← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

كانت قائمة بيده فهل للآمر أن يأخذه بغير اختيار البائع أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: المنع، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني" من المدونة؛ حيث قال: وليس للآمر على البائع قليل ولا كثير. والثاني: الجواز، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصرف". وسبب الخلاف: الدراهم هل تراد لأغراضها، أو تراد لأعيانها. وعلى القول بأن للآمر أخذها من البائع فعلى المأمور له بدلها, ولا ينتقض السلم بينهما باستحقاق رأس المال إذا كان عينًا، وهذا إذا كان له مال. وإن لم يكن له مال وكان المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه: فإنه يباع ويستوفي منه البائع رأس المال الذي باع. وإن كان مما لا يباع حتى يستوفي: فالبيع بينهما منتقض؛ لأن ذلك دين بدين. فإن فاتت الدراهم بيد البائع: فلا رجوع للآمر على البائع اتفاقًا. فأما إذا أسلفه المأمور الثمن: فله الخيار في هذا الوجه بين الرضا بتعديه وأخذ ما اشتراه له، أو يسلمه، ثم لا شيء له عليه؛ إذ لا علة تبقى فيه. وهذا كله إذا تعدى في المثمون. وأما إذا تعدى من الثمن؛ مثل أن يوكله على أن يسلف له دنانير في طعام فصرفها بدرهم، ثم اشترى بالدراهم طعامًا. فقد فصل في "الكتاب" بين أن يصرفها على معنى المصلحة والرفق أم لا، فإن صرفها على معنى

стр. 2452

المصلحة والرفق؛ مثل أن يكون الشراء بالدرهم أيسر، وكان ذلك أرفق للمأمور به: فذلك لازم للآمر، والمأمور غير متعد. وإن صرفها على غير هذا الوجه: فالمأمور ضامن للدنانير، وللآمر الرضا بالطعام المشترى، ويأخذه إن قبضه المأمور وهذا قوله في "الكتاب". فتأمل هذا التفصيل الذي فصل، وكيف جوز للآمر أخذ الطعام إن قبضه المأمور، وأخذه أجازه للصرف الواقع من المأمور على نعت التعدى وهو صرف منعقد على خيار، وهذا التفصيل أيضًا لا يجلى فائدة؛ لأن التعدي موجود في الوجهين؛ لأنه إنما وكله على أن يشتري بدنانير، لا على بيعها, ولا فرق بين أن يكون صرفها نظرًا للآمر أم لا؛ لأنه لم يأمره بذلك، ولا وكله عليه، وهو متعد على كل حال. أصل ذلك: لو وجد ذلك المأمور سلعة نفيسة القدر يكون شراؤها فرصة ونظرًا للآمر ثم اشتراها المأمور: كان متعديًا فكذلك صرف الدنانير دراهم، فإذا نظرنا إلى محض التعدي ووجوده فالمأمور متعد في الوجهين. وإن نظرنا إلى أن العلة الموجبة للضمان، وهو ما تضمنه [التعدي] (١) لا نفسه قلنا: إنه غير متعد، وصرف الدنانير بالدراهم ليس فيه إلا محض [التعدى] (٢)؛ إذ لا يعود تعديه بالضرر على الأمر في شيء، ولاسيما إذا بنينا على أن الخيار الحكمي ليس كالخيار الشرطي، بخلاف ما إذا اشتراها عروضًا ثم أسلم تلك العروض في طعام: فإنه ضامن في هذا الوجه باتفاق؛ لأن تعديه يعود بالضرر على الآمر إذا استحقت من يد الذى قبضها

стр. 2453

في طعام أن العهدة على الآمر في ذلك، وذلك لا يبقي في العين في غالب الأحوال. والحمد لله وحده.

стр. 2454

المسألة العاشرة في مصالحة الكفيل عن دين الكفالة ولا يخلو هذا الدين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الدين عينًا. والثاني: أن يكون عرضًا. والثالث: أن يكون طعامًا. وكل قسم من هذه الأقسام ينتج ثلاثة أوجه: إما أن يكون الصلح من جنس دين الكفالة، أو نوعه، أو من عينه. فصارت المسألة إذا دارت إلى تسعة أوجه. وللكفيل في جميع ذلك حالتان: إما أن يصالح عن نفسه، أو عن الغريم. ونحن لكل ذلك -بعون الله- موضحون. فالجواب عن القسم الأول: إذا كان الدين عينًا، فصالح من غير جنسه، كالعروض ونحوها: فلا يخلو من أن يكون صالح عن نفسه، أو عن الغريم. فإن صالح عن نفسه: فلا يخلو من أن يكون الدين من قرض، أو من بيع. فإن كان الدين قرضًا، أو ثمن بيع مما لا ربا فيه بينه وبين المصالح به، وكان ذلك شراء لنفسه: فإن ذلك جائز، وهل يفتقر ذلك إلى حضور الغريم، أو معرفة يسره من عسره، وثبوت الدين إن كان عينًا أم لا؟

стр. 2455

فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يفتقر إلى حضوره وثبوت الدين ببينة في غيبته. والثاني: أنه لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى بينة على أصل الدين بخلاف شراء الأجنبيين. وسبب الخلاف: ذمة الكفيل، هل هي كذمة الأصيل أم لا؟ فمن رأي أن ذمة الكفيل غير مشغولة بما على الأصيل لاتحاده واستحالة قيام المتحد بالمحلين فحاكى الكفيل الأجنبي، وإن كانت الكفالة اقتضت توسيع المطالبة وتفسيخ المؤاخذة لا حقيقة المحلين قال: لابد من إحضار الأصيل عند شراء الكفيل، وثبوت الدين ببينة في غيبته. ومن رأي أن الضمان من التضمين، أو من التضميم لذمته إلى ذمة [الأصيل] (١) قال: لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى قيام البينة؛ لأنه قد تقرر بين ذمة الكفيل وذمة الأصيل مضاهاة تمنع مساواته للأجنبي؛ لأنه كأنه اشتراه من نفسه لنفسه. وعلى هذا ينبني اختلاف قول مالك في كتاب الكفالة هل الطالب على التخيير، أو على الترتيب؛ فمرة رأى أن ذمة الكفيل والأصيل واحدة فقال بتخيير الطالب. ومرة رأى أن الكفيل كالأجنبي فقال: إن الطلب على الترتيب، ولا يتبع الكفيل إلا بعد عدم الأصيل. وإن كان الدين من ثمن بيع ما فيه الربا مثل ألا يجوز سلم ما بيع بهذا الدين فيما صولح به: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه سلم الشيء في مثله إلى أجل، وذلك حرام.

