← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

والنقصان لهما وعليهما. فإن زاد على المتعارف: كانت الزيادة للمشتري الأول، ويرد على المشترك من الثمن ما يقابل النقص إن كان المشتري فلا ينقد منه الثمن. فإن لم ينقده وضاع عنه ذلك القدر عند النقد، فإن لم يحضر الكيل ولا صدقه فيه حتى ضاع هل يكون الضمان منهما جميعًا، أو المشتري وحده. فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الضمان منهما جميعًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث" من مسألة السفينة، إن حملت على ظاهرها؛ لأنه قال فيمن اشترى طعامًا فاكتاله في سفينته، فقال له رجل: أشركني فيه، ففعل، ثم غرقت السفينة: إن هلاكها منهما جميعًا, ولم يفصل بين أن يصدقه أو لم يصدقه. والثاني: أن ضمانه من المشتري دون المشرك، وهو قول سحنون؛ لأنه أنكر جواب ابن القاسم في هذه المسألة، وبقول سحنون قال فضل بن سلمة وقاسها على التولية، وقال: إن الضمان في التولية من المولى حتى يكتاله المولى. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل، بل إن مذهب ابن القاسم أنه من المولى؛ لأن بنفس التولية صار في ضمانه كمشتري الصبرة جزافًا. والثالث: بالتفصيل بين أن يكون الهلاك ببينة فيكون الضمان منهما جميعًا، أو يكون بغير بينة فيكون من المشتري، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة" على ما حكاه القاضي أبو الفضل.

стр. 2487

والقول الرابع: بالتفصيل بين أن ينقد المشرك ما ينوبه من الثمن: فيكون الضمان منهما جميعًا، وتلف الطعام قبل أن ينقد: فيتخرج على الخلاف في المحبوسة في الثمن، وهذا القول أيضًا متأول على المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: إذا تلف الطعام فإن المشتري يرجع على صاحبه -يعني الشريك- بنصف الثمن الذي نقد في الطعام. فقال القاضي أو الفضل: وذلك دليل منه على أن الضمان من الشريك -نقد أو لم ينقد- وأنه يخالف المحبوسة في الثمن لما كانت الشركة معروفًا من المعارف، وإلى هذا ذهب بعضهم وقول القاضي ﵁ "وإلى هذا ذهب بعضهم" يرى أن من علمائنا من يذهب إلى غير ذلك، وليس إلا التفريق بين أن ينقد أو لم ينقد، وهو أليق بظاهر كلامه، وهو قول له وجه في النظر. وسبب الخلاف: اختلافهم في أجرة الكيل على من تكون؟ فمن رأى أنه داخل في ملك المشتري بنفس الشراء يقول: الأجرة على المشتري، والضمان منهما جميعًا. ومن رأي أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد الكيل يقول: الأجرة عليهما جميعًا، والضمان على المشتري وحده. وسبب الخلاف أيضًا: على الخلاف في عهدة المشرك على من تكون، هل على البائع أم على المشتري؟ وللخلاف في هذه المسألة مطلع آخر وهو: هل تغلب شائبة البيع، أو تغلب شائبة المعروف؟ والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المشتري مضمونًا إلى أجل؛ مثل أن يسلم في طعام أو عروض إلى أجل، ثم أشرك فيهما

стр. 2488

رجلًا قبل القبض وقبل الحلول، فإن كان على أن لا ينقد حتى يحل الأجل ويقبض السلعة: فلا تجوز الشركة باتفاق المذهب؛ لخروجها عن وجه الرخصة إلى بيع الدين بالدين إن كان المسلم فيه عروضًا، وإن كان طعامًا دخله بيع الطعام قبل قبضه. ورخص في الشركة، والتولية والإقالة، وقد حكم مالك ﵁ في المدونة في الإقالة بحكم البيع في ثلاث مسائل؛ حيث قال: إن الإقالة يحلها ما يحل البيع، ويحرمها ما يحرم البيع، ثم قال في "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا ثم أقال منه: إن للشفيع الشفعة وطلب الإقالة، وليس له أخذها بعهدة الإقالة. وقال ابن القاسم: والإقالة عند مالك بيع حادث في كل شيء، إلا في هذا، فجعلها في هذه المسألة نقض بيع. وقال في كتاب المرابحة فيمن ابتاع سلعة بعشرين دينارًا، ثم باعها بثلاثين دينارًا، ثم أقال منها: لم يبع مرابحة إلا على عشرين؛ لأن البيع لم يتم بينهما حين استقاله فجعلها في هذه المسألة نقض بيع أيضًا. فتبين لك أن الإقالة في هذه المسائل نقض بيع؛ لأنا لو جعلناها في الطعام بيعًا مبتدءًا لكان ذلك بيعه قبل قبضه. واستخرج الشيخ أبو عمران الفاسي من "المدونة" مسألتين من "كتاب السلم الثاني" مما جعل ابن القاسم فيهما الإقالة نقض بيع وأضافهما إلى الثلاثة المتقدمة؛ منها قوله: إذا أسلم ثوبًا في طعام فهلك الثوب عند البائع؛ حيث قال: لم تجز الإقالة؛ إذ لا تجوز الإقالة على قيمة ولا على ثوب مثله. ولو لم يهلك الثوب جازت الإقالة إذا قبض الثوب مكانه ولم يتأخر.

стр. 2489

فلو هلك الثوب بعد الإقالة لانفسخت الإقالة وبقي السلم بحاله، ولا يجوز أخذ ثوب مثله قبل أن يفترقا. والثانية: قوله: ولو قبضت الطعام بعد محله ثم أقلت منه فتلف عندك بعد الإقالة قبل أن يدفعه: فهو منك وتنفسخ الإقالة. فهاتان مسألتان. والثالثة: قوله: في أول "كتاب السلم الثالث" فيمن أسلم عينًا في طعام فأقاله وأخذ برأس ماله عرضًا بعد الإقالة؛ حيث قال: لم تجز لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه وذكر الإقالة لغو. وهذه المسألة قد استخرجها بعض المتأخرين أيضًا، فيتحصل من "المدونة" على هذا التخريج ست مسائل فافهم ترشد. والحمد لله وحده.

стр. 2490

المسألة الرابعة في بيع المشتريات قبل قبضها اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز بيع المشتريات قبل قبضها على ثمانية أقوال: أحدها: أنه لا يجوز في كل شيء، وهو مذهب الشافعي، وبه قال الثوري. والثاني: أنه لا يجوز في شىء إلا ما لا ينقل ولا يزول كالرياع والعقار، وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون دون ما عداهما، وهو مذهب إسحاق بن راهويه وأبي عبيد. والرابع: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون والمعدود وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزادوا مع الكيل والوزن المعدود، وهو اختيار ابن حبيب -من أصحابنا. والخامس: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون من الطعام خاصة، وهو مذهب أحمد، وأبي ثور. والسادس: أن ذلك لا يجوز في الطعام على الإطلاق، وهو أحد أقاويل المذهب عندنا، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والسابع: أن ذلك يجوز في كل شيء، وهو مذهب عثمان البنا. والثامن: أنه لا يجوز في الطعام الربوي خاصة، وهو مذهب مالك ﵁ وعن جميع العلماء.

