والثاني: أن ذلك [جائز في] (١) القليل والكثير، وهو قول أشهب في الكتاب المذكور.
والثالث: أن ذلك [يجوز] (٢) في القليل دون الكثير، وهو قول مالك في "المدونة".
والرابع: أنه يجوز أن يأخذ ببقية [الدرهم] (٣) سلعة وباقيه فضة، ولا يأخذ نصف درهم فضة ونصفه فلوسًا، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا.
والخامس: بالتفصيل بين البلد الذي فيه [الفلوس والدراهم الصغار] (٤) كالأرباع والأنصاف والخراريب: فلا يجوز ذلك فيه، وبين البلد الذي لا يجوز فيه ذلك: فيجوز للضرورة، وهو قول بعض المتأخرين.
[والسادس: أنه لا يجوز في بلد فيه الفلوس، ويجوز في بلد فيه الدراهم الصغار، وهو قول أشهب أيضًا.
وعلى القول بأنه يجوز في القليل والكثير] (٥)، فقد اختلف في حد القليل على قولين:
أحدهما: أن النصف في حيز القليل، وهو قوله في "كتاب الصرف".
والثاني: أن الثلث في حيز اليسير، والنصف في حيز الكثير وهذا القول قائم [من المدونة] (٦) في السيف المحلى.
стр. 2347
وسبب الخلاف في أصل المسألة: اختلافهم في هذا المعنى هل ذلك ضرورة عامة ومشقة تامة فيؤثر في إباحة المحظور [وأصل المذهب عندنا أن للضرورة تأثير في إباحة المحظور] (١) وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لأنها نفقات لا تكاد تنقطع، فاستدل بأن مكة لا يجوز دخولها إلا بإحرام، ثم إنه رخص للمترددين إليها بالفاكهة والحطب والحشيش أن يدخلوها بغير إحرام؛ لما عليهم من المشقة والمؤونة في الإحرام عند كل تكرار، أو لا مضرة في ذلك لأنه قادر على أن يشتري بجميع الدرهم، ثم يأخذ حاجته ويبيع ما بقي [أو] (٢) ينفق من عند البائع حتى يتكامل له عنده درهم أو أكثر فيعطيه [إياه] (٣)، أو يقدم له هو درهمًا ثم يستخرج النفقة من عنده شيئًا فشيئا حتى يفرغ الدرهم ولا يعمل بالربا المحرم؛ لأن ذلك فضة بفضة مع إحداهما سلعة.
وهذا الذي قدمناه في المعاملات، وأما الاقتضاء؛ مثل أن يبيع له سلعة بثلثي درهم [ثم يعطيه سلعًا ويأخذ الدرهم، أو يقرضه ثلث درهم] (٤) ثم يعطيه عند القضاء ثلث الدرهم ويأخذ منه الدرهم كاملًا، فهل يجوز أم لا؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز جملة.
والثاني: المنع جملة.
والثالث: أنه يجوز في اقتضاء ثمن البيع، ولا يجوز في اقتضاء
стр. 2348
القرض، وهي رواية [عيسى] (١) عن ابن القاسم: أنه يجوز في [الاقتضاء] (٢) من درهم كما يجوز في أصله، ولا يجوز في الاقتضاء من القرض كما لا يجوز في أصله؛ لاتفاقهم أنه لا يجوز له أن يدفع [له] (٣) درهمًا أثلاثًا ثم يأخذ [منه] (٤) الدرهم الكامل من غير مراطلة؛ لأن ذلك ربا التفاضل، فينبغي أن لا يجوز [عند] (٥) الاقتضاء كما لا يجوز يدًا بيد، وهذه العلة [معدومة] (٦) في اقتضاء درهم البيع.
ووجه من جوز في الجميع جملة: أنهم لم يقصدوا في ذلك إلا [الرفق في] (٧) القضاء والاقتضاء دون المصارفة والمكايسة.
ووجه من منعه جملة: أن ذلك مخاطرة، وكل واحد لا يدري مقدار ما أخذ إن كان وزن مثل ما دفع أو أقل أو أكثر مع التهمة أن يكونا قد تعاملا على ذلك ابتداء [والحمد لله وحده] (٨).
стр. 2349
المسألة السابعة عشرة في صرف بعض الدينار
وقد اختلف المذهب في صرف بعض الدينار، والذي يتخرج من "المدونة" في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: الجواز، وهو ظاهر قول ابن القاسم فيما إذا صرف دينارًا من رجلين لبقاء الشركة بين المشتريين [في الدينار] (١)، وهو ظاهر قوله آخر الكتاب [أيضًا] (٢) فيما إذا أسلف لرجل دينارًا؛ حيث قال: يجوز أن يأخذ سدسه دراهم، وهذا صرف بعض الدينار بعينه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن تكون الشركة بين البائع والمشتري ثم لا يجوز، أو تبقى بين المشتريين في الدينار فيجوز، وهو نص "المدونة".
وسبب الخلاف: هل المعتبر إبقاء الشركة بين البائع والمشتري خاصة، أو المعتبر كون [المشتري] (٣) لا يقدر على البينونة بما اشترى، ولاسيما على ما علل به في المدونة بأنه إنما أخرج دراهم ولا يأخذ عند المقاسمة إلا الدراهم من ذلك درهم بدرهم ليست يدًا بيد مع تفاضلهما، فيدخل فيه الربا من وجهين [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 2350
المسألة الثامنة عشرة في الاقتضاء
ولا يخلو ذلك من ستة أوجه:
أحدها: اقتضاء المسكوك عن المسكوك.
والثاني: اقتضاء المتبور عن المتبور.
والثالث: اقتضاء المصوغ عن المصوغ.
والرابع: اقتضاء المسكوك [عن] (١) المتبور، أو المتبور [عن] (٢) المسكوك.
والخامس: اقتضاء المطبوع عن المصنوع، أو المصنوع عن المطبوع.
والسادس: اقتضاء المصنوع عن المتبور، أو المتبور عن المصنوع.
ونعني بالمطبوع: السكي، و [نعني] (٣) بالمصنوع: الحلي.
فأما المسكوك عن المسكوك: فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: اقتضاء القائمة عن الفرادى، أو الفرادي عن القائمة.
والثاني: اقتضاء القائمة عن المجموعة، والمجموعة عن القائمة.
والثالث: اقتضاء الفرادى عن المجموعة، والمجموعة عن الفرادى.
والرابع: اقتضاء المحمدية عن اليزيد، واليزيدية عن المحمدية، أو السمراء عن المحمولة، أو المحمولة عن السمراء.
فبنا أن نقدم القول في شرح هذه الألقاب قبل الخوض في مقصود
стр. 2351
المسألة، والكلام في ذات الشيء قبل الكلام في أوصافه.
