الصرف لأنه متهم في فسخ العقد عن نفسه، فإذا تحققنا بأنه لا دينار عنده فسخنا الصرف.
ومنهم من قال: إنما يمنع في الوجه الأول؛ لقوة الغرر وكثرته، وجوزه في الثاني لقلته؛ لأنه إذا كان السلف من جهة واحدة قبل الغرر، والغرر اليسير معفو عنه في عقود المعاوضات، وقلما تسلم [منه] (١) ومنهم من ساوى بين السؤالين وجعل ذلك اختلاف قول من ابن القاسم، وهو قول سحنون.
وقال بعض الشيوخ: يستفاد من هذه المسألة أن الدراهم لا تتعين في الصرف، ولكن من شرطه إحضار العينين، والذي قاله لازم على قول ابن القاسم في السؤال الثاني، والحمد لله وحده.
стр. 2312
المسألة السابعة [فيمن] (١) دفع لغريمه عرضًا، وقال له بعه واستوف منه [حقك] (٢)
فلا يخلو الدفع من أن يكون قبل حلول الدين، أو بعده؛ فإن كان قبل حلول الدين: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة.
فإن كان بعد الحلول: فلا يخلو ذلك [العرض] (٣) من أن يكون من جنس ما باع بذلك الثمن، أو من غير جنسه؛ فإن كان من غير جنسه مما يجوز أن [يسلمه] (٤) فيه: فلا يخلو من أن يبيعه ببينة، أو بغير بينة.
فإن باعه ببينة: فالبيع نافذ، والقضاء جائز.
فإن باعه بغير بينة فهل يجوز ذلك البيع أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص المدونة.
والثاني: أن البيع لا يجوز؛ لاحتمال أن يبيعه من نفسه فيكون قد فسخ دينه فيما فيه خيار، فيصير فسخ دين في دين.
فأما إن كان ذلك من جنس ما باع به الثمن الذي اقتضاه.
فإن باعه ببينة: فالبيع جائز اتفاقًا، فإن أشكل الأمر: لم يجز؛ لما في
стр. 2313
ذلك من التهمة في أن يأخذ ذلك لنفسه، فيكون قد أخذ عروضًا إلى أجل بعروض مثلها ومن صنفها، فيصير عروضًا بعروض من صنف واحد إلى أجل، إلا أن يكون مثل صنف عرضه وجودته وعدده.
وإن اختلفا في العدد: فلا يجوز؛ لأن ذلك ضمان بجعل، وكذلك إن اتفق العدد واختلفا في الصفة.
فإن اتفقا في العدد وكان الأول إذنًا، فهل يجوز ويكون إقالة؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في كتاب السلم [الأول] (١).
والقول الثاني: أن ذلك جائز، وهو نص قوله في "كتاب الصرف".
والحمد لله وحده.
стр. 2314
المسألة الثامنة إذا صرف منه دينارًا بدراهم، ثم صرف [منه] (١) بالدينار دراهم أخرى
فلا تخلو الدراهم من أن تكون من سكة دراهمه ومن عينها أم لا.
فإن كانت مثله دراهمه عينًا وسكة؛ مثل العدد أو أقل: جاز بالقرب، ولا [يجوز] (٢) بعد الطول وفي الأكثر قولان:
ظاهر المدونة: المنع، ولأشهب: الجواز، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وإنما جوزه بالقرب، وإن كانت [أقل] (٣) إذ لا يتهم أن يدفع كثيرًا ويأخذ قليلًا في زمان واحد من غير منفعة حصلت له بذلك، وإنما هو رجل أخذ بعض حقه وترك بعضًا, ولا ربا هناك، ومنعه بعد الطول جملة؛ لأن ذلك فضة بفضة ليست يدًا بيد، فإن تفاضلت في العدد دخله ربا النساء أيضًا.
فأما إذا أخد دراهم سوى دراهمه، وسوى عيونها: فلا يخلو من أن يتساوى الوزن، أو يختلف.
فإن تساوى وزن ما أخذ وما أعطى: جاز.
وإن اختلفت العيون كالمراطلة.
وإن اختلف [العيون] (٤) بالوزن: فلا يجوز بالقرب. ويجوز بعد
стр. 2315
الطول؛ وإنما منعه بالقرب للتهمة في التفاضل بين [الفضتين] (١)؛ لأن ذلك مكايسة، وجوزه بعد الطول؛ لعدم التهمة لأن ذلك معاملة ثانية [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2316
المسألة التاسعة في استحقاق بعض أعواض الصرف
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد الافتراق أو بعد الطول في المجلس.
والثاني: أن يكون ذلك قبل الطول والافتراق.
فإن كان ذلك بعد التطاول أو بعد الافتراق: فإن الصرف منتقض ولا يلزم البدل، بل لا يجوز.
فإن [كان] (١) ذلك قبل الافتراق والتطاول: فلا يخلو من أن يكون الصرف على دراهم معينة، أو على دراهم غير معينة.
فإن وقع على دراهم معينة -على القول بأنها تتعين إذا عينت- فإن الصرف منتقض، والبدل جائز غير لازم.
فإن وقع الصرف على دراهم غير معينة فهل ينتقض الصرف بينهما؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الصرف ينتقد، والبدل جائز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الصرف لا ينتقد، والبدل لازم، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النقود هل تتعين في العقد أم لا؟ ولا خلاف أنها لا تتعين إذا لم تعين، وإنما الخلاف في تعيينها إذا عينت هل تتعين أم لا؟
стр. 2317
فعلى قول ابن القاسم: أنها تتعين بالقبض.
وعلى قول أشهب: أنها لا تتعين إلا بالمفارقة، وقد وقعت لهم في "المدونة" مسائل تدل على اضطراب الأقوال؛ فمنها ما وقع لابن القاسم في "كتاب السلم الثاني" فيمن شرط عين دراهمه في الإقالة: أن للمسلم إليه أن يعطيه غيرها؛ وهذا منه بناء على [أن] (١) النقود لا تتعين في العقود، وقال في "كتاب الرواحل والدواب" في وقوع الكراء بالدراهم المعينة ولم تجر العادة [بالنقد] (٢) ولا اشترطه أنه لا يجوز إلا بشرط الحلف، وهذا بناء منه على أنها تتعين.
وقال أشهب: إن ذلك جائز وإن لم يشترط الحلف، وهذا منه بناء على نفي التعيين.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الدنانير والدراهم هل هي مرادة لأعيانها، أو هي مرادة لأغراضها؟
والمشهور أنها مرادة لأغراضها.
