أمرٌ يُقضى بهِ، وإن كان [أمرًا] (١) [فاسدًا] (٢).
فإن [ادعتهُ] (٣) المرأة، واستلحقتهُ بها، هل يُلحق بها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يُلحق بها، وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (٤)، لأنَّها إنَّما استلحقتهُ بغيرها.
والثاني: أنَّهُ يُلحق بها، وإن قالت: هو مِن الزنا، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثالث: أنَّهُ يُلحق بها، وتُصدَّق إن ادعت أنَّهُ مِن زنا, ولا يُلحق بها إن ادّعت أنَّهُ مِن زوج إلا أن يدعيه الزوج إن كان حيًا، وهو قول محمد.
وعلى القول بأنَّهُ يلتحق [به] (٥) في قيام البيَّنة على الوفاق أو مع دليل الحال، على الخلاف: هل يرجع عليهِ المُلتقط بما أنفق أم لا؟
فلا يخلو الأب في حال النفقة مِن أن يكون مُوسرًا أو معسرًا.
فإن كان معسرًا: فلا شىء لهُ بالاتفاق, لأنَّ نفقة الأولاد ساقطة عن الأب بالعُسر.
فإن كان مُوسرًا، فلا يخلو مِن أن يتعمد طرحهُ أو لا يتعمد.
فإن تعمَّد الطرح، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُتبع بالنفقة، وهو قول ابن القاسم في المُدونة.
стр. 2277
والثانى: أنَّهُ لا يُتبع بشىءٍ، لأنَّ نفقتهُ عليهِ احتسابًا، كالنفقة على اليتيم، ويكون بمنزلة مَن أنفق على يتيمٍ، يرى أنَّهُ لا مال لهُ، ثُمَّ ظهر لهُ مالٌ، فإنَّهُ لا يرجع عليهِ بشىءٍ، وهو قول أشهب في ["المُدوَّنة"] (١).
فإن كان الأب لم يتعمَّد طرحةُ: فلا إشكال أنَّهُ لا شىء عليهِ، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
فإن التقطهُ من قُرى أهل الشرك، التي هى في أرض الإسلام وحُكمهم، فما حُكمُهُ؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ مشرك، وهو قولهُ في كتاب "محمد".
والثاني: أنَّهُ يكون مسلمًا، وإن التقطهُ مِن كنيسة، وهو قول أشهب في "الموَّازية"، قال: "كما أجعلهُ حُرًا، كذلك يكون مُسلمًا".
فإن التقطهُ نصراني:
فإن كان مِن قُرى [الإسلام] (٢)، فالتقطهُ، فإنَّهُ يكون مُسلمًا.
وإن التقطهُ مِن قُرى أهل الشرك، فإنَّهُ يكون مُشركًا.
فإن التقطهُ مِن قرية فيها [مسلمون ونصارى] (٣)، فقولان:
أحدهما: أنَّهُ يكون مُشركًا، إن التقطهُ الكافر، وإن التقطهُ المُسلم يكون مُسلمًا، وهو قولهُ في "الموَّازية".
والثاني: أنَّهُ لا يكون إلا مُسلمًا، وإن كان فيها مِن المسلمين الاثنان والثلاثة، وهو قول أشهب في "الكتاب المذكور".
والحمدُ للهِ وحدهُ.
стр. 2278
المسألة التاسعة
في اختلاف ورثة الكافر في ميراثهِ، وكيف إن أسلموا ؟
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا جميعهم على الكُفر.
والثانى: أن يُسلم بعضهم قبل القسمة.
والثالث: أن يُسلموا جميعًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا كُلُّهم على الكُفر، فاختلفوا في الميراث، أيرتفعون إلى حُكم المسلمين، فإنَّهُ بالخيار بين الحكم والترك.
فإن حكم بينهم حكمًا بما ثبت عندهُ مِن مواريثهم، بعد كشفهِ عن ذلك، وبحثهِ عن كتابة توارثهم.
والجواب [عن الوجه الثاني] (١): إذا أسلم بعضهم قبل القسمة، فإنَّهُ يحكم بينهم، ولا يرد إلى حُكم النصارى، ولا خيار لهُ في هذا الوجه، لأنَّهُ حكمٌ بين مسلم ونصراني، ولا ينقلهم عن مواريثهم، وإنَّما يمنعون مِن أن يُردُّوا إلى حكم النصارى، لما في ذلك مِن إذلال المُسلم، ولأنَّهم لا يُؤمنون مِن الحَيْفِ والميل عليهِ، وقد وقع في روايات مختلفة، كُلُّها راجعة إلى معنى واحد.
قال في بعضها: "وإن كان الورثة مُسلمين ونصارى: حكم بينهم بحُكمِ الإسلام، ولم أنقلهم عن مواريثهم، ولا أردُّهم إلى أهل دينهم"، وهي رواية ابن عتاب.
стр. 2279
وفي رواية يحيى بن عمر: "فحكم بينهم بحكم دينهم"، وهذا كُلُّهُ أمرٌ مُتقارب.
ومعنى قول: "حُكم بينهم بحكم دينهم" أي: فيهم وإن بقوا على مواريثهم في الكفر، وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵁ في مسلمين ونصارى حاما إليهِ في ميراث، فقال: "تُقسَّم بينهم على فرائض الإِسلام، فإن أبوّا، فردُّوهم إلى أهل دينهم"، كذا في رواية عيسى عن ابن المرابط، وعند ابن عتاب: "إلى أمر دينهم"، وهذه أصحُّ، أي: "أُقسم بينهم على ورثة الكفر"، ومعناهُ: "أنَّ بعضهم أسلم بعد الموت، فيُقسَّم ميراثهُ على ورثة الكفر".
ومعنى قولهُ: "إلى أهل دينهم" أي: إلى أمر دينهم، كما قال في الرواية الأولى.