فالقائمة: مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها؛ سميت بهذا الاسم لقيامها بنفسها [واستغنائها] (١) عن غيرها، كما يقال: فلان قائم بأمر نفسه ومستقل به إذا كان لا يحتاج إلى مقاصد ومؤازر، وهي تجري بعددها في المعاملات، وقد بالغ ابن القاسم في وصفها [في الكتاب] (٢) حيث قال: إذا اجتمع منها مائة في العدد زادت في الوصف دينارًا، وذلك غاية الكمال.
والفرادى: مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها؛ لأن كل واحد منهما منفرد بنفسه ومستقل بحكمه في الجريان، ولا يحتاج فيها إلى الوزن، على عكس القائمة.
والمجموعة: مأخوذة من اسمها أيضًا، سميت بذلك لاجتماعها في الوزن لأن الدينار يجتمع منها بالأثمان والأسداس والأثلاث والأرباع دون أن يحذفها دينارًا قائمًا، والمائة فيها مجموعة من دنانير مجموعة، ولا تجري بعيونها في المعاملات، وإنما تجري بوزنها في أغلب الأحوال.
والمائة منها مائة بصحة المائة بلا مزيد عليها فهذا حد كل جنس من غير زيادة على المقصود، ولا بخس.
فأما اقتضاء القائمة من الأفراد والأفراد من القائمة فجائز من غير اكتراث [بما] (٣) تقدم من الذمة منها؛ لأن التطاول فيها من جهة القائمة خاصة إن أخذت القائمة عن الأفراد كان من حسن القضاء، وإن أخذت الأفراد عن
стр. 2352
القائمة كان من حسن الاقتضاء، إلا أن تكون القائمة أقل عددًا من الأفراد فيكون مبايعة؛ لأنه اغتفر عدد الأفراد بعيوب القائمة وذلك ربا.
وأما اقتضاء القائمة من المجموعة، أو المجموعة من القائمة: فإن المعتبر فيهما الثابت في الذمة أولًا مجموعة، فإن كان الثابت في الذمة مجموعة فقضي عنها القائمة جائز، وإن كان الثابت في الذمة قائمة: فغير جائز أن تقضي المجموعة عنها لدخول الربا فيها بمعنى المبايعة، إن كان في الذمة قائمة فقد ترك الوزن وجودة عين القائمة لفضل [عدد] (١) المجموعة، وهذا المعنى الذي علل به موجود فيما إذا كان الثابت في الذمة مجموعة؛ لأنه قد قد ترك العدد لفضل العيون والوزن في القائمة.
ولأشهب في "العتبية" أن المجموعة تقتضي من القائمة.
وقد فرق بين السؤالين بعض المتأخرين على قول ابن القاسم.
وقال: إذا كان الثابت في الذمة قائمة فقد ثبت له عليه دين بشريطة العدد فصار له الحكم، فإذا أخذ فيها مجموعة أكثر عددًا علمنا أنه إنما ترك ما وجب [له] (٢) من عدد القائمة وفضل عيونها لكثرة عدد المجموعة، بخلاف ما إذا [كان الثابت] (٣) في الذمة مجموعة فلم يرتب له عددًا معلومًا إذ عدد المجموعة الوزن يسقط حكمه ثم لا تأثير له، فقد أخذ أكثر وزنًا وأفضل عيونًا، فالفضل من جهة واحدة فجاز.
وهذا الفرق ظاهر إذا كان العدد معتبرًا عندهم، وأما إذا كان العدد عندهم غير معتبر: فلا فرق، ويعد ذلك اختلاف قول.
стр. 2353
وأما اقتضاء الأفراد عن المجموعة، أو المجموعة عن الأفراد: فغير جائز لتقابل الفضول من [الجهتين] (١)؛ وذلك أنه اعتبر وزن الفرادى لفضل عيونها، واغتفر الآخر شر عيون المجموعة لفضل وزنها أو عددها فتكون مبايعة، اللهم إلا أن يترك وزن عيون المجموعة فيأخذها بوزن الأفراد فيجوز إذ الفضل من جهة الأفراد خاصة ما لم يكن لكثرة العدد عندهم فرية وفضيلة فيجرى على قولين: الجواز، والمنع، وينبني الخلاف على الخلاف في الاقتضاء [هل هو كالمراطلة] (٢) أم لا؟
فإن قلنا: أنه كالمراطلة، فالعدد غير معتبر فيجوز، وإن قلنا إنه ليس كالمراطلة فهو معتبر.
والقولان قائمان من "المدونة" من قوله: إذا كان الثابت في الذمة قائمة فلا تقتضي منها المجموعة، فاعتبر العدد ولم يغيره في العكس إذا كان الثابت في الذمة مجموعة، بل جوز، وكل سواء.
وأروج عبارة في هذا أن يقال: إذا كان الفضل من جهة واحدة: جاز، وإن كان من جهتين كفضل السكة من أحدهما وجودة الذهب من الآخر، واختلف الوزن: وقع الربا.
فإن استوى الوزن: جرى على القولين في [الاقتضاء] (٣) هل هو كالمراطلة أم لا؟
وتحصيل ذلك على ما في المدونة والعتبية: أن القائمة تقتضي من كل شيء، والمجموعة لا تقتضي شيء، والفرادى تقتضي من القائمة،
стр. 2354
وبالعكس، ولا تقتضي من المجموعة.
ولأشهب في "العتبية": أن المجموعة تقتضي من القائمة [ولابن لبابة في كتابه أنه لا تقتضي واحدة منهما عن الأخرى فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كل واحدة منهما تقتضي عن الأخرى وهو قول أشهب، وإليه مال اللخمي.
والثاني: أنها لا تقتضي واحدة منهما عن الأخرى وهو قول ابن لبابة.
والثالث: أن القائمة تقتضي من المجموعة ولا تقتضي المجموعة من القائمة وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"] (١).
وأما اقتضاء المحمدية عن اليزيدية، أو بالعكس أو السمراء عن المحمولة، أو المحمولة عن السمراء: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك قبل الحلول.
والثاني: أن يكون بعد الحلول.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان قبل الحلول: فلا يخلو من ستة أوجه:
[إما أن يقضيه] (٢): أقل عددًا، أو أقل صفة، أو مثل العدد والصفة، أو أكثر عددًا وأكثر صفة، أو مثل العدد وأكثر صفة، أو أكثر صفة وأقل عددًا.
فإن قضاه أقل عددًا وأقل صفة، أو مثل العدد وأقل صفة كاليزيدية عن
стр. 2355
المحمدية أو المحمولة عن السمراء: فإن ذلك لا يجوز في العين والطعام، وسواء كان الدين من بيع أو قرض؛ والعلة في ذلك "ضع وتعجل".
فإن قضاه أقل عددًا أو أجود صفة كالمحمدية عن اليزيدية أو السمراء عن المحمولة: فإن ذلك لا يجوز لتقابل الفضول، وذلك ربا.