стр. 2491

وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار؛ فمنها ما خرجه مالك في موطئه أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" (١). ومنها ما خرجه مالك عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام فيبعث إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي اتبعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" (٢). هكذا رواه مالك وجماعة، وزاد في صحيح البخاري (٣): "كذا نبتاع الطعام جزافا". وبهذه الأحاديث يستدل من قال: لا يجوز في الطعام عمومًا لا خصوصًا، وبه يستدل أيضًا أن ذلك لا يجوز لا في المكيل ولا في الموزون. ومنها ما خرجه الدارقطني من طريق عتاب بن أسيد أن النبي ﷺ حين ولاه مكة نهاه عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن (٤). ومن طريق آخر: أنه ﷺ نهاه عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن. ومن طريق آخر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام ما لم يقبض وربح ما لم يضمن. ومن طريق آخر: أنه ﷺ قال: "لا يحل بيع وسلف، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (٥).

стр. 2492

ومن طريق ابن عباس ﵁: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (١) قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله. ومن ذلك حديث حكيم بن حزام: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي وما يحرم؟ فقال: "يا ابن أخي إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه" (٢). وبهذه الأحاديث استدل الشافعي أن ذلك لا يجوز في كل بيع -مكيلًا كان أو جزافًا- وأما تخصيص أبي حنيفة ما لا ينقل ولا يزول؛ إذا لا يتمكن فيه القبض إذا لا يحول ولا يزول؛ ولذلك لا يضمن في الغضب. وأما عمدة مالك ﵁ فدليل الخطاب من قوله ﷺ : "من ابتاع طعامًا"، فمفهومه: أن ما عدا الطعام لا يشترط فيه القبض. وأما تخصيص المال الربوي من الطعام دون ما عداه من الأطعمة والأشربة فهو تخصيص بعرف اللغة؛ لأن الطعام عندهم عبارة عن الحنطة، فيقاس عليه ما عداه من سائر الأطعمة الربوية. وأما عمدة من اعتبر الكيل والوزن دون ما عداه من سائر المبيعات فمعتبر من سياق الظاهر في قوله: "حتى يكتاله"، فنبه على الكيل، فيغلب على الظن أنه مناط الحكم. وهذا الكلام على الجملة، وأما التفصيل فنقول: العقود تنقسم إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة؛ كالهبات والصدقات.

стр. 2493

والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: [ما] (١) يختص بقصد المغابنة والمكايسة. والثاني: ما يكون على جهة الرفق. والثالث: ما يصح أن يقع على الوجهتين جميعًا. فأما القسم الأول: فهو ما يقصد به المغابنة والمكايسة؛ كالبيوع، والإجارة، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي: فلا يخلو من أن يكون طعامًا، أو غيره. فإن كان غير الطعام من سائر العروض: فلا خلاف في المذهب في جواز بيعه قبل قبضه. فإن كان طعامًا: فلا يخلو من أن يكون اشتراه كيلًا، أو جزافًا. فإن اشتراه على الكيل: فلا يخلو من أن يكون طعامًا ربويًا، أو غير ربوي. فإن كان طعامًا ربويًا: فقد ادعى أهل المذهب في ذلك الإجماع أن ذلك لا يجوز بيعه قبل قبضه، ويستقرأ من المدونة جواز بيعه قبل قبضه من موضعين: أحدهما: ما وقع في "كتاب النكاح الثاني" في الرجل إذا كان له عند زوجته دين فطلبته بما يجب عليه من النفقة وتوابعها، فأراد أن يقاصصها بقيمة ذلك بما له عليها من دين؛ حيث قال: إن كانت موسرة فلا بأس بذلك، ومعلوم أن من جملة ما يجب لها على زوجها في مؤونتها طعامًا وزيتًا، وقيمة توابع ذلك، فجواز مقاصصتها إياه بقيمة ذلك يؤدي إلى بيع

стр. 2494

الطعام قبل قبضه، ولا مراء في ذلك. والثاني: ما وقع له في "كتاب المرابحة" إذا نقد خلاف ما عليه عقد فباع على ما نقد؛ حيث قال: إن ذلك جائز إذا بين، فأكثر أصحاب مالك يقولون: إن ذلك جائز وإن لم يتبين، وعليه حمل فضل بن سلمة مذهبه في "المدونة"، ولم يفصل بين أن يكون عقد على طعام أو غيره، بل ساوي بين الجميع. وهو إذا عقد على طعام مكيل ثم نقد غيره: فقد باعه قبل قبضه -أعني البائع الأول الذي وجب له الطعام بالعقد عليه- ولهذا قال محمَّد بن مسلمة -من أصحاب مالك- لا يجوز له أن ينقد عن الطعام غيره؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه. ويمكن أن ينبني الخلاف على الخلاف في نهيه ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه هل هي شريعة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؛ فذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب، وأبو الفرج، وغيرهما من البغداديين إلى أن النهي معلل بالعينة، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ لأنه بوب على العينة ثم أدرج هذا الخبر في سياق مقتضى الترجمة، وهو صعود إلى طريق [ال] الشاذة المخالفة لفقهاء الأمصار، والصحيح أنها شريعة غير معقولة المعنى ولا مفهومة المغزى، بل هو شرع محض وتعبد صرف، ولو كانت العلة العينة لجاز من بائعه بأقل من الثمن، ومن غير بائعه بكل الأثمان، وهذا فيما كان العلة فيه العينة، وتساوى فيه بين الطعام والعروض. وإن كان المشتري طعامًا غير ربوي ما يجوز التفاضل في جنسه فعلى قولين:

стр. 2495

أحدهما: أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه كالربوي على سواء؛ لعموم الخبر: "من ابتاع طعامًا" (١)، ولم يفرق، وهذا هو المشهور المعروف من قول مالك. والثاني: أن ما لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه، وهي رواية ابن وهب عن مالك ﵄. واختلف فيما ليس بمقتات إلا أنه مصلح للقوت؛ كالتوابل والكسبرى والفلفل والقرنباد والشونيز والقرفة، وسائر الأبزار هل يجوز بيعها قبل قبضها أم لا؟ على قولين: أحدهما: المنع، وهو قوله في المدونة. والثاني: الجواز، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر". وأما الماء فقد اختلف المذهب في جريان الربا فيه وفي بيعه قبل قبضه على قولين: أحدهما: أن التفاضل فيه جائز، وأنه يجوز واحد منهم باثنين إلى أجل وبيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور في المذهب، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث" من "المدونة". والثاني: أنه لا يجوز فيما يتجانس منه ويستوي في العذوبة والملوحة، ولا يجوز فيه واحد باثنين، لا نقدًا ولا إلى أجل، ولا يجوز بيعه قبل قبضه، وهو قول ابن نافع. ووجه القول المشهور: أن الماء مما يقع التسامح فيه، ويعدم فيه التشاحح، وأن الناس يتسامحون به دون طلب البدل في أغلب الأحوال؛

