← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وقد قال بعض أهل الظاهر: الإجارة تنفسخ بموت المستأجر إذا عين، ولا تنفسخ بموت المستأجر عليه إلا في أربع مسائل: الصبي المستأجر على رضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه، والمهر في الرياضة، والفرس للإنزاء إذا ماتت قبل العقوق. وهذا الحصر لا دليل له إلا من حيث اختلاف الصبيان في قبول التعليم، واختلافهم في الرضاع في قوة المص وملازمة الثدي. والخطب في ذلك يسير، والذي ينبغي أن يعتبر فيه الوسط، كما هو المعهود في ذلك وأمثاله، وهو الأظهر في النظر. والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان مضمونًا في الولد معينًا في الأم، فإن مات الولد: كلف البائع الإتيان بمثله، وإن ماتت الأم: وجبت المحاسبة. والحمد لله وحده.

стр. 2627

كتاب بيع الغَرَر

стр. 2628

كتاب بيع الغَرَر تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل: المسألة الأولى في حد الغَرَر وتفسيره اختلف العلماء في حَدِّ الغَرَر وحقيقته؛ فمنهم من يقول: الغرر ما له ظاهر محمود، وباطن مكروه؛ ومنه قيل للدنيا: متاع الغرور. وقيل: الغرور: ما له عائلة ذميمة وعاقبة وخيمة. وقيل: هو تردد بين السلامة والعطب. وقيل: ما خفي عنك أمره، وانطوت عنك عاقبته. وقيل: الغرور مأخوذ من الغرارة؛ وهي الخديعة، ومنه الغرر؛ وهو الرجل الخداع، والغر أيضًا المخدوع، ومنه قوله ﵇: "المؤمن غر كريم". والخَطر -بفتح الخاء- الغرر، وأصله من المخاطرة، والخطر: اسم لما يفعل، فسمي بيع الغرر خطرًا ومخاطرة بسببها؛ إذ لا يدري المشتري حقيقة ما اشتراه، ولا البائع عرف حقيقة ما باع، ولا صفته، ولا مقداره بالمقام. وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (١). وفسره عبد الله بن مسعود ﵁ وقال: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء.

стр. 2629

ولم يعن ابن مسعود ﵁ أن الغرر المنهي عنه محصور فيما فسره، وإنما فسر نوعًا من أنواعه ليكون ذلك دستورًا وأصلًا يقال عليه كل ما كان في معناه. فإذا ثبت ذلك، فالمبيعات تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم الغالب عليه السلامة: فسمي ذلك البيع صحيحًا. وقسم الغالب عليه الهلاك: فسمي ذلك البيع غررًا. وقسم اشترك فيه الأمران، واستوى فيه الحالان؛ فما كان الأغلب فيه الهلاك، والسلامة فيه قليلة: فبيعه فاسد. فإن كان الغالب فيه السلامة، والذي يخاف هلاكه به أمر نادر: بيعه جائز. بدليل نهيه ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ لما يخشى عليها من العاهات، وأباح ذلك بعد زهوها، والخوف عليها قائم، لما كان الغالب عليها السلامة، ولا تكاد البيوع تنفك عن الغرر اليسير. والحمد لله وحده.

стр. 2630

المسألة الثانية في بيع الشراء الغائب على الصفة ولا تخلو غيبته من ثلاثة أوجه: إما أن تكون غيبة بعيدة، وإما أن تكون غيبة قريبة، وإما أن تكون غيبة متوسطة. فإن كانت غيبة بعيدة جدًا: فلا يجوز البيع اتفاقًا. فإن كانت قريبة جدًا؛ مثل الحاضر في البلد الغائب عن المجلس، أو كان على مسيرة يوم: فالمذهب في جواز بيعه على صفة يتخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدها: الجواز، وهو مشهور المذهب نقلًا، وهو نص المدونة في غير ما موضع من "كتاب السلم الثالث" وكتاب الآجال، و"كتاب البيوع الفاسدة". والثاني: المنع، وهو قول محمَّد بن الموَّاز، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الغرر"، في باب البيع على البرنامج؛ لأن مالكًا جوزه للضرورة، ولا ضرورة في غير البرنامج، وهو نص قول مالك في أول "كتاب بيع الغرر" في الثوب المدرج في جرابه. والقول بالمنع هو الصحيح مذهبًا ونظرًا. وسبب الخلاف: اختلافهم في الصفة هل تقوم مقام الرؤية مع القدرة، على الوقوف على عين الموصوف أم لا. وأما ما كانت غيبته متوسطة بين القرب المفرط، والبعد المفرط: فهذا

