للحم، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه مخصص بما يراد للحم خاصة دون ما يراد منه للأمرين جميعًا؛ كالكسير والشارف، وهو مذهب "المدونة"، وهو الذي حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن شيوخه.
والقول الثالث: أنه يجوز بيع اللحم من جنسه عمومًا، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع اللحم بالحيوان هل هو معلل، أو غير معلل؛ فمن علله بالمزابنة وحدها فيقول: إذا تحقق التفاضل؛ كبيع شاة برطل لحم: فإنه يجوز، سواء كانت الشاة مرادة للأمرين كالصحيحة, أو مرادة للحم خاصة كالشارف والمنخنقة وأخواتها، وعلى هذا يحمل ما وقع لمالك في "الموَّازية".
ومن علل بالمزابنة مع التفاضل: فإن النهي مقصور على ما يراد للحم خاصة دون ما عداه؛ كالمعلوفة، والمكسورة، وغيرهما، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنها في حكم اللحم، فالتفاضل فيه حرام لأنه جنس واحد.
وقد اضطرب قول ابن القاسم فيما كان مآله اللحم على كل حال، هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم اللحم، فجعله مع الحي لحمًا، ومع اللحم حيًا، ومثل هذا لا يجري على سبيل التحقيق؛ لأنه قال فيمن أسلم في دجاج فأخذ فيها طيرًا من طير الماء؛ حيث قال: لا يجوز، فجعله هاهنا من الحي لحمًا.
وقال فيما يراد للحم ولا منفعة فيه غيرها: أنه لا يجوز باللحم فأعطاه حكم الحي.
ومن رأى أن الخبر غير معلل استعمل النهي فيما يراد للأمرين جميعًا،
стр. 2522
وفيما يراد لشيء واحد، وهو مشهور المذهب.
وأما بيع اللحم باللحم: فإن اختلفت الأجناس: جاز التفاضل كذوات الريش وذوات الماء وذوات الأربع.
فإن اتفق الجنس مع التفاضل مع اتفاق الصنعة فإن اختلفت الصنعة: جاز التفاضل، ولا خلاف أن النار في اللحوم والزيوت بانفرادها ليست بصنعة إلا أن يدخلها الأبزار، بخلاف الحبوب فإن النار بمجردها صنعة تبيح التفاضل في الجنس الواحد منها.
وتحصيل ما في الكتاب أن يقول: لا يخلو اللحم من أن يكون نيِّا عريضًا، أو قديدًا، أو مشويِّا، أو مقلوِّا، أو مطبوخًا: فالمقلي والمطبوخ بالأبزار يجوز بيعه بالجميع متماثلًا ومتفاضلًا.
وفي الني الطري بالقديد عن مالك قولان أيضًا.
وفي المشوي بالقديد قولان؛ نص "المدونة" المنع متفاضلًا ومتماثلًا، ويلزم منه قول آخر بالجواز.
وسبب الخلاف: هل يدرك فيها التماثل بالتحري فيجوز البيع متماثلًا، أو لا يدرك فيكون ذلك مزابنة فيمنع من كل وجه؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
وهذا كله إذا كان القديد والمشوي بالأبزار.
وأما إن دخلتهما الأبزار: فإن ذلك كالقلية.
وأما الربوب: فإن النار فيها ليست بصنعة تبيح التفاضل بينها وبين أصولها رب القصب الحلو برب القصب أو بالحلاوة، أو رب العنب بالعنب أو بعصيره، أو رب التمر بالتمر لاتحاد المنفعة في الأصل.
стр. 2523
وما يكون ملة فإذا دخلت فيه الأبزار جاز التفاضل عند ذلك لأنه صار عقيدًا.
وأما الحبوب: فإن النار فيها بانفرادها فيها صنعة تبيح التفاضل كالمقلو مع الني على كراهة مالك في المقلو حتى يطحن، فإذا صار خبزًا جاز التفاضل بينه وبين أصوله.
واختلف في الأخباز هل يجوز التفاضل فيما بينها اعتبارًا بأصولها، أو لا يجوز لاتحاد الاسم وتقارب المنافع؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تابعة لأصولها، وأن التفاضل جائز، وأن القمح والشعير والسَّلت صنف واحد، وأخبازها صنف.
والقطاني قد جعلها مالك في الزكاة صنفًا واحدًا، واختلف في قوله فيها في ["كتاب] (١) السلم الثالث"؛ فمرة جعلها صنفًا واحدًا فيمنع التفاضل فيها، ومرة جعلها أصنافًا فيجوز التفاضل فيها.
واختلف أيضًا في الأرز والدخن والذرة هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة؟ على قولين.
ولا خلاف في باب الربا أنها أصناف.
فعلى هذا القول تكون الأخباز تابعة لأصولها، وهو قوله في "المدونة"، وقاله أشهب.
ولابن القاسم في "الموَّازية" قول ثالث: أن القطاني كلها صنف واحد، إلا البسيلة والجلبان فهما صنف واحد، واللوبيا والحمص صنف واحد.
стр. 2524
ولأشهب قول آخر أنها كلها صنف واحد، إلا الفول، والعدس، والحمص فإنه صنف واحد.
فيتحصل في المسألة أربعة أقوال:
....
والثاني: أن الأخباز كلها صنف واحد، فلا يجوز التفاضل فيها وإن اختلفت أصولها، وهو قول أشهب في "الموَّازية".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أخباز الأرز، والدخن، والذرة الحمراء أو البيضاء، وأخباز القمح والشعير: فلا يجوز التفاضل فيها، وأخباز سائر القطاني جنس واحد يمنع التفاضل فيها، ويكون بينهما وبين غيرها، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى بن يحيى عنه في "العتبية" وجعلها كالخل من أصناف مختلفة.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الألقاب والتسميات، أو النظر إلى تقارب المنافع.
وأما الزيوت: فإنها تابعة لأصولها: فإنه يجوز التفاضل فيها لاختلاف منافعها وأصولها؛ كزيت الزيتون، وزيت السمسم -وهو الشيرق، وهو السليط، وزيت السلجم وزيت الخردل: فإن التفاضل فيها جائز كأصولها.
وأما العسل: فهو أصناف مختلفة يجوز التفاضل فيها.
وأما الخلول: فإنها صنف واحد لا يجوز التفاضل فيها؛ لاتحاد منفعتها وتقاربها.
فإن كانت مختلفة كالعنب، والتين، والتمر، والعسل، وكثير من معاني هذا الباب تقدمت في كتاب الزكاة الثاني. وأما الألبان وما يتولد عنه: فإنها سبعة أوجه؟
ثلاثة في اللبن، وأربعة فيما يتولد عنه.
стр. 2525
فأما الثلاثة التي في اللبن فهو: حليب، ومخيض، ومضروب.
وأما الأربعة فيما يتولد عنه فهو: زبد، وسمن، وجبن، وأقط.
فبيع الحليب، وبيع الزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا حرام قولًا واحدًا.
وأما بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فقد اختلف فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث".
والثاني: المنع، وهذا القول حكاه أبو الفرج عن مالك في "الحاوي".
وسبب الخلاف: هل المقصود استخراج زبدهما فيمنع من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة الموجودة، وإنما منع للغرر والمخاطرة؛ لأن كل واحد منهما يقول: لعلي أخرج من الذي أخذت أكثر مما يستخرجه الآخر، ولاسيما لما علم بالمشاهدة أن بعض الحيوانات من البقر والغنم يكون لبنها أكثر زبدًا من لبن بعض، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع.
أو المقصود استعمال ذلك الحليب في الطبيخ وغيره، لا ليستخرج زبده: فيجوز.
وأما بيع الزبد بالزبد، أو السمن بالسمن متماثلًا:
فإنه يجوز، قولًا واحدًا.