فإن قضاه مثل العدد والصفة: جاز اتفاقًا إذا رضي الذي له الدَّين بقبوله قبل أجله؛ إذ له ألا يرضى بذلك في طعام البيع وعروضه اتفاقًا، وفي العين وعووض السلف وطعامه على الخلاف؛ فابن القاسم جوز التعجيل ويجبر على القبول؛ إذ الأجل حق للذي عليه القرض، ودين العين إذا كان من ثمن [بيع] (١) كذلك بخلاف طعام البيع وعروضه، فالأجل فيه حق لهما جميعًا، وأشهب يساوي بين القرض والبيع والعروض والعين، وأن رب الدين لا يجبر على قبوله قبل أجله.
فإن قضاه أكثر عددًا وأكثر صفة كقضائه المحمدية عن اليزيدية، أو السمراء عن المحمولة أكثر كيلًا: فإن ذلك لا يجوز في العين والطعام -كان الدَّين من بيع أو قرض- والعلة في ذلك ربا التفاضل والنساء؛ لأن الذي عليه الدين قد دفع الأكثر ليأخذ من ذمته الأقل عند حلول الأجل وذلك ربا مع ما في ذلك من الربح في السلف إن كان الدَّين من قرض وحط عن الضمان وأزيدك إن كان الدين من بيع فيما سوى العين بالاتفاق، وفي العين على الخلاف.
فإن قضاه مثل العدد وأكثر صفة: فلا يخلو الدين من أن يكون عينًا أو طعامًا.
стр. 2356
فإن كان عينًا: ففيه قولان قائمان من المدونة: الجواز، والمنع، والجواز أظهر أشهر.
وسبب الخلاف: العين هل هو مراد لعينه، أو مراد لغرضه، والقولان قائمان من المدونة، فعلى القول بأنه مراد لغرضه: كان جائزًا ويكون حسن القضاء، وعلى القول بأنه مراد لعينه فيمنع كالعروض؛ لأن ذلك ضمان بجعل، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الصرف إذا قال له في طعام السلم: بِعْهُ وجئني بالثمن حيث قال: إن جاءك بدراهم أقل من دراهمك كان ربا، [فقيل: اتهم] (١) في هذا الموضع أن يدفع كثيرًا ويأخذ قليلًا كما قال عبد العزيز في "كتاب السلم" وما ذلك إلا لكون العين فيه ضمان كالعروض.
فإن كان الدين طعامًا: فلا يخلو من أن يكون من بيع، أو من قرض.
فإن كان من بيع: فلا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن ذلك "حُط عَنِّى الضمان وأزيدك".
وإن كان من قرض: قولان منصوصان في "المدونة":
أحدهما: الجواز؛ إذ لا ضمان فيه كالعين على المشهور.
والثاني: المنع، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك تفاضل بين الطعامين كالبيع، ويعد ذلك مبايعة لما يرجوا من حوالة الأسواق عند الحلول حتى يكون الأدنى أنفق من الأعلى.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان [ذلك] (٢) بعد الحلول: فلا يخلو
стр. 2357
من الأوجه الستة التي قدمناها في الوجه الأول: [إما] (١) أن يقضيه مثل العدد والصفة، أو مثل العدد وأقل الصفة، أو أقل عددًا وأقل صفة، أو أقل عددًا وأكثر صفة، أو مثل العدد وأجود صفة، أو أكثر عددًا وأكثر صفة.
فإن قضاه مثل العدد والصفة: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه قد أبرأ ذمته مما عمرت به على [حسب] (٢) ما عمرت، فإن قضاه مثل العدد وأقل صفة؛ كاليزيدية عن المحمدية، أو المحمولة عن السمراء: فلا إشكال أيضًا في الجواز، ويكون ذلك أيضًا من [جنس الاقتضاء] (٣).
فإن قضاه أقل عددًا وأقل صفة: جاز في العين.
وفي طعام القرض، قولان والأشهر: الجواز، وذلك من جنس الاقتضاء.
وفي طعام البيع قولان:
أحدهما: إذا كان [لمعنى] (٤) الوضع جاز، وإن كان لمعنى العوض منع، وهو قوله في "كتاب السلم الثالث".
والثاني: أن ذلك جائز كالعين، وهو قول أشهب والقولان في "الكتاب".
فإن أبهم الأمر قولان.
فإن قضاه أقل عددًا وأكثر صفة أو أكثر عددًا وأقل صفة: لم يجز اتفاقًا في العين والطعام لتقابل الفضول.
стр. 2358
فإن قضاه مثل العدد وأجود صفة: جاز في العين والطعام من بيع كان أو من قرض، وذلك من جنس القضاء فإن قضاه أكثر عددًا وأكثر صفة، أو أكثر عددًا ومثل الصفة: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز إطلاقًا، وهو قول أشهب.
والثاني: المنع إطلاقًا لأنه في طعام البيع يبعه قبل قبضه، وفي القرض سلف بزيادة.
والثالث: التفصيل بين [قرب] (١) المجلس وبعده، وهو قول مالك في "الكتاب" بناءً منه على قوة التهمة وضعفها.
والرابع: التفصيل بين البيع والقرض؛ فيجوز في البيع، ولا يجوز في القرض؛ لأنه سلف بزيادة، وهو متأول على "المدونة".
وسبب الخلاف: مراعاة [قوة] (٢) التهمة وضعفها.
واختلف في اقتضاء الدقيق من [القمح] (٣) على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث".
والقول الثاني: المنع، وبه قال عبد الملك.
ووجه القول بالجواز: أن الطحين ليس بصنعة ولا زاد فيه أكثر من تفتيت أجزائه، [ونقص الريع يقابله] (٤) أجرة الطحن.
стр. 2359
ومن منع: يرى أن ذلك مزابنة؛ لأن الدقيق كيله يختلف، فتحصل المُزَابَنَة.
والقولان عن مالك.
وقيل: إن ذلك اختلاف حال.
وعلى القول بالجواز هل يجوز اقتضاء الدقيق من القمح أقل من مكيلته أم لا؟
[قولان] (١): المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب.
وأما الوجه الثاني من أصل المسألة: في اقتضاء المتبور، عن المتبور: فإنه يعتبر فيهما التساوي في الجودة والدناءة والتكافؤ في الوزن.
فإن تفاضلت الفضول من جهتين: منع، فإن كان الفضل من أحد الجهتين: فإنه يعتبر فيه ما يعتبر [في المسكوك] (٢).
وأما الوجه الثالث: في اقتضاء [المصنوع عن المصنوع] (٣) فإن اتفق الوزن والجودة: جاز وإن اختلفت الصنعة؛ لأن الوزن يسقط.
وإن تساوى الوزن واختلفا في الجودة: جاز إذا كان الفضل من جهة واحدة، فإن قابله فضل من الطرف الآخر: منع لوجود الربا.
وأما الوجه الرابع: في اقتضاء المسكوك عن المتبور، أو المتبور عن المسكوك: فإن كان التبر أفضل وزنًا: حرم لأن فضل الوزن يقابله فضل السكة فيقع الربا.
