ذلك، فتكون الكتاب مُحاباة، فلذلك اعتبر الثلث، وهو تأويل سائغ لائق [بالكتاب] (٦).
стр. 2182
وإذا وقعت بلا مُحاباة، هل تمضى ويسعى العبد على النجوم أو يوَّقف المكاتب بنجومه إلى بعد الموت، فيُصرف إلى الثلث؟ ففى المذهب قولان منصوصان فى "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: هل الكتابة من ناحية العتق أو مِن ناحية البيع.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وقعت الكتابة فى المرض، [وأقر بقبضها فى المرض] (١).
فعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية البيع: فلا خلاف أنَّ العبد يكون حرًا من رأس المال.
وعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية العتق: فيتخرج على الخلاف فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا [بلا ريب ولا رجم غيب] (٢).
والحمد لله وحدهُ.
стр. 2183
المسألة السادسة عشرة
فى السيد إذا أوصى بكتابة مكاتبه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يُوصى بها لأجنبى.
والثانى: أن يوصى بها لمكاتبه.
فإن أوصى بها لأجنبى، فلا يخلو أن يوصى بها كُلَّها أو يُوصى بنجم منها:
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أوصى بها [كلها] (١) لأجنبى، فإنَّ وصيَّته [كلها] (٢) مصروفة إلى الثلث.
واختلف ما الذي [يجعل فى] (٣) الثلث؟ على ثلاثة أقوال كلَّها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يجعل فى الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو [قيمة] (٤) الكتابة، وهو قول أكثر الرواة فى [الكتاب] (٥).
والقول الثالث: أنَهُ يجعل فى الثُلُث قيمة الكتابة، مِن غير التفات إلى قيمة الرقبة، وهو ظاهر [قول ابن القاسم] (٦) فى "المدوَّنة" فى [وصية للمكاتب] (٧) بنجم معين.
стр. 2184
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الحال أو النظر إلى المآل؟
فمن اعتبر الحال قال: قيمة الكتابة, لأنَّها التي تملكها فى الحال، إذ له بيع الكتابة، ويقبض [الثمن] (١) نقدًا.
ومَنَ اعتبر المآل: رأى أن عدد الكتابة هو الموصى به فهو المجعول فى الثلث.
وأمَّا قوله أو قيمة الرقبة، إن كانت أقل.
أما على القول باعتبار عدد الكتابة فى الثلث، فيصح الأمران على [اعتبار] (٢) المآل، لأنَّ الذي يحصل للموصى به إذا حمل الثُلُث.
ووصية أحد أمرين: إمَّا الكتابة إن أداها العبد.
وإما رقبة العبد إن عجز فيصح اعتبار الأقل [بينهما] (٣).
وأمَّا اعتبار الأقل بين قيمة الكتابة وقيمة الرقبة:
فذلك استحسان على القول بمراعاة الحال، إذ لا مدخل لقيمة الرقبة هنالك.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا أوصى له بنجم منها، فلا يخلو ذلك النجم من أن يكون معينًا أو مبهمًا:
فإن كان معينا، وحمله الثلث، كان له مطالبة المكاتب بذلك.
فإن عجز رق [له] (٤) من رقبة العبد مقدار ما يُقابل ذلك.
стр. 2185
فإن قال له الورثة نعجل لك نجمًا، وأبى أن يقبله، وقال [لعل] (١) العبد يعجز، فيكون [لي] (٢) من رقبته مقدار ذلك.
فإن كان ذلك قبل حلول النجم، كان ذلك له.
وإن كان بعد حلوله، والعبد به ملى، كان ذلك للورثة.
فأمَّا إن كان نجمًا مُبهمًا، فإنَّهُ يكون شريكًا للورثة على حساب الأنجم.
فإن كانت خمسة، كان شريكًا بالخُمس فى الكتابة، إن أُدِّيت، وفى الرقبة إنْ عجز.
والجواب عن الوجه الثانى من أصل التقسيم: إذا أوصى بها لمكاتبه، فلا يخلو من أن يُوصى له بها كلها أو بنجم منها:
فإن أوصى [له] (٣) بها كُلها: كان ذلك وصية بعتقه بلا خلاف.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث: على قولين:
أحدهما: أنَّه يجعل فيها قيمة الرقبة.
والثانى: قيمة الكتابة.
والقولان لابن القاسم فى "المدونة"، كما تقدم، فإن حمَّله الثلث عُتق، وإن لم يحملهُ الثلُث خُيِّر الورثة بين أن يجيزوا ذلك أو [يعتقوا] (٤) منه ما حمل الثلث بتلا.
ويوضع عنه من الكتابة مقدار ما يقابل الجُزء المعتق منه.
стр. 2186
[وأما إذا] (١) أوصى له بنجم بعينه، وقد حمله الثلث، فذلك جائز.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: قيمة ذلك النجم، ولا ينظر إلى الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "الكتاب".