وقال بعض المتأخرين: لا خلاف أن النقود تتعين من جهة المشتري، والخلاف: هل تتعين من جهة البائع أم لا.
وفائدة ذلك وثمرته: [أنها] (٣) إذا عينت من جهة المشتري مثل أن يقول له: اشتريت منك هذه السلعة بهذه الدراهم بدراهم معه في جيبه أو في يده -أراه إياها- أو بالدراهم التي في صندوقه، أو التي لي عند فلان، ثم استحقت: فإن البدل لا يلزم المشتري إلا أن يشاء.
стр. 2318
فإذا رضي بالبدل: فإن ذلك يلزم البائع قبوله، ولا خيار له أو لا حجة له إذا أعطي ثمن سلعته، وإنما الحجة للمشتري أن يقول: إنما أردت الشراء بهذه الدراهم دون غيرها لغرض لي فيها؛ إما لمحلها، وإما لكونها تناولها من رجل صالح، أو ما أشبه ذلك [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2319
المسألة العاشرة في تعدي المودع على الوديعة فصرفها أو باعها إن كانت طعامًا
ولا يخلو ذلك من أحد وجهين:
أحدهما: أن يصرفها في جنسها.
والثاني: أن يصرفها في غير جنسها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صرفها في غير جنسها، مثل أن يشتري بها [عروضًا] (١) إن كانت عينًا، أو بيعها بالعين إن كانت [عروضًا] (٢) فالخيار في هذا الوجه ثابت للمودع إن شاء جوز صنيعه [ويأخذ ما عوض عليه برضا المودع المتعدي أو ما عاوض به بغير اختيار المتعدي. وإن شاء ضمنه] (٣) وإن شاء فسخ البيع وأخذ عين شيئه إن كان قائمًا، أو مثله إن كان فائتًا فيما يقضي بمثله، وسواء تصرف فيها لنفسه أو لربها في جميع ما ذكرناه في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صرفها في جنسها؛ مثل أن تكون الوديعة دنانير فصرفها بدراهم، أو كانت طعامًا فباعها بطعام من غير نوعه: فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن رب الوديعة لا يجوز له الرضا بما صنع المودع ليأخذ ما وجد
стр. 2320
[بيده] (١) من عوض شيئه في العين والطعام، وهو نص قوله في المدونة في العين والطعام مثله؛ لتساويهما في ربا النساء على هذا الوجه [وكلا] (٢) النقدين لا يجوز فيهما الخيار، وهو نص قول أشهب في غير المدونة في الطعام، وهو اختيار الشيخ أبي عمران في العين والطعام.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو نص "المدونة" في الطعام ويلزم مثله في العين؛ لشمول العلة لهما جميعًا.
ولا فرق في هذين القولين بين أن يكون [يتصرف] (٣) المودع لنفسه أو لربها.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن [يتصرف] (٤) فيها لنفسه: فيجوز لربها أخذ ما عوض عليه المتعدي، وبين أن يتصرف فيها لربها: فلا يجوز له الرضا بذلك لما فيه من الخيار، وهو [قوله] (٥) في "كتاب ابن المواز".
فإذا جاز له [أخذها] (٦) إذا تصرف فيها لنفسه هل يفتقر أخذها إلى رضا المتعدي أم لا؟
قولان: وظاهر قوله في "كتاب محمد": اعتباره، وظاهر "المدونة" أن أخذها لا يفتقر إلى رضا المتعدي؛ لأن أخذها منه نكاية عليه؛ لئلا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهو نص "المدونة" في "كتاب السلم الثاني" و"كتاب الوكالة".
стр. 2321
والقول الرابع: بالعكس؛ إن كان تصرف فيها المودع لنفسه: فلا يجوز للمودع أخذ العوض، وإن كان تصرف فيها لربها: جاز لربها أخذ ما أخذ فيها من العوض، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة".
والخامس: التفصيل بين العين والطعام، وهو نص "المدونة" والفرق بينهما -على هذا القول- أن دنانير الوديعة حين اشترى بها المودع: فإن البيع لم يقع على أعيانها، وإنما وقع على ذمة المشترى؛ ودليل ذلك: لو استحققت تلك الدراهم فإن البيع لا ينتقض؛ لكون الذمة معمورة بالبدل؛ فلذلك لا يحصل لصاحب الدنانير أخذ الشيء المشتري.
وأما الطعام: فإن البيع وقع على عينه؛ لأنه هو المقصود، فلو استحق: لفسخ البيع؛ ولهذا جاز لصاحبه أخذ ما اشتري بطعامه.
وهذا الفرق لا بأس به، وإنما يصح هذا إذا لم يعلم المشتري بالتعدي، وحمل الأمر على أن الشيء للبائع، وأما لو علم بالتعدي ودخل على ما يوجبه الحكم من إجازة المودع أو رده: لكان عقدهما فاسدًا اتفاقًا.
وسبب الخلاف في المسألة: اختلافهم في الخيار الحكمي هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فمن جعله كالخيار الشرطي: منع لصاحب الوديعة أخذ الشيء المشترى؛ لأن الصرف وتبايع طعامي الربا بعضها ببعض لا يقبل الخيار.
ومن جعل الخيار الحكمي مخالفًا للخيار الشرطي: جوز له أخذه.
وهذا الأصل متداع في غير ما موضع في المدونة؛ منها: قضاء الكفيل دنانير عن دراهم، وقد اختلف فيه قول مالك، ومنه ما قال في "كتاب السلم الثاني" في الذي دفعت إليه دنانير مثلها إليك في طعام فصرفها بدراهم لغير نظر، ثم اشتري بها طعامًا: أن لرب الدنانير أن يأخذه، وفي
стр. 2322
أخذه إجازة ما [نقض] (١) فيه من الصرف، وكذلك قوله في [مسألة] (٢) الذي أمر له أن يبيع له سلعة أو طعامًا فباعها بطعام أو غيره؛ حيث قال: [له] (٣) إجازة فعله، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
وعلى القول بأنه لا يجوز له الرضا بذلك فإنه يباع ما اشتراه.
فما كان فيه من ربح فلرب الوديعة، وما كان من وضيعة فعلى المتعدي [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 2323
المسألة الحادية عشرة في البيع بكسر الدينار
ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون المستثنى جزءًا من الوزن، أو جزءًا من الذهب، أو يكون المستثنى من غير الذهب والورق.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المستثنى جزءًا من الورق، مثل أن يبيع سلعة بدينار إلا درهمًا أو أكثر من ذلك.
