إنها تدخل في المسألة دخولًا ضعيفًا، وإنما ضعفها ابن القاسم؛ لأن العرف المألوف من العباد أنهم لا يتعجلون ما عليهم من الديون قبل أجلها، إلا لشيء يرتفعون به من الحط عنهم إما من قدره أو من صفاته، وقلَّ ما يجد من يدفع أكثر ما عليه قبل أجله، ولو علم أن قيمة البرذون أكثر من قيمة ما بني عليه لكان دخول (حط عني وأزيدك) في هذه المسألة دخولًا قويًا.
ثم لا يخلو من وجهين:
إما أن يعثر على ذلك قبل حلول الأجل، أو بعد حلول الأجل، فإن عثر على ذلك قبل حلول الأجل: فلا يخلو ما قبضه من أن يكون قائمًا، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالخيار للذي له السلم من أن يتماسك بالبرذون ويرد الثياب إلى أجلها، وبين أن يرد البرذون والثياب إلى أجل ويبقى على رأس أمره في سلمه.
فإن فات ما قبضه: فإنه يغرم قيمته، فإذا حلَّ الأجل أخذ سلمه.
فإن عثر على ذلك بعد الحلول: فإنه يحاسب بالأثواب التي قبضها إن كانت قائمة ويتم له البقية عليها، ويرد البرذون مع قيامه، والقيمة عليه مع فواته، وليس له أن يحبس قيمة البرذون عوض الثياب إن فات ويحاسب، إلا أن يجتمعا على المقاصة: فيجوز.
وأما إذا أخذ البرذون على بعض حقه، وأخَّر البقية إلى أجله: جاز ذلك، قولًا واحدًا.
فإن أخذه عن بعض سلمه وأخره بالبقية إلى أبعد من أجله: فلا يجوز ذلك؛ لأنه بيع وسلف، والسلف في هذا الوجه من المشتري، وفي الأول من البائع.
стр. 2557
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أخذ من جنس رأس ماله: فإن ذلك لا يجوز سواء أخذه عن جميع حقه أو عن بعضه؛ لأن ذلك سلم الشيء في جنسه، وهو من باب سلف جر منفعة.
وأما الوجه الثالث: إذا أخذ سلعة أخرى من غير جنس ماله عوضًا عن جميع سلمه أو عن بعضه فالجواب فيه كالجواب عن الوجه الأول إذا أخذ عين رأس ماله عن جميع حقه أو عن بعضه، على ما فيه من التحصيل والتفصيل، فلا فائدة للتطويل، فافهم هذا التلخيص تسعد إن شاء الله وتسدد.
والحمد لله وحده.
стр. 2558
المسألة الرابعة في مسألة حمار ربيعة
وإذا باع حمارًا بعشرة دنانير إلى أجل، ثم استقاله المبتاع بربح دينار نقدًا، فأقاله البائع، أو باعه بنقد، فاستقاله المبتاع بزيادة دينار إلى أجل:
فتحصيل هذه المسألة أن نقول: لا تخلو الزيادة من [أن] (١) تكون من البائع، أو من المبتاع.
فإن كانت من المبتاع: فلا تخلو من أن تكون نقدًا، أو إلى أجل.
فإن كانت إلى أجل. فلا تخلو من أن تكون من جنس الثمن، أو من غير جنسه.
فإن كانت الزيادة من جنس الثمن وكان عينًا، فإن اتفقت الزيادة مع الثمن في الصفة والجودة، وكان سكة واحدة: جاز على المقاصة عند الحلول.
وإن كانت الزيادة من غير جنس الثمن؛ كالدراهم مع الدنانير، أو عرضًا، أو طعامًا مع العين: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه دين بدين.
فإن كانت الزيادة نقدًا: فلا تخلو من أن تكون عينًا، أو عرضًا.
فإن كانت عينًا: فلا تجوز الإقالة؛ لأنه إن كان الثمن دنانير كان بيعًا وسلفًا بقدر أن الحمار يساوي ثمانية دنانير، اشتراه منه بتسعة على أن يسلفه المشتري الأول دينار ويستوفيه من نفسه عند حلول الأجل من العشرة التي للبائع الأول عليه.
стр. 2559
فإن كانت الزيادة عرضًا أو طعامًا: جاز ذلك، ولا علة تبقى.
فإن حلَّ الأجل وكان شراؤه نقدًا، أو لم ينتقد: فلا تخلو الزيادة -أيضًا- من أن تكون عينًا أو عرضًا.
فإن كانت عينًا، وكانت دراهم والثمن دنانير، والدراهم مثل صرف دينار فأكثر: فذلك بيع وصرف إذا انتقد، ويجري على الخلاف المعهود بين ابن القاسم وأشهب.
وإن لم ينتقد: كان ذلك صرفًا مستأخرًا، ودينًا بدين، مع ما فيه من بيع وصرف من المستأخر منهما.
فإن كانت الزيادة دراهم يسيرة: جاز بشرط التناقد.
فإن كانت الزيادة دنانير: جاز على المقاصة دون غيرها.
وإن كانت الزيادة عرضًا: جاز على النقد، ولا يجوز إلى أجل؛ لأنه فسخ دين في دين، وبيع وسلف.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت الزيادة مع البائع فلا تخلو الزيادة من أن تكون من صنف المبيع، أو من غير صنفه.
فإن كانت من صنف المبيع؛ مثل أن يبيعه حمارًا، ثم أقاله بزيادة حمار آخر، فإن تعجلت الزيادة وانتقدت: جاز، فإن كان إلى أجل: فلا يجوز، وذلك سلم الشيء في مثله إلى أجل، وهو حرام؛ لأنه سلف بزيادة، أو ضمان بجعل، على حسب اختلاف الصور.
فإن زاده من غير جنس المبيع: جازت الزيادة -كانت نقدًا أو إلى أجل- وسواء كان المبيع نقدًا أو مؤجلًا؛ إذ لا محضور هناك، ويعد ذلك بيعة أخرى، وفي ذلك يقول ربيعة ﵁ في شعره لما سئل عنها:
стр. 2560
إذا [...] (١) متاع إلى أجل ... وزاد نقدًا فخذه ثم لا تسل
حاشا من الذهب المرجي إلى أجل ... إلا إلى ذلك الميقات والأجل
وزده أنت من الأشياء قاطبة ... ما شئت نقدًا ومضمونًا إلى أجل
ما لم يكن صنف ما استرجعت [] (٢) ... إلى زمان ولا بأس على عجل
إلا أن هذه الأبيات إن حملت على ظاهرها كان قول ربيعة مخالفًا للمذهب، فإن تأولت كانت وفاقًا.
وموضع الاحتمال من قوله: (وزده نقدًا) فإن أراد أن تكون الزيادة عرضًا كان قوله وفاقًا للمذهب، وإن أراد أن ذلك يكون كيف ما كانت الزيادة وإن كانت عينًا: كان خلافًا.
وقوله أيضًا: (إلا إلى ذلك الميقات): فإن كان معناه على التقاصص كان وفاقًا، فإن كان على الإخراج فلا يجوز.