стр. 2360
فإن استويا في الجودة والوزن ولم يكن للمتبور مزية: فإنه يجوز، وكذلك إذا كان المتبور أدنى صفة مع تساوي الوزن؛ لأن الفضل من جهة المسكوك.
وأما الوجه الخامس: في اقتضاء المطبوع عن المصنوع، أو المصنوع عن المطبوع: فإن اختلفا في الوزن لم يجز بحال؛ لأن السكة [والصناعة] (١) كالعرضين وهما مما تختلف [فيه] (٢) الأغراض، ولا يقال: إن أحدهما أفضل من الآخر لأن كل واحدة منهما تراد لما [لا] (٣) تراد [له] (٤) الأخرى.
وإن استوى الوزن: فإنه يتخرج على قولين: الجواز والمنع -استويا في الجودة أو اختلفا- والقولان قائمان من "المدونة" والجواز أشهر.
وأما الوجه السادس: في اقتضاء المصنوع عن المتبور أو المتبور عن المصنوع: فإن كان المتبور أكثر [وزنًا] (٥) لم يجز، وسواء اتفقا في الجودة أو كان المتبور أدنى في الصفة.
فإن كان المتبور مثل وزن المصنوع وأدنى صفة أو أقل وزنًا [وأقل صفة] (٦) جاز؛ لأن الفضل من جهة المصنوع وحده.
فإن كان المتبور أقل وزنًا وأجود صفة: لم يجز لتقابل الفضول؛ لأنه اغتفر نقصان الوزن في جودة الصفة.
فهذا ما تحصل عندي من مسائل الاقتضاء، ولم أره لمتقدم ولا لمتأخر
стр. 2361
على هذا التحصيل، فاشدد وثاقها تربت يداك [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2362
المسألة التاسعة عشرة في وجود المقتضي [الزيادة] (١) فيما اقتضى ومعاوضته عنها
ولا يخلو دين المقتضي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عينًا.
والثاني: أن يكون طعامًا.
والثالث: أن يكون عرضًا.
فإن كان [عينًا فلا يخلو من أن يكون قرضًا أو ثمنًا لبيع. فإن كان] (٢) [من فرض] (٣)؛ مثل أن يقرضه دينارًا كيلًا فقضاه أرجح في الوزن فلا يخلو الرجحان من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا: فذلك جائز، ويكون من حسن [الاقتضاء] (٤) ولا يلزم المقتضي المعاوضة [عن] (٥) تلك الزيادة؛ لأن الشرع سامح على الزيادة المتصلة إذا كانت يسيرة.
فإن كانت كثيرة فاشتراها رب الدين بورق أو عرض، فإن كان إلى أجل: فلا يجوز، وإن كان نقدًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع، وهذا القول قائم من "المدونة" من الفضل الذي بعده؛
стр. 2363
لأن ذلك ذهب بذهب مع أحدهما فضة، أو سلعة تأخرت.
فإن اشتراها بذهب: فالمذهب على قولين: الجواز لأشهب، والمنع لابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؟ فإن قلنا: إن الحكم أوجب المراطلة في الرجحان الزائد، ولا يتهمان أن يتعاملا على ذلك حين السلف: جاز ذلك من غير إشكال.
وإن قلنا: [إن ما يوجبه الحكم] (١) مثل ما يوجبه الشرط: منع شراء الزيادة بالذهب، ويتهمان على العقد على المراطلة ابتداء، فيمنع ذلك اتفاقًا [لخروج المراطلة] (٢) عن [وجهها وتغيرها عن] (٣) سنتها، ويلزم من انقسم على هذا الترجيح أن يمنع شراء الزيادة بالفضة والعرض؛ لأن ذلك ذهب بذهب وزيادة، ولا محيص له عن هذا الإلزام.
فإن قضاه أنقص من وزن الأول: فإنه يجوز للمستسلف أن يعطيه فيما بقي عرضًا بلا خلاف.
وهل يجوز [له] (٤) أن يعطيه فضة؟
قولان: الجواز إذا لم يتجاوز عنه في عيون الدنانير فيكون مبايعة، فيمنع بالاتفاق.
وتتخرج في المذهب قولة أخرى بالمنع.
وسبب الخلاف: ما أحدثاه بعد العقد هل يتهمان فيه أم لا؟
стр. 2364
فأما إذا كان الدين من ثمن بيع: فلا يخلو من أن يقضيه مثل [الصفة] (١) وأكثر وزنًا، أو مثل [الصفة] (٢) وأقل وزنًا؛ فإن قضاه مثل [الصفة] (٣) وأكثر وزنًا، فأراد رب الدين أن يشتري تلك الزيادة، فإن اشتراها بالعرض: جاز اتفاقًا.
فإن اشتراها بفضة وكان الدين ذهبًا، فإن كانت الفضة أقل من صرف دينار [وتناقدا] (٤): جاز على الخلاف الذي آنفناه في مسألة البيع بكسر الدينار إتقان من طب لمن حب.
وإن كان أكثر من صرف دينار: فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع؛ لأنه بيع وصرف، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: الجواز، وهو مذهب أشهب؛ لأن البيع والصرف جائز عنده.
وسبب الخلاف: هل امتناع البيع والصرف من الاجتماع لمعنى أو لا لمعنى؟ وقد أطلق الجواب في الكتاب ولم يفصل بين أن تكون الفضة أكثر من صرف دينار أو أقل، وظاهرة: ألا فرق، ويكون خلافًا لما تقدم لابن القاسم، وهذا إذا كان القضاء بفور عقد البيع وتناقدا الجميع.
وأما إن تراخى القضاء عن قبض السلعة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه من تأخير أحد الأعراض في الشراء في بعض الدينار، بناء على
стр. 2365
[أن] (١) ما أحدثاه بعد العقد غير ملتحق بالعقد -قلَّت الدراهم أو كثرت- ومنعه مرة بناء على قوة التهمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصلح" في مسألة العبد.
وأما إذا اشتراها بذهب: فإن ذلك لا يجوز اتفاقًا؛ [لأنه] (٢) ذهب بذهب مع أحدهما سلعة.
وأما إن قضاه أقل وزنًا ومثل الصفة: فإنه يجوز للمستسلف أن يدفع عن ما بقي عرضًا أو فضة نقدًا، ولا إشكال في ذلك.
والجواب عن القسم الثاني: إذا كان الدين طعامًا؛ مثل أن يسلم في طعام فجاء ليقضيه: فلا يخلو من أن يقضيه مثل الكيل وأجود صفة، أو أدنى صفة، أو قضاه مثل الصفة وأكثر كيلًا، أو أقل صفة وأقل كيلًا.