فلا يخلو من أن يكون المستثني نقدًا، أو إلى أجل.
فإن انتقد المستثنى مع جميع الصفقة من غير أن يتأخر منها شيء: فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نصه في "المدونة"، وسواء كانت الدراهم المستثناة قليلة أو كثيرة.
والثاني: المنع وإن انتقض جميع الصفقة، وهو قوله في "كتاب السلم الأول"؛ لأنه أطلق فيه المنع في بيع الذهب بالفضة مع أحدهما سلعة أو ذهب مع أحدهما سلعة ولم يفصل بين اليسير والكثير كما [فصل] (١) في "كتاب الصرف".
وسبب الخلاف: هل تغلب شائبة الصرف على شائبة البيع وتحقق التهمة، أو تغلب شائبة البيع على الصرف فيجوز.
стр. 2324
وإن [توانى] (١) نقد المستثنى عن العقد: فلا يخلو المستثنى من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا؛ فإن كان كثيرًا؛ مثل خمسة دراهم فأكثر فهل يجوز العقد ويكون الحكم للبيع والصرف ملغي؟ وهذا القول يتخرج على المذهب - أو لا [يجوز] (٢) ويكون الحكم للصرف، والبيع تبع، وهو نصه في "المدونة"؟.
وسبب الخلاف: الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؟
فمن اعتبرها: قال: يمنع في تحويل الصرف عند حلول الأجل أو مثل ذلك العدد المستثنى فَوَلى إلى الصرف نظره، ويتهمان أن يتدرعا بالبيع إلى صرف مستأخر.
ومن اعتبر الحال ولم يراع الطوارىء، والعدد المستثنى. أقل من صرف دينار جوز العقد مع التأخير.
فإن كان المستثنى يسيرًا كالدرهم والدرهمين على مذهب "المدونة" أو كالثلاثة - على ما قال مالك في "المبسوط" وهو قول ربيعة في "الكتاب" - فلا يخلو من أن يتعجل الجميع. أو [يتأجل] (٣) الجميع، أو يتعجل البعض [ويتأجل] (٤) البعض.
فإن تعجل الجميع: قولان، ونص "المدونة": الجواز.
فإن [تأجل] (٥) الجميع: فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك دين بدين.
стр. 2325
وإن تعجل العينان وتأخرت السلعة: قولان: [فنص] (١) "المدونة" المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب.
فإن تعجلت السلعة وتأخر العينان: فقولان، نص "المدونة" الجواز.
فإن تأخرت السلعة مع أحد العينين، أو تعجلت معه وتأخرت مع الآخر: قولان، مذهب "المدونة" المنع.
فهكذا تحصيل المذهب في هذه المسألة.
وسبب الخلاف: هل تغلب شائبة البيع على شائبة الصرف، أو [تغلب] (٢) شائبة الصرف على شائبة البيع؟
فمن غلب شائبة البيع على الصرف: قال بالجواز؛ لكونه مقصود الصفقة وجلها، وحكم للصرف لتهافته وتبعيته لحكم الأصل في البيع في جواز التأجيل كما يكون لحقير البيع في كثير الصرف حكم الصرف.
ومن غلب شائبة الصرف على البيع قال بالمنع.
ووجه المنع: ترجيح الحظر على الإباحة عند المصادمة لدى المصادفة؛ لأن ذلك صرف مستأخر، ولا فرق على هذا بين انفراد السلعة على العينين بالتأجيل، أو انفرادهما عنه بالتأجيل وهي معجلة.
فلئن جوزنا التناقد: قد [تنتجز] (٣) في المتجانسين وهو المطلوب.
أما ابن القاسم [﵁] (٤) فكأنه [رأى] (٥) أن المعجل متبوع
стр. 2326
بالمؤجل، ورأى أن التعجيل أمارة دالة [على المراد فتبلغه] (١) على المقصود.
فإذا انفرد المثمون بالتأجيل وانتقد العينين: أشعر انتقادهما [العينين] (٢) بكونهما قاصدين للصرف.
فإذا ثبت للعقد حكم الصرف: تعين التعجيل في لواحقه، ويكون تأخير بعض [أعواضه] (٣) كتأخير جميعها في الإبطال، أما إذا انفرد المثمون بالتعجيل عنهما: أشعر انتقاد المثمون [التعدي] (٤) [من] (٥) الربا بكون عامة قصدهما البيع حالًا والصرف ملغي؛ إذ ذمة [البائع غير مشغولة. بخير من النقد لدى العقد وذمة] (٦) المشتري مشغولة بدينار عند القضاء، إلا قدر الجزء المستثنى منه، وإنما هو بيع ثوب بدينار غير هذا المقدار؛ ولهذا الاعتبار لم يجز أن يتعذر النقصان [بمجهول] (٧) الدراهم لاختلاف الأسواق لما كان المراعي وقت القضاء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المستثنى جزءًا من الذهب؛ مثل أن يبيع سلعة بأربعة دنانير إلا خُمسًا أو أربعًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتناقد الجميع، أو يتأخر الجميع، أو يتناقد البعض ويتأخر البعض.
فإن تناقد جميع أجزاء الصفقة؛ الثمن، والمثمون، والجزء المستثنى:
стр. 2327
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع.
وسبب الخلاف: هل المشتري مخاطب بتسليم دينار الكسر، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى؟ أو المشتري مخاطب بدفع أربعة أخماس الدينار؟
فمن رأى أن المشتري مخاطب بدفع دينار الكسر: لم يرد على البائع الجزء المستثنى، فالصفقة مردودة لا تجوز وإن انتقد جميعها؛ لأن ذلك ذهب بذهب مع أحدهما سلعة؛ لأن الجزء الواجب على البائع رده إنما يقع على الذهب، ثم [يحطّ] (١) ذلك لدفع صرفه دراهم لتعذر وجود ذلك الجزء من الدينار على وجهه [وهو تأويل أبي القاسم بن المكاتب] (٢).
وإن تناقد البعض وتأخر البعض؛ مثل أن يتناقد الدينار الدنانير السالمة مع السلعة ويتأخر دينار الكسر أو بالعكس: فالمذهب أيضًا على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: عدم الجواز، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة السلعة إذا اشتراها بنصف دينار فيدفع إليه المشتري دينارًا وأخذ منه [فضلة دراهم] (٣) حيث قال: ذلك جائز إذا قبض السلعة.