стр. 2496

لأنه أذل موجود وأعز مفقود، والربا شرع لحراسة الأموال التي يستضر وتكثر فيها الرغبة، ويقع التنافس في مستقر العادة عليها دون ما عداها. ووجه القول الثاني: أن الحاجة إلى الماء آكد، والضرورة إليه أشد؛ إذ لا عوض له عند الحاجة إليه؛ إذ الطعام له عوض يجتزئ به الجائع، ويسد به رمقه، ويكسر به كلب الجوع عن نفسه؛ كسيرة أهل البوادي والأرياف في اقتياتهم بالغاسول وزريعة السلق وغير ذلك مما جرت عادتهم باستعماله في زمان الشدائد -نسأل الله السلامة والعافية- والماء لا عوض له في الشرب عند شدة العطش من جميع الأشربة، مع شدة ضرر العطش على ضرر الجوع لقلة الصبر عنه، فما كان هذا سبيله وجب أن يكون بالمنع أولى. وأما إذا اشتراه على الجزاف، هل يجوز أن يبيعه قبل قبضه أم لا؟ المذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: الجواز جملة بلا تفصيل، وهو ظاهر "المدونة" وهو مشهور المذهب. والثاني: المنع جملة بلا تفصيل حتى ينتقل من مكانه، وهو قول مالك في "العتبية"؛ لعموم الخبر. والثالث: بالتفصيل بين الجزاف الذي هو في ضمان البائع، وبين الجزاف الذي هو في ضمان المشتري بالعقد. والذي في ضمان البائع: فلا يجوز له بيعه قبل قبضه؛ مثل أن يشتري لبن غنم بأعيانها بغير كيل شهرًا، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد"، وأجاز ذلك أشهب. وإن كان في ضمان المشتري بالعقد: فإنه يجوز بيعه قبل قبضه.

стр. 2497

والرابع: بالتفصيل بين أن يبيعه بالدين فيمنع، أو يبيعه بالنقد فيجوز، وهو قول مالك في تفسير ابن مزين. ويتخرج في المسألة قول خامس: بالتفصيل أيضًا بين أن يبيعه من الذي عليه فيجوز ويكون إقالة، وبين أن يبيعه من غيره فيمنع. وسبب الخلاف: اختلاف في زيادة العدل الثقة المشهور بالحفظ والإتقان في الخبر، هل تقبل أو لا تقبل؟ وذلك أن عبد الله بن عمر ﵁ قد زاد لفظ: "الجزاف" في الحديث. وأما اعتبار ما في ضمان البائع مع اعتبار البيع بالدين: فينبني الخلاف على الخلاف في بيع الدين بالدين هل هو في المعين والمضمون، أو لا يكون إلا في المضمونين جميعًا؟ والقولان قائمان من المدونة، وسنوضحهما في مكانهما إن شاء الله تعالى. وأما الطعام المضمون بالتعدي: فله بيعه قبل قبضه باتفاق الذهب. وأما القسم الثاني: وهو ما كان على جهة الرفق؛ كالقرض: فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقرضه من طعام في ملكه وتحت يده. والثاني: أن يقرضه من طعام له في ذمة غيره لمعاوضة؛ كالسلم والإجارة وغيرهما مما لا يجوز بيعه قبل قبضه. فأما الوجه الأول: إذا أقرضه من طعام في ملكه وتحت يده: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز بيعه قبل قبضه للمقرض والمستقرض. وأما الوجه الثاني: إذا أقرضه طعامًا له من سلم في ذمة غيره وأحاله عليه: فلا يجوز للمقرض أن يبيعه قبل قبضه؛ لأن يده كيد رب السلم.

стр. 2498

فإذا قبضه ودار في ملكه: فلا خلاف إن لم يبعه بعد ذلك. واختلف في المقرض هل يجوز له بيعه بقبض المستقرض قبل أن يقبضه؟ وهو على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "المدونة". والثاني: الجواز جملة، وهو اختيار اللخمي؛ لأن الحديث لم يتناوله لأنه قد قبض بكيل البيع أولًا، قال: وما وقع في "المدونة" فحماية أن يكون باعه قبل قبضه من المسلم إليه وأظهر أنه إنما أقرضه. والقول الثالث: التفصيل بين القليل والكثير؛ فإن كان يسيرًا: جاز بيعه من المقرض قبل قبضه. وإن كان كثيرًا منع. وهذا أحد قولي مالك في "كتاب محمَّد". وسبب الخلاف: حماية الحماية هل تحمي أو لا تحمي؛ وذلك أن بيعه قبل قبضه إنما منع من سلف بزيادة الذي قدمناه من تعليل النهي، وكونه مقبوضًا وصار في ضمان المقرض يجب أن يجوز للذي له السلم بيعه بقبض المقرض، كما قاله اللخمي والحماية قد حميت ولم يبق إلا حماية الحماية. وأما القسم الثالث: فيما يصح أن يقع على الوجهتين جميعًا -أعني على قصد المعاينة وعلى قصد الرفق- كالشركة والإقالة والتولية؛ فإن وقعت بزيادة أو نقصان فهي كالمعاوضة التي يقصد بها المكايسة: فيمنع اتفاقًا. فإن وقعت بغير زيادة ولا نقصان: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده. وخرجه الشافعي وأبو حنيفة ﵄ بين الشركة والإقالة

стр. 2499

والتولية؛ فجوزا الإقالة قبل القبض؛ لأنها عندهما فسخ بيع، لا بيع، ومنع الشركة والتولية قبل القبض لأنهما بيعه قبل قبضه. واستثنى مالك التولية والإقالة والشركة من بيع الطعام قبل قبضه؛ للأثر والنظر. فأما الأثر: فمرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة" (١). وأما المعنى: فإن هذه الأشياء إنما يراد بها الرفق للمغابنة إذا لم يدخلها لا زيادة ولا نقصان. فرع: وقد اختلف المذهب فيمن باع ثمر حائطه، واستثنى منه كيلًا هل يجوز له بيعه ذلك قبل قبضه أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة" وكلاهما لابن القاسم: أحدهما: الجواز. والآخر: المنع. وسبب الخلاف: اختلافهم في المستثني هل هو مشتري أو مبقي؛ فمن رأي أنه مشتري قال: لا يجوز البيع حتى يقضي. ومن رأي أنه مبقي قال: يجوز البيع؛ لأن ذلك العذر باق في ملكه. فإذا ثبت أن بيع الطعام قبل القبض لا يجوز، فإن نزل ووقع فلا يخلو المبتاع من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا. فإن كان حاضرًا: فإن الطعام يؤخذ منه، ويفسخ البيع. فإن غاب المشتري ولم يقدر عليه ليرد الطعام فإنه يؤخذ من البائع فيبتاع

стр. 2500

به طعامًا مثله ويقبضه، فإن نقص عن مقدار طعامه فله اتباع الغائب بما نقص، فإن فضل شيء من الثمن أوقف للغائب يأخذه إذا جاء، وإن كان كفافًا برئ بعضهما من بعض. والحمد لله وحده.