стр. 2456

والجواب عن الوجه الثاني من القسم الأول: إذا صالحه من نوع دينه وكان الصلح لنفسه؛ مثل أن يكون دنانير والصلح بدراهم، أو كان ذلك ومشقيه، والدين هاشمية: فذلك حرام؛ لأنه صرف مستأخر. والجواب عن الوجه الثالث من القسم الأول: إذا صالحه لنفسه من عين الدين: فإنه يجوز بالمثل في الصفة والمقدار، ويعود ذلك قضاءً، ولا يجوز بالأقل؛ لأن ذلك ربا بلا إشكال؛ لأنه دفع الأقل ليأخذ الأكثر ويدخله فيما بينه وبين الطالب "ضع وتعجل". فإن صالح عن الأصيل من غير جنس الدين: فلا عبرة بحضوره، ثم ينظر في الصلح هل وقع بما يرجع إلى القيمة، أو بما يرجع إلى المثل. فإن صالح عنه بما يرجع إلى القيمة فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب، وهو نص "المدونة" ثم يرجع عليه الكفيل بالأقل من الدين أو القيمة. والثاني: المنع؛ لأنه مما يرجع إلى خيار الغريم، إن شاء دفع ما عليه، أو قيمة ما دفع عنه، وذلك غرر وخطر، وهذا القول تؤول على "المدونة". وسبب الخلاف: الكفالة هل هي من باب المعروف، أو من باب المعاوضات؟ فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا يجوز لأن الكفيل ليس على بصيرة فيما يرجع به على الأصيل إذا حلَّ الأجل. ومن قال إن ذلك جائز: يرى أن الكفالة أصل منقطع عن عقود الأغرار والأحظار، وملتحق بعقود النحلات والوصلات؛ ولذلك جوزنا بدين لا يدري كميته ولا حقيقة وصفه.

стр. 2457

فإن كان المصالح به مما يرجع إلى المثل: فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني"، و"كتاب الكفالة". فوجه القول بالإجزاء: أن الكفالة معروف لا يعتبر فيه الغرر والخطر. ووجه القول بالمنع لأنه غرر؛ لتردده بين البيع والسلف إن كان أعطى الغريم ما عليه: كان بيعًا، وإن أعطاه ما به وقع الصلح: كان سلفًا. فإنه صالحه منه من نوع الدين: فلا يخلو من أن يكون من نوعه جنسًا، أو من نوعه سكة. فإن كان من نوعه جنسًا؛ مثل أن يصالحه عنه بالدمشقية عن الهاشمية، أو بالعكس فالمذهب الجواز، وهو نص "المدونة" وإن كان أحد النوعين أفضل من الآخر، ويرجع على الغريم ما أدى، وإن كان فيه غرر يسير فمغتفر في عمل المعروف، واستخف لما اتحدت العرضية. فإن كان من نوعه عينًا وسكة؛ مثل أن يصالح عنه بالدنانير عن الدراهم، أو بالعكس فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "كتاب الوكالة". وسبب الخلاف: ما أشرنا إليه من كون الكفالة يجاذبها أصلان متنافران؛ معروف، ومعاوضة، فمن مُحصَّ النظر إلى أحد الأصلين: ضاق عليه طلق المقال فيها. وإن صالحه عليه من عين الدين، فإن كان مثله صفة وقدرًا: جاز، ويكون قضاء. وإن صالح بالأقل أو بالأكثر، فإن حلَّ: جاز، وهو بالزيادة متطوع. فإن كان قبل الحلول: منع بالأقل، وجاز في الأكثر؛ لأنه في الأقل

стр. 2458

"ضع وتعجل". والجواب عن القسم الثاني من أصل التقسيم: وهو إذا كان الدين عرضًا، وكان ما صالحه به من غير جنس الدين: فلا يخلو من أن يصالح لنفسه، أو عن الغريم. فإن صالح لنفسه على عروض تخالف ما عليه مما يجوز [أن] (١) يسلم بعضها في بعض، أو صالح بذهب أو فضة: فلا إشكال في الجواز. وهل الكفيل كالأجنبي في حضور الذي عليه الدين، أو ليس كهو لأنه أحد الغريمين: فهذا مما أسلفنا توجيهه وكفينا مؤونته. فإن صالحه من غير رأس مال السلم قدرًا وصفة جاز، وبالأقل أو الأكثر: قولان: وسبب الخلاف: ما تقدم في الكفالة هل هي من باب السلم، أو من باب المعروف، أو من باب المعاوضة. والجواب عن الوجه الثاني: إذا صالحه من نوع الدين مما لا يجوز سلمه فيه: فلا يجوز ذلك؛ لأن النساء مع اتحاد الجنسية يعم عامة المتمولات. والجواب عن الوجه الثالث من القسم الثاني: إذا صالحه لنفسه من عين الدين مقدارًا وصفة: فكذلك كالقضاء وإن صالح بالأقل أو الأكثر، أو بالأبخس، أو بالأحسن، أو بالعكس: فذلك ربا؛ لأنه بالأحسن زيادة على ضمان الأبخس وفي الأبخس سلف بنفع زيادة الأحسن. فلو كان ذلك بعد حلول الأجل، وتناقدا: لم يكن بذلك بأس. وأما إن صالحه عن الغريم من غير جنس الدين عينًا أو غيره من ذوات

стр. 2459

القيمة: فعلى الخلاف الذي قدمناه إذا صالح عن الغريم بما فيه التخيير، فقد تقدم الكلام عليه. وأما إن صالحه عنه من ذلك النوع الذي في الذمة مما لا يجوز سلمه فيه، أو صالحه عنه أيضًا من عين الدين، فإن كان المقدار في ذلك واحدًا والصفة واحدة: فذلك كالقضاء، بل هو هو. وأما الأقل والأكثر والأبخس والأحسن: فلا يجوز؛ لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن "حط عني الضمان وأزيدك". وإن كان ذلك بعد حلول الأجل: فلا حرج، ويكون بالزيادة متطوعًا. فهذان الوجهان قد استوفينا الكلام فيهما على الكمال والتمام. والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: [وهو] (١) إذا كان الدين طعامًا: فلا يخلو من أن يكون من دين، أو قرض. فإن كان ذلك من قرض وصالحه لنفسه: فله حكم العروض في الأوجه الثلاثة، فلا فائدة لإعادتها مرة أخرى، غير أنه تعتبر السلامة من الربا بوجهيه -ربا النقد وربا النساء. وهكذا إن صالح عن الغريم: فله في كل ما يصالح به حكم العروض في جريان الخلاف؛ لأن الغريم عليه بالخيار. ولم يجوز ابن القاسم في ذلك من "المدونة" إلا فصلًا واحدًا؛ وهو أن يصالح عن الغريم بعد حلول الأجل عن سمر السمراء، أو عن محمولة المحمولة أحسن أو أبخس، مع تساوي الكيل، ويرجع الكفيل بالأقل، ولم

стр. 2460

يجز ذلك قبل الأجل لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن كذلك، ولإمكان أن يكون للأبخس عند الخليقة مزية تشوف على الأحسن، وذلك أن المقاصد ترتبط بأعيانه لخصائص صفاته بخلاف العين لاتحاده في العرضية، وهذا كتجويزه اقتضاء المحمدية عن اليزيدية قبل الأجل، ويمنع من مشهور مذهبه اقتضاء السمراء عن المحمولة لما تقدم. وأما الطعام من بيعك فلا يجوز، سواء صالح عن نفسه، أو عن الغريم، إلا ثلاثة أوجه: أحدها: ما كان قضاء؛ وذلك أن يدفع عين ما به تكفل، وأما الأقل أو الأكثر، والأحسن أو الأبخس: فممنوع قبل الأجل وبعده خلاف الدمشقية عن الهاشمية، ولأنه في الطعام يخاف فيه بيعه قبل قبضه، ولاسيما إن لاحظنا في الكفيل ثبوت الأجنبية، وكيف ما كان فالخوف في الطعام أكثر وأحذر. والثاني: ما كان تولية؛ وذلك بأن يصالح لنفسه بمثل رأس المال قدرًا وصفة، ثم يجمع بينه وبين الغريم ويحمله عليه. والثالث: ما كان إقالة بإذن الغريم، فيصر كأن الكفيل أسلفه الثمن المقال به، كما يجوز للأجنبي أن يعطيك ذهبك على أن يقيل البائع بإذنه. فإن فعلا ذلك بغير إذنه: لم تجز الإقالة؛ لأن الغريم عليهما بالخيار بأن يعطي لهما ما أعطيا وما عليه، فتخرج الإقالة عن وجهها وتعود مفسدة. واعلم أن الأجنبي في دفع العين مفارق للكفيل في الأقسام الثلاثة -على ما نصف- مثل أن يعطي الأجنبي للطالب مثل دينه، ثم يحيله على