стр. 2328
فراعى هاهنا نقد جميع ما احتوت عليه الصفقة حالًا ومآلًا [وهكذا الحكم إذا تأخر الجميع] (١).
وسبب الخلاف: ما أحدثاه [بعد العقد] (٢) هل [يعد] (٣) كأن العقد وقع عليه أم لا؟
فمن قدر أن للعقد تناوله حتى كأنه مشروط فيه: قال ببطلان العقد في المسألتين؛ لتأخير بعض أعواض الصرف.
ومن قدر أن ما أحدثاه بعد العقد لم يتناوله العقد ولا وقع عليه: قال بصحة الجميع، وهذا ضعيف جدًا.
وعلى القول بالجواز [فمن] (٤) يخاطب بتسليم دينار الكسر، هل المشتري مخاطب بدفع الدينار سليمًا، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى؟ أو البائع غير مخاطب بشيء إلا بدفع السلعة خاصة، ويكون المشتري مخاطبًا بدفع الثمن جملة؟ فهذا مما اختلف فيه المتأخرون تأويلًا على "المدونة".
فمنهم من قال: إن المشتري مخاطب بدفع دينار الكسر، ويخاطب البائع بدفع الجزء المستثنى على المشتري، وهو ظاهر "المدونة"؛ حيث قال: ينقده الأربعة وأخر الدينار الباقي حتى يأتيه بخمس أو ربع، ويدفع إليه الدينار فقال: لا بأس بذلك.
وعلى هذا يتخرج القول الذي قدمناه في أثناء التحصيل أن ذلك لا يجوز؛ لأنه ذهب بذهب مع أحدهما سلعة.
стр. 2329
ومنهم من قال: أن المخاطب بتسليم جميع الثمن هو المشتري؛ فإن كان الشراء بخمسة دنانير إلا خمسًا: فعليه تسليم أربعة دنانير [ذهبًا] (١) وأربعة أخماس الدينار صرفًا من الورق إذا لم يجد من الذهب مجموعة [يقضي] (٢) منها تلك الأجزاء، وذلك غاية المقدور، وهذا الذي اعتبره في منع المسألة من أصلها، إنما ذلك إذا وقع التأخير في بعض أجزائها.
وعلى القول بأن المخاطب بتسليم الجزء هو البائع يدفع من الدراهم قدر حصة الجزء المستثنى، ثم يأخذ دينارًا كاملًا لتعذر وجود الجزء بعينه: فإنما عليه صرفه من الدراهم من صرف يوم الحكم والقضاء اتفاقًا وعلى القول بأن المشتري هو المخاطب بتسليم بقية الأجزاء هل ذلك بصرف يوم القضاء، أو يوم التبايع؟
قولان، والصحيح: أن عليه صرفه يوم التبايع.
وسبب الخلاف: هل ذمة المشتري معمورة بجزء من الذهب في حال العقد ثم الصرف مالًا، أو ذمته لم تزل مشغولة بصرف بقية الدينار من يوم العقد.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المستثنى من غير جنس الدنانير والدراهم؛ مثل أن يبيع سلعة بدينار إلا قفيز حنطة: فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن (إلا) الذي هو من حروف الاستثناء لا يحمل على ظاهره في هذه المسألة، وهو فيها بمعنى: مع، وهو قول مالك في "المدونة"؛ حيث قال: كأنه اشترى سلعة مع قفيز حنطة بدينار.
стр. 2330
والثاني: أن (إلا) الذي هو من حروف الاستثناء يحمل على ظاهره، ويركب عليه من الحكم ما يقتضيه من أن ينظر إلى قيمة القفيز فيسقط من الدينار، وما بعد ذلك فهو من ثمن السلعة، ولكن إنما يصح هذا بعد معرفتهما بقيمة القفيز، ولا يجوز إن جهلاها لأن ذلك مخاطرة.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في الاستثناء من غير الجنس هل يجوز أم لا، والأشهر جوازه لغة وشرعًا, ولا يخفى ذلك على من طالع علم الأصول، ولسنا الآن نشرح [الدلالة] (١)، وقد جوزه مالك [﵀] (٢) في "المدونة" فيما إذا استثنى جزءًا من الورق، والورق ليس من الذهب -لا جنسًا ولا نوعًا-[وجوزه في كتاب الغصب أيضًا في الجبة والخاتم إذا قال: هذه الجبة لك وبطانتها لي وهذا الخاتم لك وفصه لي] (٣).
وهذا الذي اختاره بعض حذاق المذهب كأبي الوليد الباجي وغيره، وأما على نصه في المدونة أن (إلا) بمعنى: مع، فذلك مشكل، ولا يصح ذلك إلا إذا كان معروفًا عندهم في عرف الاستعمال بشرط أن يكون القفيز عند البائع وإلا كان بيع ما ليس [عنده] (٤) إلى غير أجل السلم كما قال أشهب [في المدونة والحمد لله وحده] (٥).
стр. 2331
المسألة الثانية عشرة فيما إذا صرف منه دينار [بدراهم] (١) ثم أخذ منه [بالدراهم] (٢) سلعة
ولا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك بشرط، أو بغير شرط؛ فإن كان ذلك بشرط مثل أن يصرف منه دينار [بدراهم] (٣) على أن يأخذ منه بالدراهم سلعة، وكانت حاضرة: فذلك جائز، والبيع إنما وقع على السلعة لا على الدراهم وإن سمياه صرفًا فهو بيع، والنظر إلى الفعل لا إلى القول.
وإن استحقت السلعة: فإنه يرجع بالدنانير التي دفع اتفاقًا, ولا ينظر إلى الدراهم.
وإن قبضها حين الصرف إذا وقع الشرط: فإن قبضها لا يفيد؛ إذ لا يقدر على البينونة بها لأجل الشرط، وإن استحق الدينار أو وجد به عيب رجع عليه [البائع] (٤) بمثله.
وأما إن كان ذلك بغير شرط؛ مثل أن يصرف دينارًا [بدراهم] (٥) ثم أخذ [بالدراهم] (٦) سلعة: فالصرف هاهنا أولًا، والبيع ثانيًا فإن استحقت
стр. 2332
السلعة [لم] (١) يرجع المشتري على البائع.
فلا يخلو من أن يكون قد قبض الدراهم ثم ردها وأخذ السلعة [أو] (٢) لم يقبضها.