стр. 2501

المسألة الخامسة في العينة وقد فسرها في "المدونة" وهو أن يبيع الرجل السلعة إلى أجل، ثم يبيعها هذا المشتري الآخر من البائع الأول نقدًا بأقل مما اشتراها به. وسميت عينه لدخول العين فيها بنقد المشتري الأول، ثم باعها بالتأخير. والعينة على أربعة أسئلة: أحدها: حرام. والثاني: مكروه. والثالث: جائز. والرابع: مختلف فيه. فأما السؤال الأول: الذي هو ربا حرام المحرم بالاتفاق، وهو أن يراوض الرجل على ثمن السلعة التي يساومه فيها ليبيعها منه ثم على ثمنه الذي يشتريها منه بعد ذلك نقدًا، أو يراوضه على ربع السلعة التي يشتريها له من غيره، فيقول له: اشترها منه على أن أربحك فيها كذا، أو للعشرة كذا، قال ابن حبيب: فهذا حرام. قال: وكذلك لو قال له: اشترها وأنا أربحك، وإن لم يسم ثمنها، قال: وذلك كله ربا، ويفسخ، وليس فيه إلا رأس المال. وأما السؤال الثاني: وهو المكروه؛ مثل أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا، وأنا أربحك فيها، من غير مراوضة ولا تسمية ربح، أو لا يصرح

стр. 2502

بذلك ولكن يعرض به. قال ابن حبيب: فهذا يكره. قال ابن نافع عن مالك: ولا أبلغ به الفسخ. وقال فضل بن سلمة وهذا على قول ابن القاسم: والذى يجب أن يفسخ شراء الأمر. وكذلك كرهوا أن يقول له: لا يحل لي أن أعطيك ثمانين في مائة. وأما السؤال الثالث: وهو الجائز؛ مثل ألا يتواعد معه على شيء، لا يفاوض مع المشتري فيه، كالرجل يقول للرجل: أعندك سلعة كذا؟ فيقول: لا، فينقلب منه على غير مواعدة فيشتريها التاجر، ثم يبقي صاحبه تلك السلعة: فهذا جائز له أن يبيعها منه بما شاء وبه قال مطرف. قال ابن حبيب: ما لم يكن عن مواعدة أو تعريض أو عادة، قال: وكذلك ما اشتراه الرجل لنفسه لمن شاركه منه بنقد أو كال من غير أن يواعد في ذلك أحدًا يشتريه عنه ولا يبيعه. وكذلك الرجل يشتري السلعة لنفسه وحاجته، ثم يبدو له فيبيعها أو يبيع دار سكناه ثم يشق عليه النقلة منها فيشتريها، أو كانت جارية فيبيعها: فهؤلاء ما استقالوا منه أو زادوا فيه فلا بأس به، وقال مطرف عن مالك. وأما السؤال الرابع: المختلف فيه؛ وهو ما اشتراه المبتاع بثمن بعضه معجل وبعضه مؤجل: فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر المذهب. والثاني: التفصيل بين أهل العينة وغيرهم؛ فيجوز لغير أهل العينة، ويكره لأهل العينة، وهذا قول مالك في "العتبية". وقال ابن حبيب: مثل أن يشتري طعامًا أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه ويؤجر بعضه إلى أجل، فكأنه باعه بعشرة نقدًا وعشرة إلى أجل، فقال:

стр. 2503

خذ وبع منه بما تريد أن تنقده، وما بقي فهو لك ببقية الثمن إلى أجل فلا يعمل ذلك إلا أهل العينة، قال: وهذا قول مالك، وقد روجع به غير مرة، وقال: أنا قلته، وقاله ربيعة قبلي. والحمد لله وحده.

стр. 2504

المسألة السادسة فيمن ابتاع طعامًا فهلك قبل أن يقبضه، ومن اشترى صبرة طعام فهلكت قبل أن يقبضها فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يشتريها على الكيل. والثاني: أن يشتريها على الجزاف. فإن اشتراها على الكيل: فلا يخلو هلاكها من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون من سبب البائع. والثاني: أن يكون من سبب الأجنبي. والثالث: أن يكون من سبب سماوي. والرابع: أن يكون من سبب المشتري. والخامس: أن يجهل السبب. فالجواب عن السؤال الأول: إذا هلكت بسبب البائع؛ مثل أن يبيعه، أو وهبه، أو كان قد أكله، أو استهلكها بوجه ما: فإنه يلزم البائع أن يأتي بمثل ذلك الطعام ليستوفي منه المشتري حقه إن علم كيله فإن جهل: فإنه يتحرى قدر ذلك فيعرفه، ولا يكون المشتري عليه بالخيار بين أن يلزمه مثل الطعام أو يأخذ ثمنه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك لا يجوز له الرضا لجواز بيعه إن كان باعه أو يأخذ الثمن لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه لأنه بمنزلة من استهلك طعامًا فإنما عليه مثله. والاعتراض وارد على هذه المسألة من جهة أن الاعتراض يتعلق بعين الطعام لخصائص صفاته كما تقدم في غير

стр. 2505

ما موضع. فإذا ألزمنا المشتري البيع، ولزمنا البائع الإتيان بمثله ويتناقدان غير ما عليه تعاقدا: فلا خيرة للمشتري، كان ذلك مناقضًا لأهل المذهب، والأصول موضوعة عندنا على أن البيع مهما وقع علي غير معين، ثم تعذر استيفاؤه: فإن البيع بينهما منسوخ، إلا أن يتراضيا على أمر يجوز. وهذا الاعتراض لازم، وما رأيت لأهل المذهب انفصالًا إلا مراعاة التهمة، فإنهم قالوا: إن البائع يتهم في فسخ البيع عن نفسه، فلذلك أتلف الطعام قبل أن يستوفيه المشتري، فعوقب بنقيض مقصوده، وكلف أن يأتي بطعام مثله لئلا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهذا غاية ما ينفصل به، وذلك كما ترى. والجواب عن الثاني: إذا هلكت بسبب الأجنبي فلا يخلو من وجهين: إما أن يعرف مكيلها، أو جهلت. فإن جهلت المكيلة: فإنه يجب على المتعدي القيمة يغرمها. وهل يفسخ البيع، أو يشتري بالقيمة طعامًا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن البيع جائز، ويشتري بالقيمة للمشتري طعامًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن البيع مفسوخ بينهما ويغرم المتعدي القيمة للبائع، وليس للمشتري إلا ثمنه، وهو قول أشهب. فإن عدمت القيمة ببينة، أو بإقرار المتعدي. لأن إقراره بالعدد مقبول على ما نص عليه في الصبرة في "كتاب

стр. 2506

الغضب" -فالمذهب على [ثلاثة أقوال] (١): أحدها: أن البيع مفسوخ بينهما، وتكون القيمة للبائع ويغرم الثمن للمشتري. والثالث: أن الخيار للمشتري بين ثلاثة أشياء؛ إن شاء أخذ الملكية التي أقر بها المتعدي، وإن شاء [أخذ] (٢) القبمة فيشتري لها بها طعامًا، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه. والقولان لأشهب في "الموَّازية". وسبب الخلاف: اختلافهم في العروض هل هي مرادة لأعيانها، أو مرادة لأغراضها، وقول ابن القاسم أنها تراد لأغراضها، وهذا أحد أقاويل المذهب، إلا أنه قول شاذ. وقول أشهب على أصل المذهب: أنها مرادة لأعيانها. وعقد المذهب أن جميع العروض والحيوان الناطق، والصامت، والطعام -وإن كان اسم العروض يشمل الجميع على اصطلاح الفقهاء- مرادة لأعيانها، إلا خلاف شاذ، وأن الدنانير والدراهم مرادة لأغراضها إلا خلاف شاذ. فعلى القول بأن البيع صحيح لازم للمشتري، وأن القيمة تؤخذ: فلا يخلو المتعدي من أن يكون موسرًا، أو معسرًا. فإن كان معسرًا ولم يوجد أصلًا: فلا يلزم المشتري الصبر إلى موجوده أو يسره، قولًا واحدًا؛ لما يلحقه من الضرر والتربص، والخيار له في ذلك. فإن كان موسرًا وعرفت الملكية: فإن المتعدي يغرمها ويكتال المشتري،