والحمد لله وحده.
стр. 2561
المسألة الخامسة في بيع الدَّين بالدَّين
وينبغي أن يعلم أن هناك أمرين:
أحدهما: بيع الدَّين بالدَّين.
والآخر: فسخ الدَّين في الدَّين.
وأحدهما أَسَدّ من الآخر؛ فبيع الدَّين بالدَّين عبارة عما ليس عند الإنسان، وهو عبارة عن إشغال الذمتين، وفسخ الدين في الدين عبارة عن إشغال ذمة واحدة.
والعلة في فسخ الدين في الدين -على القول بتعليله: ربا الزيادة؛ فلذلك كان فسخ الدين في الدين أشد من ابتداء الدين بالدين.
واختلف قول مالك في "الكتاب" في بيع الدين هل يكون في المضمون والمعين أو لا يكون إلا في المضمون والمعين، أو لا يكون إلا في المضمونين جميعًا، وقد نص في "كتاب بيع الغرر" على أن الدين بالدين لا يكون إلا في المضمونين، ويؤخذ له أيضًا من غير ما موضع من "المدونة" أنه يكون في المعين والمضمون؛ فمن ذلك قوله فيمن له دين علي رجل؛ حيث قال: لا يجوز له أن يأخذ في دينه ما لا يتعجله من سكنى الدار، أو خدمة عبد أو جارية يتواضعانها؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، فجعل ذلك بيعًا يتأخر قبضه وإن كان معينًا.
وأما فسخ الدين في الدين فلا يخلو من وجهين:
إما أن يفسخه في شيء مضمون في الذمة، أو في شيء بعينه.
стр. 2562
فإن فسخه في شيء مضمون في الذمة: فلا يخلو من أن يفسخه في شيء إلى أبعد من الأجل، أو إلى الأجل نفسه.
فإن فسخه إلى أبعد من الأجل: منع اتفاقًا؛ لوجود الربا المتفق على تحريمه، وهو ربا الجاهلية تقضي أو تربي؛ لأن الزيادة في الأجل تقتضي الزيادة في مقدار الدين، والزيادة في الصفة كالزيادة في القدر، واستبدال الجنس بجنس آخر في الذمة يستدعي تلك الزيادة على كل حال.
فإن فسخه إلى الأجل نفسه، أو إلى دونه: فإنه يتخرج على قولين: الجواز، والمنع [والمنع] (١) أشهر وأسعد بظاهر "الكتاب" والجواز أظهر في النظر.
ويبنى الخلاف على الخلاف في النهي عن فسخ الدين في الدين هل هو معلل أو غير معلل.
فمن علله بالزيادة قال بالجواز؛ إذ لا زيادة في الصورة المفروضة؛ لأن الزيادة في الأجل يستدعي الزيادة في كمية ما قدمناه، وإذا لم يزد في الأجل فلا يزيد له الآخر في الدين؛ إذ لا رفق له في ذلك ومن رأى أن النهي غير معلل، وإنما هو شريعة غير معقولة المعنى: قال بالمنع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا فسخه في شيء بعينه، فلا يخلو ذلك المعين من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما يقبض ويقتضي مرة واحدة.
والثاني: أن يكون مما يقتضي أو يقتضي كرة بعد كرة.
стр. 2563
فإن فسخه فيما يقبض مرة واحدة، فقبضه أو مكن من قبضه، ولم يتعلق به حق التوفية: فلا إشكال في الجواز، ويقبضه متى شاء؛ لأنه بالفسخ صار في ضمانه.
فإن فسخه فيما يستوفي مرة بعد مرة، كسكن دار، أو ركوب دابة، أو استخدام عبد: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: المنع، وهو نص "المدونة" في "كتاب الآجال"، وغيره.
والثاني: الجواز، وهو مذهب أشهب، وهو ظاهر "المدونة"؛ حيث جوز كراء هذه الأشياء بالدين، فإذا جاز أن يكتري بالدين جاز أن يقتضي.
والثالث: التفصيل بين أن يشرع في السكنى فيجوز، أو يتراخى عنه فلا يجوز.
وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحوالة" من "المدونة".
وسبب الخلاف: المنافع هل تتعين بتعين المنتفع به أم لا؛ فمن رأي أن المنافع لا تتعين وإن عين الشيء المنتفع به: منع، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال"، وفي كتاب الجعل والإجارة: إذا أدخل على الغنم غنمًا أخرى أو اتخذ راعيًا يرعى له ويعينه؛ حيث جوز له ذلك، ولم يره متعديًا؛ بناء على أن المنافع لا تتعين وإن عين الراعي.
ومن رأى أنها تتعين بتعيين ذلك الشيء: جوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الجعل" و"الإجارة" و"كتاب الرواحل والدواب"، وقد منع هناك للراعي وللمكتري استبدال عين بعين أخرى، واستبدال الدابة بأخرى؛ بناء منه على أن المنافع قد عينت في تلك الأعيان.
стр. 2564
وللخلاف تطلع آخر، وهو: قبض الأوائل هل هو كقبض الأثمان أم لا؟
والحمد لله وحده.
стр. 2565
المسألة السادسة في البيع والسَّلف
وإذا باع سلعة بمائة دينار على أن يسلف أحدهما لآخر عشرين دينارًا إلى أجل: فإن ذلك لا يجوز؛ لنهيه ﷺ عن بيع وسلف، واتفق العلماء على أنه من البيوع الفاسدة.
واختلف إذا ترك الشرط قبل القبض؛ ومنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، إلا في مشهور مذهبه، على ما سنبينه تأصيلًا وتفصيلًا إن شاء الله تعالى.
وقد روى أن محمَّد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق القاضي؛ فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، وبين رجل باع غلامًا بمائة دينار وزق خمر، فلما عقدا البيع قال: أنا أدع الزق؟
قال: هذا البيع مفسوخ بإجماع العلماء.
فأجاب عن هذا إسماعيل بجواب لا تقوم به حجة؛ وهو أن الفرق بينهما أن مشترط السلف مخير بين تركه وأخذه، وأنه يملك صحة البيع وفساده، وليس كذلك مسألة زق الخمر، ولا يخفى على لبيب أن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي طولب بالفرق به؛ لأنه يقال: لما كان مخيرًا هاهنا, ولم يكن هناك مخيرًا في أن يترك الزق ويصح البيع.
وقد انفصل بعض المتأخرين عن سؤال البرمكي بأن قال: إن التحريم هاهنا لم يكن الشيء محرم لعينه وهو السلف لأن السلف مباح في نفسه، وإنما وقع من أجل اقترانه بالبيع، والبيع في نفسه جائز، وإنما امتنع لاقتران الشرط به، وفي مسألة الخمر امتنع لإتيانه بشىء محرم لعينه لأنه شيء
стр. 2566
محرم من قبل الشرط.
وهذا الانفصال لا بأس به.