فإذا حُمل على هذا التأويل: يكون وفاقًا للمذهب [ويحتمل أنه أراد أن يحكم أولًا أنه لا ميراث للمسلمين معهم ثم يرد الباقون من النصارى إلى أهل دينهم لكونهم أسلموا قبل موت أبيهم ويكون قوله وفاقًا للمذهب] (١) أيضًا.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلموا جميعًا قبل قسمة التركة، هل تُقسَّمُ بينهم على قسمة الإِسلام أو على قسمة النصارى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُقسَّم بينهم على قسمة المسلمين، وهي رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة"، وهو قول مُطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
стр. 2280
والثاني: أنَّهُ يُقسَّم بينهم على قسمة أهل الشرك جُملةً، كانوا أهل كتاب أو غيرهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "العُتبيَّة": في المجوس إن كانوا أهل ذمَّة، وأسلم [أولادهُ] (١) قبل أن يُقسَّم الميراث، حيثُ قال: "فإنَّهُ يُقسَّم على قسم الشرك".
والثالث: التفصيل بين أهل الكتاب وغيرهم، فأهل الكتاب يُقسَّمون على قسم النصارى إذا أسلموا، والمجوس يُقسمون على قسم الإِسلام إذا أسلموا، وهو قول مالك في المُدوَّنة وبهِ أخذ ابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله ﷺ : "أيُّما دار قسِّمت في الجاهلية، فهي على قسم الجاهلية وأيما دارٍ أدركها الإِسلام لم تُقسَّم، فهي على قسم الإِسلام".
فقال معناه: "في غير الكتابيين، وذلك مِن باب تخصيص العموم بالقياس، لأنَّ أهل الكتاب [عندهم] (٢) شريعة يتبعونها، فوجب أن تُقسم مواريثهم على ما وجبت عليهِ عندهم يوم مات الميت، وذلك لا يُسقطهُ إسلامهم، والمجوس لا كتاب لهم، ولا شريعة عندهم فيرجعُون إليها ويُحملون على مُقتضاها: فكان مِن ضرورتهم الرجوع إلى قسم الإِسلام، والعمل بمقتضاهُ.
ومن حَمَلَ الخبر على عمومهِ، قال لا فرق بين أهل الكتاب ولا غيرهم، لقولهِ ﷺ : "فهي على قسم الإِسلام"، فهي منهُ جنوح إلى أن العموم لا يُخصَّص بالقياس.
ومَنْ رأى أنَّهم يُقسِّمون على قسم أهل الشرك، كانوا أهل كتاب أو
стр. 2281
غيرهم، يقول: "معنى الخبر: "أن يكون على قسمة الإِسلام"، معناهُ: أن يتولاهُ المسلم مِن غير أن ينقلهم عن قسمة أهل الشرك، وقد قال النبي ﷺ : "سنَّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب"، فكان ينبغى مساواتهم في الجميع.
والحمدُ للهِ وحدهُ.
وصلى الله على نبينا محمَّد خيرة خلقهِ، وعلى آله وأزواجهِ وذريتهِ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا وصلاةً دائمة.
تمَّ الكتاب بحمد اللهِ وعونه في سابع عشرى ذى الحجة مِن سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
كتبهُ بخطِّهِ لنفسهِ عبد الله بن عمرو بن يُوسف الزواوى المالكى.
ثُمَّ لمِن شاء الله بعدهُ، والمسؤل مِن إحسان مَنْ نظر في هذا الكتاب أن يدعو لكاتبهِ بالمغفرة.
وهذا آخر المجلد الأول.
ويتلوهُ في أول المجلد الثاني "كتاب الصرف".
стр. 2282
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحلِّ مشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدّمياطي
أحمد بن علي
الجُزءُ السَّادس
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
стр. 2283
حُقُوقُ الطبع محفوظةٌ
الطبعة الأولى
١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف:٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب:٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib
стр. 2284
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
(٦)
стр. 2285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2286
كتاب الصرف
стр. 2287
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
كتاب الصرف
مأخوذ من التلقب، ومنه صرف الدرهم، وتصرف الأمور: أي تقلبها وانتقالها من شيء إلى شيء.
وكذلك مصرف الذهب والفضة: قلب عين بأخرى، ويسمى فاعل ذلك صيرفيّا.
وقد يكون من الصريف: وهو الصوت؛ لكون الدنانير والدراهم تصوت عند تحريكها وتعديدها أو وزنها، ومنه قوله: فسمعت صريف القلم، وقد يكون من الوزن وهو أصلها، والصرف: الوزن؛ وهو أحد التفاسير في قوله ﵇: "لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (١)، أي وزنًا ولا كيلًا. قاله ابن دريد.
والصرف من أنواع البيوع، وهي تسعة أنواع: بيع ذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو عرض بعرض، أو عرض بعين وكلاهما نقدًا أو إلى أجل أو أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل، أو ذمة بذمة.
فإن تبايعا ذهبًا بذهب أو فضة بفضة يسمى مراطلة، ولا يجوز فيها التأخير من الطرفين أو من أحدهما.
فإن بيع ذهب بفضة: يسمى صرفًا, ولا تأخير فيهما ولا في أحدهما أيضًا.
стр. 2288
فإن بيع عرض بعرض: فإن تجانسا: يسمى بدلًا، وإن اختلفا: يسمى بيعًا.
فإن تأخرا جميعًا: فلا يجوز لأن ذلك ضمان بجعل.
فإن بيع عين بعرض: يسمى ذلك بيعًا ناجزًا، وإن تأخر أحد العوضين وكان ثمنًا: سمي بيعًا إلى أجل، وإن تأخر أحد العوضين وكان مثمونًا: سمي: سلمًا، وإن تأخرا جميعًا وكانا معينين: سمي ذلك سلفًا جر منفعة، وإن كانا مضمونين: سمي ذلك دينًا بدين، وهي ذمة بذمة.