стр. 2461

غريمه، ولا يخلو من أن يكون قبل الحلول، أو بعد الحلول. فإن كان ذلك بعد الحلول وكان قدرًا وصفة: جاز في العين والعروض قولًا واحدًا، وفي الطعام قولان: الجواز لأشهب، والمنع لابن القاسم. وسبب الخلاف: هل تغلَّب في ذلك شائبة العوضية على شائبة المعروف فيمنع، أو تغلَّب شائبة المعروف على شائبة العوضية فيجوز، وفي العين والعروض وطعام القرض محض معروف صنعه بالذي عليه الحق؛ ولذلك جاز اتفاقًا. فإن كان قبل الحلول: فلا يخلو من أن يكون الدين عرضًا، أو طعامًا، أو عينًا. فإن كان الدين عرضًا فصالحه بمثل دينه قدرًا وصفة: فلا يخلو من أن تكون المنفعة في ذلك للمعطي، أو للمعطى له. فإن كانت المنفعة للمعطي: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة. فإن كانت المنفعة للمعطي له: جاز اتفاقًا. فإن كان الدين عينًا أو طعامًا، فأعطي له مثل ذهبه أو طعامه، فإن كان النفع للمعطي: فلا يجوز ذلك قولًا واحدًا، وإن كان النفع للمعطى له: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز، وسواء كان الدين من بيع أو من قرض، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن ذلك جائز في العين والطعام، وهما كالعروض، وهو قول أشهب وسحنون؛ لأنه قرض معنوي.

стр. 2462

ووجه قول ابن القاسم: في التفرقة بين العروض والطعام والعين قبل الأجل؛ لأن الطعام والعين مال ربوي حقيقة، والحوالة فيه مصنوعة لأنها شعبة من المعاوضة، وأما العروض: فلا مقال للربا فيها إلا حرام الزيادة، أو النفع في السلف، فإذا ارتفع ذلك يكون النفع للمعطى له، وارتفع النهي. والحمد لله وحده.

стр. 2463

المسألة الحادية عشرة إذا أخذ برأس المال كفيلًا فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الكفالة في عقد البيع. والثاني: أن تكون بعد عقد البيع. فإن كانت الكفالة في العقد؛ مثل أن يسلم في طعام واحد برأس المال كفيلًا: فلا يخلو من وجهين: إما أن يرد إليه الكفيل برأس المال؛ مثل الطعام الذي أسلم منه. [وإما أن يتكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم] (١). فأما الوجه الأول: إذا أخذ منه برأس المال كفيلًا يرده إليه عند عدم المسلم إليه: فالبيع فاسد في هذا الوجه، قولًا واحدًا؛ لأنه متردد بين البيع والسلف. وهل يبرأ الكفيل من الكفالة لفساد العقد وهو مطالب لما أخرج بها من ماله؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب الحمالة". أحدهما: أنه لا يلزم الحميل شيء؛ لأن الحمالة مهما وقع أصلها فاسدًا لم يلزم الكفيل غرم ما أخرج من نسيها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن الكفيل لا يبرأ ويلزمه ما أخرج من يد المشتري وهو رأس

стр. 2464

المال إذا علم الذي عليه السلم. وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا تكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز إذا وقعت الكفالة على أن الذي عليه الطعام إن عدم كان على الكفيل أن يخرج مثل رأس المال يشتري به من طعام على حسب منتهى سعر ذلك، وإن كان اشتراؤه مثل القدر الذي أسلم فيه أو أقل أو أكثر، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره تأويلًا على "المدونة". والثاني: أن ذلك لا يجوز وإن وقعت على هذا الوجه؛ لأن ذلك غرر وخطر لا يدري الذي له الطعام كم يحصل له منه إن كان كله أو بعضه أو أكثر منه لاختلاف الذمم والأسعار عند الحلول. وقد اختلفوا في الحمالة المقارنة للبيع؛ مثل أن يبيع بشرط أن يتحمل له فلان بالثمن إلى قدوم زيد، أو ما دام حيا أن ذلك لا يجوز على خلاف لهم في ذلك. وسبب الخلاف: الغرر المضاف إلى أصل جائز هل يؤثر في فساد ذلك الأصل، أو لا تأثير له فيه، ويكون الحكم للصحة، لا للغرر. والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الكفالة بعد العقد هل يجوز العقد والحمالة، أو يجوز العقد وتبطل الحمالة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن العقد صحيح، والحمالة باطلة، وهو مذهب سحنون. والثاني: أن العقد جائز، والحمالة فيه لازمة، وهو مشهور المذهب.

стр. 2465

وقال أبو إسحاق التونسي: يحتمل قول سحنون أن يريد: أنه لا يأخذ إلا رأس المال دون الطعام، فإذا لم يصح له ذلك: بطلت الحمالة؛ لأنه كأنه لم يرض أن يتحمل بعد العقد إلا بشرط إقالة رب الطعام المتحمل عنه، فإذا بطل أن يكون ذلك في الشرع: سقطت الحمالة عنه. والحمد لله وحده.

стр. 2466

المسألة الثانية عشرة في قبض الكفيل الطعام من الذي عليه السلم ولا يخلو قبضه إياه من خمسة أوجه: أحدها: أن يقبضه على معنى الرسالة. والثاني: أن يقبضه على معنى الكفالة. والثالث: أن يقبضه على معنى الاقتضاء. والرابع: أن يختلفا. والخامس: إذا أبهم الأمر علي ماذا يحمل؟ والجواب عن الوجه الأول: إذا قبضه على معنى الرسالة فلا يخلو من أن يكون ذلك الطعام قائمًا بيده، أو فائتًا. فإن كان قائمًا: فالخيار للطالب، إن شاء اتبع الكفيل، وإن شاء اتبع الأصيل، ولا خلاف في ذلك. فإن فات الطعام: فلا يخلو من أن يكون بتلف، أو بإتلاف. فإن كان بتلف من السماء: فهو مصدق، ولا ضمان عليه ويبقى عليه الطلب بطريق الكفالة خاصة، ثم يجري على الخلاف المعهود في الحمالة؛ هل المطالبة على التبدئة، أو على التخيير. فإن كان بإتلاف من الكفيل: فهو ضامن للأصيل بمثل ذلك الطعام، فإن غرم الكفيل الطعام للطالب فلا تراجع بينه وبين الأصيل. فإن غرمه الأصيل: فإنه يرجع على الكفيل بمثل طعامه، أو أخذ ثمنه إن باعه، ولا خلاف في هذا الوجه أيضًا.