стр. 2507

فإن جهلت المكيلة: فإنه يغرم قيمتها على التحري. واختلفت فيمن تولى الشراء بها على قولين قائمين من "المدونة"، على اختلاف الروايات في الضبط: أحدهما: أن كلفة الشراء على المتعدي، وينقل ذلك الطعام إلى موضع تعدي عليه، ثم يكيله البائع للمشتري، وهو اختيار بعض المتأخرين. والظالم أحق أن يحمل عليه، وهو قوله في "الكتاب"؛ حيث قال في أول المسألة: يشتري بالقيمة طعامًا للبائع. وكذلك جاء في اللفظ الآخر عند تكرار المسألة حيث قال: فلما لم يعرف كيلها، وأخذ مكان الطعام القيمة اشترى له طعامًا بتلك القيمة. والثاني: أن كلفة الشراء على البائع، ولا يلزم المتعدي أكثر من غرم القيمة، وهو اختيار ابن أبي زمنين؛ لأنه قال: لم يبين لنا في المسألة من الذي يتولى شراء الطعام. ولفظ الكتاب يدل على أنه هو البائع، وأراده أشار إلى قوله في بعض النسخ: وأري أن يشتري بالقيمة طعام على ما لم يسم فاعله، وعلى هذا اللفظ احتقرها أبو محمَّد. وعلى القول بأنه يشتري بالقيمة طعام، وكان البائع المتعدي هو المتولي للشراء: فلا يخلو من أن يشتري بجميع القيمة مثل الطعام أو أقل، أو يشتري ببعض القيمة جميع الطعام. فإن اشترى بجميع القيمة مثل الطعام، أو أنقص بيسير مما لو استحق لم يلزم المشتري فيه رد البقية: لزمه ذلك، ويرجع على البائع بما ينوب النقص من الثمن. وإن كان النقص كثيرًا؛ مثل ما لو استحق من الجملة لكان للمشتري أن

стр. 2508

يرد الباقي كالثلث أو النصف: كان له أن يرد الطعام إن شاء، ويرجع على البائع بالثمن لانتقاص أكثر صفقته. فإن اشترى ببعض القيمة جميع الطعام، أو فضلت منها: كانت تلك الفضلة للبائع؛ لأن المشتري ليست له إلا الملكية التي اشتراها. والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان التلف بسبب سماوي: فإن البيع بينهما مفسوخ إذا ثبت ذلك، قال في "الكتاب": ولا يجوز للمشتري أن يكلف البائع الإتيان بمثل ذلك الطعام ولا يلزم المشتري؛ فقوله: إن أتاه البائع إلا أن يشاء، ويكون ذلك بيعًا مبتدءًا يفتقر إلى تراض منهما وتشاور، ولا خلاف في ذلك -أعلمه- في المذهب. والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان التلف من المشتري: كان ذلك قبضًا، وعليه أن يغرم قيمتها إن عرفت المكيلة، وإن لم تعرف المكيلة: بالقدر الذي يقال إنه كان فيها، فإن قيل: ففي غرم قيمتها. والجواب عن الوجه الخامس: إذا جهل: فلا يخلو من أن يعلم الهلال ويجهل السبب، أو يجهلا جميعًا. فإن علم الهلاك وجهل السبب: فالبيع بينهما مفسوخ، وينبغي ألا يخالف في هذا الوجه. فإن جهل الهلاك والسبب معًا, ولم يعلم ذلك إلا من قول البائع، فهل يصدق أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يصدق وعليه أن يوفي الكيل الذي باع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية". والثاني: أن القول قوله، ويحلف أنه هلك ولم يكتمه، ويفسخ البيع،

стр. 2509

وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الأول" من "المدونة" إذا اختلفا قبل القبض؛ حيث قال: القول قول البائع ويحلف. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا اشتراها على الجزاف: فإن الضمان فيها من المشتري بالعقد، ومن تعدى عليها فعليه قيمتها -كن بائعًا أو أجنبيًا. والحمد لله وحده.

стр. 2510

المسألة السابعة إذا تبايعا على أن يتقابضا الثمن أو المثمون ببلد آخر فأما التناقد في الثمن؛ مثل أن يبيع له سلعة بثمن إلى أجل على أن يوفيه الثمن بلد آخر: فلا يخلو الثمن من أن يكون عينًا، أو عرضًا. فإن كان الثمن عينًا: فله إذا حلَّ الأجل أن يأخذه بالثمن حيث ما لقيه من البلاد؛ إذ لا فائدة لاختلاف البلدان. فإن طلب المشتري بدفع الثمن: جبر على الدفع، قولًا واحدًا إذا كان الثمن في الذمة. فإن كان معينًا في بلد: فيتخرج على قولين في النقود هل تتعين عند العقود أم لا. فإن طلب البائع بالقبض هل يجبر عليه أم لا؟ فلا يخلو الطريق من أن يكون آمنًا، أو مخوفًا. فإن كان الطريق آمنًا: فإنه يجبر على القبض إذا حلَّ الأجل في أي بلد كان؛ إذ لا فائدة لتعيينه البلد للقبض. فإن كان الطريق مخوفًا: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يجبر على القبض كما لو كان الطريق آمنًا، وهو ظاهر "المدونة" في الذي أسلف دنانير على أن يقبضها ببلد آخر. والثاني: أنه لا يجبر على القبض وله شرطه؛ لأنه اشترط شرطًا يفيد، فيوفي له به لأنه قصد صيانة ما له في ذمة المشتري من خطر الطريق وغرره، مع ما في ذلك من صيانة المال.

стр. 2511

وقد نص أصحابنا كالقاضي أبي الفرج وابن عبد الحكم على أن السلف على هذا الوجه جائز، فلا يكون ذلك سلفًا جر منفعة؛ لأن ذلك من صيانة الأموال وهي منفعة عامة. فإن كان الثمن عرضًا، أو كان الشرط في المثمون: اشتراه منه على أن يوفيه إياه ببلد آخر، وكانت السلعة مما لها حملان، أو كانت خفيفة الحملان؛ مثل اللؤلؤ وما أشبهه من قليل المسك: فليس له أن يأخذه إلا في البلد الذي اشترط فيه أخذ ذلك الشىء. ثم لا يخلو ذلك المشتري من أن يكون معينًا أو مضمونًا في الذمة. فإن كان معينًا: فلا يجوز، قولًا واحدًا؛ لأنه معين يقبض إلى أجل، وهذا الذي قاله عمر ﵁ فأين الحملان يريد الضمان. وإن كان على أن يقبضه بموضع التتابع، واشترط عليه مع ذلك حملانه إلى بلد آخر: فإن ذلك جائز؛ لأنه بيع وكراء في صفقة واحدة. وإن كان المشتري مضمونًا في الذمة؛ مثل أن يسلم إليه في طعام ببلد من البلدان على أن يوفيه بمصر: فلا يخلو من أن يسمى له موضعًا، أو لم يسمه. فإن سمى للقضاء موضعًا؛ مثل أن يشرط عليه أن يوفيه بالفسطاط: فذلك جائز. فإذا بقي في الأجل قدر مسافة ذلك البلد: جبر البائع على الخروج. واختلف هل يجوز له أن يوكل من يقضي المشتري طعامه في بلد القضاء ويقعد هو على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز أن يوكل من يخرج مع المشتري، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".