فإن أخذ الدراهم ثم ردها وأخذ السلعة: فإنه يرجع بالدراهم، والصرف صحيح لتقابضهما العوضين، وكونه قد رد الدراهم في الحال لا يؤثر بصحة العقد والقبض، وهو ظاهر "المدونة" من الوجه الأول؛ حيث قال: إذا قبضها بشرط فلا ينفعه ذلك القبض لأنه قبضها بشرط أن يردها ولا يتبين بها، [فإن] (٣) استحق الدينار في هذا الوجه: انتقض الصرف، ويرجع عليه بالدراهم، والبيع صحيح لا يرد، وأما [إذا لم يقبض] (٤) الدراهم حتى أخذ بها سلعة: فهاهنا إن استحقت السلعة رجع بالدينار ولا يرجع بالدراهم لأنه إن رجع بها صار صرفًا مستأخرًا للتهمة في أن يعملا على ذلك. ولو استحق الدينار ووجد به عيبًا: بطل الصرف، ويرجع على قابض السلعة بمنزلة من اشترى سلعة بدرهم: فعليه دفع تلك الدراهم، قاله أبو القاسم بن محرز [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 2333
المسألة الثالثة عشرة في شرح مسألة سعيد بن المسيب [﵀] (١)
وهو إذا باع حنطة بدينار ونصف درهم، فلم يجد عند المشتري نصف درهم، فأراد أن يأخذ منه عوضه: فلا يخلو ما يأخذ منه من أن يكون [عرضًا] (٢) أو طعامًا.
فإن كان [عرضًا] (٣): جاز قبل القبض وبعده، ولا علة تبقى هنالك.
فإن كان المردود للبائع طعامًا: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الغيبة على [الشراء] (٤) أو بعد الغيبة عليه.
فإن كان ذلك بعد الغيبة عليه: فلا يجوز البيع اتفاقًا؛ لأن ذلك طعام بطعام ليس يدًا بيد.
فإن كان ذلك قبل الغيبة، وقبل القبض أو بعده: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون المردود عين المشتري، أو [من] (٥) نوعه، أو [من غير] (٦) جنسه.
فإن كان عين المشتري، وكان قبل القبض: فلا يجوز اتفاقًا؛ لأن ذلك
стр. 2334
بيع الطعام قبل قبضه، والمشتري هو البائع في هذا الوجه.
وإن كان بعد القبض: فالمذهب على قولين: الجواز، والمنع والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يحمل فعلهما على الإقالة فيجوز؛ لأن الإقالة من بعض المكيل قبل الغيبة على الطعام جائزة عنده، أو يحمل على البيع ثم لا يجوز؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضلًا؟
فإن كان المردود من نوع المشتري؛ مثل أن يكون المشتري حنطة والمردود شعيرًا: فيمنع اتفاقًا أيضًا، والعلة فيه التفاضل بين الطعامين لكون الدينار مع أحد الطعامين وله حصة في الطعام المنفرد.
فإن كان المردود من غير جنس المشتري؛ مثل أن يكون المشتري حنطة، والمردود زبيبًا: فالجواز اتفاقًا؛ لجواز التفاضل بين الجنسين.
فرع: ولو ابتاع بدراهم لحمًا فأخرج درهمًا ناقصًا، وقال للبائع: خذ [عوض] (١) ما نقص من الدرهم لحمًا [لم يجز] (٢) ودخله أربعة أوجه من الربا: التفاضل بين الفضتين، والتفاضل بين الطعامين، وبيع الطعام قبل قبضه، والاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا.
ولو كان ذلك بعد أن قبض الطعام: دخله كل ما ذكرنا إلا بيعه قبل قبضه [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 2335
المسألة الرابعة عشرة في شراء بعض الورثة الحليّ من التركة
والكلام في هذه المسألة على صورتها وتنزيل المعاني المختلفة لأجل اختلاف الرواة في الضبط؛ لأن المعاني تختلف باختلافه، ونص المسألة في الكتاب: أرأيت لو أن رجلًا هلك فباع ورثته ميراثه، فكانوا إذا بيع الشيء فمن يريد أخذه وكتب على نفسه الثمن حتى يحسب ذلك عليه في حصته فبيع في الميراث على ذهب أو فضة، أو بيع ما فيه الذهب والفضة؛ مثل السيف وما أشبهه فقال مالك: لا يباع من ذلك ما كان فيه الذهب والفضة إلا بنقد من الورثة أو غيرهم.
واحتج مالك [فقال] (١): ألا ترى أن لو تلف بقية [الملك] (٢) أليس يرجع عليهم فيما صار عليهم، وفي رواية أخرى: فيما صار لهم، وفي رواية: يرجع عليهم، على فعل ما لم يسم فاعله.
وصورة المسألة: أن الوارث الذي اشترى قد قبض حصة بقية الورثة فيما اشترى، وانتظر بدفع الثمن المحاسبة، وذلك صرف مستأخر، ويفسخ البيع، ويرد على أصحابه سهامهم من الحلي، ويتماسك بحصته، ولا يلزمه أن يرد جميع الحلي حتى يبتدئوا قسمته؛ لأن المفاضلة والمناجزة وقعت بينهم في الحلي المبيع بإمساك قدر حصته منه ودفع الباقي إلى من هو له، وليس لهم أن يأبوا ذلك عليه، وهو نص قول مالك في "كتاب محمَّد".
стр. 2336
واحتجاج مالك ﵁ بالمال أن لو تلف أن شراءه ليس بقسمة [ناجزة] (١) لانتظارهم [المحاسبة] (٢)، وهذه صورتها على الجملة، وإنما الغموض والإشكال في تنزيل المعاني التي أوجبها اختلاف الروايات في الضبط، والله المستعان على ما نرومه من الشرح والبيان:
أما قوله: ألا ترى أن لو تلف بقية المال [أليس] (٣) يرجع عليهم [فيما] (٤) صار عليهم؟ فيحتمل أن يريد بالبقية بما بقي من المال في الوسط لم يكتبه واحد منهم على نفسه فيكون ضمانه من الورثة جميعًا.
وقوله: "يرجع عليهم [فيما] (٥) صار عليهم": فيحتمل أن يريد بقوله: يرجع عليهم [بقية الورثة الذين لم يكتبوا على أنفسهم شيئًا. وقوله: فيما صار عليهم يحتمل أن يكون بمعنى صار لهم يريد بالكتابة على أنفسهم] (٦) فيقتسمونه لأنه في ضمانهم جميعًا.