والثانى: أن المجعول فى الثلث الأقل من [قيمة] (٢) ذلك النجم أو ما يُقابلهُ من الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى: الوصيَّة بالكتابة لأجنبى، وهذا مثله، وهو نص قول أشهب فى غير "المدونة".
فإن حمله الثلث نظر إلى قيمة ذلك النجم من جميع الكتابة.
فإن كان ربعها، عُتق منه الربع أو خمسًا عتق منه الخمس على هذا الحساب، ويسقط [عنه] (٣) ذلك النجم [من الكتابة] (٤)، ويسعى فيما بقى.
فإن لم يحمله الثلث: خُيِّر الورثة بين إجازة ذلك أو يعتقون من [المكاتب] (٥) ما حمل الثُلُث منه، ويوضع [عنه] (٦) من الكتابة بقدر ذلك.
واختلف هل يوضع عنه من كل نجم أو يجمع ذلك فى نجم واحد بعينه؟ على قولين قائمين من "المُدونة":
стр. 2187
أحدهما: أنه يوضع عنه من كل نجم قدر ما عتق، وهو نصّ قول ابن القاسم فى "المدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يُوضع عنه فى ذلك النجم بعينه، وهو قول أشهب فى غير "المدونة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى الموصى له بشىء بعينه، ولم يحمله الثلث، هل يقطع له بالثلث فى جميع التركة أو يقطع لهُ بها فى ذلك الشىء بعينه؟
والقولان لمالك فى كتاب الوصايا من "المدونة".
ولا فرق بين السؤالين, لأنَّ النجم معين [والشىء] (١) الموصى له بعينه معين.
فينبغى أن يكون الجوابان على سواء.
[والحمد لله وحده] (٢)
стр. 2188
المسألة السابعة عشرة
فى موت أحد المكاتبين:
وإذا مات أحد المكاتبين، وقد كوتبوا كتابة واحدة، فلا يخلو من وجهين:
إمَّا أن يترك مالًا.
أو لم يترك شيئًا.
[فإن لم يترك شيئًا] (١) فالذي بقى فى الكتابة يسعى، فإن أدى عتق، وإن عجز [رق] (٢) ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن مات وترك مالًا، فلا يخلو من أن يكون فيه وفاء وفضل أو دون الوفاء:
فإن ترك دون الوفاء: فإنَّهُ يُحسب لهم إما فى أول النجوم.
وإمَّا فى آخر الكتابة على الخلاف الذي قدَّمناهُ:
فإن كان فيه وفاء وفضل: فالكتابة حالَّة، وللسيِّد تعجيلها اتفاقًا لأن الكتابة التي هى على الميت، بعضها بالأصالة، وبعضها بالحمالة: وجميع ذلك يحل بموتهِ.
فإذا عجلت الكتابة من مال [الميت] (٣) عتق فيه كل من كان معهُ فى الكتابة، ويكون للسيِّد الرُجوع على كُلِّ مَن كان يرجع عليه المكاتب، لو
стр. 2189
عاش وأدى عنه, لأنَّ السيِّد يقوم مقامه، إذ لولا هم لأخذ السيِّد جميع ما خلَّفهُ المُكاتب، لأنَّهُ مات رقيقًا.
واختلف المذهب فيمن كان يرجع عليه المكاتب لو أدَّى عنه: على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يرجع على ذوى الأرحام كُلّهم، كان ممن يرث أو [ممن] (١) لا يرث، كالخالة والعمَّة وبنت الأخ، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ لا يرجع على مَنْ يرث بالنسب، ويرجع على مَنْ عداه من ذوى الأرحام، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
والثالث: أنه لا يرجع على الأبوة والأخوة خاصة ويرجع على من عداهم وهو قول ابن القاسم فى المدونة] (٢).
والرابع: أنَّهُ لا يرجع على الأُبوَّة والبنوة خاصة، ويرجع على من سواهم، وهو ظاهر قول أشهب فيمن يدخل [مع] (٣) المُكاتب فى الكتابة إذا اشتراهُ.
وينبنى الخلاف على الخلاف: فيمن يعتق على الحُر بالمِلك [إذا ملكه] (٤)، هل يرجع عليهم على النجوم أو على الحلول؟ قولان:
وإن ترك فضلًا عن وفاء الكتابة، فلا يخلو من معهُ فى الكتابة من أن يكون قريبًا أو أجنبيًا:
стр. 2190
فإن كان أجنبيًا، فالمال للسيد اتفاقًا.
وإن كان قريبًا، فلا يخلو مِن أن يكون قريبًا بسبب أو قريبًا بنسب:
فإن كان قريبًا بسبب، كالزوجية، هل يرث الحى منهم الميت أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك ﵀:
أحدهما: أنَّهُ لا يرث الحى الميت منهما، وهو نصُّ قوله فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهما يتوارثان، وهو قوله فى "كتاب ابن الموَّاز".
ولا خلاف فى المذهب فيما أعلمه أنَّهُ لا يرجع عليها إذا أدَّى عنها الكتابة، كما لو فداها من [أيدى] (١) العدو.