وأما الجبن بالجبن: فإن كان يابسًا كله، أو رطبًا كله: فإنه يجوز متماثلًا.
وإن كان أحدهما رطبًا، والآخر يابسًا: فلا تجوز المزابنة.
وأما الحليب بالزبد، أو بالسمن، أو بالجبن، أو بالأقط: فإن ذلك لا
стр. 2526
يجوز لأجل المزابنة؛ لأن الحليب يستخرج ذلك منه كله.
ولا يجوز الزبد بالسمن، ولا بالجبن، ولا بالأقط، ولا يجوز بيع شيء من هذه الأشياء بالآخر؛ لأن الادخار موجود، والتفاضل ممنوع، والمماثلة معدومة؛ والعلة في ذلك المزابنة؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
وأما الحليب بالمضروب الذي أخرج زبده، أو المضروب بالزبد، أو بالسمن، أو بالجبن فهل يجوز بيعه، أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مذهب "المدونة"، وقد نص في آخر "كتاب السلم الثالث" على جواز التفاضل بين المضروب والحليب، وعلى أن المضروب بالزبد جائز أيضًا.
والثاني: أن ذلك لا يجوز جملة.
وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي.
وينبني هذا الخلاف: على الخلاف في بيع المضروب بالمضروب والمخيض بالمخيض هل يجوز التفاضل فيهما أم لا؟ فمن جوز التفاضل فيهما قال: لأنهما لا يدخران فجوز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب متفاضلًا، وبغيره من جميع ما ذكرنا من الزبد والسمن وغيرهما.
ومن منع التفاضل فيهما منع أن يبيع شيئًا منهما بحليب أو زبد أو سمن، أو غيرهما مما تقدم ذكره؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
واختار اللخمي أن يجوز التفاضل في المخيض والمضروب لأنه مما لا يدخر.
فهذا تحصيل ما لا يشكل على المتعلم في هذه المسألة، والحمد لله وحده.
стр. 2527
المسألة العاشرة في بيع الجزاف
ولا يخلو المبيع جزافًا من أن يكون مصبرًا على الأرض أو يكون في أعدال وأوعية.
فإن كان مصبرًا على الأرض: فلا يخلو المبيعان جزافًا من أن يكونا مما يجوز التفاضل بينهما أم لا.
فإن لم [يعلم] (١) التفاضل بينهما: لم يجز الجزاف بوجه؛ لأنه الجهل بالمقدار ممنوع في هذا الوجه لكون التماثل فيه شرط الصحة، وشرط الصحة يجب أن يعلم حصوله إذ الجهل بالتماثل في تحريم التفاضل. فالعلم بالتفاضل إلا ما كان على جهة التحري؛ مثل ما قالوه في بيع اللحم والخبز بعضه ببعض توخي السلامة من التفاضل وتوسم المماثلة عند المتناول وهي جائزة على التحري في الموزون دون المكيل؛ إذ لا يكاد الكيل يعدم ولو بالحقنة والميزان ربما يتعذر.
وهل يجوز في القليل والكثير؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز في القليل والكثير؛ لأن الحرز والتخمين طريق إلى معرفة المقدار، وعلى هذا حمل بعضهم قول مالك في "الكتاب"، وجوز التحري على الإطلاق في الحواضر والبوادي.
стр. 2528
والثاني: أنه يجوز في قليل المقدور على حدسه وحرزه وتخمينه، ولا يجوز في الكثير، ولا في الحاضرة لوجود الموازين، فإن العدل عنها مع وجودها كترك النص إلى الاجتهاد.
واختلف المتأخرون في كيفية التحري في اللحم على قولين:
أحدهما: أن يريه قدرًا معلومًا فيقول له: أسلمت إليك في مثل هذا القدر من اللحم.
والثاني: أن يقول له: أسلمت إليك في قدر ما فيه عشرة أرطال من اللحم.
وهذا الثاني أسعد بظاهر "الكتاب".
وأما الوجه الثاني مما يجوز فيه التفاضل: فلا خلاف في ثبوت الجزاف فيه على الجملة، ولجوازه عندنا في المذهب خمسة شروط:
أحدها: أن يتيقن التفاضل بين الجانبين.
والثاني: أن يكون في المعدود والمكيل.
والثالث: أن يكون المبيع مما يتأتي حرزه وتخمينه.
والرابع: أن تكون في الكثرة بحيث يخفى قدره ومبلغه على التحقيق.
والخامس: ألا ينفرد أحدهما بمعرفة المقدار.
فإذا انخرم وَصْفٌ من هذه الأوصاف خرج من صورة الجواز إلى صورة المنع.
وقولنا: أن يتبين الفصل بين الجانبين احترازًا من الجهل بالتماثل أو التفاضل؛ لأنه إذا جهل أحد الوصفين حرمت المجازفة حينئذ؛ لأن ذلك مخاطرة ومزابنة وإن كان ترابًا.
стр. 2529
وقولنا: وأن يكون في الكيل والموزون الذي لا يتعين آحاده وأعداده في التسميات والمعدود الذي الغرض منه مبلغه ومنتهاه احترازًا من الدنانير والدراهم والفلوس.
وأما الفلوس: فسنعقد فيها مسألة مفردة إن شاء الله بعد تمام هذه المسألة.
وأما الدنانير والدراهم: فقد اختلف المتأخرون في منع جريان الجزاف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المنع في جريان الجزاف على الكراهة، لا على التحريم، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القطان.
والثاني: أن ذلك على التحريم؛ حيث يجري عددًا مجرى الموازنة حتى رغب الناس فيها لخفتها ولخفائها لأنه يدخل في المائة بالوزن منها مائة وعشرون عددًا، وهي مع ذلك تنفق مفردة، فإذا بيعت جزافًا دخلها الغرر من وجهين:
أحدهما: من جهة المبلغ في الوزن.
والثاني: من جهة المبلغ في العدد.
فتكاثر الغرر، وتكاثف الخطر، ولا جرم حرم.
وأما سائر المكيلات والموزونات: فالغرر فيه من جهة الكيل والوزن لا غير، وذلك يدرك بالحرز، وأشار إلى جريان الجزاف بحيث لا يجري إلا وزنًا، وإلى هذا ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
والثاني: أن العلة في ذلك كون العين لا تتيقن عند العقد، وأن العقد على الدنانير والدراهم إنما يتناول في الذمة، ولا مجال للجزاف فيما ثبت بالذمة؛ إذا لا يثبت فيه المقدار، ومتى ما قلنا أن النقود تتعين إذا عينت فلا
стр. 2530
فرق بينها وبين سائر الموزونات في جواز الجزاف؛ ولهذا جاز في متبور الذهب والفضة لمصنوعهما لما تعين، وإلى هذا ذهب بعض مشايخ الأندلسيين.
وقولنا: والمعدود الذي الغرض منه مبلغه ومنتهاه؛ احترازًا مما يقصد منه آحاده وأعيانه، وتختلف القيمة باختلافها كالعبيد والحيوان والثياب، وغيرها مما يعظم الخطر بالغلط ببعض أعيانها: فإنه لا يجوز الجزاف فيه بوجه؛ لأن آحاده وأعيانه؛ كالجواز، واللوز، والرمان، والزيتون، والقثاء، والبطيخ، وصغار الحيتان دون كبارها: فلا إشكال في جواز الجزاف فيها لتفاهة الخطر والغرر فيما يقع فيه الغلط إذ لا كبير قيمة تعجز من أخذ جملتها فضلًا عن آحادها وأعيانها، والضابط لذلك أن يقال: كل ما يعد ولا يكتال ويعظم فيه الخطر: فلا يجوز فيه الجزاف، وكل ما يعد ويكتال ويقل فيه الخطر: فالجزاف فيه جائز.