فإذا ثبت ذلك فنحن نرجع إلى تحصيل [المسألة] (١) فنقول وبالله التوفيق: إذا اشترط السلف مع البيع فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فلا يخلو مشترط السلف من أن يسامح بتركه أو يشح على شرطه ولم تطب نفسه بتركه فالبيع باطل والشرط باطل، ولا أعرف نص خلاف في المذهب إلا متأولًا؛ ويؤخذ من "المدونة". من مسألة الذي باع السلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما قال: البيع جائز، والشرط باطل.
فإن سامح مشترط السلف فهل يجوز البيع أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع باطل وإن رضي من له الشرط بإسقاطه، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم -من أصحابنا- وروي عن علي بن زياد مثله، وهو ظاهر قوله في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "المدونة" في الذي أكرى أرضه بدنانير وخمر، قال: لا يجوز وإن رضي المكري بإسقاط الخمر.
والثاني: أن البيع جائز إذا أسقط مشترط السلف سلفه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال".
والثالث: التفصيل بين أن يقبض مشترط السلف سلفه أم لا؛ فإن قبضه وغاب عليه: فالبيع مفسوخ وإن أسقط السلف ورده؛ لأن الربا قد تم
стр. 2567
بينهما لغيبته على السلف، وهو مذهب سحنون.
وتأوله أكثر شيوخنا القرويين على "المدونة" وأن قوله في "الكتاب": إذا رضي بإسقاط شرطه يريد: قبل القبض.
وبعضهم يجعله خلافًا "للمدونة" ويستدل بقوله في "الكتاب" يريد السلف والرد عبارة عن استرجاع ما قد قبض، وهو نص قول أصبغ في غير "المدونة".
والرابع: أن البيع جائز، والشرط باطل، وهو قوله في "الكتاب" فيما إذا باعه سلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما؛ حيث قال: البيع جائز، والشرط باطل.
فوجه القول الأول: كون العقد وقع على الفساد، وفساده في ثمنه، وأن السلف له حصة في الثمن، ولاسيما إذا كان من جهة المشتري؛ لأن البائع لم يرض أن يبيع بهذا القدر من الثمن إلا من أجل السلف الذي سلفه المشتري.
فإن كان من جهة البائع: فالمشتري ما اشترى بهذا الثمن الغالي إلا من أجل السلف الذي سلفه للبائع؛ فبان أنه باع بثمن بعضه حلال وبعضه حرام؛ كمسألة الخمر إذا كان بعض أجزاء الثمن.
ووجه القول الثاني: ما قدمناه من أن السلف والبيع كل واحد منهما مباح على الانفراد، وإنما منع اجتماعهما لما فيه من سلف جر منفعة، فإذا أسقطه مشترطه جاز البيع لزوال تلك العلة، وهذا القول أضعف الأقوال.
ووجه القول الثالث: أنه إذا قبض السلف وغاب عليه وكان مما لا يعرف بعد الغيبة أن الربا قد تم بينهما فلا فائدة لرد السلف بعد ذلك للغرض المبتغى، ثم لابد من فسخ البيع ورده.
стр. 2568
والجواب عن الوجه الثاني: إذا فاتت السلعة بماذا تمضي؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه تمضى بالقيمة -بالغة ما بلغت- قياسًا على سائر البيعات الفاسدة إذا فاتت، وهو قول أشهب في الذي باع فرسًا واشترط أن يغرر عليه؛ حيث قال: إن فات ففيه القيمة.
والثاني: أنه ينظر، فإن كان السلف من المشتري فللبائع الأكثر من الثمن أو القيمة وإن كانت أكثر من الثمن والسلف.
فإن كان السلف من البائع: كان له الأقل، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال".
والثالث: أنه إن كان السلف من المشتري: كان عليه الأكثر من الثمن أو القيمة ما لم يكن أكثر من الثمن والسلف، وهو قول أصبغ.
والرابع: أن السلعة تقوم بشرط السلف، وبغير شرطه، فما كان بين القيمتين رجع به البائع على المبتاع إذا كان البائع هو المشترط للسلف.
واختلف في بيع الثنيا؛ وهو أن يبيع له سلعة على أنه متى جاء بالثمن فهو أحق بها هل هي بيع أو رهن؟ على قولين:
أحدهما: أنه بيع.
والثاني: أنه رهن.
وفائدة الخلاف وثمرته: في العلة هل يلزمه ردها إذا فسخ فعلهما أو لا يردها؟
فمن رأي أنه بيع قال: لا يرد العلة، وقد قال مالك في "العتبية" فيمن اشترى أرضًا على بيع ثنيا فبنى وغرس: إنه فوت، وقال أيضًا فيمن اشترى حائطًا على مثل ذلك فاعتل وبنى وحفر، فقال: العلة للمشتري بالضمان،
стр. 2569
ويرد الحائط، وللمشتري على البائع ما أنفق في بناء الجدار أو حفره؛ فجعله بيعًا، وأنه ضامن والعلة له، ولم يجعل البناء والحفر فوتًا؛ لأن ذلك لا يكون فوتًا إلا فيما دخل المتبايعان فيه على البت، وعلى أن لا يرد وإن كان فاسدًا، فكان رده بعد حدوث مثل ذلك فيه مضرة على المشتري تارة، وعلى البائع تارة، وهذا إن دخلا على الرد بعد أن كان حدوث مثل ذلك، فلا يكون قويًا.
ومن رأى أنه رهن قال: يرد العلة، وأنه في ضمان البائع في كل بيع ويغض نظرًا عليه من غير سبب المشتري، وما كان من سببه فهو ضامن له، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها فيما يغاب عليه.
واختلف إذا أسقط مشترط الثنيا شرطه، هل يجوز البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البيع باطل والشرط باطل، وهو المشهور.
والثاني: أن البيع جائز إذا أسقط شرطه، وهو قوله في "كتاب محمَّد" وقال محمَّد: إذا رضي المشتري، وقال الشيخ أبو محمَّد: وقد فسخ الأول، والحمد لله وحده.
стр. 2570
المسألة السابعة فط حكم المُقَاصَّة في الديون
وفيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: أن يكون الدينان طعامًا.
والثاني: أن يكونا طعامًا من قرض.
والثالث: أن يكونا عينًا.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا كان الدينان طعامًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو منهما.
فإن كانا من بيع: فلا تجوز المقاصة قبل الحلول، قولًا واحدًا.
وإن كان بعد الحلول: فلا يخلو من أن تتفق رؤوس أموالهما، أو تختلف.
فإن اختلفت رؤوس أموالهما: فلا تجوز المقاصة.
فإن اتفقت رؤوس أموالهما: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المقاصة لا تجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن المقاصة جائزة، وهو قول أشهب، ويصير إقالة معنوية.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة هل تنعقد بغير لفظها أم لا؛ فمن رأي أنها تنعقد بغير لفظها: قال بجواز المقاصة، ويعد ذلك منهما إقالة معنوية.
стр. 2571
ومن رأى أن الإقالة لا تنعقد إلا بلفظها, ولا تنعقد بغيره قال: لا تجوز المقاصة؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
وأما الوجه الثاني: إذا كانا من قرض، والصفة والمقدار متفق فالمقاصة جائزة باتفاق المذهب.