فهذه تقاسيم أنواع البيوع، فإذا تعذر عليك شيء من أنواع البيوع أو التبس عليك وجه من وجوهها فحدد نظرك في هذه الأنواع تجده إن شاء الله تعالى، وبه أستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشرون مسألة.
стр. 2289
المسألة الأولى في تعليل الربا في النقدين
فإذا أثبتنا ذلك انعطفنا على تحصيل المشكل المبتغى إذا عرضنا تحصيل ما يشكل على المستطرف بل على المستشرف من مسائل المدونة؛ لأن الكلام على المذهب ردًا وقبولًا عن كونه معقولًا؛ ولهذا قدمنا معلول الربا ليكون الأخذ في فصول استوفيت أصولها.
فإذا ثبت ذلك فالربا في اللغة: الزيادة، وهو ربا الجاهلية؛ كانوا إذا كان لأحدهم دين على الآخر إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإذا قضاه أخذ، وإلا زاده في العدد، ويزيد له الأخير في الأجل، وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولا فرق بين متبوره ومسكوكه ومسوغه في التفاضل والنساء إلا ما روي عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة الصياغة، وما روي عن مالك ﵁ أنه سئل عن رجل يأتي إلى دار الصرف بورقة فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير أو دراهم وزن ورقة أو ذهبه [فقال] (١) إذا كان لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو ألا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم -من أصحابه- في "العتبية" "والموَّازية" وأجاز مالك أيضًا بدل الدينار الناقص بالوازن على اختلاف أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك.
فإذا ثبت هذا؛ فقد اختلف العلماء في تعليل الربا في الأموال الربوية
стр. 2290
منها النقدان، والكلام عليها هاهنا، وبقيتها يأتي الكلام عليه في "كتاب السلم" إن شاء الله تعالى واختلافهم على أربعة مذاهب: فمنهم من علل بالربوية وعداها إلى سائر الموزونات، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنهم من علل بالمالية فعداها إلى سائر الأموال، وهو قول عبد الملك.
ومنهم من علل بالتنمية وعداها إلى سائر الأثمان، وهو مذهب مالك.
ومنهم من احترز بزيادة الجوهرية على التنمية، وهو الصحيح مذهبًا ونظرًا، وهو مذهب الشافعي ﵃ أجمعين - لأن هذا التعليل ينتظم مطبوع هذا النوع ومصنوعه ومتبوره.
وتعليل [مالك] (١) يتناول إلا المطبوع دون المصنوع غالبًا مع تساويهما في الحكم في تحريم الربا، وهذا يهدم فصل التأثير في العلة؛ وهو وجود الحكم بوجود العلة في موضع؛ وهو أصل كبير من أصول الفقه، وقد اختلف الحذاق من أرباب المذهب في التعليل بهذه العلة، فمنهم من أحاله قائلًا بأن العلة المستثارة إنما تعرف بإثارة المعنى المناسب المخيل، ولا إحالة بين العلة والحكم هاهنا -لا كليًا ولا جزئيًا- فلم يبق إلا الجمود على التعبد حتى إذا لاح المعنى صرنا إليه.
فمن جوز التعليل به يقول: لا أسلم إحلال شرط في العلة؛ لأن التعليل بجوهرية الأثمان التي هي المقصودة في أقطار الديار وأقاصي البلاد والأمصار مع الرغبة فيها وتنافس التجار فيها؛ لخفتها في الحمل ونفاذها في النقد عند الكل، وذلك الشرف يمنع من الصرف، وهو عين المناسبة والإحالة في التعليل بجوهرية الأثمان. وعلى قضية هذا الاختلاف اختلف قول مالك في جريان الربا في الفلوس، وهذه هي العلة القاصرة عند
стр. 2291
الأصوليين، وقد اختلف في التعليل بها على الجملة.
والقاصرة: هي التي لا فرع لها فتتعدى إليه، فذهب الشافعي ومالك إلى القول بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يصح التعليل بها.
وحجة أبي حنيفة: أن العلة من حقها التعدي من الأصول إلى الفصول؛ لاعتقاده أن القياس حجة شرعية عملية -لا علمية- فإذا لم يكن للتعليل بالجوهرية هذه الرتبة من العملية، اختل وضعها بتعيين أصلها إذا لم يفد بعد ذلك فائدة محققة لما كان في الأصل ثابتًا بغيرها -لا بها- فلا عملًا أفادت ولا علمًا حصلت، فتعين كونها عبثًا وأورث ذلك وهنًا في الظن إذا سرفنا في المجتهدات غلبات الظن، فإذا بطل التعليل بالثمنية: تعين التعليل في الوزنية كحصول شرطها الذي هو التعدي؛ لأنه لا يرى للعلة القاصرة فائدة غير التعدية، فإن العلة أمارة للحكم، والأمارات للتعريف، والحكم معروف في محل النصب بالنص، فأي فائدة بعده في نصب علامة قاصرة عن محل النص، وخصمه يقول في القاصرة فائدة غير التعدية، وهي الوقوف على حكمة الحكم ووجه الصلاح فيه، فتكون الطباع [له] (١) أقبل والنفوس إلى الإذعان [له] (٢) أسرع والتعدية من توابع معرفة علة الأصل، فالأصل في التعليل علة الاصل من محل النص يعرف أنه هو الداعي للشرع إلى شرع الحكم، ثم إن اتفقت مشاركة صورة أخرى للأصل فيما هو الداعي شاركته في الحكم ولا يقع الاكتفاء بثبوت الحكم مقصورًا عليه ولا تزاد؛ إذ مصلحة الحكم في هذا المحل بأن يوجد الباعث من محل آخر، ولا ينتقض بأن لا يوجد فكانت الصلاحية في القاصرة
стр. 2292
[حسبما] (١) في التعدية، وفيها فائدة ما.