стр. 2467

فإن غرم الكفيل الطعام للطالب بعد أن باع ما أخذ من الأصيل، فأراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعم فيقبض منه الثمن: فليس له ذلك. والجواب عن الوجه الثاني: إذا قبضه على معنى الوكالة من الذي له الطعام، فإن قبضه برئت ذمة الأصيل، قولًا واحدًا، فإن الطالب يجوز له بيعه لقبض الكفيل. فإن تعدى عليه الكفيل بعد صحة قبضه من الأصيل: فالعدي على الطالب وقع بلا إشكال. والجواب عن الوجه الثالث: إذا قبضه على معنى الاقتضاء: إما بحكم حاكم على وجه يصح القضاء بذلك؛ كما إذا غاب وحلَّ الأجل وخاف الكفيل إعدام الأصيل وإحداث الفلس، وبهذا تأول ما وقع في المدونة من قوله: قبضه بحكم قاض. أو يكون قبضه برضا الذي عليه الطعام من غير حكم: فالكفيل في هذا الوجه ضامن بوضع اليد على الطعام، وذمته به، أو بمثله عامرة حتى يوصله إلى الطالب. وللطالب مطالبة من شاء منهما اتفاقًا مع قيام الطعام بيد الكفيل أو فواته. فإن عدم الأصيل: كان له الرجوع على الكفيل بطعامه أو مثله إن استهلكه، أو بثمنه إن [باعه] (١) إن شاء أخذ الثمن. ولا يجوز للطالب أن يبيعه بذلك القبض إن كان قائمًا، وإلا أخذ

стр. 2468

الثمن منه إن باعه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه. فإن أخذ منه الطالب مثل طعامه بعد أن باع ما اقتضاه: كان الثمن سائغًا له، فإن أراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن: فليس له ذلك. والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلفا في صفة القبض، فالكفيل يدعي أنه قبضه على معنى الرسالة، والأصيل يقول: بلى على معنى الاقتضاء: فقد اختلف فيه المذهب على قولين من "المدونة". أحدهما: أن القول قول الأصيل، وهو قول مالك في "كتاب القراض" من "المدونة"؛ حيث قال: إذا قال القابض: قبضته على معنى الوديعة، وقال رب المال: قرضًا، أو قراضًا: فإن القول قول رب المال. والثاني: أن القول قول القابض، وهو قول أشهب وغيره، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع. وسبب الخلاف: تعارض الأصلين كل واحد منهما ينفي ما يثبته الآخر أحد الأصلين لاسيما قد اتفقا أن المال المقبوض للدافع، ولا شيء فيه للقابض، وهو أقر بقبضه ثم ادعى ما يسقط عنه الضمان فكان الأصل ألا يقبل منه إلا بدليل، والأصول موضوعة على أن وضع اليد في مال الغير بغير شبهة يوجب الضمان؛ وبهذا قلنا: إن القول قول الدافع الذي هو الأصيل والأصل الثاني يوجب أن يكون القول قول القابض الكفيل، وذلك أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر، والكفيل -هاهنا- قد ادعى قبضًا صحيحًا، والأصيل قد ادعى قبضًا فاسدًا: فوجب أن يكون القول قول القابض الذي هو الكفيل؛ لأن قوله قد أشبه، وقد ادعى أمرًا مباحًا، وهو قوله في "كتاب السَّلم الثاني" إذا

стр. 2469

اختلفا في صحة السلم وفساده؛ حيث قال: القول قول من ادعى الصحة، والأصيل في هذا الوجه قد ادعى الفساد؛ لأن الكفيل لا يجوز له قبض الطعام عن المكفول وأن عليه مطالبته ليدفع إلى الطالب كي يبرأ هو من الكفالة. فإذا ادعى عليه أنه قبضه منه على الاقتضاء: فقد ادعى أمرًا محظورًا فوجب ألا يصدق عليه. فلأجل تعارض الأصلين تعارض الجوابان. والجواب عن الوجه الخامس: إذا أبهم الأمر، وعري القبض عن القرائن، وقد مات الكفيل أو الأصيل هل يحمل على الرسالة حتى يثبت أنه قبضه على الاقتضاء، أو يحمل الاقتضاء حتى يتبين أنه على الرسالة؟ فهذا مما يتخرج فيه قولان من آخر الكتاب، وهذه مسألة تأتي في "كتاب السلم الثالث" إن شاء الله تعالى.

стр. 2470

كتاب السلم الثالث

стр. 2471

كتاب السَّلم الثالث تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها [إحدى عشرة] (١) مسألة. المسألة الأولى في إقالة المريض وإذا أسلم رجل إلى رجل مائة دينار في مائة أردب حنطة قيمتها مائة دينار، ولا مال له سواه، ثم تقايلا وأحدهما مريض: فلا يخلو من أن تكون الإقالة من البائع أو المشتري. فإن كان البائع للطعام هو المريض [فأقال] (٢) في مرضه: فلا يخلو ما أقال منه من أن يكون محاباة أم لا. فإن لم تكن فيه محاباة: فالإقالة فيه جائرة، قولًا واحدًا. فإن كانت فيه محاباة؛ مثل أن يبيع مائة أردب إلى أجل بمائة دينار نقدًا على معنى السلم وهي تساوي خمسين دينارًا, ولا مال له غيرها: فإن الورثة مخيرون بأن يجيزوا ما فعل الميت، أو يشتروا لصاحب الطعام طعامه بخمسين، ويقطعوا له بتلك الخمسين من الباقية؛ لأن الوصايا إنما تكون في ثلث ما بقي من التركة بعد قضاء الدين. فإن كانت الإقالة من المشتري وهو مريض: فلا يخلو من أن يكون في الطعام محاباة أم لا. فإن لم يكن فيه محاباة: فالإقالة صحيحة، قولًا واحدًا في المذهب.

стр. 2472

فإن كانت فيه محاباة: فالمذهب في جواز الإقالة على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: جوازها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: المنع، وهو قول سحنون، من غير التفات إلى الثلث على مذهبه، حمل ذلك الطعام أم لا، انتقد الثمن أم لا. وسبب الخلاف: ما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا. وسحنون ﵁ بني مذهبه على أن ما يوجبه الحكم مثل ما يوجبه الشرط؛ وذلك أن الإقالة شرطها التناجز، لا يجوز فيها التأخير، وإقالة المريض الأمر فيها مصروف إلى الثلث، والنظر فيها مترقب إلى بعد الموت؛ فلهذا حملنا مذهبه على التساوي بين أن ينقد الثمن أم لا ينقد، وهذا المذهب أصح وأسلم من المطالبة. وأما مذهب ابن القاسم في هذه المسألة فقد اضطرب اضطرابًا أوجب تشتت آراء الناس الشارحين، وتباين تأويل المتأولين حتى لم يلتق رأى واحد منهم مع الآخر على التنزيل، ولا اتفق توارد خاطرهم على التأويل، بل كل واحد ركب رأسه وركب قياسه وأوتر قوسه ويصوب تأويل نفسه ويقوي سهام الطعن نحو تأويل غيره فشف قبلهم ترى ما بينهم، فالذي تحصل عندي من تأويل حذاقهم أربعة أوجه: تأويل ابن القابسي: أن معنى المسألة أنه أوصى أن يقال وليست بإقالة بثلث؛ ولذلك جوزها ابن القاسم، فيعلق في "الكتاب" بقوله: إن كان الثلث يحمل جميعه: جاز ذلك وتمت وصيته، وهذا تأويل باطل؛ بدليل قوله في "الكتاب": لو لم تكن فيه محاباة لجاز ذلك، فلو كانت وصية لكانت من الثلث كانت فيها محاباة أم لا، وإنما سماها وصية تجوزًا في