ويلزم فيها قول آخر: ألا تجوز المقاصة كما قال ابن نافع في المذهبين، ولا عبرة باتفاق الآجال، ولا بحلولها أو بعضها لحصول الإبراء في المقاصة في الحالة الراهنة على وجه ليس لواحد منهما سلطان على صاحبه.
وأما الوجه الثالث: إذا كان أحدهما من بيع والآخر من قرض ولا يخلو من أن يحلا أو لم يحلا، أو حلَّ أحدهما دون الآخر.
فإن حلَّا جميعًا: ففي جواز المقاصة قولان:
أحدهما: جوازه، وهو نصه في المدونة، وهو المنقول.
والثاني: أن المقاصة لا تجوز، وهو المعقول؛ لأن ذلك يخرجه عن بيع الطعام قبل قبضه في طعام البيع.
فإن لم يحلَّا وكانت آجالهما مختلفة: فلا تجوز المقاصة، قولًا واحدًا.
فإن اتفقت الآجال: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المقاصة جائزة، وهو قول ابن حبيب، وعلى هذا جميع أصحاب مالك، إلا ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تجوز حتى يحلا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن حلَّ أحدهما ولم يحل الآخر فقولان أيضًا:
أحدهما: أن المقاصة لا تجوز حتى يحلا جميعًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تجوز المقاصة بحلول أجل السلم، ولا يجوز بحلول أجل
стр. 2572
القرض، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف بين المعقول والمنقول: اختلافهم في المقاصة هل تبرأ بها الذمم، أو لا تبرأ إلا بانصرام الأمد.
فمن رأى أن الذمم تبرأ بالمقاصة قبل انصرام الأمد: قال بجواز المقاصة.
ومن رأى أن الذمم مشغولة إلى الأجل المجعول قال: لا تجوز المقاصة.
ووجه القول بالمنع وإن حلَّ أحد الأجلين: أن التقاصص إبراء، وإذا لم يحل الأجلان يبطل الإبراء.
وكان أشهب يرى أن الأجل من جانب المقترض بما لم يلزم صار في حكم الحال، غير أن هذا الكلام لا يتمشى له، فلا يجب لمصيره، إلا أن المقترض لا يجبر على الأخذ قبل الأجل، وإنما يتمشى له أدنى شيء لابن القاسم؛ لأنه يقول بالجبر على الأخذ، وهو يقول بالمقاصة كما ترى، ولعله إنما آثر الأجل في المنع لأنه منعوت باللزوم على وجه ما، فلا حجة في تقديره حالًا من الأجلين.
ووجه قول ابن حبيب: أن اتفاق الأجلين يدرأ المكايسة عنده لكون انحلال الذمم وقتًا وأمدًا، والإبراء يتنجز في الحال فلم يجعل ذلك مبايعة رآهما في حكم الحالين، وربك أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كان الثابت في الذمتين عروضًا, ولا تخلو هذه العروض من وجهين:
أحدهما: أن يكونا من جنس واحد.
والثاني: أن يكونا من جنسين.
стр. 2573
فإن كانا من جنس واحد: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يتفق العدد، أو يختلف.
فإن اتفقا في العدد: فلا يخلو من أن تتفق الآجال، أو تختلف.
فإن اتفقت الآجال: جازت المقاصة قبل الحلول، على المذهب المنقول أن الذمم تبرأ.
وإن اختلفت الآجال: فلا يخلو من أن يتفقا في الجودة والدناءة, أو يختلفا.
فإن اتفقا في الجودة والدناءة: فالمقاصة جائزة بعد حلولها، قولًا واحدًا.
فإن لم يحلا، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة" في "كتاب الآجال". ويتخرج في المذهب قول آخر: أنها لا تجوز حتى يحلا جميعًا.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فإن اختلفا في الجودة والدناءة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو منهما.
فإن كانا من بيع: لم تجز المقاصة، سواء كان أولهما حلولًا أو أدناهما أو أرفعهما؛ لأنه في الأدنى: ضع وتعجل، وفي الأرفع: حط عني الضمان وأزيدك.
فإن كانا من قرض وكان أولهما حلولًا، أو أدناهما لم يجز لوجود ما تقدم من ضع وتعجل، وإن كان أولهما حلولًا أدناهما لم يجز كان من بيع أو قرض لأنه ضع وتعجل.
стр. 2574
فإن كان أولهما حلولًا أرفعهما جاز في البيع، ولا يجوز في القرض لأنه من باب حط عني الضمان وأزيدك.
وأما إن اختلفا في العدد: فلا يخلو من أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو أحدهما من قرض والآخر من بيع.
فإن كان من بيع: لم يجز التقاصص -كان الحال منهما الأقل أو الأكثر؛ لأنه في الأكثر: حط عني الضمان وأزيدك، وفي الأقل: ضع وتعجل.
فإن كانا من قرض: منعت المقاصة بحلول الأقل اتفاقًا، وفي حلول الأكثر أو حلولهما جميعًا ثلاثة أقوال:
أحدها: جواز المقاصة، وهو قول أشهب في جواز القرض جملة.
والثاني: أنها لا تجوز، وهو أحد قولي مالك في جواز الزيادة جملة.
والثالث: أنها مكروهة وهو قول مالك في الزيادة في القرض؛ حيث جوزها بعد مجلس القضاء ومنعها في المجلس.
فإن كان أحدهما من قرض، والآخر من بيع: لم تجز المقاصة أيضًا -كانت أولهما حلولًا الأقل أو الأكثر- لأنه إن كان الأقل فهو وضيعة على تعجيل حق في البيع والقرض، وإن كان الأكثر هو قرض: كان حط عن الضمان وأزيدك، وإن كان بيعًا: منع قبل الحلول وبعده؛ لأن ذلك زيادة في القرض.
فأما الجنس الثاني -إذا كانا من جنسين- فلا يخلو من أن يتفقا في الصفة والمقدار، أو يختلفا.
فإن اتفقا في الصفة والمقدار: فهما كالعرضين المتحدي الجنس في جميع الفصول التي قدمناها.
стр. 2575
فإن اختلفا في الجنس والصفة: فلا يخلو من أن تتفق آجالهما أو تختلف.
فإن اتفقت الآجال: جازت المقاصة عند الحلول، قولًا واحدًا، وقبل الحلول: قولان:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها لا تجوز المقاصة، وهذا القول قائم من "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم في صدر هذه المسألة من براءة الذمم.
فإن اختلفت الآجال: فلا تجوز المقاصة قبل حلولها، وتجوز بعد حلولها.
وفي حلول أحدهما قولان:
أحدهما: جواز المقاصة، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أن المقاصة لا تجوز إلا بحلولهما جميعًا، وهو قوله في "الموَّازية".
فانظر كيف منع المقاصة إذا اختلف الأجلان، واختلف الغرضان؛ لاجتماع علتين.
وفقه هذا الباب أن يقال: إن قَدَّرْنَا أن التناجز يحصل بالتقاصص في الحالة الراهنة حتى يكون تراضيهما عليه قاطعًا لحكم الأجل؛ إذ ليس لواحد منهما تباعة على صاحبه، فلا شبهة في الإجزاء في هذه الفصول كلها.