فإن قضاه مثل الكيل وأجود صفة أو أدنى صفة: فلا يجوز للمشتري أن يشتري تلك الصفة، ولا للبائع أن يرد على المشتري لنقص الصفة شيئًا؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان من بيع، وإن كان من قرض: كان ذلك زيادة في السلف.
وأما إن قضاه مثل الصفة وأكثر كيلًا أو أقل: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الحلول، أو بعده. فإن كان قبل الحلول: فلا يجوز للمشتري أن يشتري تلك الزيادة؛ لأنه بيع وسلف لكونه عجَّل ما لم يجب عليه تعجيله على أن يبيع منه الزيادة على ما أسلم إليه فيه، وسواء اشتراها بنقد أو إلى
стр. 2366
أجل.
وأما إن كان أقل كيلًا: فلا يجوز للبائع أن يشتري ما بقي عليه [بشيء] (١)؛ لأن ذلك بيع وسلف أيضًا لأن البائع تَعْجل بعض ما عليه [على] (٢) أن يبيعه المشتري ما بقي عليه من الطعام مع ما في ذلك من بيعه قبل قبضه.
وأما إن كان بعد الحلول، وكان مثل [الصفة] (٣) أو أكثر كيلًا: جاز للمشتري أن يشتري منه تلك الزيادة نقدًا أو إلى أجل؛ إذ لا تهمة في ذلك وكأنها بسلعة أخرى منفصلة اشتراها منه المشتري.
وأما إن قضاه مثل الصفة وأقل كيلًا، وقد حلَّ الأجل: فلا يجوز للبائع أن يشتري ما بقي بشيء من الأشياء إن كان الطعام من بيع؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان الطعام من بيع.
وإن كان من قرض: جاز بما شاء نقدًا، ولا يجوز إلى أجل؛ لأن ذلك فسخ دين في دين.
وأما إن [قضاه] (٤) بأكثر كيلًا وأكثر صفة، أو أكثر كيلًا وأقل صفة: فإن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك سلف بزيادة إن كان من قرض، وإن كان من بيع دخله بيعه قبل قبضة مع ما في ذلك من التفاضل بين الطعامين.
وإن قضاه أقل كيلًا وأقل صفة، فدفع البائع لأجل
стр. 2367
النقصان شيئًا. فلا يجوز من بيع [على حال] (١)، والعلة [فيه] (٢): بيعه قبل قبضه.
والجواب عن [القسم] (٣) الثالث: إذا كان الدين عرضًا يكال أو يوزن أو يعد: فإن حلَّ الأجل [جاز] (٤) كيف ما قدر وصور، فإن لم يحل الأجل: فإنه يعتبر فيه البيع والسلف وغيره من العلل [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 2368
المسألة العشرون في حكم الدراهم الزيوف والمعاملة بها
ولا يخلو الذي يأخذها من أن يكون عالمًا، أو غير عالم.
فإن كان غير عالم: فلا خلاف أن ذلك لا يجوز؛ لأنه غش وخديعة.
فإن كان عالمًا، فهل يجوز الرضا بها والمعاملة عليها؟
فالذي يتخرج من "المدونة" ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز إطلاقًا، وهو [ظاهر] (١) قول أشهب في "الكتاب"؛ حيث قال: لا بأس ببدلها على وجه الصرف بدراهم جياد وزنًا بوزن [لأنهما لم يريدا] (٢) بذلك فضلًا بين الفضتين.
والثاني: المنع إطلاقًا [حتى تقطع] (٣)؟ وهو قوله في "كتاب الصرف"؛ حيث قال: ولا يعجبني أن تباع الدراهم السوء والرديئة [بدراهم] (٤) فضة وزنًا بوزن ولا بعرض؛ لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش والفساد في أسواق المسلمين.
والثالث: التفصيل بين الصيارفة وغيرهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح"؛ حيث قال: وإنما ذلك للصيارفة فيما أرى، ولا أدري هل كسرها لجميع الناس، وأرى الصلح بها جائز إذا لم يغر بها أحد.
стр. 2369
فأجاز ابن القاسم المعاملة بها في هذا القول إذا بين.
وعلى القول بأن المعاملة بها لا تجوز وإن بيَّن حتى تقطع، فإذا قطعت وكسرت: جاز بيعها وابتياعها إن لم يخف أن تسيل فتعمل منها الدراهم، فتباع على وجه الفضة، فإذا خيف ذلك صفيت حتى تباع فضة على حدة [والنحاس على حدة] (١) أشهب في "الكتاب" وقوله تفسير لقول ابن القاسم.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قول أشهب الذي جوز فيه بيعها [بالدراهم] (٢) على وجه الصرف وزنًا بوزن؛ فمنهم من قال: إن ذلك منه اختلاف قول؛ لأن ظاهر كلامه -هاهنا- جوز فيه بيع المغشوش بالدراهم الجياد في القليل والكثير لأنه قد تقدم أول كلامه أنه لا يجوز بيعه حتى يكسر لغش فيه، وهو تأويل أبي القاسم بن محرز.
ومنهم من قال: إن ذلك ليس باختلاف قول، إنما جوزه في الدرهمين والثلاثة لقوله في "الكتاب": كالبدل، ولا يجوز فيه إلا ما يجوز في البدل، وهو تأويل أبي القاسم بن الكاتب، واعترضوا على هذا التأويل وردوه، وقالوا: "لا يجيز هذا التأويل ولا يقبل لبعده عن ظاهر الكتاب؛ لأن البدل المراعي في الجواز في قليله إنما هو في المعدود لا في الكفتين، وهو يقول في الكتاب: وزنًا بوزن، والموازنة لا تعتبر إلا في المراطلة".
ومنهم من قال: إن معنى قول أشهب: يجوز مراطلة، معناه لولا الغش الذي فيه، وأما حتى يجوز أشهب المراطلة بين المغشوشين الجياد مع قوله
стр. 2370
أولًا لا تجوز المعاملة بها إلا بعد الكسر فلا؛ لأن ذلك يعد منه اختلاف قول، وهو تأويل أبي عمران الفاسي، قال: ويحتمل [أن يكون] (١) قول أشهب أن يكون وفاقًا، ويحتمل أن يكون خلافًا لقول ابن القاسم، والله أعلم.
تم كتاب الصرف [بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد نبيه] (٢).
стр. 2371
كتاب السلم الأول
стр. 2372
كتاب السَّلم الأول
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في شروط السَّلم
اعلم أن السَّلم له شروط ستة:
منها أن يكون متعلقًا بالذمة، ومنها أن يكون إلى أجل معلوم، ومنها أن يكون موصوفًا، ومنها أن يكون مقدرًا، ومنها أن يكون مأمون الوجود عند الحلول، ومنها أن يكون رأس المال منفردًا.
ومن هذه الشروط ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
فقولنا: أن يكون متعلقًا بالذمة: احترازًا من المعين؛ لأنه إن كان معينًا فهو بيع لا سلم ويكون بيعًا فاسدًا؛ لأنه معين يتأخر قبضه، وهو من باب ضمان بجعل، وذلك يرجع إلى سلف جر منفعة.