стр. 2473

العبارة لما كان النظر فيها موقوفًا إلى بعد الموت؛ لأن أفعال المريض معروف، فأشبهت الوصايا من هذا الوجه. والوجه الثاني: تأويل ابن اللباد أنها قالت بثلث لكنها فاتت بفوت الإقالة؛ فلذلك جوزها ابن القاسم، فلو عاش بعد الإقالة زمانًا لقسمت عنده كما يقول سحنون، فتعلق من "الكتاب" بقوله: ثم مات فقال هذا يشعر بأنه مات عقيب الإقالة، وهذا القول ضعيف من وجهين: أحدهما: أن تضعيف ما استدل به من قوله: (ثم) التي هو موضوعه في اللغة للمهلة والتراخي، وإن كان يحتمل قوله: (ثم) أن يكون من قول سحنون ومن سياق نظمه من غير أن يقصد بذلك حالة المتبايعين كان بعد الإقالة بزمان. والناس قد اختلفوا في الاصطلاح في استعمال ألفاظ العربية وحروفها على ما عودته ألسنتهم، وقد وقع له مثل هذا في "كتاب الظهار" فيما إذا قال لإحدى نسائه: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال للأخرى: أنت عليَّ مثلها، وكيف ما كان فالعقد وقع على التراخي من مبتدئه ومنشئه، فلا يؤثر في جواز ما وقع من المناجزة في الحال، أصل ذلك إذا وقع عقد الصرف على التأخير وقعت المناجزة في الحال أن الصرف فاسد؛ لوقوع العقد على التأخير. والوجه الثالث من التأويل: ما تأوله أبو محمَّد بن أبي زيد أن الإقالة وقعت على البتل، وإنما جوزها ابن القاسم لكونهما لم يقصدا إلى التأخير -لا نصًا ولا ضمنًا- وإنما دخل على ما يوجبه الحكم في نص المجتهد في ترجيح الأقوال. وقد اختلف قول مالك في معروف المريض إذا بتله وحمله ثلث ماله،

стр. 2474

هل يحكم بإخراجه من ماله في الحال، أو يوقف إلى بعد الموت على ما بيناه في "كتاب العتق" بيانًا كافيًا. وقد يرجح الناظر المجتهد القول [بالنفود] (١) في الحال إن حمله الثلث، وقد يرجح الإيقاف، فحصول أمرهما أنهما لم يقصدا إلى التأخير. وهذا التأويل أقرب إلى السداد وأنهج إلى الرشاد. والوجه الرابع: تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي أن الإقالة وقعت على البتل، وأن المريض كانت له أموال مأمونة فعلا على المناجزة -على أحد أقوال مالك في اعتبار المال المأمون- وهذا أشبه أيضًا لولا ما وقع في "الكتاب" من أن المريض لا مال له سواه. فانظر إلى توجيه الأقوال يتبين لك سبب الخلاف بينهم في التأويل. وهل يجعل؟ في الثلث جميع الطعام، أو مقدار المحاباة؟: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يجمع جميعه في الثلث، وهو تأويل الشيخ أبي القاسم ابن محرز على "المدونة"، وهو ظاهر قوله في أول ["كتاب] (٢) السلم الثالث". والثاني: أنه يجعل في الثلث مقدار المحاباة خاصة، وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي، وهو ظاهر قوله في "كتاب العتق الأول" وغيره؛ حيث قال في محاباة المريض إنها تصرف إلى الثلث. وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؟

стр. 2475

فمن رأي أن ما يوجبه الحكم مثل ما يوجبه الشرط قال: يجعل جميع الطعام في الثلث؛ لأنه لو جعله فيه مقدار المحاباة لخرجت الإقالة عن وجهها، وكرت على أصلها بالبطلان؛ لأنه استرجع جميع المال بعد الغيبة عليه وبعض المسلم فيه فصار سلفًا جر منفعة مع ما فيه من بيع الطعام قبل قبضه. ومن رأى أن ما يوجبه الحكم خلاف مما يوجبه الشرط قال: يجعل في الثلث مقدار المحاباة من الطعام؛ لأن مسألة الإقالة في المرض معترضة في غير ما وجه؛ لأن فيها تأخير رأس المال إلى أبعد النظر وغير ذلك من وجوه الاعتراضات. وعلى القول بأنه يصرف جميعه إلى الثلث: فإن حمله كان، وإن لم يحمله: يخير الورثة بين أن يخيروا ذلك أو يقطعوا له إما بثلث ما عليه من الطعام وهو ظاهر "المدونة"، أو يقطع له بثلث طعام المحاباة خاصة وهو ظاهر "الكتاب" أيضًا. وسبب الخلاف: ما تقدم. فهذا جملة الكلام من طريق تحصيل ما فيها من الخلاف والاضطراب. وأما الكلام عليها من حيث الصورة؛ وذلك أنه اشترى مائة أردب حنطة بمائة دينار قيمتها مائتا دينار، ثم أقاله في مرضه: فلا إشكال أن مائة أردب تقسم بين المائتين من حيث المعنى؛ فيقابل كل مائة: خمسون أردبًا، فللمائة التي هي رأس المال منها خمسون وهو القدر الذي لا محاباة فيه، ويبقى للمائة مائة دينار رأس ماله الذي استرجعه للإقالة، ونصف الطعام الذي حابى فيه يساوي مائة أخرى، وجميع ذلك مائتان، ففيها تقع الوصية، فإن أجاز الورثة الوصية كان، وإن لم يجيزوها

стр. 2476

المقال بثلث ما عليه، فهل يجمع له في الطعام الذي عليه، أو يقطع في الطعام الذي عليه أو يقطع في الثلث وفي الطعام بثلث؟ فهذا يتخرج على خلاف قول مالك في "كتاب الوصايا": إذا أوصى له بشئ بعينه. وحمله الثلث. وعلى القول بأنه يأخذ جميع ذلك في الطعام فإنه يأخذ ثلثي الخمسين التي بقيت بعد هي مقابلة الأصل المال، ويبقى عليه ثلث الخمسين؛ وهو سدس جميع الطعام يدفعه إلى ورثة المشتري مع المائة التي هي رأس المال. والحمد لله وحده.