فإن لم يقدر ذلك، وأن التراخي الآنف غير قاطع للتأجيل السالف: لم يجز ذلك جملة بلا تفصيل؛ لكون ذلك دينًا بدين؛ لكون كل واحد منهما أحال صاحبه على حقه يستوفيه لنفسه من نفسه إذا حلَّ الأجل، غير
стр. 2576
أن الاطراد في محل الترداد من دأب الفقيه المتدين، والتقاصص تردد بين التكايسين، فحملوه على التكايس عند اختلاف الأغراض من الوجهين؛ لأن الذمم تتفاوت ولا تتماثل في اليسار والإعسار، فيريد الموسر عند اختلاف الأجلين الاكتفاء بما عليه قضاء عن المعسر، وهذا تكايس بين لا جرم لم يجز عند الاختلاف من الجانبين -الدينين والأجلين- لأن تفاوت الأغراض يحرك دواعي المكايسة، وتشب نار المنافسة لتعذر تماثل الذِّمم.
بخلاف إذا انفرد أحد الاختلافين؛ كاختلاف الدينين، فإن انحلال الذمم لما لم يكن بينهما ترتيب يوجب التوريث للتهمة لم يمتنع الإجزاء؛ فلهذا جوزت المقاصة إذا اتفق الدينين من غير اكتراث بتطابق الأجلين مقدارًا وحلولًا.
فتدبر هذه المعاني؛ فإنها الأصول التي بنيت عليها هذه الفصول.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا كان الدين الثابت في الذمة عينًا: فلا يخلو من أن يتفقا في الجنسية، أو يختلفا.
فإن اختلفا؛ مثل أن يكون أحدهما ذهبًا، والآخر فضة.
فإن حلَّا: جازت المقاصة، قولًا واحدًا.
وإن لم يحلَّا، أو حلَّ أحدهما: فالمذهب في جواز المقاصة على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، وبه قال مالك، وابن القاسم، وهو مشهور المذهب، وكذلك في طعامي القرض إذا اختلفا.
والثاني: أن المقاصة جائزة، وهو قوله في "المدونة" في العرضين إذا حلَّ أحد الأجلين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الذِّمم، هل تبرأ بالمقاصة، أو لا تبرأ؛
стр. 2577
فمن قال: إنها لا تبرأ: منع المقاصة قبل حلولهما جميعًا؛ لأن العين والطعام من الأموال الربوية -نقدًا ونساء- وقد قدمنا أنه لا يصح فيه تنجيز بالإبرام قبل انصرام المدى؛ لأنه في الذهب والفضة صرف مستأخر، وفي طعام القرض طعام بطعام متفاضلًا إلى أجل، فلا شك ولا خفاء أن تنزيل حلول ما في الذمة منزلة حلول ما به مشغولة في تنجيز القبض بالإبراء غير متقايس، وإنما المنع فيه أثر ابن عمر ﵁ على مشهور مذهبنا -نحن المالكية- القائلون بجواز صرف ما في الذمة.
فمن رأي أن الذمم تبرأ: قال بجوازها؛ كما قال في العرضين المختلفين مع جواز اختلاف الذمم عند حلول آخر الأجلين.
ولا فرق في ذلك بين العين والعرض إذا لم يقل بالإبراء، فإن التخاطر في ذلك واحد.
فإن اتفقا في الجنسية -ذهبًا كلها أو فضة كلها- فإن حلَّت الآجال جازت المقاصة، قولًا واحدًا.
فإن لم يحلَّا: فالمذهب في جواز المقاصة على ثلاثة أقوال:
أحدها: جوازها من غير اعتبار بالآجال ولا بحلولها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن المقاصة جائزة إن حلَّا، أو حلَّ أحدهما, ولا تجوز إن لم يحلَّا -اتفق الأجلان أو اختلفا- وهو قول ابن نافع.
والثالث: التفصيل بين أن تتفق الآجال فتمنع المقاصة، أو [لا] (١) تتفق فتجوز، وهو ظاهر قول مالك ﵁.
стр. 2578
ووجه قول ابن القاسم: أن الذِّمم تبرأ بالمقاصة.
ووجه قول ابن نافع: أن الذمم لا تبرأ. وأن ذلك بيع الدين بالدين.
ووجه قول مالك ﵀: أن الآجال متفقة إذا اتفقت سلم من المكايسة، وإن اختلفت الآجال كان مكايسة.
وما قدمناه في السؤال الثاني من الفقه والتحصيل نحو منه يقال هاهنا، ومن تأمله بان له سبب النزاع؛ لأنه يدخل في القرضين والطعامين المتفقين.
وقد اختلف الأشياخ في المقاصة هل يتوقف جوازها على معرفة أصل المداينة؛ فمنهم من يقول: لا اعتبار بأصل المداينة كيف كانت، ولا على ماذا وقعت.
ومنهم من يقول: لابد من اعتباره فتمنع المقاصة إذا كان هناك تهمة؛ مثل أن يكون أحد الذهبين ثمن قمح والآخر ثمن تمر؛ لا فيه من بيع الطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وكذلك في عوضي البيع إذا كان رؤوس أموالهما ذهبًا وفضة، أو كانا ذهبين، غير أن الآخر من المسلمين أكثرهما فيمنع ذلك خيفة التعامل على صرف مستأخر، أو على ذهب فأكثر منه، إلا أن يكون المسلمان في وقت واحد فتبعد التهمة وتزول المظنة فيجوز. والحمد لله وحده.
стр. 2579
كتاب البيوع الفاسدة
стр. 2580
كتاب البيوع الفاسدة
قال القاضي أبو بكر بن العربي: سمعت القاضي الريحاني ﵁ ببيت المقدس يقول: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام الإنسان؛ وذلك أن الله خلق الآدمي محتاجًا إلى الغذاء، مشتهيًا للنساء، وخلق له ما في الأرض جميعًا كما أخبر في صادق كتابه، ولم يتركه يتصرف لإقضاء شهواته، ويستمتع بنفسه باختياره، وتتعارض الشهوات، والعقل يقضي أن يكون هناك قانون ينفصل به وجه المنازعة، فالشهوة تسترسل بحكم الجملة، والعلائق مقيدة بحكم الشريعة، وجعل لكل واحد من المكلفين اختصاصًا يناله به الله مما له فيه النفع، وجعل له سببين:
أحدهما: منحه ابتداءً؛ وهو الاصطياد، والاحتشاش والاحتطاب، والاقتطاع، على اختلاف وتفصيل.
والثاني: تنقله من يد إلى يد، وهو على وجهين:
أحدهما: بغير عوض؛ وهو الهبة.
والثاني: على عوض؛ وهو البيع، وما في معناه، وهذا بابه، وله شروط كثيرة، ومفسداته أكثر؛ لما قضى الله أن يكون الفساد أكثر من الصلاح، والشر أضعافًا من الخير؛ ولذلك تمتلئ النار بأصلها، وتبقى الجنة خالية حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر.