واختلف إذا أدت عنه، هل ترجع عليه؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها لا ترجع عليه، وهو قول ابن الماجشون.
والثانى: أنَّها ترجع عليه لعدم العلَّة التي هى أصل فى الباب.
فإن كان قريبًا بنسب، وما ذلك النسب الذي يستحق به ميراث المكاتب؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرثه كُل من يرث الحُر من العم وغيره من نساء أو رجال، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.
والثانى: أنَّهُ لا يرثُهُ إلا من يعتق على الحُر بالملك إذا ملكه، وهو الذي لا يرجع عليه إذا أدى عنه، وهو مذهب "المُدونة"، وهو قول عبد الملك وابن القاسم، قاله مرة فى "كتاب محمد".
стр. 2191
والثالث: أنَهُ لا يرث إلا الأُبوة والبنوة خاصة، وهو ظاهر قول أشهب: فيمن يدخل مع المُكاتب إذا اشتراه.
وسبب الخلاف: مخالفة هذه المسألة الأصول، ولا خلاف أنَّهُ لا يرثه من كان خارج الكتابة من أقاربه، وإن كان أقرب الأقرباء كالأب والابن، وهذا [حكم] (١) بين حكمين.
وهي من المسائل التي انفرد بها مالك ﵀ دون سائر العلماء، ومعتمده فى ذلك أمران:
أحدهما: قضية عمر ﵁، وذلك أنَّ مُكاتبًا تُوفي وترك مالًا كثيرًا وعليه بقية من كتابته، فجاء أولاده إلى عمر، فقالوا: نؤدى دينه ونأخذ ما بقى، فقال لهم عمر بن الخطاب ﵁: أرأيت لو مات أبوكم، ولم يترك وفاء، أكنتم تسعون فى أدائه؟، فقالوا: لا، فقال عمر: فلا إذا.
ووجه الدليل من الحديث أنَّ عمر منعهم الميراث لكونهم خارج الكتابة، وأنَّهم لا يتساوون مع أبيهم فى الحُكم، فوجب أن يكون ميراثهُ لمن ساواه فى الحُكم.
والعمدة الثانية: مراعاة الشبهة، وهي عبارة عن تشاكل الأمرين، وتشابه الشيئين، وليس القطع إلى أحدهما بأولى من الآخر، فوجب أن يكون الحكم مقتضى شائبة الشبهة، وذلك الحُكم منافر لكلا الشقين، مثل: ما رُوى أنَّ رسول الله ﷺ حكم به فى ولد وليدة [ابن] (٢) زمعة، وذلك أنَّ سعد بن أبي وقاص تداعى هو وعبد الله بن زمعة فى الولد الذي ولدتهُ وليدة زمعة، فقال سعد: "يا رسول الله، هذا ابن أخي أمرنى أن
стр. 2192
أستلحقه إلى نسبه عند الوضع"، على حسب ما كانوا عليه فى الجاهلية، وفي أول الإسلام من اللاطة، وقال ابن زمعة: "هذا أخي وابن أبي، ولد على فراش أبى"، فقال رسول الله ﷺ "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" يعني الزانى، فألحقهُ بابن زمعة، ثم قال لزوجته: "احتجبى منه يا سودة"، لما رأى من شبه الولد بعتبه، فلم يرها حتى مات.
فوجه الدليل من الحديث أنَّ رسول الله ﷺ حكم بالشُبهة، وأناط بها حُكمًا منافرًا لشقِّ الدَّعوى، وهو أمره ﷺ [لسودة بالاحتجاب مع إلحاقه الولد بفراش أبيها وذلك الولد أخ لها من أبيها وكون النبي ﷺ أمر سودة] (١) بقطع ما أمر الله به أن يُوصل من الأرحام لما تخايل له من الشبهة بين الولد وعتبة من أدل الدلائل على ما رمناه من تصحيح مذهب مالك ﵀ فى ميراث المكاتب.
وتقرير الشبهة: أنَّ الولد تجاذبهُ فراشان:
أحدهما: صحيح.
والآخر: فاسد.
غير أنَّ كل واحد منهما لو انفرد للحق الولد بصاحبه إبانا لوجود المقتضى لولد، فلما [اجتمعوا] (٢) غلب حُكم الفراش الصحيح على الفاسد، لأنَّهُ المؤثر فى لحوق الأنساب عمومًا وخصوصًا وللفراش الفاسد تأثير الشبهة فيه في الخصوص لا في العموم. فالذي يقتضيه الدليل المعروف والعمل المألوف أنَّ للولد [إن] (٣) لحق بالفراش الفاسد، أن يكون
стр. 2193
الاحتجاب، [واجب] (١) على سودة كوجوبه على سائر أمهات المؤمنين، وإن لحق بفراش أبيها زمعة: وجب أن يرتفع الحجاب وتُفَّتح الأبواب لثبوت النسب والانتساب، ولا واسطة بين القسمين، ولكن رسول الله ﷺ حكم وقضى، وبيَّن أنَّ هناك وجهًا لا يهمل ومعنى لا يغفل، وهو [حاجز] (٢) بين القسمين، وحائل بين الوجهين، وميراث المكاتب من هذا القبيل:
إمَّا أن يحكم بأنَّهُ مات على الرِّق، فيكون ما ترك لسيده بالرق.