وقولنا: أن يكون المبيع مما يتأتي حرزه وحدسه، وذلك بأن يكون مرئيًا احترازًا من الغائب الذي لم يتقدم رؤيته، والثابت في الذمة الذي لا يتأتي حرزه.
وقولنا: أن تكون في الكثرة بحيث يخفى أمره ومبلغه على التحقيق احترازًا من الشىء اليسير والنذر الحقير الذي لم يدرك بحقيقه ومعرفة قدره بأدنى تأمل؛ لأنه في حكم المعلوم قدره، وهو قول ابن حبيب.
وقولنا: ولا ينفرد أحدهما بمعرفة المقدار، فإن انفرد أحدهما بالعلم فلابد له من البيان، وإلا صار مدلسًا ويجب الرد للمشتري من غير خلاف عندنا في المكيل والموزون كالمعدود الذي تتفاوت أقداره في التفاوت كالقثاء والبطيخ والأترج قولان:
стр. 2531
أحدهما: وجوب البيان؛ قياسًا على المتفق عليه أنه أدرك أحد ركني العلم بالمقدر فلابد أن يبين طوله وغلظه، وهو قول ابن الموَّاز.
والقول الثاني: أنه لا يلزم البيان؛ لأن الغرض فيما هاهنا المبلغ دون الأعيان، فلم يضره الانفراد بمعرفة ما ليس بمقصود كما لو انفرد بمعرفة أعداد حبات المكيل والموزون، وهذا قول مالك في "المبسوط"، وبه قال ابن حبيب، فقال: وإن عرف العدد أيضًا فإنه يجوز؛ لأن معرفة العدد لا تؤدي إلى معرفة أقدارها في الصغر والكبر.
فعلى القول بلزوم البيان، فلو أراد المبتاع أحدها جزافًا مع علمه بانفراد البائع بمعرفة المقدار: فقد قال مالك: لا يجوز ذلك.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في "شرح الرسالة": لأنهما قصدا بذلك العقد ضربًا من الخطر؛ لأن الجزاف في نفسه خطر، وإنما أبيح للرفق ولزوم المشقة بانفراد البائع بالعلم يصير للمشتري طريقًا إلى معرفة ذلك، فإذا رضي بأن لا يعلمه فقد رضي بالغرر.
وقال ابن القصار: وهذا كالممتنع؛ لأنه قال: إذا لم يعلم المشتري فهو عيب، وإن علم ورضي بأن لا يعلمه لم يجز، وهذا يناقض كونه عيبًا؛ لأن البائع لو أوقف المشتري على العيب ورضيه: جاز.
وقال القاضى عبد الوهاب: في هذا الذي قاله نظر، والمسألة صحيحة غير ممتنعة؛ لأنه لا يمتنع أن يقع العقد على صفة يكون للمشتري الخيار إذا لم يعلم بها, ولو علم بها حين العقد لم يجز؛ لافتراق الحال في الأمرين لأنه يكون إذا رضي غرر، ومؤديًا إلى ما لا يحل، بخلاف إذا لم يعلم كما يقوله في بيع الفضولي إذا لم يعلم المشتري: فالبيع صحيح، غير أنه
стр. 2532
موقوف على إجازة المخير، ولو علم المشتري بكونه فضوليًا حين العقد لم ينتظم العقد.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المبيع جزافًا في الأعدال والأوعية كالعدل المملوء قمحًا، والبيت المملوء تمرًا فهو من باب الجزاف فيجوز، فالمذهب على قولين:
أحدهما: [أنه] (١) من باب الجزاف، فيجوز إذا أمكن حرز المبيع بمعرفة طول البيت وعرضه، وارتفاع شفعة، وغلظ جدرانه، وكذلك السلة المملوءة عنبًا وتينًا.
والثانى: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه من باب المكيل بالكيل المجهول.
والقولان في المدونة في ["كتاب] (٢) السلم الثاني" في البيع المجهول وغيره.
وعلى القول بالجواز، فلو ابتاع ملأها وهي فارغة؛ مثل أن يقول له: اشتريت منك على مثل هذه الغرارة قمحًا بكذا، أو ملىء هذه القارورة، أو ملء هذا البيت، أو هذه السلة، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه جزاف غير مرئي ومن شروط الجزاف أن يكون مرئيًا.
والثاني: أنه يجوز في السلال دون غيرها من الأوعية؛ مثل أن يشتري ملء هذه السلة من العنب، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، وفرق
стр. 2533
بينها وبين غرائر القمح والشعير.
فإن قال: فكلما يجوز السلم في قلال التين، ولا يجوز في غرائر القمح، فكذلك يجوز بيع [ملأها] (١).
والثالث: أن ذلك لا يجوز، فإن نزل: جاز ومضى، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في هذا الباب هل هو من باب الجزاف فلذلك لم يجز إلا في مرئي، أو هو من باب الكيل المجهول فلذلك جاز في العنب والتين؛ لأنه ليس في الكيل قدر معروف، ولا يجوز في القمح؛ لأنه في الكيل قدرًا معروفًا، فالعدول من الكيل المعروف المألوف بين الخاص والعام قصدٌ للغرر.
والحمد لله وحده.
стр. 2534
المسألة الحادية عشرة في حكم الفلوس
وقد اختلف قوله في مسائل لاختلاف روايته في أصلها هل هي كالعروض أو كالعين؛ فجعلها في "كتاب الزكاة الأول" من العروض، وأنها لا تزكي إلا في الإدارة، فيقومها المدير.
وجعلها مرة في "كتاب الصرف" كالعين، وشدد فيها، وقال: لا تصلح فيها النظرة، ومنع التفاضل فيها، وظاهره المنع جملة كالمعين.
وقال بعد هذا ليست كالدنانير والدراهم في جميع الأشياء وليست كالحرام البين، ولكني أكره التأخير فيها، وخطها في "كتاب السلم" كالعين، وقال: لا تسلم في الدنانير والدراهم، وتسلم في ما عداها من العروض والطعام.
وجعلها في "كتاب السلم الثاني" كالعروض إذا وَاكَلَه أن يبيع له سلعة فباعها بالفلوس؛ حيث قال: هو ضامن إلا أن تكون سلعة يسيرة الثمن مثلها يباع بالفلوس. وجعلها في "كتاب القراض" حيث قال بجواز بيعها نظرة في رواية عبد الرحيم.
وقال في رواية: لا يصلح العروض بالفلوس.
وجعلها في "كتاب العارية" كالعين؛ حيث قال: إن أعارها فهي في قرض.
وجعلها في "كتاب الاستحقاق" كالعين؛ حيث قال: إن استحقت وكانت رأس المال أتى بمثلها كالعين.
стр. 2535
وجعلها في "كتاب الرهن" كالعين؛ حيث قال: يجوز منها، ويطبع عليها كالعين.
فانظر كيف اضطرب قول مالك في هذه الأجوبة، فالذي يتحصل من ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنها كالعين جملة و [الثاني: أنها] (١) كالعروض جملة، ويجوز التفاضل فيها مع النظرة.
والثالث: الكراهة.
والرابع: التفصيل بين القليل والكثير؛ ففي الكثير حكمها حكم العروض، وفي القليل: حكمها حكم العين، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني".
وسبب الخلاف: اختلافهم في التعليل بجوهرية الأثمان هل هي علة صحيحة يصح التعليل بها أم لا؟ فمن جعلها علة صحيحة فيجوز التعليل بها قال: حكمها حكم العين لعموم العلة وشمولها سائر الأثمان.
ومن منع التعليل بجوهرية الأثمان لعدم المناسبة والإخالة التي هي شرط في صحة العلة وإنما المنع تعبد قال: إنها كالعروض.
والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمَّد وآله وسلامه.