стр. 2631

الذي يجوز بيعه على صفة أو رؤية تقدمت منذ أمد لا تتغير فيه السلعة من غير خلاف في المذهب في جواز العقد والنقد بلا تفصيل بين المأمون وغيره، وإنما التفصيل بين المأمون وغير المأمون فيما يرجع إلى الضمان وجواز شرط النقد. فأما المأمون؛ كالدور والأرضين: فلا خلاف في جواز النقد فيها بغير شرط. وهل يجوز بشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يجوز بشرط، وهو نص "المدونة"، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه لا يجوز بشرط، وهو ظاهر ما حكاه ابن الموَّاز، وابن القصار عن المذهب من أن الضمان فيهما من البائع حتى يقبضها المشتري، واشتراط النقد تابع للضمان. وهل يلزم المشتري النقد ويحكم عليه به أم لا؟ أو يجب وإن لم يشترطه عليه البائع؟ فالمذهب على قولين، حكاهما القاضي أبو الحسن بن القصار في المذهب. أحدهما: وجوب النقد على المشتري وإن لم يشترطه عليه. والثاني: أن النقد جائز، وليس بواجب إلا بالشرط، وهذا هو الصحيح؛ لأن وجوب النقد متعلق بالتسليم وجوازه متعلق بالأمن على الشيء المشترى. وسبب الخلاف: اختلافهم في السلعة، هل بالعقد صارت في ضمان المشتري، أو يبقى على البائع حق التوفية والتسليم.

стр. 2632

فمن رأى أن قدر المسافة التي يقبضها فيها المشتري هو التسليم الذي بقي على البائع؛ كالصاع إذا امتلأ، ثم هلك بيد البائع قبل أن يفرغه في وعاء المشتري، قال: فإن النقد لا يجب، وإن الضمان لا يلزم أيضًا. ومن رأى أن العقد يقتضي التسليم لوجود التمكين، وهذا غاية المقدور عليه: قال بوجوب النقد. وهذا كله إذا كان اشتراؤه بصفة غير البائع. وأما إذا اشتراها على صفة: فلا يجوز اشتراط النقد للتهمة في البيع والسلف أن يخرج الشيء المشتري من ريع أو عقار على خلاف صفة البائع؛ لأن الحرص على البيع يحمله أن لا بيع إلا في الصفة. وأما غير المأمون من الحيوان وسائر العروض: فلا خلاف أيضًا في المذهب في جواز العقد عليها والنقد فيها بغير شرط، وسواء اشتراها على رؤية تقدمت، أو اشتراها على صفة. وصفة البائع وصفة غيره في هذا الوجه سواء، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، قولًا واحدًا. واختلف فيما إذا طلب البائع إيقاف الثمن هل يمكن من ذلك أم لا على قولين: أحدهما: أن الثمن يوقف له على يد عدل إن طلب ذلك، وهو نصف قوله في "كتاب البيوع الفاسدة"، في باب بيع الابن وضمانه. والثاني: أنه لا يمكن؛ لأن ذلك صحيح يمنع المشتري من الانتفاع بسببه مدة الإيقاف. وسبب الخلاف: مراعاة الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؛ فمن اعتبرها: قال بالإيقاف إن طلبه البائع؛ لما يخاف من طرآن العدم على المشتري.

стр. 2633

ومن لم يعتبرها منع الإيقاف. واختلف على من يكون طلب الشيء الغائب هل على البائع، أو على المشتري على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب بيع الغرر"؛ فمرة يقول على البائع، ومرة يقول: على المشتري. وسبب الخلاف: من المخاطب بالتسليم أولًا؟ هل البائع هو المخاطب بتسليم المبيع أولًا ثم يقبض الثمن، أو المشتري مخاطب بتسليم الثمن أولًا ثم يقبض المبيع ثانيًا؟ والحمد لله وحده.