والدليل أيضًا: أن التعدية ليست من شروط الصحة في العلل الشرعية أن الدليل على صحتها هو المناسبة والإحالة المثيران للتأثير، وهذا موجود في الواقعة وجودها في العادية.
لأن التعدية مسبوقة بالعلم بكونها علة، بل هي درجة ثانية متأخرة عنها [وفروع] (٢) مترتبة عليها، فإنما يمكن أن يقال: [إن] (٣) المسبوق شرط في [السابق] (٤).
لأن كون التعدية شرط لصحة العلة يفضي إلى الدور العقلي.
فإنه يقال: العملية [مستفادة] (٥) [بالصحة] (٦) والصحة [مستفادة] (٧) بالعملية؛ إذ لا عمل إلا بعد أن صححها ولا [أصحها] (٨) إلا بعد أن أعمل بها، وحصل كل واحد منهما موقوفًا على الآخر، وكفى بكلام يفضي [مسابقة] (٩) إلى الدور بطلانًا.
وهذه الإشارة إنما تجبر لاستنشاق روائحها أعطاف الخائضين في علم الأصول حتى علموا أحكام القياس، وحيث نجول -وليس
стр. 2293
هو الغرض - فلذلك لم نطول القول فيه، وبعد تمهيد هذه الإشارة نرجع إلى غرضنا، والحمد لله وحده.
стр. 2294
المسألة الثانية في تأخير بعض [أعواض] (١) الصرف
ولا يخلو عقد المتصارفين من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعقدا على التأخير ابتداء.
والثاني: أن يعقدا على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اختيارًا.
والثالث: أن يعقدا على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اضطرارًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وقع العقد على التأخير ابتداء: فالصرف فاسد اتفاقًا في المستوفى، وفي المستبقي؛ لأن العقد وقع على نعت الفساد، ولا يتلافى بل يتلاشى.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وقع على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما [اختيارًا] (٢) فالصرف باطل في المستبقي وفاقًا، وهل ينعقد في المستوفي؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن العقد مردود [ولا ينعقد] (٣) وهو نص "المدونة".
والثاني: أن الصرف منعقد في المستوفي، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن الموَّاز و"العتبية" إذا كان ذلك قبل أن يفترقا فشبهها بمبتاع مائة فقير لا يجد إلا خمسين، وعاب ذلك أصبغ، وقال: ليس ما ناظر به بنظير،
стр. 2295
وواجد النقض بعد التفرق في غير الصرف كالعيب بخلاف الصرف الذي لا يتأخر، وهذا القول الثاني قائم من "المدونة" من "كتاب العيوب".
وسبب الخلاف: الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا هل تبطل جميعها، أو يجوز منها الحلال ويبطل الحرام؟، وله في هذا الكتاب وفي "كتاب النكاح الثالث": أنها تبطل جميعها, وله في كتاب العيوب: أنها يبطل منها الحرام ويجوز الحلال من مسألة الشاتين إذا وجد إحداهما غير ذكية.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا وقع على المناجزة، ثم وقع التأخير منهما اضطرارًا: فلا يخلو من أن يكون ذلك باضطرار منهما، أو من أحدهما.
فإن كان باضطرار منهما؛ كليل غشيهما، أو نسيان غلب عليهما، فافترقا قبل تمام التقابض: فلا خلاف في انعقاد البيع في المستوفي.
وفي المستبقي قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه ينتقض، وهو قول مالك في "الموَّازية".
والثاني: أنه لا ينتقض بينهما؛ لأنهما غلبًا على التأخير وفي عمل القبض شرعًا.
وسبب الخلاف: هل يعذران بهذا الأمر الغالب أم لا؟ فإن كان التأخير [باختيار] (١) من أحدهما، واضطرار من الآخر: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يجعل ذلك ذريعة إلى فسخ العقد.
والثاني: أن يجعله وسيلة إلى بخس [النقد] (٢).
стр. 2296
فإن جعل ذلك وسيلة إلى فسخ العقد؛ كهروب أحدهما قبل تمام النقد؛ مثل أن يستغلا البيعة فيريد أن ينخلع من زيفة الصفقة واغترابًا بفرار التأخير المؤدي إلى بطلان العقد، هل يفسخ العقد، أو يؤخذ الهارب بمضمونه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن العقد بينهما قائم، ويؤخذ بمقتضاه، إلا أن يتقابلا, ولا يتوصل الهارب بهروبه إلى ما يريده، وهو ظاهر قول مالك في غير [ما] (١) موضع في المدونة: أن المتعدي لا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهو قوله في "الموازية" في قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد، فلم ينقدوا حتى فصلت، وتقاوموا اللؤلؤ، وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد، ولم يكن ذلك شرطًا: قال: لا ينقض ذلك، وقاله ابن القاسم لأنه على النقد، ولم يرض بتأخيرهم وهو مغلوب، فهذا نص منه على أنهما يتعديا بالغلبة، [فهكذا] (٢) حكم الهارب [في الصرف] (٣).
والثاني: أن الصرف منتقض [فيما بقي لتأخير النقض] (٤) [عن] (٥) العقد، وهو ظاهر "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يغلب حق الله على حق العبد: فيفسخ العقد، أو يغلب حق العبد: فيمضي وينفذ؟
فأما إن جعل ذلك وسيلة إلى بخس النقد: فلا يخلو ذلك البخس من أن يرجع إلى بخس في العدد، أو بخس في الصفة.