وقولنا: أن يكون إلى أجل معلوم: احترازًا من السلم الحال، وإن كان لنا فيه خلاف مشهور، وتوجيه مهجور والقولان قائمان من "المدونة".
أحدهما: أنه لا يجوز، وهو قوله في غير ما موضع من "المدونة".
والثاني: الجواز، وهذا القول قائم من "كتاب المرابحة" من "المدونة" فيما إذا اشترى بعروض فأراد أن يبيع مرابحة؛ حيث قال ابن القاسم: فإنه يصف العروض [التي] (١) اشتراها ليربحه بها، وهذا عين السلم الحال؛ لأن
стр. 2373
العروض مضمونة في ذمة المشترى الثاني على صفة، وهي حالة، وهذه صورة السلم، ولم يبق إلا الأجل.
فإذا كان لمالك ﵁ في المذهب قوله في جواز السلم الحال فهي هذه.
وكذلك قال أشهب عقيب قول ابن القاسم: إن ذلك لا يجوز إلا أن تكون العروض عنده؛ لأن ذلك إلى غير أجل السلم، إلا أن تكون العروض عنده.
ويؤخذ أيضًا من "المدونة" من "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا بطعام أو عروض، فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، وهو مذهب الشافعي ﵁ أن السلم الحال عنده جائز، وقال: فإذا كان يجوز مع الأجل، فبأن يجوز مع الحلول أولى؛ لأن ذلك أقل غررًا وأبعد من المخاطرة.
وأما المالكية فحجتهم من طريق المعنى أن السلم خرج على خلاف الأصل وإنما جوز لموضع الارتفاق؛ لأن السلم يرغب في تقديم الاسترخاص في المسلم فيه؛ وليكون في ذمة المسلم إليه إلى أجل يرجى عنده حوالة الأسواق، والمسلم إليه يرغب لموضع النسيئة وارتفاقه بالثمن إلى ذلك الأجل وإذا لم يشرط الأجل إلى هذا المعنى.
وقولنا: أن يكون مقدرًا؛ إذ لا يصح جزافًا؛ لأن من حق الجزاف أن يكون مريبًا مشاهدًا ثم ما يكون معدودًا، فالمعدود يقدر، وما كان موزونًا يوزن فالموزون يقدر، وما كان مزروعًا فالمزروع يقدر، وما كان مكيلًا فالمكيل يقدر.
وقولنا: أن يكون موصوفًا، احترازا من أن يكون مجهولًا، وكذلك لا يجوز فيما [لا] (١) يحاط بصفته كتراب المعادن وما أشبهه.
стр. 2374
وقولنا: أن يكون مأمون الوجود عند الحلول: احترازًا من أن يكون معدوم الوجود عند الميعاد المجعول، وإلا كان مخاطرة لتردده بين البيع تارة والسلف تارة.
وقولنا: أن يكون رأس المال منفردًا: احترازًا من أن يكون إلى أجل بعينه؛ لأن ذلك دين بدين، وسنعقد في تأخير رأس المال مسألة مفردة إن شاء الله.
والحمد لله وحده.
стр. 2375
المسألة الثانية فيما يجوز من الحيوان أن يسلم بعضه في بعض
وذلك على أربعة أوجه:
أحدها: تسليم الأعداد في الأعداد.
والثاني: تسليم الآحاد في الآحاد.
والثالث: تسليم الآحاد في الأعداد.
والرابع: تسليم الأعداد في الآحاد.
فالجواب عن الوجه الأول: في سلم الأعداد في الأعداد؛ كالكبار في الكبار مع اختلاف المنافع، والكبار في الصغار وما يعكس: فلا خلاف في المذهب في جوازه؛ لاختلاف المنافع وتقابلها من الطرفين.
والجواب عن الوجه الثاني: في سلم الآحاد؛ كالكبير في الكبير والمنفعة من جهة واحدة، أو الكبير في الصغير أو الصغير في الكبير، فهل يجوز السلم أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في جواز سلم العبد التاجر في العبد الذي ليس بتاجر، والدون في الصفة كالصغير في السن، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب"، وأحد قوليه في "كتاب محمد"، وهو تأويل ابن لبابة، وأبي محمد بن أبي زيد على "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لما في ذلك من الزيادة في السلف، أو ضمان بجعل، على حسب اختلاف الصور؛ لأنه إن أسلم صغيرًا في كبير
стр. 2376
كان سلفًا بزيادة، وإن أسلم كبيرًا في صغير كان ضمانًا بجعل، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية" حيث قال: ولا خير في حولي في قارح ولا قارح في حولي، والقارح كبير، والحولي صغير.
وفي رواية عيسى عنه في "العتبية": ولا خير في صغير في كبير من جنسه، ولا كبير في صغير، وهو قوله في "المدونة"؛ حيث قال: "لا يسلم ثوب في ثوب دونه، أو رأس في رأس دونه" يريد في السمن والجودة.
وسبب الخلاف: هل من شرط جواز سلم الحيوانات بعضها في بعض مقابلة الفضول من جهتين، أو من [شرطه] (١) أن يكون الفضل من جهة واحدة.
والجواب عن الوجه الثالث والرابع: الآحاد في الأعداد، والأعداد في الآحاد.
أما الآحاد في الأعداد، كبير في صغير، أو كبير في كبيرين دونه في الجودة؛ كالبعير النجيب الفاره في حواشي الإبل: فلا خلاف في المذهب في جوازه؛ لتقابل المنافع، وللصغير عدد وللكبير جودة.
وأما الأعداد في الآحاد كالصغيرين في صغير، أو كبيرين في كبير واحد مع اتحاد المنفعة ففي المذهب قولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم في الآحاد.
وأما الحمير: فكلها صنف واحد على اختلاف أبيانها، وأجناسها،
стр. 2377
وألوانها، وسرعة سيرها، إلا صغارها فإنها صنف، وكبارها صنف، والحولي صغير، والقارح والرباع كبير، إلا ما اختلف بالنجابة والقوة على الحمولة: فلا بأس أن يسلف في حواشيها كحمير أعرابية، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموَّازية"، قال: وحمير مصر كلها صنف واحد، رفيعها ووضيعها.
واختلف في البغال والحمير هل هما صنف واحد، أو صنفان على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها صنف واحد، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الأول" من "المدونة"، وهو قول مالك في "كتاب محمد بن الموَّاز".
والثاني: أنهما صنفان يجوز التفاضل فيهما إلى أجل، وهو ظاهر قوله في "كتاب القسمة" من "المدونة" حيث قال: "لا يجتمعان في القسم"، وهو قوله في "الواضحة"، قال ابن القاسم عن مالك: "ولا بأس أن تسلم كبار البغال في صغار الحمير، ولا تسلف كبار الحمير في صغار البغال"، فقيل له: "ولم ذلك وما الفرق؟ " قال: "قد قاله مالك وما فيه غير الاتباع".