أو يحكم بأنَّهُ مات حرًا، فيرثه ورثته، مَن كان منهم فى الكتابة، ومَنْ كان [منهم] (٣) خارجا عنها وكونه يرثهُ مَنْ كان معه فى الكتابة من ورثته دون غيرهم غير معقول، لكن الشرع لاحظ فيه شائبة الحريَّة، وشائبة الرق، [فرتب] (٤) على كل شائبة مقتضاها.
تمَّ الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله
стр. 2194
كتاب أمهات الأولاد
стр. 2195
كتاب أمهات الأولاد
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب وجملتها ست مسائل:
[المسألة الأولى]: فى الأمة تدعى أنَّ سيدها أولدها , ولا يخلو السيِّد مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُصدقها فى الوطء والوضع.
والثانى: أن يُكذبها فى الأمرين.
والثالث: أن يُصدِّقها فى الوطء، ويُكذبها فى الوضع.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صدَّقها فى الأمرين، فلا خلاف أنَّها تكون أم لولده، وتبقى على أحكامها، وذلك أنَّ أمهات الأولاد من ساداتهن الأحرار، لهنَّ حُكم الأحرار فى ستة أوجه، وحكم العبيد في أربعة أوجه.
ولا خلاف عندنا أنهنَّ لا يبعن فى ديْنٍ ولا غيره، ولا يَرهنَّ ولا يُوهبن ولا يُؤاجرن، ولا يُسلمن فى جناية، ولا يستسعين.
وأما حُكمهن فى حُكم العبيد فى انتزاع أموالهنَّ ما لم يمرض السيَّد، وفي إخبارهنَّ على النكاح فى أحد القولين، وفي استخدامهن الخدمة الحقيقية وإن لساداتهن فيهن من الاستمتاع ما لهم في الإماء.
وأمَّا ولدها من سيِّدها: فلا خلاف بين العلماء أنَّهُ حُر.
وأمَّا ولدها من غير سيدها قبل حملها من سيِّدها، فلا خلاف أنَّهُ عبد.
وأما ولدها من غير سيِّدها، بعدما ولدت من سيِّدها:
стр. 2196
فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ حُر كولدها من سيدها، وهو مذهب [ربيعة بن أبي عبد الرحمن] (١).
والثانى: أنَّهُ عبدٌ كما لو ولدتهُ قبل ذلك، وهو مذهب الزهرى.
والثالث: أنَّهُ بمنزلتها فى كونها تُعتق مِن رأس المال، ويخالفها فى وجوه:
منها جواز استخدامه واستئجاره وغير ذلك، وهو مذهب مالك ﵁.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كذبها فى الأمرين جميعًا، فلا يخلو من أن يكون له بينة على إقراره بالوطء أم لا:
فإن لم تكن لها بينة: فلا خلاف فى المذهب أنها لا تصدق عليه، وهل يحلف أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا يحلف، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه يحلف إن كانت عليه [بينة] (٢)، وهو اختيار بعض المتأخرين.
فإن كانت لها عليه بينة، فهل تُصدَّق عليه أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كُلَّها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تصدَق، كان معها الولد أم لا، شهدت المرأتان على الولادة أم لا، قياسًا على تماديه على الإقرار.
والثانى: أنَّها لا تُصدَّق عليه إلا بشهادة امرأتين على الولادة، كان
стр. 2197
معها الولد أم لا، وهو ظاهر قوله فى الكتاب عند [تمامه] (١) هذا الفصل بقوله: "ويثبت نسب ولدها منه".
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون معها الولد، فتصدَّق بلا بيِّنة على الوضع أو لا ولد معها، فلا تُصدَّق إلا ببيِّنة على الوضع، وهو قول سحنون وربيعة فى "كتاب الشهادات" من "المُدوَّنة".
وعلى القول بأنها لا تُصدَّق إلا ببيِّنة على الوضع:
فإن شهد شاهدان على [إقرار بالوطء وامرأتان على الولادة فإنها تصدق بلا يمين فإن شهد شاهدان على] (٢) الإقرار، وامرأة واحدة على الوضع، فهل يحلف السيِّد أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة".
فإن شهد شاهد واحد على الإقرار، وامرأة [واحدة] (٣) على الولادة:
فإن كان معها ولد، حلف السيد.
وإن لم يكن معها ولد، ففى [يمين] (٤) السيِّد قولان:
أحدهما: أنَّهُ يحلف ليدفع شهادة الشاهد عن نفسه.
والثانى: أنَّهُ لا يحلف.
والقولان: قائمان من المُدوَّنة، على اختلاف الروايات فى "كتاب أمهات الأولاد" وفي "كتاب الشهادات".
فإن ادعى على السيد الاستبراء بعد قيام البيِّنة عليه، هل يُقبل قوله أو
стр. 2198
لا يُقبل؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ يُصدَّق، وهو نصَّ قوله فى كتاب أمهات الأولاد.