стр. 2297
فإن كان يرجع إلى بخس في العدد كالسرقة من الصراف من العدد أو من الوزن، ثم تبين للقابض النقصان بعد الفراق، فرضي بما قضى وتجاوز عما بقي، فهل يصح العقد أو يبطل؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن العقد جائز ولا يفسخ -كان ذلك قليلًا أو كثيرًا-، وهو قول أشهب في الموازية: "ثم إذا افترقا على التصديق ثم وجد زائفًا أو نقصًا ثم ترك الفضل من له الفضل: فذلك جائز"، وقال مالك في "العتبية" و"الموازية": "ومن وجد نقصًا في الصرف فتجاوزه فذلك له"، وهو ظاهر قوله في كتاب السلم" فيما إذا وجد درهمًا رصاصًا في رأس مال السلم بعد شهر فرضيه، حيث قال: "السلم جائز، ودرهم الرصاص كالعدم"، وكذلك قوله في كتاب الصرف: "إذا وجد زائفًا أنه له الرضا به فهذا قد وجد أقل العدد الذي دخل عليه فثبت السلم بينهما بقوله إياه".
والقول الثاني: أنه لا يجوز له الرضا به جملة سواد كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا، وهو قول مالك أيضًا، لافتراقهما قبل التقابض، وهو ظاهر قوله في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، وهو قول مالك أيضًا.
والأقوال الثلاثة كلها لمالك في "العتبية" و"كتاب محمَّد". واختلف في حد اليسير على قولين:
أحدهما: كالدانق من الدينار، وهو قول مالك، ونصف الدرهم -عنده- من الدينار كثير.
والثاني: مثل الدرهم من الألف، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
والقولان في "العتبية".
стр. 2298
وسبب الخلاف: هل المعدوم معني كالمعدوم حسًا، أم لا؟ فمن رأي أن المعدوم حسًا كالمعدوم معنى: قال بجواز الرضا. [و] (١) على القول بأن ذلك لا يجوز، فهل ينتقض كله أو بعضه؟ فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة"، إلا قولًا واحدًا.
أحدها: أن الصرف ينتقض جميعه؛ لأن الدرهم المستبقي حصة في كل دينار، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه ينتقض صرف دينار واحد، فما زاد عليه فينتقض عليه إلى تمامه ثم على هذا الحساب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح" من "المدونة" وبه قال ابن الموَّاز.
والثالث: بالتفصيل بين أن يرتبا لكل دينار ثمنًا أم لا؛ فإن رتباه: كان كما قاله ابن القاسم، وإن لم يرتباه: كان كما قال في القول الأول.
وهذا القول حكاه ابن الجلاب على المذهب.
والرابع: التفصيل بين أن تكون الدنانير كلها سكة واحدة أو سككًا؛ فإن كانت سكة واحدة: فيتنقض الصرف كله، وإن كانت سككًا: فكما قال ابن القاسم، وهو قول سحنون في كتاب ابنه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في جمع السلعتين في البيع.
والخامس: أنه إن اختلفت السكك فينتقض صرف أجود الدنانير، وهو قول أصبغ، وهذا القول هو الذي لا ظاهر له في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل الحكم يوجب الترتيب وإن لم يرتبا لكل دينار ثمنًا، أو لابد من التوظيف والتسمية؟ وعلى هذا الأصل يتركب جميع ما في المسألة من الخلاف إن اعتبرته.
стр. 2299
فأما إن كان ذلك البخس يرجع إلى الصفة؛ مثل أن يحدد درهمًا زائفًا قد أروجه عليه الدافع، أو دينارًا بائرًا قد دلس به: فقد يجوز له الرضا به، ويصح العقد.
فجميع ما تضمنه قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز إذا رضي به، وهو قول ابن القاسم في "كتاب السلم" و"كتاب الصرف".
والثاني: أن ذلك لا يجوز وإن رضي به، وهو ظاهر قوله في "كتاب النذور": إذا حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الهلال فقضاه، فوجد فيه درهمًا زائفًا، حيث قال: فإنه حانث.
وسبب الخلاف: المعدوم معنى هل هو كالمعدوم حسًا أم لا؟ وله سبب آخر، وهو: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
وعلى القول بأن له الرد أو التماسك، فإن اختار الرد وطلب البدل فعل يجوز أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البدل لا يجوز، وهو مشهور المذهب، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن البدل سائغ، وهو قول ابن وهب، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو نقض بيع، أو بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنه نقض بيع: يمنع من البدل، وهو قول أشهب في "كتاب الاستبراء".
وعلى القول بأنه بيع مبتدأ: يجوز البدل، ويعد ذلك عقد مبتدأ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور، والحمد لله وحده.
стр. 2300
المسألة الثالثة في بيع السيف المحلَّى
ولا تخلو تحليته من أن تكون بالذهب، أو الورق؛ فإن كان محلَّى بالذهب فهل يجوز اتخاذه واقتناؤه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر المدونة، ومشهور المذهب لما في ذلك من السرف، [والتحلي] (١) بالذهب محرم على ذكور هذه الأمة.
والثاني: أنه يجوز اتخاذه، وإن التحلية مباحة، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: لا يجوز عند مالك أن يبيعه بنسيئة، لا بذهب ولا بورق، كان ما فيه من الحلية قليلًا أو كثيرًا، وظاهر هذا: جواز التخلية عنده.
والثالث: التفصيل بين المجاهد وغيره؛ فيباح للمجاهد أن يحلي سيفه بالذهب دون غيره؛ لما في ذلك من المباهاة على العدد وإرهابهم، وإشعار المسلمين القوة بالعدد والاستعداد، وكذلك لباس الحرير، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: نبذ النبي ﷺ خاتمه، وأمره لأصحابه بنبذ خواتمهم (٢)، هل يفيد تحريم استعمال الرجال على الذهب عمومًا أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت التحلية بالفضة فلا يخلو أن يكون ما فيه من الحلي تبعًا، أو متبوعًا، وفي قدر التبع قولان قائمان من "المدونة".