стр. 2536
كتاب الآجال
стр. 2537
كتاب الآجال
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها سبع مسائل:
المسألة الأولى في التفقه في أسئلة العينة والآجال
فمن ذلك ما روي عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أمه العالية بنت أيفع أنها قالت: خرجت أنا وأم محبة أم ولد لزيد بن أرقم إلى مكة، فدخلنا على عائشة ﵂ فسلمنا عليها، فقالت: من أنتن؟ فقلنا: من أهل الكوفة، قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت أمُّ محبة: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ فقالت: نعم، قلت: فإني بعته عبدًا إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم إنه احتاج إلى ثمنه وأراد بيعه، فاشتريت منه بستمائة نقدًا قبل الأجل، قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، قلت: أرأيت إن تركت مائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف (١).
وهذا وأمثاله أصل في حسم الذرائع، ودليل على منع الجرائر، ورد على الشافعي المجوز لبيوع الآجال؛ لأن عائشة ﵂ عدَّت هذا البيع دينًا، وأوعدت عليه بأبلغ ما يكون، ولا يبلغ إلى مثل هذا التغليظ في مسائل الاجتهاد؛ ففهم من هذا، والحالة هذه أنها ما قالت ذلك إلا لتوقيف تقرر عندها في النازلة؛ إذ بطلان الجهاد لا يعلم قياسًا، وإنما يثبت توقيفًا، وهذا الذي ذكرناه إنما يصح الاستدلال به على القول بأن التوقيف المقدر كالتوقيف المصرح به.
стр. 2538
ومنهم من جعله من باب القياس، لا من باب التوقيف المصرح به، واستدل بعض الأصحاب على ذلك من باب التوقيف أن القياس لا يدل على المنع إذ البيع تعاوض العوضين وتقابل البدلين من غير اكتراث بما مضى وانقضى، ولم يبق إلا التوقيف والتنزيل أن يكون قياسًا، إما أن يكون على وفقه أو خلافه. فإن كان على خلاف القياس: فذلك ما كنا نبغيه.
وإن كان على وفقه: فقياس الصحابة أولى من قياسنا؛ لأنهم شاهدوا ورغبنا، وحضروا ونأينا، وعاينوا وأخبرنا فهم أعلم بالتأويل منا.
واعترض على هذا التقدير والاستدلال بأن ما يعرف معناه ومغزاه من أقوال الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يقال فيه أنهم قالوا توقيفًا؛ إذ هم من آحاد المجتهدين، والمعنى في مسألتنا موجود، وهو دفع قليل في مقابلة كثير، وإنما الذي يقال فيه: أنهم قالوه توقيفًا ما لا يعلم معناه، ولا فهم مغزاه.
وأما توعد عائشة ﵂ ببطلان الجهاد: فهذا قد يقوله المجتهد إذا كان المعنى جليًا عنده في حكم المقطوع به على طريق الإرعاد والإبراق والإيعاد، وللكلام في صور الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مجال رحب، ومجرًا سخب في كلام العرب، ومثل هذا ما قاله ابن عباس ﵁ في الميراث: (هو أبيك)؛ القول أن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في المال نصفًا ونصفًا وثلثًا، وقد ذهب النصفان بالمال، فأين الثلث؟ فمن شاء باهلته، فدعي إلى المباهلة، لما كان ذلك عنده لظهوره في حكم المنطوق به على طريق الإرعاد والإبراق كما تقدم.
وهذا الاعتراض لبعض المتأخرين، وقد ينفصل عن هذا الاعتراض بأن يقال: إن حمل ذلك على التغليظ فمن باب المجاز، والأصل في الصيغ
стр. 2539
الحقيقة إلا أن يقوم دليل المجاز على ما لا خفاء به على من طالع علم الأصول، فإذا ثبت ذلك فليرج بنا الكلام إلى تفسير حديث عائشة ﵂ ومن ذلك قولها ﵂: "بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت) " هل ذلك بمعنى واحد أم لا؟
فمنهم من يقول: إنهما بمعنى واحد على التأكيد والتكرار، وهو أشبه بمذهب ابن القاسم.
ويقال: شرى، واشترى بمعنى واحد.
وقيل: هما بمعنيين، وأن شريت بمعنى: بعت، واشتريت: على بابه، بمعنى أن صار الأمر فيما بعت واشتريت إلى الربا، وهذا التأويل يطيب جناه لعبد الملك الذي يرى فسخ البيعتين جميعًا -الأولى والثانية.
وقد روي: (بئس ما اشتريت أو بئس ما شريت) على الشك من الراوي، ومن ذلك قول عائشة ﵂ -في الحديث "أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ".
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى تضعيف هذا الخبر؛ لما فيه من بطلان الجهاد، وأن ظاهره يقتضي إحباط الأعمال بالذنوب، وذلك خلاف نص كتاب الله وسنة رسوله.
ومذهب أهل السنة قاطبة: أن الأعمال لا تحبط بالذنوب؛ ومن ذلك اختصاصها الجهاد بالذكر دون سائر الأعمال وأنواع قرباته، ولا شك أن زيدًا كانت له الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة والجهاد، وأنواع البر كلها، وهو من فضلاء الصحابة، وأنه آخر كتَّاب الوحي عن رسول الله ﷺ .
فوجه تأويل قولها ﵂: أن ذلك خروج على معنى كلام
стр. 2540
العرب ومجاز لفظه، وأنها قصدته بذلك وغلظت عليها لأنها إمام يقتدي بها، مع علمها ﵂ أن زيدًا لم يقصد بذلك إلى استحلال الربا، وإنما هو شيء ذكرته عنه أم ولده مع احتمال أن يكون ممن لا يرى بالذرائع، ولا يرى ذلك البيع حرامًا، لما فيه من إساءة الظن -الذي هو حرام بالإجماع- ويمكن أيضًا أن يكون ممن يرى سد الذرائع، إلا أنه يرى أن الربا جائز بين العبد وسيده، وأم الولد يجوز لسيدها أن ينتزع ما لها ما لم يمرض مرضًا مخوفًا منه؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن زيدًا قد أبت عتقها قبل، إلا أن عائشة ذمت ذلك الفعل من زيد مخافة أن يفتح على الناس باب الفساد فيتبعوه فيه، ويدخل فيه المتهم وغير المتهم.
وأما اختصاصها الجهاد بالذكر دون سائر أعماله؛ لما رأت أنه يوازي جميع أعماله، وأنه أنفس ذخائره عند الله تعالى؛ إذ كان زيد غزى مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة -وهي عدد غزوات النبي ﷺ فكان أعظم أعماله وأفضل درجاته، وأوفر حسناته عنده، فخرج ذلك مخرج التهديد بالوعيد؛ لأن الأعمال [لا] (١) تحبط بالذنوب، بل إن ما عمل من خير يراه، وما عمل من شر يراه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿لَهَا مَا كسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣)، فإذا ثبت ذلك، فمعنى قولها ببطلان الجهاد: أن يكتسب من السيئات ما يربو على ما كتب له من الحسنات في أجر جهاده؛ لقوله ﷺ : "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها
стр. 2541
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا" (١).
وعلى هذا الوجه من التأويل يحمل قول عائشة ﵂.
فإذا ثبت ذلك فإن وقعت هذه البياعات الفاسدة في الآجال؛ مثل أن يشتري سلعة نقدًا بأقل مما باعها به إلى الأجل هل تفسخ البيعتان أو لا تفسخ؟
فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الفوات أو بعده.
فإن عثر على ذلك قبل فوات السلعة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه تفسخ البيعتان جميعًا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثاني: أنه لا يفسخ إلا البيعة الآخرة دون الأولى، وهو قول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل حديث عائشة ﵂ في قولها: (بئس ما شريت وبئس ما اشتريت)، هل ذلك تكرار للفظ، أو إنما ذمت البيعتان جميعًا؟ فمن حمل الكلام على ظاهر يقول: تفسخ البيعتان جميعًا؛ لأن الثانية بنيت على الأولى.