والثانى: أنَهُ لا يُصدَّق، وهو قائم من "المُدوَّنة" من غير ما موضع إلا بعد [أمد] (١) الحمل، إمَّا بعد خمس سنين أو أربع:
على الخلاف فى ذلك، وهو قول المغيرة فى خمس سنين فى أحد قوليه.
وعلى القول بأنَّهُ يُصدَّق، هل ذلك بيمين أو بغير يمين؟
قولان قائمان من "المُدوَّنةِ":
أحدهما: أنَّهُ يُصدَّق بغير يمين، وهو قول ابن الموَّاز ومحمد بن مسلمة، وهو ظاهر "المدونة" فى "كتاب العدَّة"، حيثُ قال: "ولا لعان فى ملك اليمين"، معناه: لا يمين عليه.
والثانى: أنَّهُ لا يُصدَّق إلا بيمين، وهو قول عبد الملك فى كتاب محمد، وهو ظاهر "المُدونة" أيضًا.
وعلى القول بأنَّهُ يُصدَّق فى ذلك بيمين، هل الاستبراء فى ذلك بحيضه أو بثلاثة؟ قولان قائمان من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الاستبراء بحيضة واحدة، وهو نصُّ "المُدوَنة".
والثانى: أنَّ الاستبراء فى ذلك بثلاثة قُروء، وهو قول عبد الملك فى "كتاب محمد"، وهو ظاهر "المُدوَّنة" على القول بأنَّ الثلاثة الأقراء كلها للاستبراء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا صدَّقها فى الوطء، وكذَّبها في
стр. 2199
الوضع، هل تَصدَّق عليه فى الوضع أو لا تصدَّق؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تُصدق عليها، كان معها الولد أم لا، عَلِمَ بالوضع جيرانها أم لا، وهو نصُّ قوله فى "كتاب القذف".
والثانى: أنَّها تُصدَّق عليه إن صدَّقها الجيران، كان معها الولد أم لا، وهو ظاهر قوله فى "كتاب أُمهات الأولاد"، و"كتاب الشهادات"، وهو نصَّ قوله فى "كتاب محمد".
والثالث: التفصيل بين أن يكون معها ولد، فتُصدق أو لا يكون معها، فلا تصدَّق إلا بشهادة امرأتين على الولادة، وهو ظاهر الكتاب، وهو نصَّ قوله فى [المدونة] (١) وغيرها, لأنَّ السيَّد أقرَّ لها بالإيداع.
فإذا جاءت بولد قبل قولها أنَّهُ وديعة.
فإذا لم يكن معها ولد، فهي مُدَّعية، فلا يُقبل قولها إلا بدليل يقومُ لها.
فإن ادعت على السيد العلم بالوطء، فهل يحلف أم لا؟
قولان عن ابن القاسم فى غير "المُدوَّنة" [وقائمان من المدونة] (٢).
وسبب الخلاف: هل إقراره بالوطء شهادة] (٣) قائمة له على دعواها أم لا؟
والحمد لله وحده.
стр. 2200
المسألة الثانية
فى الأب إذا وطئ أمة ابنه ، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يطأ أمة ابنه.
والثانى: أن يطأ سريته التي [لم] (١) تلد معه بعد.
والثالث: أن يطأ أم ولد ابنه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وطئ الأب أمة ابنه، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تحمل.
أو لا تحمل.
فإن حملت من وطئه، فلا يخلو الولد من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حُرًا، فلا يخلو الولد من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا:
فإن كان صغيرًا: فإنَّها تقوم على الأب فى العسر واليسر اتفاقًا، وتكون أم [له] (٢) ولد:
فإن كان الابن كبيرًا، فإنَّها تقوم عليه أيضًا، وهل ذلك باختيار من الابن أو مجبورٌ على التقويم؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الولد مجبور على التقويم، وهو نصّ المدوَّنة.
والثانى: أنَّهُ مُخير بين التماسك والتقويم، وهذا القول قائم من
стр. 2201
"المدوَّنة": من وطئ أحد الشريكين أمة بينهما.
وينبنى الخلاف على الخلاف فى أُم الولد، هل يجوز إنكاحها أم لا؟
ومن جوَّز إنكاحها، قال: إنَّ الولد [غير] (١) مجبور على التقويم لما فيه من منافع النكاح.
وإن منع هو من الاستمتاع، فشبهها بأُم الولد إذا حدث على السيد ما يمنعهُ من وطئها، هل يعتق أم لا؟
قولان، وعلى ذلك ينبنى الخلاف فى هذه المسألة.
ومَنْ منع من نكاحها جعله مجبورًا على التقويم.
فإن كانت حائلًا، فهل تقوم على الأب إن كان الولد صغيرًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تقوم عليه وتصير له أم ولد، ويُؤخذ منه القيمة مع المُيسر وتباع عليه مع اليسر وتباع عليه مع العسر، وهو قوله فى "الكتاب".