أحدهما: الثلث فأدنى.
стр. 2301
والثاني: النصف، وهذا القول قائم من قوله: إذا اشترى بنصف درهم طعامًا ورد عليه نصف درهم فضة، حيث جوزه، وبه قال بعض البغداديين من أصحابنا، واستقرأه الباجي من هذه المسألة.
فإن كان الحلي تبعًا للنصل: فلا يخلو بيعه من ثلاثة أوجه:
[أحدها] (١): أن يبيعه بما فيه.
والثاني: أن يبيعه بغير ما فيه من العين.
والثالث: أن يبيعه بغير ما فيه من سائر العروض.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا باعه بما فيه؛ مثل أن يكون السيف محلى بالفضة، فيبيع بالدراهم، هل يجوز بيعه بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بيعه بما فيه -لا نقدًا ولا مؤجلًا- وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الحلي إذا كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة؛ حيث قال: لا يباع بذهب ولا بورق، ولكن يباع بالفلوس والعروض.
والثاني: أن ينظر إلى ما فيه من الفضة؛ فإن كان في نزعه مشقة حافة ومضرة لاحقة: فبيعه بما فيه جائز نقدًا أو إلى أجل، وهو قول أشهب وسحنون، وهو ظاهر قول مالك: [فيما] (٢) إذا فات السيف بنقض حلية؛ حيث قال: يمضي بالثمن.
والثالث: أن بيعه يجوز بما فيه نقدًا, ولا يجوز إلى أجل، وهو نص "المدونة".
стр. 2302
والأقوال كلها قائمة من "المدونة".
وسبب الخلاف: [الاتباع] (١) هل تراعي أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا باعه بغير ما فيه من العين كبيعه بالذهب والتحلية بالورق: فهو كبيعه بما فيه في جميع الوجوه، إلا في وجه واحد؛ وهو اعتبار مضرة النزع خاصة، فإنها لا تعتبر في الشراء بالذهب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا باعه بغير ما فيه من سائر العروض: فإن ذلك جائز نقدًا أو إلى أجل اتفاقًا؛ لعدم ما [يتقي] (٢) من الربا.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الحلي متبوعًا: فلا يجوز بيعه بما فيه نقدًا ولا مؤجلًا باتفاق المذهب، ويباع بغير ما فيه من سائر العروض على كل وجه اتفاقًا.
وأما بيعه بالذهب إن كانت الحلية بالفضة نقدًا: فجائز اتفاقًا, ولا يجوز بذهب إلى أجل اتفاقًا، فإن وقع ونزل: فلا يخلو ذلك من أن يكون قائمًا، أو فائتًا فإن كان قائمًا: فالبيع مردود اتفاقًا.
فإن كان فائتًا فلا يخلو من أن يفوت بسبب سماوي، أو بسبب المشتري فإن فات بأمر سماوي فهل يكون الضمان من البائع أو من المشتري؟
قولان:
أحدهما: أن الضمان من البائع، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن الضمان فيه من المشتري، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
стр. 2303
وسبب الخلاف: اختلافهم في البيع الفاسد بعد الفوات، هل يفيد الملك للمشتري، أو لا يفيده؟
فإن كان الفوات بسبب المشتري: فلا يخلو من أن يكون فوتًا يخرجه من ملكه؛ كالبيع، أو فوتًا لا يخرجه من ملكه فإن كان فوتًا يخرجه من ملكه: فلا يخلو من أن يقصد ببيعه إياه التفويت، أو لا يقصد.
فإن قصد به تفويت البيع الفاسد: فالبيعتان مردودتان اتفاقًا.
وإن لم يقصد التفويت، وإنما باع للصحة بناء منه على أن البيع الأول جائز، فهل يجوز البيع الثاني، ويضمن الأول بالقيمة؟
قولان:
أحدهما: أن البيعتين مردودتان، وهو قول سحنون.
والثاني: أن البيع الثاني صحيح، وهو مفيت للأول، وتكون فيه القيمة، وهو قول ابن القاسم.
فإن كان فواتًا لا يخرجه من ملكه: فلا يخلو من أن يكون فواتًا يرجع إلى الذات، أو فواتًا يرجع إلى الصفة.
فإن كان فواتًا يرجع إلى الذات؛ كقطع النصل، أو فساد القائم: فذلك فوت بلا خلاف، وهل يغرم قيمة السيف جميعها؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يغرم قيمة السيف جميعه من غير اعتبار الوزن في الحلية، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الصرف".
والثاني: أنه يغرم قيمة الجفن والنصل، ويغرم وزن ما فيه من الفضة، وهو قول سحنون في بعض الروايات في المدونة، وهو ظاهر قول ابن
стр. 2304
القاسم في "كتاب الزكاة الأول" من "المدونة" في الآنية؛ حيث قال: يعتبر وزنها لا قيمتها.
وسبب الخلاف: الصناعة، هل هي كعرض قائم بنفسه أم لا؟
فإن كان فواته فواتًا يرجع إلى معنى الصفة؛ مثل أن ينكسر جفنها هل هو كنقصان الصفة فيكون كحوالة الأسواق، وعليه حمله ابن الكاتب؟ أو كنقصان الذات، وعليه حمله أكثرهم؟
فمن جعله كحوالة الأسواق لكون العيب اليسير لا يفيت حدوثه البيع الفاسد قال: إن حوالة الأسواق فيه فوت.