стр. 2477

المسألة الثانية في الإقالة ولا يخلو الثابت من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون طعامًا. والثاني: أن يكون عرضًا. والثالث: أن يكون عينًا. والكلام في هذه الطعام والعرض، وأما العين فيأتي عليه الكلام في مسألة حمار ربيعة في "كتاب الآجال" إن شاء الله تعالى. فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الثابت في الذمة طعامًا فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقيله من جميع ما عليه من الطعام. والثاني: أن يقيله من بعضه. فإن أقاله من جميع ما عليه من الطعام فلا يخلو من أن يكون قبل قبض الطعام، أو بعد قبضه. فإن كانت الإقالة قبل قبض الطعام، أو بعد قبضه وقبل الغيبة عليه: فالإقالة على عينه جائزة اتفاقًا هذه المناجزة فيما تناقداه من الثمن والمثمون إذا كان الثمن قائم الذات. فإن وقع التأخير في قبض الثمن، أو الإقالة، هل تجوز، أو تفسخ؟

стр. 2478

فالمذهب على قولين: أحدهما: أن التأخير الكبير يبطل الإقالة، ويخرجها ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان قبل أن يقبض الطعام وفسخ الدين في الدين إن كان قبضه وهو قول ابن القاسم في المدونة إلا أن يكون تأخيرًا يسيرًا كدخول البيت والسوق كما قال في البيت والسوق. والثاني: ولا تبطل الإقالة -يسيرة كانت أو كثيرة-، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو مذهب. وينبني الخلاف: على الخلاف في الإقالة هل هي نقض بيع، أو بيع مبتدأ. فمن رأي أن الإقالة نقض بيع قال: تجوز العقد السابق كأنه لم يكن إذ الفسخ عند العقد، وأنه لا يترتب عليه ما يترتب علي العقد من الأخذ بالشفعة، وذلك يشعر بمناقضته لسبب التمليك المقتضي بالعقد. ومن رأي أن الإقالة بيع العقد فيما مضى منعوتًا باللزوم والإبرام على وجه ينافي الخبرة والاختيار وكيف يتصور أن يكون كأن لم يكن قلب الحقيقة، فإذا جعلها بيعًا من البيوع فإنه يعتبر فيها ما يعتبر [في] (١) عقود المعاوضات من وجوه إلى الفصل منها بيع الطعام قبل قبضه وفسخ الدين في الدين معينًا بآخر قبضه إن كانت الإقالة بعد الغيبة عليه، فإن فات الثمن بيد البائع: فلا يخلو جنس الثمن من أن يكون عينًا، أو عرضًا. فإن كان غنيًا البتل جائزة، قولًا واحدًا في المذهب. وإن كان عرضًا: فلا يخلو فواته من أن يكون فوات عين الذات أو فواتًا

стр. 2479

يرجع إلى صفة. فإن كان فواتًا يرجع إلى عين الذات وذهابها بالكلية فهل تجوز الإقالة على المثل؟ فعلى وجهين: إما أن يكون ذلك العرض مما يرجع إلى القيمة، أو مما يرجع إلى المثل. فإن كان ذلك مما يرجع إلى القيمة: فلا أعلم فيه نص خلاف أن الإقالة لا تجوز في الطعام بعد القيمة -انتقد أو لم ينتقد. فإن كان مما يرجع إلى المثل؛ كالمكيل فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الإقالة على المثل لا تجوز، وإنما تجوز على عين رأس المال في غير العين وهو قول ابن القاسم في "المدونة": والثاني: أن الإقالة على المثل جائزة، وهو مذهب أشهب. وفرق ابن القاسم [...] بناء منه على أن العين غير مراد لنفسه بخلاف ما عداه من سائر العروض، وهذا إذا لم يبين له أنه قد فات وأنه إنما يقيله على مثله، وأما إذا بين له ورضي بذلك فلا إشكال في الجواز باتفاق من الجميع على هذا السلم؛ لأن ذلك بيع مبتدأ فيجوز بما تراضيا عليه أخيرًا وفي الطعام يكون بيعه قبل قبضه إذا فات رأس المال وهو عرض. فإن كان فواتًا يرجع إلى صفة الذات: فلا يخلو من أن يكون له تأثير في الذات، أو لا تأثير له. فإن كان لا تأثير لهذا الفوات في الذات كحوالة الأسواق بالزيادة أو بالنقصان: فإنه لا يفوت الإقالة. فإن كان فواتًا يؤثر في الذات بالزيادة، أو بالنقصان كصغير يكبر، أو

стр. 2480

الكبير يهرم، أو السمانة والهزالة في الدواب -بالاتفاق- وفي العبيد -على الخلاف- أو حالة الثمن أو المثمون في ذاته التي وجه يخالف الأول: فإن ذلك يفوت الإقالة. فإن وقعت الإقالة على غير رأس المال، إلا أنه أقل من عدده أو أكثر منه: فلا تجوز الإقالة في الأكثر بالاتفاق. وفي الأقل قولان: المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب؛ لبعد التهمة في دفع كثير في قليل، والباب باب الذريعة، وبعد التهمة يمنع تأثير الذريعة. واختلف هل تنعقد بلفظها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة". أحدهما: أن الإقالة لا تنعقد إلا بلفظها، وهو المشهور. والثاني: أنها تنعقد بغير لفظها، وهذا القول قائم من "المدونة" في "كتاب الصرف" و"كتاب السلم الأول" و"كتاب السلم الثاني"، وغيرها من كتب المدونة، وقد قال في "كتاب السلم الثالث" فيما إذا دفع الذي عليه الطعام للذي له الطعام رأس ماله، فقال له: اشتر به طعامك؛ حيث قال: إن كان مثل الثمن الذي دفع إليه في عدده ووزنه: فلا بأس بذلك، فإن كان كثيرًا: فلا يجوز، وذلك حرام. فجوَّزه إن كان مثل الثمن؛ لأنه بمعنى الإقالة. وقال أيضًا في الكتاب المذكور: وإذا أسلم إلى رجل في طعام إلى أجل ثم قال له بعد ذلك: وليتني الطعام الذي لك عليّ، فقال: ليس ذلك بتولية، وإنما هي إقالة، وإنما التولية لغير البائع. فجعل الإقالة في هذه المواضع تنعقد بغير لفظها، وإن كان أبو القاسم ابن محرز يعتذر عن هذا السؤال الآخر، قال: ليس هذا من باب الإقالة

стр. 2481

بغير لفظها، وإنما منعت الإقالة بلفظ البيع. وأما بلفظ التولية: فلا؛ لأنه لفظ رخصة، والإقالة رخصة؛ فيجوز أن يعبر بأحد اللفظين عن الآخر. والوجه الثاني: إذا أقاله من بعض ما عليه من بيع الطعام: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الغيبة على رأس المال، أو بعد الغيبة عليه. فإن كان ذلك قبل الغيبة عليه: فلا إشكال في الجواز؛ إذ لا علة تبقى. فإن كان ذلك بعد الغيبة عليه: فلا يخلو من أن يكون رأس المال مما يعرف بعد الغيبة: جاز أيضًا. وإن كان مما لا يعرف بعد الغيبة عليه: فلا تجوز الإقالة لأن ذلك بيع وسلف؛ ما استرجع فهو سلف، وما بقي فهو بيع، مع ما في ذلك من بيع الطعام قبل قبضه لاحتمال أن يكون الذي استرجعه هو مثل رأس المال، لا عينه. والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الثابت في الذمة عرضًا ثم أقال منه: فلا شك ولا إشكال أن الإقالة في العروض تقابل الإقالة في الطعام في بعض الوجوه، وتخالفها في بعض الوجوه؛ ويطابقها في محل التناجز، وفي وجوب تخليصها من بيع وسلف، دون ما عدا ذلك من اشتراط عين رأس المال أو ملازمته من التقابض والزوائد الكائنة إذا بين ذلك، وكذلك في نقصان العدد فلا يطابقها فيه. وأما زيادته: ففيه تفصيل؛ فإن رجع إليه رأس ماله ومعه زيادة: فلا بأس به -كانت الزيادة من صنف رأس المال أو من غير صنفه- إلا أن تكون نصف ما عليه: فلا يجوز تقديمها على الأجل؛ لأن ذلك بيع وسلف؛ والسلف ما عجله يستوفيه من نفسه إذا حلَّ الأجل، والبيع ما عوضه منه من المسلم فيه في مقابلة رأس ماله الذي