ويحتمل أن يريد بقوله: "عليهم" على ظاهره، ويكون ما كتبوه على أنفسهم وقبضوه قد ادعوا تلفه ولا يعلم ذلك إلا بقولهم: فيجب عليهم المثل أو القيمة فيما يرجع إلى القيمة أن يخرجوه من أموالهم ويقسموه بينهم على فرائضهم، ويكون كأنه جميع التركة ويحتمل أن يريد بقوله: أليس يرجع عليهم: يريد [الوارث] (٧) الذي كتب على نفسه أولًا فيرجع على بقية الورثة بما كتبوه هم على أنفسهم كما كتب هو وقد تلف ما كتب هو على
стр. 2337
نفسه وقبضه، وكان تلفه ببينة أو بغير بينة؛ [وكان] (١) الضمان من [جميع] (٢) الورثة، واسم البقية يصلح إطلاقها، على ما قبض وعلى ما لم يقبض، وكذلك البعض أيضًا يطلق على الواحد وعلى أكثر وذلك لا ينكره إلا جاهل بوضع اللغة وعرف الشريعة.
وقوله في الرواية الأخرى: أليس يرجع عليهم على ما لم يسم فاعله: معناه يرجع على من كتب على نفسه شيئًا فيما صار عليه من القيمة إن تلف وجهل السبب على رواية: فيما صار عليهم أو يرجع عليهم فيما صار لهم بالكتبة وقبضوه ويكون قائمًا بأيديهم على رواية: "لهم"، ويحتمل قوله: يرجع عليهم أيضًا طرآن الغرماء إذا طرؤوا وقد تلف بقية المال ولم يبق إلا ما اشتراه الوارث فيقتسمه الغرماء فيما بينهم، والله أعلم بمراد مالك في هذا الأمر، والمسألة محتملة غير ما ذكرناه، ولكن ما ذكرناه أجلى الاحتمالات [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 2338
المسألة الخامسة عشرة فيما إذا أسلفه دراهمًا أو عروضًا ثم اشترى [منه] (١) بالدراهم أو باع منه بالعروض
ولا يخلو سلفه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترطا [فيه] (٢) الحلول، والنقد.
والثاني: أن يشترطا الأجل، وسمياه.
والثالث: أن يبهم الأمر بينهما.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وقع السلف على النقد والحلول وكان دراهم فصرفها منه بدنانير قبل أن يبرح: فإن ذلك جائز إذا قبض المسلف الدراهم التي هي صرف الدينار في الحال؛ لأن سلفهما على الحلول، وله أن يقبض منه متى يشاء.
فإذا أخره به بعد ما أخذه منه الدينار وعلم أنهما قد قصدا إلى صرف مستأخر، وجعلا السلف ذريعة إلى جوازه.
فإن اشترى بها منه عرضًا من العروض أو طعامًا إلى أجل مثل أجل السلم: جاز، وإن كان إلى غير [أجل] (٣) السلم: لم يجز؛ لأن ذلك بيع ما ليس عنده.
والجواب على الوجه الثاني: إذا كان العرض إلى أجل ثم اشترى [به] (٤)
стр. 2339
منه عروضًا أو طعامًا، فإن كان ذلك على النقد: جاز، وإن كان إلى أجل لم يجز؛ لأن ذلك بيع الدين بالدين.
وإن صرف بها دنانير من عنده: لم يجز أيضًا؛ لأن ذلك صرف مستأخر فكأنه أخذ دنانير في دراهم إلى أجل، والدراهم كأنها لم تكن؛ لأن ما قبض في الحال ورد في الحال كأنه لم يكن بحال.
والجواب على الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر؛ مثل أن يسلفه ولم يذكر الحلول، ولا الأجل على ماذا يحمل؟
[فالمذهب] (١) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يقتضي التأجيل وعليه يحمل، ويضرب له من الأجل مقدار ما يرى أنه رفق في السلف، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في غير "المدونة" وهو ظاهر قوله في "كتاب الصرف"؛ حيث قال: لأنك أخذت دراهمًا بدنانير تكون عليك إلى أجل والأجل غير مذكور في أصل السلف؛ فدل أن السلف المطلق يقتضي التأجيل، ويؤخذ أيضًا من "كتاب العارية" من "المدونة" في الذي أعار لرجل عرصته فبنى فيها ولم يضربا لعاريتهما أجلًا: فإنه يضرب لهما من الأجل ما يعار لمثله.
والقول الثاني: أنه يحمل على النقد، وهو قول أشهب و [به قال] (٢) ابن القاسم في غير "المدونة"، وهذا القول قائم من "المدونة" ومن كتاب الصرف أيضًا من الذي استلف دراهم من رجل ثم اشتري بها منه مكانه حنطة أو ثيابًا؛ حيث قال: فإن كان السلف إلى أجل: جاز ذلك على النقد، وإن كان حالًا: جاز ذلك يدًا بيد، وفي بعض
стр. 2340
الروايات: أو إلى أجل.
وقال أبو عمران: يريد مثل أجل السلم، بقوله: [أو] (١) إلى أجل [دليل] (٢) على أن قوله: على النقد: هو على الحلول، إلا أن يشترط الأجل على اختلاف الروايات في إثبات هذا الحرف، وهو [قوله] (٣) أو إلى أجل.
قال سحنون: وهو حرف سواء وأمر بطرحه.
وقال ابن وضاح: هو لأشهب.
وقال بعض المتأخرين: ومن قول أشهب أدخله سحنون، وهو يجيز ذلك؛ لأنه "من" قول مالك.
وقال فضل بن سلمة: ما طرحه سحنون إلا لكونه أسلم [عينًا] (٤) عليه في ذمته في طعام إلى أجل، وهو الدين بالدين.
وسبب الخلاف: هل الأصل في [القرض] (٥) الأجل حتى يصرح فيه بأنه على الحلول أو الأصل فيه النقد والحلول حتى يصرح بالأجل؟ فمن رأي أن المقصود في العرض المعروف والرفق بالمستقرض يقول: إن الأجل فيه هو الأصل؛ إذ لا فرق في الحلول؛ [لأن لصاحبه أن يطالبه في الحال.
ومن رأي أن الأجل نفسه معروف زائد على معروف القرض يقول: إنه على الحلول] (٦) حتى يشترط الأجل؛ لأن المعروف لا يطالب به إلا فيما أوجبه على نفسه.
стр. 2341
وهكذا الحكم في العروض؛ إذا أقرضه عرضًا إلى أجل: جاز أن يبيعه منه بالنقد، ولا يجوز إلى أجل، وهو بيع الدين بالدين.