ومن فهم حديث عائشة ﵂ أن ذلك تكرار للفظ، وأن ذلك شك من الراوي قال: تفسخ البيعة الثانية، دون الأولى لوقوعها على الصحة، وتفسخ الثانية؛ إذ بها توصلا إلى الربا.
فإن عثر على ذلك بعد الفوات هل يفسخ أو يمضي؟
стр. 2542
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يفسخ البيعتان جميعًا, ولا يكون للبائع الأول على المبتاع إلا الثمن الذي دفعه إليه، يسترجعه منه؛ لأن سلعته قد رجعت إلى يده بالشراء الثاني، وهذا القول متأول على ابن القاسم.
والثاني: أنه يمضي، ولا يفسخ بعد الفوات، وهو قول ابن القاسم وعبد الملك، وعلى القول بأنه يمضي بعد الفوات ولا يرد، هل يمضي بالقيمة أو بالثمن؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يمضي بالثمن الأول، وهو قول محمَّد بن مسلمة في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أنه يمضي بالقيمة، على تفضيل نذكره، وهو قول ابن القاسم وغيره، وهو مشهور المذهب.
وعلى القول بأنه يمضي بالقيمة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيعة الأولى تمضي بالثمن وتصح الثانية بالقيمة وينظر.
فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا قضى على المشتري الآخر الذي هو البائع الأول إذ لا تهمة في ذلك لكون القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا.
فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا قضى بالقيمة. فإذا حل الأجل لم يكن على المشتري الأول أكثر من ذلك يريد القيمة. وهو نص الرواية عن ابن القاسم في "العتبية" على ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي.
стр. 2543
والثاني: أنه ينظر إلى القيمة، فإن كانت أقل من الثمن فسخت البيعتان، ولم يكن للبائع على المبتاع الأول إلا الثمن الذي دفع إليه.
وإن كانت أكثر من الثمن: فسخت البيعة الثانية خاصة، وقضى عليه بالقيمة، فإذا حلَّ الأجل أخذ الثمن، وهذا القول متأول على ابن القاسم، وهو نص قول سحنون.
وعلى القول باعتبار الفوات، هل تفوت بحوالة الأسواق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تفوت بحوالة الأسواق فأعلى، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها لا يفتيها إلا العيوب المفسدة، وإليه ذهب أبو إسحاق التونسي.
وسبب الخلاف: الاختلاف بعد فوات السلعة المعيبة هل يمضي بالثمن أو يفسخ، أو يمضي بالقيمة، أو تصح الأولى بالثمن والثانية بالقيمة تعارض المكروهين، وأما تخصيص العقد الآخر بالرد لخصوصه بالجيد، وإما تخصيص سلعة العيبة بالقيمة؛ فالأول لا سبيل إليه لما فيه من الحمل على أحدهما كمثال لإمضاء التصحيح إلى تتميم الغرض الفاسد، وتنجيز الطمع، فلم يبق إلا الفسخ وزنًا بينهما بالقسطاس المستقيم.
وأما القول بالإمضاء بعد الفوات: فهو جنوح إلى مذهب الخصم المتمسك في أسئلة العينة بالقياس الجلي، وإنما قال قائل هذا القول: إنه يمضي بالثمن بعد الفوات، وهو مذهب ابن مسلمة، قال: لأني لا أدرى هل أراد الرغبة والدلسة أو تعمد الحرام فأمضي البيعتين على ما هما بعد الفوات.
стр. 2544
فصل
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو بائع السلعة من أربعة أوجه: إما أن يبيعها منه بنقد، ثم اشتراها منه بنقد: فإنك تنظر في الذي أخرج دراهمه أولًا، فإن رجع إليه مثلها أو أقل: فذلك جائز، وإن رجع إليه أكثر منها: نظرت، فإن كانا من أهل العينة أو أحدهما لم يجز ذلك بحال -كانت البيعة الأولى بنقد أو نسيئة- وإن لم يكونا من أهل العينة: جاز إذا كانت الأولى بالنقد، ولم يجز إن كانت بالنسيئة، وذلك أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة.
والذي اعتبره مالك ﵁ في الذرائع في هذه البيوع التذرع بها إلى وجوه الربا المتفق على تحريمها؛ مثل التأخير، أو بيع وسلف، وذهب بذهب مع أحدهما سلعة، أو ضع وتعجل، أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، أو بيع وصرف، فإن هذه أصول الربا، فمنها ما هو متفق عليه في المذهب، ومنها ما هو مختلف فيه، على ما لا يخفى على من طالع المذهب.
والحمد لله وحده.
стр. 2545
المسألة الثانية في تحصيل أسئلة العينة
وإذا باع الرجل السلعة بثمن إلى أجل، ثم اشتراها منه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون السلعة المبيعة مما يعرف بعد الغيبة.
والثاني: أن تكون مما لا يعرف بعد الغيبة.
فإن كانت مما يعرف بعد الغيبة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتريها منه نقدًا، أو إلى أجل دون أجله.
والثاني: أن يشتريها منه إلى الأجل نفسه.
والثالث: أن يشتريها منه إلى أبعد من أجله.
وكل قسم من هذه الأقسام ينتج اثنى عشر قسمًا، وذلك أن نقول: إذا اشتراها نقدًا فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها كلها، أو بعضها، أو زيادة معها.
فإن اشتراها كلها فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فإن اشتري بعضها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو بأقل، أو بأكثر.
فإن اشترى زيادة معها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
стр. 2546
والوجه الثالث: إذا اشتراها إلى أبعد من أجله: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها كلها، أو بعضها أو زيادة.
فإن اشتراها كلها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فإن اشترى بعضها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها قبل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فمنتهى التقسيم والتفريع فيما يعرف بعد الغيبة إلى ستة وثلاثين مسألة.
فإن كانت السلعة مما لا يعرف بعد الغيبة؛ كالمكيل والموزون: فإن التقسيم يتضاعف على مثل هذا العدد، على حسب ما قدمناه فصلًا فصلًا، فينتهي العدد إلى اثنين وسبعين مسألة تعم هذه الأسئلة لا ترعب ولا ترهب، فإن لها في الصحة والإجزاء ضوابط وحدود، أو روابط وقيود نوردها عليك أيها المسترشد.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت السلعة فيما يعرف بعد الغيبة، وكان الشراء إلى الأجل نفسه، وقد اشترى بعضها، أو كلها، أو زيادة معها بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر.
فإذا اتفقت السّكة جاز لوجوب الحكم بالمقاصة -وإن لم يشترطها- واتفاق الأجل ووجوب المقاصة ينفي العينة ويدرأ التهمة ولا جرم جاز ذلك، وإن اتفق الأجل لم يراع اختلاف الثمن، وإن اتفقت الأثمان لم يراع اختلاف الأجل.
وأما شراؤها أو بعضها نقدًا: فإنه يجوز بمثل الثمن أو أكثر؛ لبعد التهمة في دفع كثير في قليل، والمثل في المثل، ولبعد التهمة تأثير في
стр. 2547
تخفيف الذريعة.
ولا تجوز بأقل؛ لأنه يتهم في دفع قليل ليأخذ كثيرًا عند الأجل.
وأما شراؤها نقدًا وزيادة معها فلا يجوز بوجه ولا بأقل ولا بأكثر -والعلة في الشراء بأقل: ما تقدم من التهمة في دفع قليل ليأخذ كثيرًا.