ومن جعله كنقصان الذات قال: لأنه وإن كانت قيمة الجفن قليلة في جنب قيمة جميع السيف: فإنه بالإضافة إلى منفعته نقصان كثير؛ إذ به تحسن صيانة النصل حتى يتأتى الانتفاع به، ولو فارق الجفن لضاع وذهب الغرض المقصود منه، ومثاله: الدار المشتراة إذا استحق منها الكنيف أو الجدار الذي هو ستر لجميعها، فأراد مستحقه نقضه وهدمه؛ فهو بالإضافة إلى قيمة جميع الدار حقير وبالإضافة إلى [منفعته] (١) يعم ضرره ويعظم خطره على المشترى، فكان له المقال.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الحلي المبيع جزافًا [بيعًا فاسدًا] (٢) هل [تفيته] (٣) حوالة الأسواق أم لا؟.
ولابن الموَّاز في "كتابه": أن حوالة الأسواق تفيته، ولابن القاسم نص في "المدونة": [أنها] (٤) لا تفيته [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 2305
المسألة الرابعة في الحوالة والوكالة في الصرف
وإذا صرف الرجل دينارًا بدرهم، فدفع الدينار، ثم أمر الصرَّاف أن يدفع الدرهم لغيره، أو وكل رجل رجلًا يصرف له ثم تولى هو القبض، أو بالعكس: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك قبل التفرق.
والثاني: أن يكون [بعده] (١).
فإن كان قبل التفرق -أعني بالتفرق: ذهاب المحيل والأمر- فهل يجوز الصرف أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الوكالة والحوالة وهو ظاهر قوله في الكتاب؛ حيث قال في الحوالة: "ألا ترى أنهما افترقا قبل أن يتم قبضهما" وقال في الوكالة: "وقام هو فذهب يريد الأمر فلا خير فيه"، وظاهر قوله: أنه لو قبض المحال والأمور قبل ذهاب المحيل والأمر؛ لجاز في الجميع، وهو قول أشهب وسحنون في غير المدونة.
والقول الثاني: أن ذلك لا يجوز في الجميع، وهو ظاهر المدونة في مسألة الوكالة؛ حيث قال: "لأن مالكًا قال: لا يصلح أن يصرف ثم يوكل من يقبض له"، وظاهره ألَّا فرق بين الحوالة والوكالة.
والثالث: التفصيل بين الحوالة والوكالة، وهو ظاهر "المدونة" على ما
стр. 2306
ذكره أبو الوليد ابن رشد، ومجمل قوله في الكتاب: "ألا ترى أنهما افترقا قبل أن يتم قبضهما على افتراقهما في الكلام، لا بالأبدان".
وسبب الخلاف: التأخير اليسير هل يؤثر في بطلان الصرف، أو يتجاوز عنه؟
فعن مالك في ذلك قولان في "كتاب محمَّد": الجواز، والكراهة؛ قال: ومن اشترى سوارين من ذهب بدراهم على أن يريهما لأهله فإن أعجبهم، وإلا ردها: فخففه مالك بعد أن كرهه.
فإن كان ذلك [بعد] (١) التفرق: فلا يجوز، قولًا واحدًا [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2307
المسألة الخامسة في المقاصة في الصرف
وإذا صارف رجل رجلًا دراهم بدنانير، ثم أراد الصرَّاف مقاصته بالدينار في دينار له عليه من دين: فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعقداه بشرط المقاصة.
والثاني: أن يعقداه على تركها.
والثالث: أن يهملا الأمر.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عقداه على المقاصة: فلا إشكال في جواز المقاصة على القول بجواز صرف ما في الذمة؛ لاتفاق المذهب أن ذلك لا يجوز قبل الحلول، إلا على القول بأن الذمة تبرأ بالدفع قبل الحلول، وأما بعد الحلول: فالمذهب على قولين:
الجواز: وهو المشهور.
والمنع: وهو المهجور.
وهو نص قوله في غير "المدونة".
وسبب الخلاف: حلول ما في الذمة هل هو كحضوره أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا عقداه على ترك المقاصة فهل يجوز العقد ابتداء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك.
والثاني: المنع، وهو قول ابن القاسم.
стр. 2308
والقولان في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل اشتراطهما ترك المقاصة مشعر بالتأخير بالدين بعد التقابض: فيمنع، لأن ذلك بيع وسلف، أو غير مشعر به وتكون له مطالبته بديناره بعد التقابض فيجوز؟
فعلى القول بأن البيع جائز، فإن أراد الصرَّاف مقاصته فهل يجبر عليها من أباها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجبر عليها من أباها، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها، وهو قول أصبغ، ولكن يدفع له ديناره، ثم يأخذ منه في الحال.
والثالث: التفصيل بين أن يكون مديانًا، أو غير مديان؛ فإن كان مديانًا: فجواز مقاصته يتخرج على الخلاف في [جواز] (١) قضائه بعض غرمائه دون بعض، فإن كان ليس بمديان جازت المقاصة، وهو اختيار ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: من اشتراط شرطًا لا يفيد هل يوفي له بشرطه، أو لا يوفي له به؟ وهذا أصل بنيت عليه فروع كثيرة.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر، فهل يجبر على المقاصة من أباها أم لا؟.
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يجبر عليها من أباها، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب
стр. 2309
المكاتب" إذا حل نجم عليه، وله على السيد مثل ذلك؛ حيث قال: فإنه يقاصصه، وظاهره: أن ذلك بغير اختيار السيد.
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصرف"، [مع] (١) أن شيوخ المذهب قد تنازعوا فيما وقع له في كتاب الصرف في هذه المسألة تنازعًا كثيرًا، وكلها تأويل ضعيف على ما لا يخفى على من طالع كتبهم.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون الذي عليه الدين موسرًا أو معسرًا، وهو نص قوله في كتاب النكاح الثاني من "المدونة".