فإن كان العرض نقدًا: جاز أن يبيعه منه نقدًا أو إلى أجل، وإن أبهم الأمر: فقولان، على ما قدمناه في العين [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2342
المسألة السادسة عشرة في البيع والصرف
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في جنسين.
والثاني: أن يكون في الجنس الواحد.
فإن كان ذلك في جنسين، مثل أن يشتري سلعة وذهبًا بدراهم، أو يشتري سلعة ودراهم بدنانير: فلا يخلو ما مع السلعة من أحد النقدين إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا.
فإن كان كثيرًا: فهل يجوز البيع، أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب في أول "كتاب الصلح" في الذي اشترى سلعة بذهب، ثم وجد بها عيبًا، فصالحه البائع على دراهم نقدًا؛ حيث قال: جاز إن كانت أقل من صرف دينار، وإن كانت أكثر من صرف دينار: لم يجز.
وقال أشهب: ذلك جائز وإن كان أكثر من صرف دينار.
وعلى القول بأنه لا يجوز إذا كان الذهب أو الدراهم كثيرة، فما حد تلك الكثرة؟
стр. 2343
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن حد الكثرة فيها: ما كان قدر صرف دينار، وهو نص قول مالك [في "المدونة"] (١) في "كتاب الصرف" و"كتاب الصلح".
والثاني: أن المعتبر في ذلك أن يكون أكثر من صرف دينار؛ أي: جُله، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصرف" أيضًا، وبه قال ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف في البيع والصرف: اختلافهم في عقديهما، هل هما عقدان متضادان، أو عقدان متماثلان؟
فمن رأي أنهما متماثلان لكون عقد البيع يجوز فيه الخيار والأجل والحوالة، وعقد الصرف لا يجوز فيه شيء من ذلك ولا يحتمله قال: لا يجوز اجتماعهما لتنافرهما وتدابرهما، وكل عقدين متضادين وضعًا فلا يجوز اجتماعهما شرعًا، وكذلك ما عدا البيع من سائر العقود، وهي ستة، ويجمعها ["جص مشنق" الجيم: جعل وبيع. والصاد: صرف وبيع، والميم: مسافات وبيع، والشين] (٢) شركة وبيع، والنون: نكاح وبيع، والقاف قراض وبيع، ولا يجوز عقد الصرف مع عقد من هذه العقود لما بينهما من التنافر.
ومن رأي أنه عقد معاوضة، وأنه نوع من أنول البيوع قال: يجوز الجمع بينه وبين سائر العقود، وأصل ذلك نكاح وبيع إذا عرف ما ينوب [البضع] (٣) من الثمن، وإن كان عقد النكاح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع؛ لكون النكاح مبني على المسامحة [والمكارمة] (٤) والبيع مبني على
стр. 2344
المكايسة والمغابنة وكذلك إذا كان مع العقدين سلعة فإنه يعتبر أيضًا أن تكون قيمة السلعة صرف دينار أو أقل على حسب ما ذكرنا في أحد العينين إذا كان مع [السلعة] (١): فإن ذلك لا يجوز عند ابن القاسم وإن انتقد جميع الصفقة.
فإن كان أقل من صرف دينار: جاز إذا انتقد جميع الصفقة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان في الجنس الواحد؛ مثل أن يشتري سلعة وفضة بفضة: فلا يخلو من أن يكون ذلك في الكثير من الفضة، أو في اليسير منها.
فإن كان ذلك في الكثير منها؛ مثل أن يشتري سلعة بدرهم ونصف فيدفع له درهمين، ويرد عليه البائع نصف درهم مع السلعة، أو بثلاثة دراهم ونصف، فيدفع له أربعة ويرد عليه نصف الدرهم مع السلعة: فإن ذلك لا يجوز، وكذلك فيما هو أكثر من ذلك.
وقال ابن القاسم في "المدونة": وأصل قول مالك: أن الفضة [بالفضة] (٢) مع إحدى الفضتين أو مع واحدة منهما سلعة من السلع: أن ذلك لا يجوز -كانت السلعة يسيرة أو كثيرة- لقوله ﵇: "الفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء مثلًا بمثل" (٣) وفي حديث آخر: "كيلًا بكيل، ولا تبيعوا بعضها على بعض" (٤) فإذا كانت السلعة مع إحدى الفضتين: لم تحصل المماثلة؛ لأن للسلعة حق في الفضة [المفقودة] (٥) وعلى هذا المعنى
стр. 2345
تتنزل مسألة أبي البلاط المكي حين سأل عبد الله بن عمر [رضي الله] (١) عنه وقال: أنا تاجر من البحرين ولهم دراهم صغار فنشتري البيع هنالك [فيردوا] (٢) علينا من الدراهم الصغار، فقال له عبد الله بن عمر: ذلك ربا، فقال له أبو البلاط: يا أبا عبد الرحمن: إن الدراهم الصغار لو وزنت كانت سواء، قال: فأخذ عبد الله بن عمر بيده حتى دخل به المسجد فقال: هذا الذي ترون يريد أن آمره بأكل الربا.
ومعنى قول أبي البلاط: فنشتري البِيَع: جمع بيعة، بمعنى صفقات.
ومعنى قوله: فيردوا علينا الدراهم الصغار: يريد أن الدراهم التي يشترون بها دراهم كبار، فإذا اشتروا الصفقة نقدوا فيها الكبار على حسب دراهمهم؛ مثل أن تكون الصغار على النصف من الكبار، وربما يشترى مثلًا بأحد عشر أو ثلاثة عشر درهمًا من الدراهم الصغار، فإذا دفع إليه المشتري من الكبار خمسة أو ستة بقي للبائع عليه نصف درهم فيدفع له البائع درهمًا مع السلعة من الدراهم الصغار ليدفع إليه المشتري درهمًا كاملًا: فمنعه عبد الله بن عمر؛ لأن ذلك فضة بفضة مع إحداهما سلعة، وذلك حرام لا يجوز.
فإن كان ذلك في اليسير منهما؛ مثل أن يشتري ببعض الدرهم سلعة ويسترجع ببقيته فضة، فهل يجوز ذلك، أو لا يجوز؟ فالمذهب على ستة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول مالك فيما [حكاه] (٣) عنه أشهب في "كتاب محمد" وفي "العتبية".
стр. 2346
والثاني: أن ذلك [جائز في] (١) القليل والكثير، وهو قول أشهب في الكتاب المذكور.