стр. 2512

والثاني: أنه لا يبرئه إذا خرج الوكيل؛ إذ لا يستطيع أن يتحول بما له من الطعام في ذمة الوكيل، وقد يضيع الثمن الذي يخرج به الوكيل ليشتري به، وهو مذهب سحنون. ولو خرج على أنه حميل وكفيل: جاز، قولًا واحدًا، ثم ينظر، فإن سمي له موضعًا بالفسطاط: جاز، وعليه أن يوفيه بالموضع الذي سمى. فإن لم يسم موضعًا: فلا تخلو تلك السلعة المشتراة من أن يكون لها سوق، أو لا سوق لها. فإن كان لها سوق، وقد اختلفا في موضع القضاء، هل يوفيها له في سوقها أم لا على قولين: أحدهما: يوفيها له في سوقها، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني". والقول الثاني: أنه يوفيها له في داره، وهو المعارف اليوم، وهو مذهب سحنون. فإن كانت سلعة لا سوق لها: ففيها قولان: أحدهما: أنه أين ما وداه في الفسطاط فإنه يجزئه، وهو قوله في "المدونة". والثاني: أنه لا يبرئه حتى يوصلها له في داره، وهو قول سحنون. فإن لم يسم موضعًا، وإنما أسلمه على أن يقبضه بمصر، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز حتى يسمى له موضعًا؛ لأن مصر ما بين

стр. 2513

البحرين إلى أسوان، وهو قوله في "كتاب السَّلم الثاني". والقول الثاني: أن ذلك جائز، ويحمل على الوفاء بالفسطاط كما قال في "كتاب الرواحل والدواب" في الذي أكرى إبلًا إلى مصر؛ حيث قال: الكراء جائز، ويحمل على الفسطاط، أو يحمل على أن يوفيه في أوائل مصر، وهو ظاهر قوله في "كتاب السَّلم الثالث" في الذي أسلم إلى رجل في طعام على أن يوفيه إياه بأفريقية؛ حيث قال بالجواز، ولا يأخذه إلا بأفريقية، ولم يقل: لا يجوز حتى يسمى موضعًا من أفريقية؛ لأنها أرض عريضة وبلاد كثيرة كما قال في مصر، وذلك منه اختلاف قول؛ لأنه لم يلزم في إحداهما ما يلزم في الأخرى. وأما سؤال الكراء: فقد فرق المتأخرون بينه وبين سؤال الطعام بأن قالوا: إذا وقع إلى مصر بغير تفسير ولا تعيين موضع: فإنه يحمل على الفسطاط؛ لأنه محط لمطايا القاصدين، ومنهل رحب لسائر الواردين في غالب الأمر؛ بخلاف الطعام في سائر البلدان بالنسبة إلى الحاجة إلى الطعام على سواء، ثم لا يجوز حتى يسمى موضعًا كما قال في "السلم الثاني"، أو يحمل على أوائل البلاد كما هو ظاهر قوله في "السَّلم الثالث" إذا اشترط الوفاء بأفريقية. والحمد لله وحده.

стр. 2514

المسألة الثامنة في الشاة اللبون بطعام ولا يخلو بيعها بالطعام من أن يكون نقدًا، أو إلى أجل. فإن كان نقدًا: فلا يخلو بيعها من أن يكون بما يخرج منها من الطعام، أو غيره. فإن كان بغير ما يخرج منها؛ مثل أن يبيعها بتمر أو بقمح: فإن البيع جائز اتفاقًا. فإن باعها بما يخرج منها من الطعام؛ متل أن يبيعها باللبن، أو بالجبن، أو بحالوم، أو بسمن، أو بزبد: فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة". والثاني: المنع، وهو ظاهر المدونة من قوله: لا يجوز إلى أجل. وسبب الخلاف: هل اللبن الذي في الضرع مقصود فيمنع البيع لوجود التفاضل في الجنس الواحد، مع ما هنالك من المزابنة والمخاطرة في شرائها بالزبد والسمن والجبن؟ أو غير مقصود، ويكون بيعًا، على القول بأن الأتباع لا تراعى فيجوز البيع. وأما الوجه الثاني: إذا كان إلى أجل: فلا يخلو ذلك الطعام أيضًا من أن يكون مما يخرج منها أم لا. فإن كان لا يخرج منها؛ [كبيعها] (١) بقمح أو شعير: فالمذهب

стр. 2515

على قولين: أحدهما: الجواز أيهما تعجل، وهو المنصوص عليه. والثاني: المنع، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه. وقد قال في "كتاب ابن حبيب": لا يجوز أن يباع الجبح فيها النحل بطعام إلى أجل يكون فيها العسل، ويجوز إلى أجل قريب لا يكون فيه. ولا شك أن اللبن كالعسل، والشاة كالنحل. وسبب الخلاف: ما تقدم من اعتبار ما في الضرع من اللبن؛ فمن اعتبره يكون طعامًا بطعام إلى أجل. فإن باعها بما يخرج منها: فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: المنع جملة من غير تفصيل بين أن يكون اللبن منقودًا والشاة موعودة، أو بالعكس، وهو ظاهر "المدونة" وهو نصه في "التهذيب" وهو نص قول ابن القاسم في الأسمعة. والثاني: الجواز -أيهما تقدم- لأن ما في الضرع من اللبن ملغاة، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: ولا بأس بالشاة اللبون بطعام إلى أجل. فإذا كان اللبن مغتفر ملغي في ربا النساء -الذي هو أعم- فبأن يلغي في ربا التفاضل أولى وأحق. والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون اللبن منقودًا، والشاة موعودة: فيجوز، أو بالعكس: فلا يجوز. وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وهو اختيار ابن الموَّاز. والرابع: بالتفصيل بين أن تكون الشاة منقودة واللبن موعود: فيجوز،