وسبب الخلاف: المقاصة هل تفتقر إلى الرضا، أو يجبر عليها من أباها؟ [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2310
المسألة السادسة في استقراضهما بعض أعواض الصرف بعد العقد
ولا يخلو من أن يستقرضا جميعًا [أو استقرض أحدهما دون صاحبه. فإن استقرضا جميعًا] (١) بعد أن عقدا الصرف بينهما، ثم استقرض [هذا دينارًا وهذا دراهمًا] (٢): فاتفق المذهب أن ذلك لا يجوز لتعاظم [الضرر] (٣) وتفاقم الخطر الذي تنزه عنه عقود المعاوضات، وخصوصًا عقد الصرف؛ لأنهما عقدا على الذمم، ولا يدري هل يصح لهما السلف أو لا يصح لهما، أو يصح لأحدهما دون الآخر، وذلك غرر لا يجوز في عقد ما، فكيف بعقد الصرف؟ ثم إن اتفق أن يسعفا بمقصديهما في وجود السلف بفور ما عقدا: فإن العقد مفسوخ لوقوعه على غرر فإن حصر العوض عند أحدهما واستقرض الآخر عوضه، مثل أن [تكون الدنانير] (٤) عند أحدهما، واستقرض الآخر الدرهم، فهل يجوز الصرف أم لا؟.
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز.
واختلف في تأويل قول ابن القاسم؛ فمنهم من قال: إنما جوز ذلك لأنا لا ندري هل الذي استقرض إن كان ما عنده شيء أم لا؛ فلذلك جوزنا
стр. 2311
الصرف لأنه متهم في فسخ العقد عن نفسه، فإذا تحققنا بأنه لا دينار عنده فسخنا الصرف.
ومنهم من قال: إنما يمنع في الوجه الأول؛ لقوة الغرر وكثرته، وجوزه في الثاني لقلته؛ لأنه إذا كان السلف من جهة واحدة قبل الغرر، والغرر اليسير معفو عنه في عقود المعاوضات، وقلما تسلم [منه] (١) ومنهم من ساوى بين السؤالين وجعل ذلك اختلاف قول من ابن القاسم، وهو قول سحنون.
وقال بعض الشيوخ: يستفاد من هذه المسألة أن الدراهم لا تتعين في الصرف، ولكن من شرطه إحضار العينين، والذي قاله لازم على قول ابن القاسم في السؤال الثاني، والحمد لله وحده.
стр. 2312
المسألة السابعة [فيمن] (١) دفع لغريمه عرضًا، وقال له بعه واستوف منه [حقك] (٢)
فلا يخلو الدفع من أن يكون قبل حلول الدين، أو بعده؛ فإن كان قبل حلول الدين: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة.
فإن كان بعد الحلول: فلا يخلو ذلك [العرض] (٣) من أن يكون من جنس ما باع بذلك الثمن، أو من غير جنسه؛ فإن كان من غير جنسه مما يجوز أن [يسلمه] (٤) فيه: فلا يخلو من أن يبيعه ببينة، أو بغير بينة.
فإن باعه ببينة: فالبيع نافذ، والقضاء جائز.
فإن باعه بغير بينة فهل يجوز ذلك البيع أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص المدونة.
والثاني: أن البيع لا يجوز؛ لاحتمال أن يبيعه من نفسه فيكون قد فسخ دينه فيما فيه خيار، فيصير فسخ دين في دين.
فأما إن كان ذلك من جنس ما باع به الثمن الذي اقتضاه.
فإن باعه ببينة: فالبيع جائز اتفاقًا، فإن أشكل الأمر: لم يجز؛ لما في
стр. 2313
ذلك من التهمة في أن يأخذ ذلك لنفسه، فيكون قد أخذ عروضًا إلى أجل بعروض مثلها ومن صنفها، فيصير عروضًا بعروض من صنف واحد إلى أجل، إلا أن يكون مثل صنف عرضه وجودته وعدده.
وإن اختلفا في العدد: فلا يجوز؛ لأن ذلك ضمان بجعل، وكذلك إن اتفق العدد واختلفا في الصفة.
فإن اتفقا في العدد وكان الأول إذنًا، فهل يجوز ويكون إقالة؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في كتاب السلم [الأول] (١).
والقول الثاني: أن ذلك جائز، وهو نص قوله في "كتاب الصرف".
والحمد لله وحده.
стр. 2314
المسألة الثامنة إذا صرف منه دينارًا بدراهم، ثم صرف [منه] (١) بالدينار دراهم أخرى
فلا تخلو الدراهم من أن تكون من سكة دراهمه ومن عينها أم لا.
فإن كانت مثله دراهمه عينًا وسكة؛ مثل العدد أو أقل: جاز بالقرب، ولا [يجوز] (٢) بعد الطول وفي الأكثر قولان:
ظاهر المدونة: المنع، ولأشهب: الجواز، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وإنما جوزه بالقرب، وإن كانت [أقل] (٣) إذ لا يتهم أن يدفع كثيرًا ويأخذ قليلًا في زمان واحد من غير منفعة حصلت له بذلك، وإنما هو رجل أخذ بعض حقه وترك بعضًا, ولا ربا هناك، ومنعه بعد الطول جملة؛ لأن ذلك فضة بفضة ليست يدًا بيد، فإن تفاضلت في العدد دخله ربا النساء أيضًا.
فأما إذا أخد دراهم سوى دراهمه، وسوى عيونها: فلا يخلو من أن يتساوى الوزن، أو يختلف.
فإن تساوى وزن ما أخذ وما أعطى: جاز.
وإن اختلفت العيون كالمراطلة.
وإن اختلف [العيون] (٤) بالوزن: فلا يجوز بالقرب. ويجوز بعد
стр. 2315
الطول؛ وإنما منعه بالقرب للتهمة في التفاضل بين [الفضتين] (١)؛ لأن ذلك مكايسة، وجوزه بعد الطول؛ لعدم التهمة لأن ذلك معاملة ثانية [والحمد لله وحده] (٢).