والثالث: أن ذلك [يجوز] (٢) في القليل دون الكثير، وهو قول مالك في "المدونة".
والرابع: أنه يجوز أن يأخذ ببقية [الدرهم] (٣) سلعة وباقيه فضة، ولا يأخذ نصف درهم فضة ونصفه فلوسًا، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا.
والخامس: بالتفصيل بين البلد الذي فيه [الفلوس والدراهم الصغار] (٤) كالأرباع والأنصاف والخراريب: فلا يجوز ذلك فيه، وبين البلد الذي لا يجوز فيه ذلك: فيجوز للضرورة، وهو قول بعض المتأخرين.
[والسادس: أنه لا يجوز في بلد فيه الفلوس، ويجوز في بلد فيه الدراهم الصغار، وهو قول أشهب أيضًا.
وعلى القول بأنه يجوز في القليل والكثير] (٥)، فقد اختلف في حد القليل على قولين:
أحدهما: أن النصف في حيز القليل، وهو قوله في "كتاب الصرف".
والثاني: أن الثلث في حيز اليسير، والنصف في حيز الكثير وهذا القول قائم [من المدونة] (٦) في السيف المحلى.
стр. 2347
وسبب الخلاف في أصل المسألة: اختلافهم في هذا المعنى هل ذلك ضرورة عامة ومشقة تامة فيؤثر في إباحة المحظور [وأصل المذهب عندنا أن للضرورة تأثير في إباحة المحظور] (١) وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لأنها نفقات لا تكاد تنقطع، فاستدل بأن مكة لا يجوز دخولها إلا بإحرام، ثم إنه رخص للمترددين إليها بالفاكهة والحطب والحشيش أن يدخلوها بغير إحرام؛ لما عليهم من المشقة والمؤونة في الإحرام عند كل تكرار، أو لا مضرة في ذلك لأنه قادر على أن يشتري بجميع الدرهم، ثم يأخذ حاجته ويبيع ما بقي [أو] (٢) ينفق من عند البائع حتى يتكامل له عنده درهم أو أكثر فيعطيه [إياه] (٣)، أو يقدم له هو درهمًا ثم يستخرج النفقة من عنده شيئًا فشيئا حتى يفرغ الدرهم ولا يعمل بالربا المحرم؛ لأن ذلك فضة بفضة مع إحداهما سلعة.
وهذا الذي قدمناه في المعاملات، وأما الاقتضاء؛ مثل أن يبيع له سلعة بثلثي درهم [ثم يعطيه سلعًا ويأخذ الدرهم، أو يقرضه ثلث درهم] (٤) ثم يعطيه عند القضاء ثلث الدرهم ويأخذ منه الدرهم كاملًا، فهل يجوز أم لا؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز جملة.
والثاني: المنع جملة.
والثالث: أنه يجوز في اقتضاء ثمن البيع، ولا يجوز في اقتضاء
стр. 2348
القرض، وهي رواية [عيسى] (١) عن ابن القاسم: أنه يجوز في [الاقتضاء] (٢) من درهم كما يجوز في أصله، ولا يجوز في الاقتضاء من القرض كما لا يجوز في أصله؛ لاتفاقهم أنه لا يجوز له أن يدفع [له] (٣) درهمًا أثلاثًا ثم يأخذ [منه] (٤) الدرهم الكامل من غير مراطلة؛ لأن ذلك ربا التفاضل، فينبغي أن لا يجوز [عند] (٥) الاقتضاء كما لا يجوز يدًا بيد، وهذه العلة [معدومة] (٦) في اقتضاء درهم البيع.
ووجه من جوز في الجميع جملة: أنهم لم يقصدوا في ذلك إلا [الرفق في] (٧) القضاء والاقتضاء دون المصارفة والمكايسة.
ووجه من منعه جملة: أن ذلك مخاطرة، وكل واحد لا يدري مقدار ما أخذ إن كان وزن مثل ما دفع أو أقل أو أكثر مع التهمة أن يكونا قد تعاملا على ذلك ابتداء [والحمد لله وحده] (٨).
стр. 2349
المسألة السابعة عشرة في صرف بعض الدينار
وقد اختلف المذهب في صرف بعض الدينار، والذي يتخرج من "المدونة" في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: الجواز، وهو ظاهر قول ابن القاسم فيما إذا صرف دينارًا من رجلين لبقاء الشركة بين المشتريين [في الدينار] (١)، وهو ظاهر قوله آخر الكتاب [أيضًا] (٢) فيما إذا أسلف لرجل دينارًا؛ حيث قال: يجوز أن يأخذ سدسه دراهم، وهذا صرف بعض الدينار بعينه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تكون الشركة بين البائع والمشتري ثم لا يجوز، أو تبقى بين المشتريين في الدينار فيجوز، وهو نص "المدونة".
وسبب الخلاف: هل المعتبر إبقاء الشركة بين البائع والمشتري خاصة، أو المعتبر كون [المشتري] (٣) لا يقدر على البينونة بما اشترى، ولاسيما على ما علل به في المدونة بأنه إنما أخرج دراهم ولا يأخذ عند المقاسمة إلا الدراهم من ذلك درهم بدرهم ليست يدًا بيد مع تفاضلهما، فيدخل فيه الربا من وجهين [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 2350
المسألة الثامنة عشرة في الاقتضاء
ولا يخلو ذلك من ستة أوجه:
أحدها: اقتضاء المسكوك عن المسكوك.
والثاني: اقتضاء المتبور عن المتبور.
والثالث: اقتضاء المصوغ عن المصوغ.
والرابع: اقتضاء المسكوك [عن] (١) المتبور، أو المتبور [عن] (٢) المسكوك.
والخامس: اقتضاء المطبوع عن المصنوع، أو المصنوع عن المطبوع.
والسادس: اقتضاء المصنوع عن المتبور، أو المتبور عن المصنوع.
ونعني بالمطبوع: السكي، و [نعني] (٣) بالمصنوع: الحلي.
فأما المسكوك عن المسكوك: فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: اقتضاء القائمة عن الفرادى، أو الفرادي عن القائمة.
والثاني: اقتضاء القائمة عن المجموعة، والمجموعة عن القائمة.
والثالث: اقتضاء الفرادى عن المجموعة، والمجموعة عن الفرادى.
والرابع: اقتضاء المحمدية عن اليزيد، واليزيدية عن المحمدية، أو السمراء عن المحمولة، أو المحمولة عن السمراء.
فبنا أن نقدم القول في شرح هذه الألقاب قبل الخوض في مقصود