стр. 2516

ولا يجوز إن كان اللبن منقودًا والشاة موعودة، وهو قول أشهب، على عكس قول ابن القاسم. فمن منع الوجهين جميعًا: رآه سلفًا بزيادة إذا تقدم؛ كالكتان بثوب كتان إلى أجل يمكن إخراجه منه، وهو المزابنة، فإن تقدمت الشاة كان ضمانًا بجعل. ووجه من جوز الوجهين: أن ما في الضروع من اللبن ملغي، فإذا ألغي بقي اللبن في الشاة، أو الشاة في لبن، وذلك جائز نقدًا، أو إلى أجل -أيهما تقدم. وسبب الخلاف بين ابن القاسم وأشهب: في الوجهين الأخيرين في الذي يبقى في المزابنة في سلم الشيء فيما يخرج منه هل المعتبر في ذلك استحالة عين المنقود حتى يتكون منه العين الموعود، أو المعتبر كونه منه وإن كان عينه قائمًا لم يتحول؟ فمن اعتبر الاستحالة وانقلاب العين عينًا آخر: جعل ذلك هو المؤثر في المزابنة فجوز مسألتنا؛ لأن ذلك لا يتصور فيها، وإنما يتصور ذلك في الكتان في ثوب كتان، أو سلم شعير، في قصيل. ومن لم يعتبر الاستحالة، واعتبر تكونه منه خاصة مع بقاء العين: قال بالمنع. ويلزم قائل هذا القول أن يطرد قوله في الدجاجة البيوضة بالبيض، والتمر بالنخل إلى أجل يتكون منه التمر، واللبن بالشاة إلى أجل يتكون منه اللبن، فيمنع الجميع. ومن ألزم ذلك فلا حرج عليه؛ لأن النظر يوافقه والدليل يساعده. ومن هذا المعنى بيع الخلايا يريد الأجباح، ولا يخلو بيعه من أن يكون

стр. 2517

بعين، أو بطعام. فإن باعها بعين: فلا خلاف في الجواز سواء اشتراها في أجباحها، أو اشترى ذباب النحل كيلًا. فإن اشتراها بطعام: فلا يخلو ذلك الطعام من أن يكون مما يخرج منها أم لا. فإن كان مما لا يخرج منها؛ كشرائها بقمح أو بتمر: فيجوز ذلك نقدًا -كان فيها العسل أم لا- ولا يجوز إلى أجل بعيد -كان فيها العسل أم لا- لأنه إن لم يكن فيها فسيكون ما بينه وبين الأجل طعامًا بطعام إلى أجل. فإن لم يكن فيها عسل: فيجوز إلى أجل قريب لا يكون فيها العسل، وهو قول أصبغ. فإن باعها بما يخرج منها؛ مثل أن يبيعها بعسل: فلا يخلو من أن يشتري ذباب النحل كيلًا، أو يشتريها في أجباحها. فإن اشترى ذبابها كيلًا فهل يجوز شراؤها بالعسل نقدًا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز. والثاني: أن ذلك لا يجوز. وينبني الخلاف: على الخلاف في اعتبار ما في الضرع من اللبن، هل يعتبر أو يلغى؟ فمن اعتبره اعتبر ما في بطون النحل من العسل فيمنع، ومن لم يعتبر

стр. 2518

ما في الضرع: لم يعتبر ما في البطون من العسل. فإن اشتراها إلى أجل: فقولان أيضًا: أحدهما: الجواز -أيهما تقدم- وهو قول ابن حبيب. والثاني: أن ذلك لا يجوز -أيهما تقدم- وهو ظاهر قول ابن القاسم في الشاة اللبون باللبن. قال أبو إسحاق التونسي: وفيما قاله ابن حبيب نظر؛ لأن النحل إذا كانت تأكل ما يصير في بطونها عسلًا فما الفرق بينهما وبين الشاة اللبون؟ وما قاله صحيح لازم. فإن اشتراها في أجباحها بالعسل: فلا يخلو من أن يكون فيها العسل أم لا. فإن كان فيها العسل: فلا يخلو من أن يكون قليلًا، أو كثيرًا. فإن كان كثيرًا: فلا يجوز، قولًا واحدًا، لا نقدًا ولا إلى أجل؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضلًا، مع ما في ذلك من ربا النساء إذا كان إلى أجل. فإن كان قليلًا: فلا يخلو من أن يكون فيه فضل عن قوتها أم لا. فإن كان فيه فضل عن قوتها هل يجوز بيعها بالعسل أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز جملة -نقدًا أو إلى أجل- وهو أحد أقاويل المذهب في حلية السيف إذا كانت تبعًا. والثاني: المنع جملة -لا نقدًا ولا إلى أجل- وهو قول ابن القاسم في مسألة السيف.

стр. 2519

فإذا جوز ذلك في حلية السيف، وليس في زوالها أكثر من أداء الأجرة على إعادتها، فبأن يجوز في العسل -الذي إن قطع هلك النحل- أولى، وهذه طريقة أبي الحسن اللخمي. فإن لم يكن فيه فضل عن قوتها، أو لا عسل فيها أصلًا فهل يجوز بيعها بالعسل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن الموَّاز. والثاني: أنه يجوز بيعها بالعسل؛ لأنه إذا لم يكن فيها عسل أو فيها مقدار قوتها فما المانع من بيعها بالعسل، وتكون كشاة لا لبن فيها أسلم فيها لبن إلى أجل فهو جائز، إلا أن يقال: إن النحل لا يخلو من عمل العسل كل وقت والأجباح وإن لم يكن فيها عسل فالعسل موجود في النحل فيصير كلبن في شاة لبون، وهذه طريقة أبي إسحاق التونسي. والحمد لله وحده.

стр. 2520

المسألة التاسعة في [بيع] (١) اللحم بالحيوان والأصل في ذلك ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الحيوان باللحم" (٢). وبعموم الخبر في المنع في جميع الأجناس يقول الشافعي: أي وجواز بيعه بالحيوان عمومًا من غير تفصيل. ويقول الحنفي على أصل مذهبه في تقديم القياس الجلي على أخبار الآحاد. وأما مالك ﵁ فتوسط على المذهبين وجمع بين الحالتين، فاستعمل الخبر في الجنس الواحد مما لا يجوز التفاضل في لحمه؛ فأشبه مذهبه من هذا الطرف مذهب الشافعي، وأهمله فيما بين الأجناس المختلفة لجواز التفاضل بين لحومها اتفاقًا، فينبغي أن يكون الحي منها كمذمومها، فأشبه مذهب أبي حنيفة من هذا الوجه، وهو من باب تخصيص العموم بالقياس، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون. فإذا ثبت ذلك فهل يسري النهي في الحيوان المراد للقنية والذبح أو هو مقصور على الحيوان المراد للحم خاصة، وإنما يعتبر التفاضل بين اللحم، والحيوان، فإذا تحققت التفاضل وظهر جاز البيع. فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك عام في كل جنس مما يراد للأمرين، أو لا يراد إلا

стр. 2521

للحم، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه مخصص بما يراد للحم خاصة دون ما يراد منه للأمرين جميعًا؛ كالكسير والشارف، وهو مذهب "المدونة"، وهو الذي حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن شيوخه. والقول الثالث: أنه يجوز بيع اللحم من جنسه عمومًا، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز". وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع اللحم بالحيوان هل هو معلل، أو غير معلل؛ فمن علله بالمزابنة وحدها فيقول: إذا تحقق التفاضل؛ كبيع شاة برطل لحم: فإنه يجوز، سواء كانت الشاة مرادة للأمرين كالصحيحة, أو مرادة للحم خاصة كالشارف والمنخنقة وأخواتها، وعلى هذا يحمل ما وقع لمالك في "الموَّازية". ومن علل بالمزابنة مع التفاضل: فإن النهي مقصور على ما يراد للحم خاصة دون ما عداه؛ كالمعلوفة، والمكسورة، وغيرهما، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنها في حكم اللحم، فالتفاضل فيه حرام لأنه جنس واحد. وقد اضطرب قول ابن القاسم فيما كان مآله اللحم على كل حال، هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم اللحم، فجعله مع الحي لحمًا، ومع اللحم حيًا، ومثل هذا لا يجري على سبيل التحقيق؛ لأنه قال فيمن أسلم في دجاج فأخذ فيها طيرًا من طير الماء؛ حيث قال: لا يجوز، فجعله هاهنا من الحي لحمًا. وقال فيما يراد للحم ولا منفعة فيه غيرها: أنه لا يجوز باللحم فأعطاه حكم الحي. ومن رأى أن الخبر غير معلل استعمل النهي فيما يراد للأمرين جميعًا،