والثانى: أنَّها لا تقوم عليه سواء كان موسرًا أو معسرًا، لأنَّ ذلك ذريعة إلى أن يستأثر الأب من مال ولده بما [أراده] (٢) لنفسه، وقد قال [مالك] (٣) فى غير ما موضع من الكتاب: "لا ينبغى للأب أن يشتري لنفسه من مال ابنه الصغير شيئًا، وهو قول عبد الحكم.
فإن كان الولد كبيرًا، فهل يجبر الولد على التقويم أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يجبر عليها، وهو قوله فى "المدونة".
стр. 2202
والثانى: أنَّهُ يُخيَّر ولا يجبر، وهو قوله فى كتاب "ابن الموَّاز"، بشرط أن يكون الولد مأمونًا.
وسبب الخلاف: الحماية تحمى أو لا تحمى؟
فعلى القول بأنَّ الولد مجبورٌ على التقويم، والأب مُوسر، فإنها تكون لهُ أُم ولد، ويحلَّ له وطؤها، فقال سحنون: بعد الاستبراء من ذلك الملك، وما قاله صحيح.
وقد قال فى الوطء الفاسد: "أنَّهُ لا يطأ إلا بعد إلاستبراء [من] (١) صحة الملك، فكيف بهذا؟ ".
فإن وطئها الابن بعدما وجبت القيمة على الأب: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك منه رضا بإسقاط الفداء عن الأب وتباع عليه، ويأخذ ثمنها قلَّ أو كثر، وهو قول عبد الملك.
والثانى: أنَّها تقوم على الأب يوم وطئ، وعلى الابن يوم وطئ، فإن تساوت القيمتان تقاصَّا، وإن تفاضلت القيمتان رجع من له الدرك على الآخر، وهو قول أصبغ، وهو الأصح.
وسبب الخلاف: تقويمها على الأب، هل هو حقٌّ لله تعالى أو حق للابن؟
فإن أتت بولد، فالحكم يأتى فيه فى الوجه الثاني إن شاء الله تعالى.
فإن كان ذلك الولد عبدًا [فإن] (٢) كان الأبَّ موسرًا: فإنَّهُ يغرم قيمة
стр. 2203
الأمة، وتكون له أُم ولد.
وإن كان مُعسرًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الأمة تبقى رقيقًا للولد، ويتبع الأب بقيمة الولد بعد الوضع، وهو قول عبد الملك في "الموَّازية".
والثاني: أنَّ الأب يتبع بقيمة الأمة في اليُسر، وتُباع عليه في العسر إن لم تحمل، فإن حملت [يتبع] (١) بقيمتها دينًا في الذمة، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وطئ سرية ابنه التي لم تلد بعد، فلا تخلو من أن تكون حائلًا أو حاملًا:
فإن كانت حاملًا، فلا يخلوا وطئ الأب من أن يكون بعد الاستبراء أو ما يقوم مقامه من اعتزال الابن عنها مُدَّة يحصل في مثلها الاستبراء أو وطئ قبل الاستبراء.
فإن وطئ الأب بعد الاستبراء، فأتت بولد لستة أشهر فأكثر، فالولد لاحق بالأب وتعتق الأم، ويكون ولاؤهما للأب، ويغرم قيمتها للابن ويتبع بها في العُسر.
فإن وطئ الأب قبل الاستبراء، فأتت بولد:
فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطئ الأب [فبالابن] (٢) يلحق، وقيمة الأُم على الأب.
وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر، هل يُلحق بالابن أو يدعى له القافة؟
стр. 2204
قولان في المذهب قائمان من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلحق بالابن, لأنَّ فراشه صحيح، وفراش الأب فاسد، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، حيث ساوى بين هذه المسألة، والسيِّد إذا وطئ أمته، وهي زوجة لغيره، فقال: يُلحق بالزوج، لأنَّ فراشه صحيح، وهو قول سحنون في "العُتبية".
والثانى: أنَّ الولد يُدعى له القافة، فمن [ألحقوه] (١) به كان نسبه منه، وهو ظاهر قوله في المدونة في "باب القافة" أيضًا، حيثُ قال: "إنما القافة [في الأمة] (٢) في الملك لا في النكاح"، وهذا وطئ بملك، لأنَّ للابن وطأ صحيحًا , وللأب وطئ بشبهة الملك، فقد تساويا في إثبات النسب، وهو صحيح.
وسبب الخلاف: هل الشبهة تُفيد ما يُفيد الملك التام أم لا؟
وأما إن كانت حائلًا، فالقيمة لازمة للأب في العسر واليسر، فهل تباع على الأب على كُلِّ حال، لأنَّ وطئها لا يحلَّ لواحدٍ منهما، وهو نصُّ المُدَّونة، أو يجوز للابن أن يمسكها للخدمة إن كان مأمونًا. لا يُخشى منهُ الوقوع عليها أو العودة إليها بما اعتاد منها، وهو القول الذي قدمناهُ في الوجه الأول.