стр. 2482

هو مردود إليه. فإن أخر بعض رأس ماله عن بعض المسلم، وأبقى البقية في الذمة: فلا يخلو أن يكون ذلك عند الحلول، أو قبله. فإن كان ذلك عند الحلول: فلا إشكال في الجواز؛ لأنه يجوز له أن يشتريه منه بالأقل أو بالأكثر إذا كان ما بقي في الذمة على الحلول. فإن كان ذلك قبل الحلول: فلا يخلو من أن يأخذ معه بقية سلمه أو يبقيه في ذمته إلى أجله. فإن أخذ بعض رأس ماله في بعض المسلم فيه، وأخذ معه البقية من سلمه، أو آخره بالبقية إلى أبعد من أجله: فذلك حرام باتفاق المذهب؛ لأن ذلك بيع وسلف من المقدم أو المؤخر، وهي مسألة البرذون بعينها، والكلام عليها يأتي في "كتاب الآجال" إن شاء الله. فإن أخذ رأس ماله في بعض سلمه قبل الأجل على أن يبقى الباقي في ذمة الذي عليه: فلا إشكال في الجواز أيضًا؛ لأنه يجوز أن يشتريه منه قبل الأجل بما شاء من الأثمان مما يجوز أن يجعل رأس المال للسلم الذي في ذمته. وقولنا: أن يجعل رأس المال للسلم الذي في ذمته: مخافة أن يكون ما دفع آخرًا هو رأس المال، فيكون ذلك سلم الشيء في مثله إلى أجل، وذلك حرام. فافهم هذا الأسلوب فإنه يغنيك عن فهم أسئلة الإقالة إن شاء الله تعالى. والحمد لله وحده.

стр. 2483

المسألة الثالثة إذا اشترى سلعة فأشرك فيها أحدًا ولا يخلو ذلك المشتري من وجهين: إما أن يكون معينًا، أو مضمونًا. فإن كان معينًا: فلا يخلو من أن يشتريه نقدًا، أو إلى أجل. فإن اشتراه بالنقد ثم أشرك فيه غيره: فلا يخلو من أن يشركه بعد قبض الشيء المشترى، أو قبل قبضه. فإن أشركه بعد ما قبضه: فالشركة جائزة لازمة والحكم يوجب النقد على المشترك فيما يجب عليه من الثمن -كان المشترك فيه عرضًا أو طعامًا، اشتراه الذي أشركه فيه كيلًا أو جزافًا- إلا أن يكون المشتري إنما أشركه لينقد عنه جميع الثمن سلفًا لحقه من الثمن فلا يجوز؛ لأن ذلك بيع وسلف. واختلف في عهدة المشترك على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة". أحدها: أن عهدته على البائع الأول -كانت الشركة عند عقد البيع أو بعده- وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث"؛ حيث جعل الضمان منهما معًا إذا ضاع الطعام بعد الشركة وقبل كيل المشترك إياه. والثاني: أن عهدة المشترك على المشترك المشتري الذي يقرب البيع وبعدت عنه، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في الذي اشترى سلعة بثمن إلى أجل قبضهما فأشرك فيها رجلًا واشترط عليه النقد؛ حيث قال: لا بأس بذلك، ولو كانت عهدته على البائع الأول ما كان يلزمه النقد إلا إلى الأجل الذي اشترى إليه المشتري.

стр. 2484

والقول الثالث: التفصيل بين أن يشركه بحضرة البيع فتكون عهدته على الذي أشركه إلا أن يشترطها على البائع. وإن كان أشركه بعد تراخ عن العقد: فالعهدة على الذي أشركه دون البائع، وهو قول أصبغ في "العتبية". والقول الرابع: إن أشركه بحضرة البيع وقبل الافتراق فالعهدة على البائع بغير شرط، وهو قول ابن المواز. وسبب الخلاف: الشريك المشرك هل حكمه حكم الأصلي ويعد كأن العقد على ذمتها، أو حكمه حكم الدخيل بعد الانبرام؟ وأما إذا أشركه قبل القبض والشراء على النقد: فإن الشركة بينهما جائزة إذا أنقد المشرك مثل ما نقد الذي أشركه. فإن نقد خلاف ما نقد الذي أشركه قدرًا أو صفة أو جنسًا، أو نقد جميع الثمن عنه وعن الذي أشركه: فلا يجوز ذلك، وهو بيع الطعام قبل قبضه، مع ما فيه من بيع وسلف. وكذلك إن أشركه على ألا ينقد حصته إلا إلى أجل: فلا يجوز أيضًا؛ لأن ذلك بيع مستأنف، وهو بيعه قبل قبضه لخروج الرخصة عن وجهها. فأما إذا كان الشراء إلى أجل، وكان للمشتري عروضًا أو طعامًا، ثم أشرك فيها رجلًا قبل الأجل وقبل قبض الثمن: فلا يخلو من وجهين: إما أن يشرط عليه النقد في الحال، وإما أن لا ينقد حتى يحل الأجل. فإن كان على ألا ينقد المشترك في الحال لأن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك بيع وسلف وبيع الطعام قبل قبضه إن كان طعامًا واشترى على الكيل. فإن كان على ألا ينقد حتى يحل الأجل، هل تجوز الشركة أم لا؟

стр. 2485

فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة". أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة". والثاني: المنع، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد" وابن حبيب؛ لاختلاف الذمم في العدم، والملاعنة عند حلول الأمد. وسبب الخلاف: اختلافهم في عهدة الدخيل على من تكون؛ فعلى القول بأنه كالأصيل وأن عهدتهما جميعًا على البائع: فلا تجوز الشركة؛ لأن البائع لا يدري على أيّ الذمتين يرجع عند حلول الأجل، وقد يعسر المشرك فيأخذ الدخيل بجميع الثمن فيؤدي ذلك إلى البيع والسلف. وعلى القول بأن عهدة الدخيل على المشتري: فتجوز الشركة ولا عذر إذ ذاك ولا سلف. فإن هلكت السلعة المشترك فيها قبل أن يقبضها المشتري هل يكون الضمان منهما جميعًا أم لا؟ فلا تخلو تلك السلعة أن تكون مما يتعلق بها حق التوفية أم لا. فإن بقي فيها حق التوفية: فلا يخلو المشترك من ثلاثة أوجه: إما أن يعاين كيل المشتري ويحضره قبل الشركة أو لم يحضره إلا أنه صدقه على الكيل. أو لم يحضره، ولا صدقه. فإن حضر الكيل وعاينه، ثم شركه على ما عاين: فلا خلاف أن الضمان منهما. فإن صدقه في الكيل: فالضمان منهما إن ضاع، فإن لم يتلف إلا أنه وجد النقص أو الزيادة، فإن كان ذلك من متعارض الكيل: فالزيادة