والعلة في الشراء بالمثل: سلف بزيادة؛ وذلك أن يقدر السلعة الأولى كأنها لم تكن، ولا قصد فيها بيعًا؛ لأنها رجعت إلى بائعها فيصح من بيعها أن البائع سلف دراهم في مثلها ليرد معها زيادة، وهي الزيادة التي اشتراها البائع مع سلعة أخرى، وذلك ربا.
والعلة في الشراء بالأكثر: كون ذلك بيعًا وسلفًا، وبيان البيع والسلف: أن يقدر أن البيع الأول بخمسة، والبيع الثاني كان بعشرة، والسلعة الراجعة إليه لغو، وكأنه اشترى الزيادة التي أخذ مع سلعته بخمسة على أن أسلف لبائعها خمسة أخرى إلى أجل، وصارت تلك العشرة التي دفع منها خمسة ثمن تلك الزيادة، ومنها خمسة سلف، فإذا حلَّ الأجل أخذها، وذلك ظاهر بحمد الله تعالى.
وأما شراؤها إلى أبعد من الأجل وحدها وزيادة معها: فإنه يجوز بالمثل وبالأقل؛ لأن المبتاع هاهنا هو السابق بالدفع، فلا يتهم في دفع كثير ليأخذ قليلًا، ولا في دفع المثل ليأخذ: المثل، كما تقدم.
ولا يجوز بالأكثر؛ لأنه يتهم أنه يدفع قليلًا في مقابلة كثير.
وأما شراء بعضها: فلا يجوز بالأكثر، ولا بالمثل، ولا بالأقل إلى أبعد من الأجل.
والعلة في منع الشراء بالأكثر: ما تقدم من سلف جر نفعًا، وهو دفع قليل في كثير؛ لأن المشتري الأول دفع قليلًا ليأخذ كثيرًا عند الأجل.
стр. 2548
والعلة في الشراء بالمثل: سلف بزيادة، والزيادة هي البعض الذي بقي من السلعة في يد مشتريها، فكأن المشتري أسلفه عشرة دنانير على شرط الزيادة، فإذا حلَّ الأجل رد عليه البائع عشرة مع الزيادة التي بقيت عند البائع من تلك السلعة، والبعض الراجع منها لغو.
والعلة في الشراء بالأقل: بيع وسلف، وبيانه: أن الراجح من السلعة لغو؛ فكأن المشتري اشترى بعض الباقي من السلعة بخمسة على أن تسلفه خمسة أخرى، فصارت تلك العشرة التي يدفعها نصفها ثمن ونصفها سلف، يقبضها المشتري من البائع إذا حلَّ الأجل الأخير الذي ضرباه.
فهذه عدة مسائل تضمنها الوجه الأول، وهي ستة وثلاثون مسألة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت السلعة المبيعة مما لا يعرف بعد الغيبة عليه؛ كالمكيل والموزون، وقد قدمنا لك في الوجه الأول أن الشراء إلى أجل دون الأجل الأول حكمه حكم النقد في جميع وجوه المسألة، ولم يبق إلا النظر في العقد الثاني هل هو واقع على النقد، أو إلى أبعد من الأجل؟
وأما إلى الأجل نفسه: فقد قدمناه في الوجه الأول أيضًا، وأنه جائز كيفما قدر ورضوا، فلا نعيده مرة أخرى.
وإذا وقع الشراء بالنقد: ذلك فيه في جانب المنع ضابطان، فاشدد وثاقهما تربت يداك:
أحدهما: شراء الأكثر.
والثاني: الشراء بالأقل.
فأما الضابط الأول: وهو شراء الأكثر؛ مثل أن يشتري منه مثل طعامه وزيادة معه، أو من غيره نقدًا: فلا يجوز متى كانت معه الزيادة، لا بأقل
стр. 2549
من الثمن ولا بالمثل ولا بأكثر -غاب على المشتري أم لا- والعلة في شراء الأكثر بالأقل: دفع قليل في مقابلة كثير.
والعلة في شراء الأكثر بالمثل: إن كان قبل الغيبة عليه: سلف بزيادة بتقدير الراجع إليه لغو، وإن غاب عليه دخله مع ذلك دراهم وطعام بدراهم إلى أجل؛ وذلك بأن يجعل الطعام الراجع إليه ليس هو الأول، بل هو مثله فيتضح لك ذلك؛ لأن البائع الأول قد دفع دراهم، فإذا حلَّ الأجل أخذ مثلها مع الطعام الذي يعجله، وذلك واضح والعلة في شراء الأكثر بالأكثر: بيع وسلف؛ وذلك بأن يعجل الراجح لغو وتقابل الزيادة في المثمون فيكون ذلك بيع والسلف ما بقي من الثمن الذي نقده يأخذه البائع الأول من المشتري إذا حل، مثل أن يبيع له قفيز قمح بخمسة دنانير إلى شهر، ثم يشتري منه سنة البائع قفيزين أو قفيز، أو سلعة أخرى معه بعشرة دنانير نقدًا، فإذا جعلت أحد القفيزين أو القفيز الذي رد ومعه السلعة التي مع القفيز الأول إن كانت تلك الزيادة عرضًا بعشرة دنانير؛ خمسة منها ثمن السلعة التي مع القفيز المردود، وخمسة سلف من البائع الأول يقبضها من المشتري إذا حلّ الأجل، وذلك حرام، فافهم هذا المعنى ترشد، فإنه في غاية من الظهور.
فأما الضابط الثاني: في جانب المنع وقوعًا بأقل من الثمن نقدًا فإنه لا يجوز متى وقع، وسواء اشترى الأقل بالأقل، أو الأكثر بالأقل غاب عنه.
والعلة في منع شراء الأقل بالأقل قبل الغيبة عليه: دفع قليل في كثير؛ لأن الطعام الراجح إليه بعينه لغو، وصار البائع قد دفع مثلًا خمسة مع ما بقي عند المشتري من الطعام ليأخذ عشرة إذا حل الأجل؛ بناءً على أن بقية الطعام ولا يساوى عشرة، فإن غاب عليه دخله بيع وسلف؛ وذلك بأن يقدر أنه اشترى منه قفيزين بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشترى منه البائع الأول بعد الغيبة على الطعام قفيزًا دراهم، فيقدر هذا القفيز الراجع إليه
стр. 2550
لغو، فآل أمرهما إلى أن اشترى منه المشتري الأول قفيزًا واحدًا بعشرة دراهم إلى أجل، على أن يسلف البائع خمسة دراهم نقدًا، وتلك الخمسة من جملة العشرة التي بها وقع البيع أولًا، ويدرعا بالبيع الواقع بينهما إلى ما لا يجوز لو فعلاه ابتداءً، وهذه العلة بعينها موجودة أيضًا إذا كان قبل الغيبة على الطعام فيكون السلف في العين وحده، وبعد الغيبة يكون السلف في العين المنفرد مع الطعام المردود بعد الغيبة والانتفاع؛ فكأنه اشترى ما بقي عنده من الطعام بخمسة على أن يسلفه البائع طعامًا ينتفع به ويرد مثله قبل الأجل مع خمسة دراهم تبقى عنده، وينتفع بها حتى يحل الأجل، فإذا حلّ الأجل أخذ من المشتري عشرة؛ منها خمسة ثمنًا، ومنها خمسة سلفًا.
والعلة في منع شراء المثل بالأقل: ما تقدم من سلف بزيادة إن كان قبل الغيبة على الطعام؛ لأنه في خير العدم لكونه مسترجعًا.
وبعد الغيبة: يدخله مع ذلك طعام ودراهم نقدًا بدراهيم إلى أجل.
والعلة في شراء الأكثر بالأقل من الثمن: ما تقدم من دفع قليل في أخذ كثير.
فإن اشترط للبائع مقاصة المبتاع بما عليه فيما له عليه من الثمن في شراء النقد، أو كان الشراء إلى أجل: فينظر، فإن كان قبل الغيبة عليه جاز ذلك، وحكم له بالمقاصة في جميع هذه الوجوه.