وكأنه كرهه؛ لأن الحمير تنتج البغال، وكأنه يشبه المخاطرة لأن ذلك كسلم الشيء فيما يخرج منه.
قيل له: "فإلى أجل قريب؟ " قال: "إن كان خمسة أيام وشبهها فيما لا تهمة فيه: فذلك جائز".
وأما تسليف الغنم بعضها في بعض: فقد اختلف المذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن الغنم في ذلك صنف واحدة ضأنها ومعزها، صغارها وكبارها، فحولها وإناثها، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموَّازية"، إلا شاة
стр. 2378
غزيرة اللبن: فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
والثانى: أنه يجوز سلم شاة كبيرة في معزتين صغيرتين، وهذا القول مروي عن مالك في "كتاب محمد" على، ما نقله أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، قال والأول هو المعروف.
وسبب الخلاف: اختلافهم في سلم الأشياء بعضها في بعض هل المعتبر فيه اختلاف المنافع، أو المعتبر اختلاف الأسامي؟
وظاهر "المدونة" في مسألة الغنم ومسألة جواز سلم رقيق القطن في رقيق الكتان الواقعة في "كتاب السلم الثالث": أن المعتبر الألقاب والتسميات، كون هذا غنمًا اسم يعم الضأن والمعز: فيمنع السلم، وكون هذا كتانًا وهذا قطنًا: فيجوز السلم مع تساوي الصفة والمنفعة، على أن مشهور مذهب مالك ﵁ اعتبار المنافع دون الألقاب والتسميات؛ ولهذا قال بعض حذاق المتأخرين في تحصيل المذهب في السلم: اختلاف الأغراض تصير الجنس أجناسًا، واتفاق الأغراض تصير الأجناس جنسًا يختلف باختلاف الصفات.
وسر هذا الباب: أن تعلم أن الموجب لاعتبار مالك ﵀ في المتمولات: المقاصد والمنافع، دون الهياكل والأعيان؛ لأن الله تعالى إنما ملكنا منها المنافع خاصة، والأعيان ملك لله تعالى، ولا يملك العبد إلا ما ملكه المولى، وبهذا المعنى نطق القرآن من مفتتحه إلى مختتمه، وعلى هذا بني مالك ﵁ إذا اعتبرته، ولاسيما في مسائل المعاوضات والجنايات على المتمولات، ويدلك على ذلك أن من استهلك لرجل ما لا منفعة فيه من العروض، أو حتى على ما لا منفعة فيه من الحيوان -الباطن منه والصامت- أنه لا شيء عليه ولا ضمان؛ لأنه لم يتلف عليه منفعة، وهذا سر مذهب مالك ﵁ ولم أر من نبه لإثارة هذا السر العجيب إلا هذا الحبر
стр. 2379
النجيب. أبا عبد الله المازري -قدس الله روحه وبرد ضريحه- والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله وحده.
وأما الطير: ففي "العتبية" من سماع عيسى عن ابن القاسم: أن الطير كله صنف واحد ليس في الجنس الواحد منها من الاختلاف ما يجوز بسلم بعضه في بعض إلى أجل.
والديكة والدجاج صنف، وصغارها وكبارها صنف؛ لأن المراد منها اللحم.
واختلف في الدجاجة البيوضة بالديكة إلى أجل على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قوله في "العتيبة" في رواية عيسى عنه.
والثاني: أنه يجوز أن يسلم دجاجة بيوضة في ديكين، أو ديك في دجاجتين منها، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن الموَّاز".
والحمام: صنف واحد، صغارها وكبارها، والذكر والأنثى في ذلك سواء، وفي جميع الأجناس فإن الأنوثة لا تأثير لها، وعلى ذلك حلت نصوص المذهب.
وأما سائر الطير الوحش مما لا يقتنى لفراخ ولا بيض مثل الحجلة واليمام وشبههما فمجراه مجرى اللحم، ولا يباع بعضه ببعض وإن كان حيًا إلا تحريًا يدًا بيد، ولا يجوز بأوز ولا دجاج أو حمام؛ لأنه من باب اللحم بالحيوان. والحمد لله وحده.
стр. 2380
المسألة الثالثة في السَّلم في الطعام رطبًا ويابسًا
ولا يخلو السَّلم في الطعام من وجهين:
أحدهما: أن يكون في ذمة.
والثاني: أن يكون في معين.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان السَّلم في الذمة فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فيما ليس له إبان.
والثاني: أن يكون فيما له إبان ينقطع بانقطاعه.
فإن كان السَّلم فيما ليس له إبان، وهو مأمون الوجود: فالسلم فيه جائز أيّ زمان شاء، ويشترط الأخذ في أي زمان شاء على الشروط التي قدمنا أولًا.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الأول: وهو أن يكون السلم في الذمة في الشىء الذي له إبان: فالسلم جائز أيّ الإبان شاء، ولا يشترط الأخذ إلا في الإبان، فإن نقضا الإبان قبل أن يستوفي شيئًا: فالمحاسبة جائزة اتفاقًا.
وهل يجوز التأخير؟
فالمذهب على قولين:
فإن انقضى الإبان قبل أن يستوفي جميع سلمه، وقد استوفى بعضه. فالمذهب على ستة أقوال:
أحدهما: وجوب التأخير إلى السنة المقبلة، ولا تجوز المحاسبة، وهذا
стр. 2381
أول قول مالك في "الكتاب" وبه قال سحنون.
والعلة في المحاسبة بيع الطعام قبل قبضه.
والثاني: أن الأصل التأخير إلا أن يجتمعا على المحاسبة وأن الذي يجب له أخذ الثمرة والصبر إلى وجودها والمحاسبة رخصة، ولا يتهمان في فسخ الدين في الدين لأنهما مغلوبان، وهو ثاني قول مالك في "المدونة".
والثالث: أن الخيار للمشتري بين المحاسبة والتأخير، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وانتهى قول ابن القاسم عن بعضهم إلى عام قابل فذلك له، وهو قوله في "كتاب محمد"، وقوله: "من طلب التأخير منهما فذلك له": من كلام سحنون، وهو تفسير لأحد قولي مالك، وإليه ذهب بعضهم.
فهذه ثلاثة أقوال منصوصة في "الكتاب".
والرابع: التفصيل بين أن يقبضه أكثر السلم، أو أقله.
فإن أقبضه أكثره: جاز التأخير.
وإن أقبضه أقله: فلا يجوز التأخير، وحكاه التونسي عن مالك وهو قول لا وجه له، ولو كان بالعكس لكان أشبه في النظر، وأسعد للفظ الكتاب في قوله: "لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله".
والخامس: أن الواجب المحاسبة، ولا يجوز التأخير وهو قول أشهب لأنه يدخله فسخ الدين في الدين.