стр. 2522

وفيما يراد لشيء واحد، وهو مشهور المذهب. وأما بيع اللحم باللحم: فإن اختلفت الأجناس: جاز التفاضل كذوات الريش وذوات الماء وذوات الأربع. فإن اتفق الجنس مع التفاضل مع اتفاق الصنعة فإن اختلفت الصنعة: جاز التفاضل، ولا خلاف أن النار في اللحوم والزيوت بانفرادها ليست بصنعة إلا أن يدخلها الأبزار، بخلاف الحبوب فإن النار بمجردها صنعة تبيح التفاضل في الجنس الواحد منها. وتحصيل ما في الكتاب أن يقول: لا يخلو اللحم من أن يكون نيِّا عريضًا، أو قديدًا، أو مشويِّا، أو مقلوِّا، أو مطبوخًا: فالمقلي والمطبوخ بالأبزار يجوز بيعه بالجميع متماثلًا ومتفاضلًا. وفي الني الطري بالقديد عن مالك قولان أيضًا. وفي المشوي بالقديد قولان؛ نص "المدونة" المنع متفاضلًا ومتماثلًا، ويلزم منه قول آخر بالجواز. وسبب الخلاف: هل يدرك فيها التماثل بالتحري فيجوز البيع متماثلًا، أو لا يدرك فيكون ذلك مزابنة فيمنع من كل وجه؛ لأنه من باب الرطب باليابس. وهذا كله إذا كان القديد والمشوي بالأبزار. وأما إن دخلتهما الأبزار: فإن ذلك كالقلية. وأما الربوب: فإن النار فيها ليست بصنعة تبيح التفاضل بينها وبين أصولها رب القصب الحلو برب القصب أو بالحلاوة، أو رب العنب بالعنب أو بعصيره، أو رب التمر بالتمر لاتحاد المنفعة في الأصل.

стр. 2523

وما يكون ملة فإذا دخلت فيه الأبزار جاز التفاضل عند ذلك لأنه صار عقيدًا. وأما الحبوب: فإن النار فيها بانفرادها فيها صنعة تبيح التفاضل كالمقلو مع الني على كراهة مالك في المقلو حتى يطحن، فإذا صار خبزًا جاز التفاضل بينه وبين أصوله. واختلف في الأخباز هل يجوز التفاضل فيما بينها اعتبارًا بأصولها، أو لا يجوز لاتحاد الاسم وتقارب المنافع؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تابعة لأصولها، وأن التفاضل جائز، وأن القمح والشعير والسَّلت صنف واحد، وأخبازها صنف. والقطاني قد جعلها مالك في الزكاة صنفًا واحدًا، واختلف في قوله فيها في ["كتاب] (١) السلم الثالث"؛ فمرة جعلها صنفًا واحدًا فيمنع التفاضل فيها، ومرة جعلها أصنافًا فيجوز التفاضل فيها. واختلف أيضًا في الأرز والدخن والذرة هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة؟ على قولين. ولا خلاف في باب الربا أنها أصناف. فعلى هذا القول تكون الأخباز تابعة لأصولها، وهو قوله في "المدونة"، وقاله أشهب. ولابن القاسم في "الموَّازية" قول ثالث: أن القطاني كلها صنف واحد، إلا البسيلة والجلبان فهما صنف واحد، واللوبيا والحمص صنف واحد.

стр. 2524

ولأشهب قول آخر أنها كلها صنف واحد، إلا الفول، والعدس، والحمص فإنه صنف واحد. فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: .... والثاني: أن الأخباز كلها صنف واحد، فلا يجوز التفاضل فيها وإن اختلفت أصولها، وهو قول أشهب في "الموَّازية". والقول الثالث: بالتفصيل بين أخباز الأرز، والدخن، والذرة الحمراء أو البيضاء، وأخباز القمح والشعير: فلا يجوز التفاضل فيها، وأخباز سائر القطاني جنس واحد يمنع التفاضل فيها، ويكون بينهما وبين غيرها، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى بن يحيى عنه في "العتبية" وجعلها كالخل من أصناف مختلفة. وسبب الخلاف: هل النظر إلى الألقاب والتسميات، أو النظر إلى تقارب المنافع. وأما الزيوت: فإنها تابعة لأصولها: فإنه يجوز التفاضل فيها لاختلاف منافعها وأصولها؛ كزيت الزيتون، وزيت السمسم -وهو الشيرق، وهو السليط، وزيت السلجم وزيت الخردل: فإن التفاضل فيها جائز كأصولها. وأما العسل: فهو أصناف مختلفة يجوز التفاضل فيها. وأما الخلول: فإنها صنف واحد لا يجوز التفاضل فيها؛ لاتحاد منفعتها وتقاربها. فإن كانت مختلفة كالعنب، والتين، والتمر، والعسل، وكثير من معاني هذا الباب تقدمت في كتاب الزكاة الثاني. وأما الألبان وما يتولد عنه: فإنها سبعة أوجه؟ ثلاثة في اللبن، وأربعة فيما يتولد عنه.

стр. 2525

فأما الثلاثة التي في اللبن فهو: حليب، ومخيض، ومضروب. وأما الأربعة فيما يتولد عنه فهو: زبد، وسمن، وجبن، وأقط. فبيع الحليب، وبيع الزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا حرام قولًا واحدًا. وأما بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فقد اختلف فيه على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث". والثاني: المنع، وهذا القول حكاه أبو الفرج عن مالك في "الحاوي". وسبب الخلاف: هل المقصود استخراج زبدهما فيمنع من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة الموجودة، وإنما منع للغرر والمخاطرة؛ لأن كل واحد منهما يقول: لعلي أخرج من الذي أخذت أكثر مما يستخرجه الآخر، ولاسيما لما علم بالمشاهدة أن بعض الحيوانات من البقر والغنم يكون لبنها أكثر زبدًا من لبن بعض، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع. أو المقصود استعمال ذلك الحليب في الطبيخ وغيره، لا ليستخرج زبده: فيجوز. وأما بيع الزبد بالزبد، أو السمن بالسمن متماثلًا: فإنه يجوز، قولًا واحدًا. وأما الجبن بالجبن: فإن كان يابسًا كله، أو رطبًا كله: فإنه يجوز متماثلًا. وإن كان أحدهما رطبًا، والآخر يابسًا: فلا تجوز المزابنة. وأما الحليب بالزبد، أو بالسمن، أو بالجبن، أو بالأقط: فإن ذلك لا
следующие страницы →