وإن كان بعد الغيبة عليه: لم تجز المقاصة؛ لأن ذلك بيع وسلف، أو سلف بزيادة، على حسب اختلاف الصور.
فيتحصل لك من ذلك أن ضوابط المنع: الشراء بالأقل، أو شراء الأكثر، فمتى حصل لم يحصل الإجزاء إلا بحصول المقاصة قبل الغيبة، لا بعدها، ومتى لم تحصل صحة المسألة بجميع وجوهها إلا وجه واحد ففيه تردد
стр. 2551
لصاحب مذهبنا مالك ﵁ وهو شراء الأقل بعد الغيبة عليه بمثل الثمن مقاصة: فاختلف فيه قوله؛ فمرة منعه مخافة أن يدفع في ضمان الأكثر؛ لأنه يتهم أن يدفع القفيزين في ضمان القفيز إلى استرجاعه، وذكر الثمن من الطرفين لغو لمقاصتهما فيه، ولأجل تماثل الثمنين قدرًا وجنسًا.
وهذا القول قائم من المدونة من كتاب الآجال، أوله؛ حيث قال: لا بأس أن يشتري منه بالثمن الذي باعه به، وبأكثر من طعامه، وظاهره: أنه يمنع أن يشتري منه أقل من كيله، وهذا مثل قوله في "كتاب السلم الثالث" في الذي باع مائة سمراء بمائة دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل أخذ منه بالمائة دينار خمسين سمراء؛ حيث قال: أخاف أن تكون الخمسين ثمنًا للمائة.
وهذا تأويل ابن محرز.
ومن جوزه لبعد التهمة في دفع كثير في قليل.
قال بعض الشيوخ: وهو مذهب أكثر أصحاب مالك، وهو ظاهر المدونة عندهم أيضًا.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثاني: وهو الشراء إلى أبعد من الأجل: فينبغي أن تعلم أن لك أيضًا في جانب المنع رابطان:
فأحدهما: أن يقع الشراء بأكثر من الثمن.
والثاني: شراء الأقل.
فأما الرابط الأول: وهو الشراء بأكثر من الثمن، على عكس الأول، فمتى حصل [ذلك] (١) لم يحصل الإجزاء -غاب عليه أم لا- سواء اشترى
стр. 2552
المثل بأكثر من الثمن، أو اشترى الأكثر بالأكثر.
والعلة في المنع من شراء المثل: تطرق التهمة إلى المبتاع الأول في دفع قليل ليأخذ كثيرًا إذا حل الأجل؛ لأن المشتري الأول هو القابض بالدفع.
والعلة من منع شراء الأكثر بالأكثر: كون ذلك بيعًا وسلفًا، والبيع مقابلة الزيادة الثمنية بالزيادة المثمونية، والسلف في الثمنين المقابلين وهو المبتاع الأول، لأنه هو السابق بالدفع إذا كان ذلك قبل غيبته على الطعام؛ لأنه إذا حلَّ البيع الأول دفع العشرة دنانير التي اشترى بها مثلًا، فإذا حلَّ أجل البيع الثاني أخذ عشرين من المشتري الثاني؛ عشرة منها مقابلة العشرة السلف، والباقي ثمن الزيادة التي في المثمون فإن كان شراء البائع بعد غيبة المشتري على الطعام كان السلف من البائع ومن المشتري.
أما السلف من المشتري: فقد علم وتقدم بيانه.
وأما كونه من جهة البائع الأول: فهو الطعام الذي استرجعه، فيتهمان على أن يعملا على ذلك أولًا، فيقدم له السلف على أن يبيع له، ويسلف له هو عشرة دنانير يدفعها إليه بعد وجوب البيع.
وأما الرابط الثاني: فهو وقوع شراء الأقل؛ فمتى حصل ذلك لم يجز بوجه -اشترى الأقل بمثل الثمن أو اشترى الأقل بالأكثر، غاب عليه أم لا. والعلة في منع شراء الأقل بالأقل من الثمن: بيع وسلف بقدر ما انتقص من الكيل يمضي فيه البيع والسلف من كل واحد منهما إن غاب المشتري على الطعام.
وإن لم يغب عليه: فالسلف من المبتاع الأول، وبيان السلف من كل واحد منهما إذا غاب المشتري أن المردود من الطعام هو سلف من البائع الأول، والسلف من المشتري الأول هو ما زاد على الثمن الذي يؤديه يأخذه
стр. 2553
من البائع الأول إذا حل الأجل الآخر، ولأن المشتري الأول هو السابق بالدفع، وقبل الغيبة عليه: فالسلف من المشتري الأول وحده.
والعلة في منع شراء الأقل بالمثل: سلف بزيادة.
وبيان الزيادة: أن الثمن الذي يؤديه المشتري الأول للبائع الأول عند حلول أجله هو سلف للبائع يأخذه منه إذا حلَّ الأجل الآخر، وزاده البائع الأول ما بقي عند المشتري من الطعام المبيع أولًا.
والعلة في شراء الأقل بالأكثر: دفع قليل في مقابلة كثير؛ لأن المشتري الأول هو السابق بالدفع، فإذا حلَّ الأجل يأخذ من العين أكثر من الذي دفع مع ما بقي عنده من الطعام.
فهذه علة المسائل التي تضمنها الوجه الثاني، وهي ستة وثلاثون، وقد أتينا بالبيان والوضوح على جميع ذلك بعون الله، فالحمد لله على ما أعطى ومنح وبه بالتوفيق.
стр. 2554
المسألة الثالثة في سؤال البِرْذَوْن (١)
وإذا أسلم برذونًا في عشرة أثواب إلى أجل، وأخذ قبل الأجل بعض سلمه، وأخذ سلعة أخرى عوضًا عن سلمه: فلا يخلو ما أخذه قبل الأجل عوضًا عن سلمه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون البرذون الذي هو رأس ماله بعينه.
والثاني: أن يكون يأخذ من جنسه.
والثالث: أن يأخذ من غير جنسه.
فإن أخذ عين رأس ماله: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يأخذه عوضًا عن جميع سلمه.
والثاني: أن يأخذه عوضًا عن بعضه.
فإن أخذه عن جميع حقه: جاز، قولًا واحدًا، وبعد ذلك أقاله، وهو نص "المدونة".
فإن أخذه عن بعض حقه: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يأخذ مع بقية سلمه.
والثاني: أن يرخيه عليه إلى أجله.
والثالث: أن يؤخره بها عن أجله.
فإن أخذه مع بقية سلمه؛ مثل أن يأخذ البرذون في خمسة أثواب،
стр. 2555
وأخذ الخمسة الباقية معه: فذلك لا يجوز باتفاق المذهب، وعلل المنع في الكتاب بعلل ثلاث:
بيع وسلف، وحط عني الضمان وأزيدك، وضع وتعجل.
فأما البيع والسلف: فهي علة في الباب، والاعتراض عليها أصلًا.
وبيانه: أن البائع للبرذون كأنه اشتراه الآن بخمسة أثواب على أن يعجله الذي عليه السلم الخمسة الباقية قبل حلولها؛ فالبيع في البرذون، والسلف في الخمسة المعجلة؛ لأن تعجيل ما لم يجب، وتأخير ما قد وجب عن أجله فهو سلف.
وأما ضع وتعجل: فقد اختلف المتأخرون في صحة التعليل به في هذه المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا يصح التعليل به؛ لأن ذلك يؤدي إلى منع جواز أخذ عرض من العروض عن جميع سلمه مما يجوز أن يسلم في تلك الثياب إذا كان يفي بقيمتها؛ لأنه من باب ضع وتعجل.