وسبب الخلاف: ما تقدَّم.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا وطئ أُم [ولد ابنه] (٣)، وهل يُعجَّل عتقها أو تبقى عند الابن [ويُعزل] (٤) عنها؟ قولان قائمان من "المدونة"
стр. 2205
أحدهما: أنَّهُ يعجل عتقها، والولاء للابن، وهو نصُّ "المدونة".
والثانى: أنَّها توقف إلى موت الابن، وهو ظاهر المُدوّنة أيضا، وعند إيراد سبب هذا الخلاف يتبين لك هذا الظاهر.
وعلى القول بأنَّهُ يتعجَّل عتقها، هل يغرم الأب القيمة للابن أم لا؟
على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّه يغرمها، وهو نصُّ قوله في كتاب أمهات الأولاد.
والثانى: أنَّ الأب لا يغرم القيمة، وهو ظاهر قوله في كتاب القطع في السرقة في البيِّنة إذا شهدت على رجلٍ بطلاق امرأته، فحكم القاضى بشهادتهما، وطلق عليه زوجته، ثم رجعا عن شهادتهما، قال: إن كان الزوج قد دخل بهما فلا يرجع عليهما بشىء، يريد, لأنَّ الصداق قد استوجبتهُ بالدخول، ولم يفوتا عليه بشهادتهما شيئًا، وهو قول عبد الملك في النصراني إذا وطئ أم ولد ابنهِ، ثمَّ أسلما، والجمع بين المسألتين أنه لم يفوت له في الوجهين غير الاستمتاع لا في أُم الولد ولا في الزوجة.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد في أُم ولدهِ منفعةٌ مقصودة غير الاستمتاع أم لا؟
فمن رأى أنهُ لا منفعة لهُ فيها غير الاستمتاع، فإذا طرأ ما يمنعهُ منه مع حياة السيد تعجل عتقها، قال: لا يغرم الأب شيئًا، لأنَّهُ لم يجن جناية، [الأب] (١)، فساوى بين المسألتين.
وَمَنْ رأى أنَّ للسيد في أُم ولدهِ مأرب سوى الاستمتاع بالوقاع، مثل أُروش الجنايات عليها أو قيمتها إن قتلت أو انتزاع ما يطرأ لها من المال،
стр. 2206
قال: إنَّ الأب يغرم القيمة، ويُفرق بين المسألتين، وهذا من باب اعتبار الطوارئ البعيدة، وهي من الطوارئ النادرة الوقوع، وقليل من السادات مَنْ يكون ذلك مقصوده من أمهات الأولاد، وهذا كله إذا كان الأب الواطئ حرًا.
وأمَّا إن كان عبدًا فوطئ أمة ابنه الحُر، فأحبلها، هل تقوم عليه أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يُتبع الأب بشىء, لأن ذلك ليس بغصب، ولا خراج ولا حد عليه، ولو قال الابن: "أنا أسلمها إليه، وأتبعه بالقيمة" لم يكن ذلك له.
فإن وضعت حملها: كان حرًا على أخيه.
ولو أسلمها إليه الابن: لم تكن [له] (١) أم ولد بذلك الولد, لأنَّهُ خلق في بطنها على الحُرية، وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن سحنون"، وبه قال [ابن المواز] (٢).
والثانى: أنَّ وطأها كالجناية، وقيمة الجارية في رقبة العبد الذي هو الأب، ويخير سيد العبد بين أن يفديه بقيمة الجارية أو يسلمه، وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز" وكتاب "ابن سحنون".
فإن فداه، هل تتبعه الجارية أو تكون لسيده؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تكون لسيد العبد، وهو قوله في كتاب "ابن المواز".
والثانى: أنَّ الجارية للعبد، والعبد للسيد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون".
стр. 2207
فإن أسلمهُ سيده في تلك الجناية، كان حرًا على ابنه الذي يُسلم له، وتتبعه الجارية، وهل تكون له أم ولد بذلك الولد أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّها تكون أُم ولد بذلك الولد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون".
والثانى: أنَّها لا تكون أُم ولد إلا بولد ثانٍ، لأنَّ ذلك الولد لسيِّده الذي أسلمه, لأن رقيق له، إلا أن يقال: إن علم السيِّد بأنه يتبعه ماله إذا أسلمه، كان تسليما للولد إذا ولد، وإسقاطًا لحقِّهِ فيه، وإن ماتت الجارية قبل أن يُخيَّر السيِّد فمصيبتها من العبد، وتكون القيمة في رقبتهِ، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد" وكتاب "ابن سحنون".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون الأب عبدًا مأذونًا له في التجارة أو غير مأذون:
فإن كان مأذونًا له في التجارة: قومت عليه قيمة عدل، ثُمَّ يؤخذ ذلك مِن مالهِ إن كان لهُ مال، وهو قول المُغيرة في "كتاب ابن سحنون".
وإن لم يكن له مال، هل يُتبع في الذَّمة أو تُباع عليه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتبع بالمال في ذمته، وتكون الأمة والولد لسيده, لأنَّه ليس من مال العبد، وهو قول المغيرة في "الكتاب المذكور".