والسادس: أن الواجب المحاسبة إلا أن يجتمعا على التأخير قول أصبغ وتوجيه كل قول ظاهر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان السلم في شيء
стр. 2382
بعينه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون في حائط بعينه.
والثاني: أن يكون في قرية بعينها.
فإن كان في حائط بعينه: فالسَّلم فيه جائز بثلاثة شروط:
أن يكون بعد الزهو.
وألا يكون قبل الإثمار.
وأن يشترط ما يأخذ كل يوم.
وزاد في الكتاب شرطًا آخر: أن يضربا لذلك أجلًا، وظاهره أنه حشو لأنه إذا اشترط ما يأخذ كل يوم وبين الأخذ باليوم الذي يبتدئ فيه الأخذ، وذلك يغني عن ضرب الأجل.
وقولنا: أن يكون بعد الزهو: احترازًا من أن يسلم فيه قبل الزهو لتعاظم الخطر في طرآن الجوائح لبعد ما بين وقت العقد وبين وقت الاستيفاء، وكذلك إذا اشتراط أخذ ذلك تمرًا، ولا يخلو السَّلم في ذلك من أربعة أوجه:
[أحدها] (١): أن يُسلم فيه قبل الزهو على أن يأخذ ثمرًا.
والثاني: أن يُسلم فيه بعد الزهو ويشترط أخذه بسرًا ورطبًا.
والثالث: أن يُسلف فيه بعد ما أرطب على أن يأخذ ثمرًا.
والرابع: أن يُسلم فيه بعد الزهو على أن يأخذه ثمرًا.
فأما إذا أسلم فيه قبل الزهو على أن يأخذ ذلك ثمرًا: فهذا يفسخ فيه
стр. 2383
البيع -فات أو لم يفت- وترد المكيلة مع الفوات.
وأما إذا أسلم فيه بعد الزهو، واشترط أخذه بسرًا ورطبًا: فلا خلاف في الجواز على الشروط التي قدمناها.
وأما إذا أسلم فيه بعدما أرطب على أن يأخذه تمرًا: فعلى قولين:
أحدهما: الجواز، والآخر: المنع.
وعلى القول بالمنع: فإنه يرد البيع ما لم يفت.
واختلف بم يفوت على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يفوت بالعقد، وهو ظاهر قوله في جواب المسألة؛ حيث قال: فإذا علم به وفات فما أدى ذلك.
فظاهر قوله (وفات): يريد بالعقد، وهو قول أشهب في "الموَّازية".
والثاني: أن فواته بالقبض، وهو ظاهر الكتاب في سؤال المسألة؛ حيث قال: فأخذ ذلك وفات البيع، وعليه اختصر أبو محمد بن أبي زيد. ومثله في "كتاب ابن حبيب".
وأما إذا أسلم فيه بعد الزهو على أن يأخذ ذلك تمرًا: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه كالوجه الثالث إذا أسلم فيه بعدما أرطب على أن يأخذه تمرًا، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد؛ لأنه سوى بينهما في الجواب.
والثاني: أنه [يفسخ] (١) بكل حال، واليه ذهب ابن شبلون تأويلًا على "الكتاب".
والفرق بين أن يشتري ثمر الحائط المعين على الكيل ثم لا يجوز أحدهما
стр. 2384
ثمرًا، وبين أن يشتريها على الجزاف فيجوز له تركها حتى يصير ثمرًا؛ لأن ضمان المكيل من بائعه فيما قلَّ أو كثر حتى يوفيه المشتري، والجزاف لا ضمان فيه على البائع؛ إذ بالعقد صار في ضمان المشتري؛ لأنه لم يتعلق به حق التوفية إلا أن تطرأ جائحة تبلغ الثلث؛ فكان الغرر في جنب الجزاف يسيرًا فجاز البيع، وكثر المكيل فيمنع من صحته.
وقولنا في المسألة: وشرط ما يأخذ كل يوم. احتياطًا من التفاجر عند الأخذ، واحتفاظًا من التخاطر عند القبض لاختلاف الأسواق إذ ذاك، وقد تكون الأسواق نافقة فيريد أن يأخذ الكثير ويمنعه البائع لحاجته في الأخذ بنفسه من رطب جائحة ما يستدرك به البيع في تلك الأسواق، وقد تكون كاسدة فيريد أن يأخذ الأقل لما يرجو في المستقبل من الأسواق، والبائع غرضه أن يأخذ المشتري الكثير ليوفي له ما عقده على نفسه من القناطر والأحمال مخافة ما يطرأ من الجوائح.
فإن انقطع الثمر قبل الاستيفاء: فلا خلاف في وجوب المحاسبة، وهل هو على الثمر أو على القيمة؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن المحاسبة على الثمر، وهو نص "المدونة".
والثاني: أن المحاسبة على القيمة، وهذا القول يؤخذ من مسائل الفصيل والجوائح.
وأما إن كان السَّلم في قرية بعينها، فإن كانت قرية مأمونة لا ينقطع طعامها: فهي كالمضمون في الذمة، وقد فرغنا منه في الوجه الأول.
وإن كانت قرية صغيرة ينقطع طعامها في بعض السنة فما حكمها؟
стр. 2385
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: [أن] (١) لها حكم الحائط بعينه، وهو تأويل ابن أبي زمنين، وفضل بن سلمة، وابن محرز على "المدونة"، وهو تأويل ظاهر؛ لأنه في "الكتاب": "لا يجوز السلف فيها إلا بعد الزهو؛ إذ لا يشترط ذلك إلا قال في المعين"، ولقوله في السؤال في القرية الكبيرة التي لا ينقطع طعامها، وليس له في تلك القرية أرض ولا زرع ولا حائط، فخص هذه المسألة بهذه الصفة.
وظاهر الكلام: إذا كانت قرية صغيرة ينقطع طعامها أن ذلك لا يجوز إلا لمن له فيها حائط أو زرع. واشتراطه في "الكتاب" تقديم النقد احتياطًا، قاله أبو عمران الفاسي.
وعلل أصحاب هذا التأويل أن ذلك بيع على التخليص إذا لم يكن فيها طعام.
والثاني: أن حكمه حكم المضمون من طرف إلى طرف، وهو ظاهر "المدونة" في اشتراطه في الجواز تقديم النقد، وهو ظاهر قول الشيخ أبي محمد عبد الحق عن بعض شيوخه تأويلًا على "المدونة"؛ حيث قال: السَّلم في قرية بعينها يوافق السَّلم في حائط بعينه من وجهين، ويخالفه في وجهين؛ يوافقه في السَّلم بعد الزهو، وألا يأخذ ذلك ثمرًا مخافة تمالي أهل تلك القرية على بيع ثمارهم رطبًا فيؤدي ذلك إلى قطعها في البلد ثم لا يجد ما يشتري.
ويخالفه في النقد وجواز السَّلم لمن ليس له فيها ملك.