فاتفاق أرباب المذهب على جواز أخذ العرض المخالف لسلمه عن جميع سلمه، وإن كان لا يفي دليل على ضعف التعليل، بضع وتعجل في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي.
وقيل: إنها علة صحيحة لازمة في هذه المسألة، وأن ما ذكره أبو إسحاق لا يلزم لأجل اختلاف المسألة، وذلك أن الذي عاوض عن جميع الثياب لم يتعجل منها شيئًا حتى توجد فيه العلة، والذي عجل بعض الثياب قد خفف عنه في قيمة العوض المأخوذ عن بقيتها؛ وذلك ضع وتعجل.
وهذا القول هو الأصح.
وأما التعليل بحطيطة الطعام على شرط الزيادة: فقد قال في "الكتاب":
стр. 2556
إنها تدخل في المسألة دخولًا ضعيفًا، وإنما ضعفها ابن القاسم؛ لأن العرف المألوف من العباد أنهم لا يتعجلون ما عليهم من الديون قبل أجلها، إلا لشيء يرتفعون به من الحط عنهم إما من قدره أو من صفاته، وقلَّ ما يجد من يدفع أكثر ما عليه قبل أجله، ولو علم أن قيمة البرذون أكثر من قيمة ما بني عليه لكان دخول (حط عني وأزيدك) في هذه المسألة دخولًا قويًا.
ثم لا يخلو من وجهين:
إما أن يعثر على ذلك قبل حلول الأجل، أو بعد حلول الأجل، فإن عثر على ذلك قبل حلول الأجل: فلا يخلو ما قبضه من أن يكون قائمًا، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالخيار للذي له السلم من أن يتماسك بالبرذون ويرد الثياب إلى أجلها، وبين أن يرد البرذون والثياب إلى أجل ويبقى على رأس أمره في سلمه.
فإن فات ما قبضه: فإنه يغرم قيمته، فإذا حلَّ الأجل أخذ سلمه.
فإن عثر على ذلك بعد الحلول: فإنه يحاسب بالأثواب التي قبضها إن كانت قائمة ويتم له البقية عليها، ويرد البرذون مع قيامه، والقيمة عليه مع فواته، وليس له أن يحبس قيمة البرذون عوض الثياب إن فات ويحاسب، إلا أن يجتمعا على المقاصة: فيجوز.
وأما إذا أخذ البرذون على بعض حقه، وأخَّر البقية إلى أجله: جاز ذلك، قولًا واحدًا.
فإن أخذه عن بعض سلمه وأخره بالبقية إلى أبعد من أجله: فلا يجوز ذلك؛ لأنه بيع وسلف، والسلف في هذا الوجه من المشتري، وفي الأول من البائع.
стр. 2557
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أخذ من جنس رأس ماله: فإن ذلك لا يجوز سواء أخذه عن جميع حقه أو عن بعضه؛ لأن ذلك سلم الشيء في جنسه، وهو من باب سلف جر منفعة.
وأما الوجه الثالث: إذا أخذ سلعة أخرى من غير جنس ماله عوضًا عن جميع سلمه أو عن بعضه فالجواب فيه كالجواب عن الوجه الأول إذا أخذ عين رأس ماله عن جميع حقه أو عن بعضه، على ما فيه من التحصيل والتفصيل، فلا فائدة للتطويل، فافهم هذا التلخيص تسعد إن شاء الله وتسدد.
والحمد لله وحده.
стр. 2558
المسألة الرابعة في مسألة حمار ربيعة
وإذا باع حمارًا بعشرة دنانير إلى أجل، ثم استقاله المبتاع بربح دينار نقدًا، فأقاله البائع، أو باعه بنقد، فاستقاله المبتاع بزيادة دينار إلى أجل:
فتحصيل هذه المسألة أن نقول: لا تخلو الزيادة من [أن] (١) تكون من البائع، أو من المبتاع.
فإن كانت من المبتاع: فلا تخلو من أن تكون نقدًا، أو إلى أجل.
فإن كانت إلى أجل. فلا تخلو من أن تكون من جنس الثمن، أو من غير جنسه.
فإن كانت الزيادة من جنس الثمن وكان عينًا، فإن اتفقت الزيادة مع الثمن في الصفة والجودة، وكان سكة واحدة: جاز على المقاصة عند الحلول.
وإن كانت الزيادة من غير جنس الثمن؛ كالدراهم مع الدنانير، أو عرضًا، أو طعامًا مع العين: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه دين بدين.
فإن كانت الزيادة نقدًا: فلا تخلو من أن تكون عينًا، أو عرضًا.
فإن كانت عينًا: فلا تجوز الإقالة؛ لأنه إن كان الثمن دنانير كان بيعًا وسلفًا بقدر أن الحمار يساوي ثمانية دنانير، اشتراه منه بتسعة على أن يسلفه المشتري الأول دينار ويستوفيه من نفسه عند حلول الأجل من العشرة التي للبائع الأول عليه.
стр. 2559
فإن كانت الزيادة عرضًا أو طعامًا: جاز ذلك، ولا علة تبقى.
فإن حلَّ الأجل وكان شراؤه نقدًا، أو لم ينتقد: فلا تخلو الزيادة -أيضًا- من أن تكون عينًا أو عرضًا.
فإن كانت عينًا، وكانت دراهم والثمن دنانير، والدراهم مثل صرف دينار فأكثر: فذلك بيع وصرف إذا انتقد، ويجري على الخلاف المعهود بين ابن القاسم وأشهب.
وإن لم ينتقد: كان ذلك صرفًا مستأخرًا، ودينًا بدين، مع ما فيه من بيع وصرف من المستأخر منهما.
فإن كانت الزيادة دراهم يسيرة: جاز بشرط التناقد.
فإن كانت الزيادة دنانير: جاز على المقاصة دون غيرها.
وإن كانت الزيادة عرضًا: جاز على النقد، ولا يجوز إلى أجل؛ لأنه فسخ دين في دين، وبيع وسلف.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت الزيادة مع البائع فلا تخلو الزيادة من أن تكون من صنف المبيع، أو من غير صنفه.
فإن كانت من صنف المبيع؛ مثل أن يبيعه حمارًا، ثم أقاله بزيادة حمار آخر، فإن تعجلت الزيادة وانتقدت: جاز، فإن كان إلى أجل: فلا يجوز، وذلك سلم الشيء في مثله إلى أجل، وهو حرام؛ لأنه سلف بزيادة، أو ضمان بجعل، على حسب اختلاف الصور.
فإن زاده من غير جنس المبيع: جازت الزيادة -كانت نقدًا أو إلى أجل- وسواء كان المبيع نقدًا أو مؤجلًا؛ إذ لا محضور هناك، ويعد ذلك بيعة أخرى، وفي ذلك يقول ربيعة ﵁ في شعره لما سئل عنها:
стр. 2560
إذا [...] (١) متاع إلى أجل ... وزاد نقدًا فخذه ثم لا تسل
حاشا من الذهب المرجي إلى أجل ... إلا إلى ذلك الميقات والأجل
وزده أنت من الأشياء قاطبة ... ما شئت نقدًا ومضمونًا إلى أجل
ما لم يكن صنف ما استرجعت [] (٢) ... إلى زمان ولا بأس على عجل
إلا أن هذه الأبيات إن حملت على ظاهرها كان قول ربيعة مخالفًا للمذهب، فإن تأولت كانت وفاقًا.
وموضع الاحتمال من قوله: (وزده نقدًا) فإن أراد أن تكون الزيادة عرضًا كان قوله وفاقًا للمذهب، وإن أراد أن ذلك يكون كيف ما كانت الزيادة وإن كانت عينًا: كان خلافًا.
وقوله أيضًا: (إلا إلى ذلك الميقات): فإن كان معناه على التقاصص كان وفاقًا، فإن كان على الإخراج فلا يجوز.
والحمد لله وحده.