والثانى: أنَّه إذا لم يكن لهُ مالٌ تباع عليه ويعتق الولد على أخيه [وهذا القول حكاه سحنون عن المذهب في كتاب ابنه.
стр. 2208
[فإن كان غير مأذون له في التجارة للابن، والولد لاحق بأب العبد، ويعتق على أخيه] (١)، وهو قول المغيرة.
والابن إذا وطئ أمة أبيه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون وطؤه إياها بتعدٍ.
والثانى: أن يكون بنكاح.
فإن وطئها بتعدٍ، فالحدُّ واجب عليه اتفاقًا، فهل تقوم عليه بالحكم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تقوم عليه بالحكم، شاء الأب أو أبى، ويغرم القيمة إن كان مُوسرًا وتكون له ملكًا، وتُباع عليه إنك كان معسرًا، من غير اعتبار، بأن تكون حاملًا أو حائلًا.
والثانى: أنَّ الخيار للأب إن كان معدمًا إن شاء قوِّم وإن شاء مسك، ويترك التقويم، ويتبع الابن بما نقصها [الوطء] (٢) أو الحمل إن كانت حاملًا.
والقولان قد قدَّمناهما في جارية الابن.
فإن وطئها بنكاح، فذلك مباح له, لأنَّهُ يجوز للابن أن يطأ أمة أبيه بنكاح اتفاقًا.
وفي جواز نكاح الأب أمة ابنه بالنكاح قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه، فإن فعل: فإنَّ نكاحه مفسوخ، وعلى الأب قيمتها يوم وطئ، حملت أو لم تحمل،
стр. 2209
وتكون له أم ولد إن حملت، وهو مشهور مذهب مالك ﵁.
والثانى: "إنهُ لا يجوز له تزويجها ابتداءً، فإن نزل: فإنَّهُ يمضي ولا يرد، وهو قول محمد بن عبد الحكم في كتاب ابن المواز.
فإذا ثبت أنه يجوز للابن وطء أمة أبيه بنكاح.
فإن اشتراها من الأب بعد النكاح، فلا يخلو من أن تكون حاملًا أم لا:
فإن كانت حائلأ، فالبيع جائز اتفاقًا.
وإن كانت حاملًا، فهل يجوز البيع أم لا؟ قولان [قائمان] (١) من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ البيع جائز، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوَّنة"، وإن كان بعض المتأخرين تأوَّل قوله على الوفاق، فقال معناه بعد الوقوع.
والثانى: أن البيع لا يجوز، وهو قول الغير.
وسبب الخلاف: المستثنى، هل هو مبقى أو مشترى فابن القاسم يرى أنَّهُ مبقى، فجوز البيع.
وغيره يرى أنَّهُ مشترى، فمنع البيع لما في ذلك من الغرر.
وللخلاف فيه مطلع آخر، وهو الجنين [هل] (٢) تلحقه الحُرية في بطن أمه أو لا تلحقه إلا بعد الوضع والاستهلال صارخًا:
فمن رأى أن الحُرية لا تلحقه إلا بعد الوضع، قال: بجواز البيع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة": في الابن يشترى امرأة أبيه،
стр. 2210
وهي حامل ثمَّ يلحقه الدين، قال: "تباع في الدين الذي على الابن"، وقال في التعليل: "إنَّهُ لا يعتق عليه إلا بعد الوضع".
ومن رأى أن الحُرية تلحقهُ في بطن أُمه، قال: لا يجوز البيع, لأنَّ ذلك من باب استثناء الأجنَّة، وهو قوله في أمهات الأولاد أنها لا تباع في الدين حتى تضع, لأنَّهُ عتق سنة، خلاف قول ابن القاسم، ومشهور المذهب أنَّ الحرية تلحقه قبل الوضع.
وعلى هذا ينبنى الخلاف في الأمة، هل تكون أُم ولد بنفس الحمل [أو بالوضع] (١)؟ قولان قائمان من المدوَّنة.
فعلى القول: بأنَّ الحُرية تلحقُه قبل الوضع:
فمن ضربها فألقت جنينا ميتًا، ففيه [غرة عبد أو وليدة] (٢).
وعلى القول بأنَّهُ لا تلحقه الحُريَّة إلا بعد الوضع، فينبغى أن تكون به أُم ولد، كما قال إذا اشترى زوجة أبيه، وهي حامل أنَّها تباع في دين لحق الابن الذي اشتراها، وكل منهما عتق سنة.
هذا أعتق الأخ، وهذا أعتق ابن الابن.
أمَّا أن يحكم بعتقهما جميعًا قبل الوضع أولًا يحكم بعتقها إلا بعد الوضع، وهو ظاهر في المعنى جدًا لمن أمعن نظره واستعمل فكره، وغاص بذهنه في بحار المعانى، حتى يستخرج منها نفائس الجواهر واللآلئ.
أمَّا من ركن إلى الدعة والراحة ولازم الرقاد طول الأيام والليالى، فهو