فإذا ثبت ذلك، فتحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها إحدى عشرة مسألة.
стр. 2581
المسألة الأولى في حد الصحيح والفاسد من البيع
فنقول: الفاسد عندنا غيابه عما لا حكم له في الشرع، وتحقيقه يتبين لك بتعاطي الانفصال عن السؤال عن حد الصحيح، وقد تكلم الأصوليون في ذلك، ونحن ذاكرون ما هو المذهب المختار عندنا:
فمن ذلك ما قاله الشافعي ﵁ في "الرسالة"، وذلك أنه قال: جماع ما يجوز به البيع عاجلًا وآجلًا أن يتعاقدا بتراضٍ منهما، لا بأمر منهي عنه، ولا عن أمر منهي عنه، فإذا تعاقدا على هذا وتفرقا بأبدانهما: لم يكن لأحدهما فسخه دون عيب يحده أو شرط يشترطه.
فقوله: "جميع ما يجوز به البيع عاجلًا وآجلًا أن يتعاقدا بتراضٍ منهما": يشمل الفاسد والصحيح.
وقوله: "لا بأمر منهي عنه" لم يخلص الأثمان من الناهي كالأعواض الفاسدة؛ مثل البيع بخمر أو خنزير أو ميتة، وما ضارع ذلك.
وقوله: "ولا على أمر منهي عنه": معناه ألا يكون الخلل راجعًا إلى اشتراط ما لا يجوز من الخيار العري عن الاختيار، أو يذكرا أجلًا مجهولًا.
فهذا هو البيع الصحيح عندنا، وما وراءه فاسد.
ولا فرق بين الفاسد والباطل عندنا وعند الشافعي؛ لاجتماعهما في الحد الذي أسلفناه، غير أنا نحن -معاشر المالكية- لا نقول بالتحرير والتقرير، "تفرقا بأبدانهما": ليس بمذهب لنا، وإنما هو مذهب الشافعي.
وأما الحنفية: فيفرقون بين الفاسد، والصحيح، والباطل، ويجعلون
стр. 2582
الصحيح غاية في الدرجة.
والباطل: الغاية في الدرك، والفاسد: متوسط بين الأصلين؛ لأخذه شبهًا منها، وشبهيته بالباطل: كون الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض كما لا يفيده الباطل قبل الملك وبعده.
وشبهيته بالصحيح: في كون الفاسد يفيد الملك قبل القبض كما أن الصحيح يفيد الملك قبل القبض وبعده.
والباطل هو بيع الخمر، والفاسد هو البيع بالخمر.
والخوض معهم محال على مسائل الخلاف.
وأما القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب فقد أنصف إذ قال: الذي يراد بالفاسد والباطل: هو أنه إذا تعلق بعبادة، فإن كانت مفروضة: فإن الذمة لم تبرأ من وجوبها، وإن كانت مسنونة لم تقع موقع الذي أريد بها، وإن كان متعلقًا بعقد: فإنه لا يثمر إباحة التصرف ولا ما يستباح به إذا وقع على الوجه المأذون فيه، وليس مع ذلك أن تقوم دلالة على أن النهي في بعض المواضع لا يوجب ذلك، ولكنه كالخارج عن الأصل.
والحمد لله وحده.
стр. 2583
المسألة الثانية في تقاسيم البيع الفاسد
وهو ينقسم إلى أربعة أقسام:
منها ما كان فساده في عقده.
ومنها ما كان فساده في ثمنه أو مثمونه.
ومنها ما يرجع فساده إلى حالة المتعاقدين.
ومنها ما كان فساده من شروط مقترنة به.
فأما ما كان فساده في عقده: كبيع يوم الجمعة وقت النداء، أو البيع في بقعة مغصوبة، أو بيع التفرقة، وما أشبه ذلك: فالبيع في ذلك كله فاسد مع القيام وفاقًا.
وفي الفوات: يمضي بالثمن عند الجمهور، وبالقيمة عند الأقلين عددًا ودليلًا، وكل المذهب والتوجيه ظاهر، غير أن ما يكون الفوات يختلف باختلاف أنواع المبيعات، على ما هو مسطور في الأمهات.
وأما ما يرجع فساده إلى ثمنه أو مثمونه؛ كالبيع بثمن مجهول المقدار أو مجهول الجنس، أو مجهول الصفة، أو كان المثمون مجهول المقدار، أو مجهول الجنس، أو مجهول الصفة، أو قبضه مجهول؛ إما لكونه بيد غاصب لا يقدر عليه، وإما لكونه بيع إلى أجل مجهول، أو بيع الخمر أو ابتياعه: فالبيع في ذلك كله مردود على القيام، ويمضي مع الفوات بالقيمة.
وأما ما يرجع فساده إلى حال المتعاقدين؛ كبيع العبد السفيه، وبيع
стр. 2584
الفضول: فذلك موقوف على إجازة من له الولاية والتصرف مع القيام اتفاقًا، ومع الفوات على الخلاف؛ لما في ذلك من فسخ القيمة بالثمن فصار الربا إن كان الثمن عينًا، وفسخ الدين في الدين إن كان الثمن عرضًا.
وإن كان مؤجلًا دخله الشراء بالقيمة، وذلك غرر وخطر؛ لأنه مخير بين أخذ القيمة أو الثمن على قول، وقد يختار القيمة أولًا، ثم يفسخها في الثمن ثانيًا.
وأما ما يرجع فساده إلى شروط اقترنت به: فذلك على أربعة أوجه:
منها ما يبطل البيع، والشرط معًا.
ومنها ما يصح فيه البيع والشرط معًا.
ومنها ما يصح فيه البيع، ويبطل الشرط.
ومنها ما يمنع فيه البيع والشرط، إلا أن يسقط مشترط الشرط شرطه.
فأما ما يبطل فيه البيع والشرط معًا: فهو ما يؤول فيه الشرط إلى الغرر في الثمن أو المثمون: يفسخ مع القيام، ويمضي بالقيمة مع الفوات ما بلغت، ولا إشكال في ذلك.
فأما ما يجوز فيه البيع والشرط جميعًا؛ مثل أن يبيع دارًا ويستثنى سكناها سنة، أو باع دابة واستثنى ركوبها يومًا أو يومين أو ثلاثة.
فأما ما يجوز فيه البيع ويبطل الشرط؛ مثل أن يبيع منه سلعة على أنه إن لم يأته بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما: فقال مالك: البيع جائز، والشرط باطل.
وأما ما يبطل فيه البيع والشرط، إلا أن يسقط مشترط الشرط شرطه؛ مثل أن يبيعه سلعة على أن يسلفه، أو على أن يتخذها أمّ ولد إن كانت
стр. 2585
أمة، أو على ألا يهب ولا يبيع: فمشهور المذهب أن البيع جائز، والشرط باطل إذا أسقط من له الشرط شرطه.
وهذه الوجوه كلها في "المدونة" منصوصة، وعلى هذا التنزيل يصح استعمال الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنه روي عن رسول الله ﷺ أربع أحاديث:
حديث جابر بن عبد الله قال: "ابتاع مني رسول الله ﷺ بعيرًا واشترط [عليَّ] (١) ظهره إلى المدينة" (٢) والحديث صحيح، خرجه أئمة الصحاح.