стр. 2486

والنقصان لهما وعليهما. فإن زاد على المتعارف: كانت الزيادة للمشتري الأول، ويرد على المشترك من الثمن ما يقابل النقص إن كان المشتري فلا ينقد منه الثمن. فإن لم ينقده وضاع عنه ذلك القدر عند النقد، فإن لم يحضر الكيل ولا صدقه فيه حتى ضاع هل يكون الضمان منهما جميعًا، أو المشتري وحده. فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الضمان منهما جميعًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث" من مسألة السفينة، إن حملت على ظاهرها؛ لأنه قال فيمن اشترى طعامًا فاكتاله في سفينته، فقال له رجل: أشركني فيه، ففعل، ثم غرقت السفينة: إن هلاكها منهما جميعًا, ولم يفصل بين أن يصدقه أو لم يصدقه. والثاني: أن ضمانه من المشتري دون المشرك، وهو قول سحنون؛ لأنه أنكر جواب ابن القاسم في هذه المسألة، وبقول سحنون قال فضل بن سلمة وقاسها على التولية، وقال: إن الضمان في التولية من المولى حتى يكتاله المولى. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل، بل إن مذهب ابن القاسم أنه من المولى؛ لأن بنفس التولية صار في ضمانه كمشتري الصبرة جزافًا. والثالث: بالتفصيل بين أن يكون الهلاك ببينة فيكون الضمان منهما جميعًا، أو يكون بغير بينة فيكون من المشتري، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة" على ما حكاه القاضي أبو الفضل.

стр. 2487

والقول الرابع: بالتفصيل بين أن ينقد المشرك ما ينوبه من الثمن: فيكون الضمان منهما جميعًا، وتلف الطعام قبل أن ينقد: فيتخرج على الخلاف في المحبوسة في الثمن، وهذا القول أيضًا متأول على المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: إذا تلف الطعام فإن المشتري يرجع على صاحبه -يعني الشريك- بنصف الثمن الذي نقد في الطعام. فقال القاضي أو الفضل: وذلك دليل منه على أن الضمان من الشريك -نقد أو لم ينقد- وأنه يخالف المحبوسة في الثمن لما كانت الشركة معروفًا من المعارف، وإلى هذا ذهب بعضهم وقول القاضي ﵁ "وإلى هذا ذهب بعضهم" يرى أن من علمائنا من يذهب إلى غير ذلك، وليس إلا التفريق بين أن ينقد أو لم ينقد، وهو أليق بظاهر كلامه، وهو قول له وجه في النظر. وسبب الخلاف: اختلافهم في أجرة الكيل على من تكون؟ فمن رأى أنه داخل في ملك المشتري بنفس الشراء يقول: الأجرة على المشتري، والضمان منهما جميعًا. ومن رأي أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد الكيل يقول: الأجرة عليهما جميعًا، والضمان على المشتري وحده. وسبب الخلاف أيضًا: على الخلاف في عهدة المشرك على من تكون، هل على البائع أم على المشتري؟ وللخلاف في هذه المسألة مطلع آخر وهو: هل تغلب شائبة البيع، أو تغلب شائبة المعروف؟ والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المشتري مضمونًا إلى أجل؛ مثل أن يسلم في طعام أو عروض إلى أجل، ثم أشرك فيهما

стр. 2488

رجلًا قبل القبض وقبل الحلول، فإن كان على أن لا ينقد حتى يحل الأجل ويقبض السلعة: فلا تجوز الشركة باتفاق المذهب؛ لخروجها عن وجه الرخصة إلى بيع الدين بالدين إن كان المسلم فيه عروضًا، وإن كان طعامًا دخله بيع الطعام قبل قبضه. ورخص في الشركة، والتولية والإقالة، وقد حكم مالك ﵁ في المدونة في الإقالة بحكم البيع في ثلاث مسائل؛ حيث قال: إن الإقالة يحلها ما يحل البيع، ويحرمها ما يحرم البيع، ثم قال في "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا ثم أقال منه: إن للشفيع الشفعة وطلب الإقالة، وليس له أخذها بعهدة الإقالة. وقال ابن القاسم: والإقالة عند مالك بيع حادث في كل شيء، إلا في هذا، فجعلها في هذه المسألة نقض بيع. وقال في كتاب المرابحة فيمن ابتاع سلعة بعشرين دينارًا، ثم باعها بثلاثين دينارًا، ثم أقال منها: لم يبع مرابحة إلا على عشرين؛ لأن البيع لم يتم بينهما حين استقاله فجعلها في هذه المسألة نقض بيع أيضًا. فتبين لك أن الإقالة في هذه المسائل نقض بيع؛ لأنا لو جعلناها في الطعام بيعًا مبتدءًا لكان ذلك بيعه قبل قبضه. واستخرج الشيخ أبو عمران الفاسي من "المدونة" مسألتين من "كتاب السلم الثاني" مما جعل ابن القاسم فيهما الإقالة نقض بيع وأضافهما إلى الثلاثة المتقدمة؛ منها قوله: إذا أسلم ثوبًا في طعام فهلك الثوب عند البائع؛ حيث قال: لم تجز الإقالة؛ إذ لا تجوز الإقالة على قيمة ولا على ثوب مثله. ولو لم يهلك الثوب جازت الإقالة إذا قبض الثوب مكانه ولم يتأخر.

стр. 2489

فلو هلك الثوب بعد الإقالة لانفسخت الإقالة وبقي السلم بحاله، ولا يجوز أخذ ثوب مثله قبل أن يفترقا. والثانية: قوله: ولو قبضت الطعام بعد محله ثم أقلت منه فتلف عندك بعد الإقالة قبل أن يدفعه: فهو منك وتنفسخ الإقالة. فهاتان مسألتان. والثالثة: قوله: في أول "كتاب السلم الثالث" فيمن أسلم عينًا في طعام فأقاله وأخذ برأس ماله عرضًا بعد الإقالة؛ حيث قال: لم تجز لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه وذكر الإقالة لغو. وهذه المسألة قد استخرجها بعض المتأخرين أيضًا، فيتحصل من "المدونة" على هذا التخريج ست مسائل فافهم ترشد. والحمد لله وحده.

стр. 2490

المسألة الرابعة في بيع المشتريات قبل قبضها اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز بيع المشتريات قبل قبضها على ثمانية أقوال: أحدها: أنه لا يجوز في كل شيء، وهو مذهب الشافعي، وبه قال الثوري. والثاني: أنه لا يجوز في شىء إلا ما لا ينقل ولا يزول كالرياع والعقار، وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون دون ما عداهما، وهو مذهب إسحاق بن راهويه وأبي عبيد. والرابع: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون والمعدود وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزادوا مع الكيل والوزن المعدود، وهو اختيار ابن حبيب -من أصحابنا. والخامس: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون من الطعام خاصة، وهو مذهب أحمد، وأبي ثور. والسادس: أن ذلك لا يجوز في الطعام على الإطلاق، وهو أحد أقاويل المذهب عندنا، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والسابع: أن ذلك يجوز في كل شيء، وهو مذهب عثمان البنا. والثامن: أنه لا يجوز في الطعام الربوي خاصة، وهو مذهب مالك ﵁ وعن جميع العلماء.
следующие страницы →