وبهذا الحديث أخذ من جوز البيع والشرط جملة بلا تفصيل، وهو ابن شبرمة.
والحديث الثاني: حديث بريرة إلى رسول الله ﷺ قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط" (٣).
والحديث متفق على صحته، وبه قال ابن أبي ليلى أن البيع جائز، والشرط باطل في جميع بياعات الشروط.
والحديث الثالث: ما روي عن أبي حنيفة أنه روي أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع وشرط" (٤).
وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في بطلان بياعات الشروط عمومًا.
стр. 2586
والحديث الرابع: ما خرجه أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل بيع وسلف، ولا يجوز شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن" (١).
وبهذا الحديث قال من جوز البيع مع شرط واحد، ولم يجزه مع الشرطين، وهو أحمد بن حنبل ﵁ فتعارضت مذاهب الفقهاء لتعارض هذه الأحاديث.
وأما مالك ﵁ فقد استعمل الأحاديث كلها، على ما قدمناه وفصلناه أي تفصيل.
واستعمل الأحاديث مع القدرة على ذلك أولى بالترجيح؛ لأن الترجيح إلغاء كلام صاحب الشرع، ولا سبيل إلى تركه مع إمكان استعماله، وبهذا وأمثاله رأي أصحابه أن مذهبه أولى المذاهب، وهو بها أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا، والحمد لله وحده.
стр. 2587
المسألة الثالثة في البيع الفاسد هل ينقل الملك ؟
فذهب الشافعي إلى أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، ولا يغير شبهة ملك، لا مع القيام ولا مع الفوات، وأن حكمه: الرد على كل حال.
ومذهب أبي حنيفة في ذلك كمذهب مالك ﵄ ونحن نذكره إن شاء الله تعالى.
ولا خلاف في البيع أن البيع الفاسد لا ينقل الملك مع القيام وقبل القبض.
واختلف هل يفيد شبهة الملك أم لا؟
واختلف القائلون بأنه يفيد شبهة الملك هل يفيدها بالعقد أو بالقبض؟
وفائدة ذلك وثمرته: إذا تصرف المشتري في المبيع بما يكون فواته وهو في يد البائع، هل يكون ذلك فوتًا يوجب القيمة على المشتري وإن لم يقبضها على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب العيوب"، وهما منصوصان في المذهب.
أحدهما: أنه [يفيتها] (١) بالعقد، وهو قوله في "كتاب العيوب" إذا تصرف بها قبل أن يقبضها أن القيمة تجب عليه، والبيع كالصدقة.
والثاني: أن تفويته [لا] (٢) يكون فوتًا إلا بعد القبض، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب"؛ حيث جوز البيع إذا كان المشتري الأول قد قبضها، فظاهر هذا أنه إذا لم يقبضها لا يكون تصدقه فوتًا.
стр. 2588
واختلفوا في العتق قبل القبض على قولين:
أحدهما: أنه يكون فوتًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يكون فوتًا، لأنه أعتق ما في ضمان غيره، وهو قول أشهب.
واختلف في نقد الثمن، أو التمكن من قبض السلعة وإن لم ينقد الثمن هل يكون ذلك كقبض السلعة وتدخل في ضمان المشتري بذلك على قولين:
أحدهما: أنه بالنقد أو التمكن تدخل في ضمانه، وهو قول أشهب وابن القاسم يخالفه في ذلك.
فإن قبضها فلا تخلو من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة بيد المشتري: فلا يخلو فساده من أن يكون متفقًا عليه، أو مختلفًا فيه.
فإن كان فساده متفقًا عليه هل يرد البيع أو يمضي؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد البيع مع القيام، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يمضي بالقبض والرد استحسان، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
وعلى القول بأن الرد واجب مع القيام، فهل يجوز فيها تصرف البائع وهي في يد المشتري؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن تصرفه فيها جائز بالعتق وغيره، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصدقة" من "المدونة" قال: إن البيع الفاسد إذا فسخ فإنما يرجع العبد إلى البائع على الملك الأول.
стр. 2589
والثاني: أن تصرف البائع في السلعة بعدما قبضها المشتري غير نافذ؛ لأنه تصرف لما هو في ضمان المشتري وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في البيع الفاسد هل يفيد شبهة الملك للمشتري بعد القبض وقبل الفوات، أو إنما يفيد الملك؟
فعلى القول بأنه يفيد الملك: فلا يجوز تصرف البائع؛ لأنه تصرف فيما هو في ملك غيره، وهو قول أشهب في هذه المسألة، وهو جنوح إلى مذهب محمَّد بن مسلمة الذي يقول: الرد بعد القبض استحسان.
وعلى القول بأنه يفيد شبهة الملك: فإنه يجوز تصرف البائع والمشتري، فمن سبق منهما بالتصرف كان فعله ماضيًا.
وإن كان فساده فسادًا مختلفًا: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها بالعقد تدخل في ضمان المشتري.
والثاني: أنها لا تدخل في ضمانه إلا بالقبض.
فعلى هذين القولين: لا يجوز فيها تصرف البائع؛ إما بعد العقد على قول، وإما بعد القبض على آخر.
والثالث: أنها لا تدخل في ضمانه إلا بعد الفوت.
وعلى القول بأنها لا تدخل في ضمانه إلا بالفوات، فإذا فاتته بعد القبض، فما الذي يجب فيها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يضمنها بالثمن.
والثاني: أنه يضمنها بالقيمة.
وإن كان فساده فسادًا متفقًا عليه، هل يدخل في ضمان المشتري ويفيده
стр. 2590
ذلك البيع ملكًا تامًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: يفيده الملك التام، وهو مشهور المذهب.
والثاني: التفصيل بين الربا وغيره؛ فيفيد الملك فيما عدا الربا بعد الفوت، والربا يرد على كل حال -تغيرت السلعة أو لم تتغير- وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والثالث: أنه لا يفيد الملك، وأن ذلك لا يخرج الملك من ضمان بائعة، وأن حكمه في يد المشتري حكم الرهن فيما لا يغاب عليه الضمان فيه من البائع، إلا أن يكون التلف بسبب المشتري.
وما يغاب عليه: فالضمان فيه من المشتري إلا أن يقيم بينة على الضياع بغير سببه، وهو مذهب سحنون.
فإذا ثبت بالفوات الموجب للقيمة على مشهور المذهب يختلف باختلاف المبيعات.
ولا خلاف في المذهب أن حوالة الأسواق فيما سوى الدور والأرضين والمكيل والموزون من سائر العروض والحيوان فوت يوجب القيمة على المشتري.
واختلف في الدور والأرضين على قولين:
أحدهما: أن حوالة الأسواق فيهما ليست بفوت، وهو مذهب "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها فوت فيهما، وهو قول أشهب، ومحمد بن عبد الحكم.
стр. 2591
وفي المكيل والموزون قولان:
أحدهما: أن حوالة الأسواق ليست بفوت -لا مع بقاء عينة ولا مع ذهابه- وأنه لا يفيته وجه من وجوه الفوت؛ لأن مثله يقوم مقامه، وهو مذهب المدونة، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أن حوالة الأسواق فيه فوت، وهو قول ابن وهب وغيره من الأصحاب، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي وغيره من حذاق المتأخرين، وهو الأظهر في النظر؛ لأن وجود المثل كقيام العين في الفوت؛ لأن العلة التي علل بها مالك ﵀ في وجوب الضمان بحوالة الأسواق وهو موجود في المكيل والموزون؛ وذلك أن الضرر يدخل على أحدهما في المكيل والموزون، كما يدخل عليه في العروض، وذلك الضرر هو الزيادة في القيمة أو النقصان منها والعلة شاملة للجميع.
وأما إن باعها قبل الرد بيعًا صحيحًا، فهل يكون فوتًا؟
فلا يخلو من أن يبيع بعد العلم بفساد البيع، أو قبل أن يعلم.
فإن باع بعد العلم بالفساد: فلا يفيد ذلك البيع الفاسد باتفاق المذهب، ويؤخذ من المدونة من مسألة السيف المحلَّى في "كتاب الصرف".
فإن باعها ولم يعلم بفساد البيع: فالبيع يكون فواتًا ما لم يشترها بعد بيعه إياها وهي قائمة ما لم تفت، ولا تغيرت عن حالها.
فإن تغيرت: فالقيمة قد وجبت ببيعه.
فإن لم تتغير فهل ترد السلعة ويفسخ البيع الأول، أو يكون بيعه إياها فوتًا؟
стр. 2592
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن البيع الأول مفسوخ، والبيع الثاني كأنه لم يكن، وكأنها لم تخرج من ملكه منذ اشتراها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن القيمة قد وجبت بعد البيع الثاني، ويكون فواتًا, ولا ينظر إلى ما حدث بعد ذلك من الشراء، وهو قول أشهب في "المدونة".
ويلزم ابن القاسم أن يقول مثل قول أشهب من مسألة الهبة، وقد قال في "كتاب الهبات": إذا وهبها على ثواب، ثم باعها الموهوب له، ثم اشتراها فأراد ردها على الواهب، وهي قائمة لم تفت:
فقال ابن القاسم: تلزمه قيمة الهبة، ولا رد له وإن عادت إلى ملكه على صفاتها.
ويلزم من ظاهر قوله في حوالة الأسواق أيضًا إذا عادت إلى مثل سوقها الأول قبل أن يحكم عليه بالقيمة أن يردها، كما قال في البيع؛ إذ لا فرق بينهما في المعنى.
فيتخرج من المدونة في البيع قولان، وفي حوالة الأسواق قولان، وفي الهبة قولان، غير أن قوله في مسألة الهبة أظهر؛ فإن المعتبر في الهبة هي ما يعد منه رضا بالثواب، فإذا صرح به، أو فعل في الهبة فعلًا يعمل على الرضا بالقبول: لزمه العوض، بخلاف البيع الفاسد الذي هو حق لله تعالى، ولا يتوقف فيه الفسخ على رضا المتبايعين.
وأما حوالة الأسواق: فذلك فيها لازم، وقد خرق، بعض المتأخرين بينها وبين مسألة البيع بفرق لا يبدئ ولا يعيد، وقال: الفرق بينهما أن السلعة في البيع الثاني قد عادت إلى الملك الأول فكأنها لم تخرج منه،
стр. 2593
والسلعة في حوالة الأسواق لم تعد إلى أسواقها الأول، وإنما عادت إلى مثلها، وأما السوق الأولى فقد ذهبت وانقضت فلا تعود أبدًا.
وما قاله صحيح من وجه أن ما مضى من الأزمان لا يعود بحال، ويلزمه في الملك مثل ذلك؛ لأن الملك الأول غير الثاني، والعهدة تتعدد بتعدد الملك، كان من شخص أو أشخاص، وذلك لازم لابن القاسم لزوم القرط للأذن.
والحمد لله وحده.
стр. 2594
المسألة الرابعة في شراء القَصِيل (١)
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون القصيل في حد لا يقع به الانتفاع.
والثاني: أن يبلغ حدًا يقع به الانتفاع لصغره فهل يجوز البيع أم لا؟
يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قوله في "كتاب بيع الغرر" وفي "كتاب الشفعة"؛ حيث جوز شراء [...] (٢).
والثاني: المنع، وهو ظاهر قوله في "كتاب بيع الغرر" أيضًا؛ حيث قال: لا يجوز أن يبيع عشرة أذرع في الهواء فوق عشرة أذرع من هواء فوق سطح رجل، وهو نص قوله في "كتاب البيوع الفاسدة".
وسبب الخلاف: ما يجوز تملكه والانتفاع به هل يجوز بيعه أم لا.
فأما إذا بلغ حدًا يقع به الانتفاع، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يشتري الرأس بانفراده، أو اشترى واشترط الخلفة.
فإن المشترى الرأس بانفراده: فلا يخلو من أن يشتريه على الجز، أو على التأخير.
فإن اشتراه على الجز فتحبب قبل الفراغ من قصله، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
стр. 2595
إما أن يكون ذلك منه على معنى الغلبة والإضرار؛ مثل أن يشرع في قصله فلم يفرغ منه حتى غلبه الحب: فالبيع مفسوخ بينهما فيما تحبب.
فإن كان ذلك على معنى الترفه والاختيار؛ مثل أن يشغله المشتري وخشي ألا يسعفه البائع بالإقالة إن طلبها فالتمس حيلة يفسخ بها البيع عن نفسه فتوانى في قصله حتى تحبب، هل يلزمه البيع، أو يفسخ؟
قولان منصوصان في المذهب:
أحدهما: أن البيع مفسوخ.
والثاني: أن البيع نافذ.
والقولان عن مالك في "العتبية" و"الموازية".
وسبب الخلاف: السبب في اكتساب أمر يؤثر في بطلان العقد الواقع على نعت اللزوم والانبرام هل يعاقب بنقيض مقصوده فيوفر على العقد ما يقتضيه حين وقوعه، أو يناط الحكم بمآله وعاقبته؟
وأما إذا أبهم الأمر، وجهل السبب الموجب للتراخي إلى أن تحبب: فالبيع مفسوخ كما لو علم السبب وكان اضطرارًا.
وأما إن اشتراه على التأخير، فإن كان تأخيرًا يسيرًا لا منفعة فيه للمشتري ولا مضرة على البائع: فالبيع جائز، والشرط باطل، ويؤمر بالشروع في الرعي والجز.
فإن اشترط تأخيرًا تحصل به المنفعة للمشتري؛ مثل أن يقصد بذلك زيادة التسور، أو يقصد بذلك مضرة البائع؛ كاشتراط التأخير إلى مدة يتحبب فيها القصيل: فالبيع باطل بالاتفاق.
فإن اشتراه واشترط الخلفة في عقد واحد، أو اشترى الخلفة في عقد