стр. 2634

المسألة الثالثة في ضمان الغائب المشتري إذا هلك قبل الصّفة [ولا يخلو حال البائع والمشتري من أحد خمسة أوجه] (١): أحدها: أن يتفقا أنه هلك قبل الصفة. والثاني: أن يتفقا أنه هلك قبل الصفة. والثالث: أن يختلفا. والرابع: أن يشكل أمره عليهما. والخامس: إذا وجدا به عيبًا فاختلفا في حدوثه. فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتفقا أنه هلك قبل الصفة: فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من البائع. والجواب عن الوجه الثاني: إذا اتفقا أنه هلك بعد الصفة فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الضمان فيها على المشتري، إلا أن يشترط على البائع، وهو قول مالك في "الكتاب". والثاني: أن الضمان فيه من البائع جملة، إلا أن يشترطه على المشتري، وهذا القول الذي اختاره ابن القاسم. ولا فرق على ظاهر هذين القولين بين المأمون وغيره، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز" و"كتاب ابن حبيب": أن ضمان المأمون من البائع.

стр. 2635

قال ابن حبيب: ولم يختلف قول مالك أن الضمان من البائع فيما يجوز فيه النقد وقربت غيبته في الرياع وإن بعدت غيبتهما. والقول الثالث: التفصيل بين المأمون وغيره،؛ فالمأمون يكون الضمان فيه من المشتري، وغير المأمون يكون الضمان فيه من [البائع] (١)، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والقول الرابع: التفصيل بين ما قربت غيبته جدًا؛ كالحاضر في البلد الغائب عن المجلس فيكون الضمان فيه من المشتري، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح الثاني في الذي يتزوج امرأة بثوب في بيته فهلك الثوب قبل أن تقبضه؛ حيث قال: إن هلك في بيته: فضمانه من الزوجة، وهو قوله في "كتاب الصرف" و"كتاب السلم الثالث"، والآجال، والبيوع. وبين المتوسط الغيبة: فيكون الضمان فيه من البائع حتى يقبضه المشتري. وسبب الخلاف: ما قدمناه وأصلناه من المخاطب بالتسليم. أولًا هل البائع أو المبتاع؟ والجواب عن الوجه الثالث: إذا اختلفا، وادعى البائع أنه هلك بعد الصفة، وادعى المشتري أنه هلك قبل الصفة: أن القول قول المشتري مع يمينه على العلم إن ادعاه عليه البائع، وإن لم يدع البائع عليه فلا يمين عليه. والجواب عن الوجه الخامس: (٢) إذا اقتضت السلعة، ثم وجد بها عيب وزعم المشتري أنه كان بها قبل الصفة، وادعى البائع أنه حدث بعد الصفة، والعيب مما يمكن حدوثه وقدومه: وهذا الوجه قد أغفله في الكتاب ولم

стр. 2636

ينص عليه فيه، وقد اختلف في المذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن العيب من المشتري، ويحلف البائع أن ما كان بالسلعة يوم الصفة، وهو قوله في "كتاب العيوب"، في العيب الذي يمكن أن يحدث عند البائع ويمكن أن يحدث عند المشتري: أنه من المشتري، ويحلف البائع. والثاني: أنه من البائع، ويكون القول قول المشتري، وهو ظاهر قوله في بيع الغرر. فإذا كان القول للمشتري إذا اختلفا في هلاكها هل كان قبل الصفة أو بعدها، فأولى أن يكون القول قوله في العيب، ولا يكون العيب أسوأ حالًا من الموت. والحمد لله وحده.

стр. 2637

المسألة الرابعة في البيع على البرنامج وقد قدمنا ومهدنا أن بيع الغائب على الصفة إنما جوز للضرورة؛ وهي تعذر الوقوف على عين المبيع وتأمله، وهذه العِلَّة موجودة في بيع البرنامج؛ إذ لا فرق بين أن يتعذر الوقوف على عين الشيء وحقيقته لبعد الشقة وطول المسافة، وبين أن يتعذر لأجل ما يخشى من نقصان المالية وإن كان بين أيديهم ونصب أعينهم؛ مثل أحكام البر؛ لأن فتحها وسير ما فيها من المتاع يؤدى إلى الإضرار بالبائع في الحل، والشد، والطي مع ما يلحق المبتاع من التمرين والامتهان بملامسة أيدي السوام والمباع الرفيع بكونه أدنى الأشياء. فبهذا الاعتبار جوز مالك ﵀ البيع على البرنامج مع ما له في ذلك من ظواهر الأخبار، وشواهد الآثار؛ فمن ذلك تفسيره ﷺ بيع الملامسة؛ حيث قال: "هو أن يبتاع القوم السلعة لا ينظرون إليها, ولا يخيرون عنها" (١). فبين النبي ﷺ أن الإخبار يقوم مقام النظر إليها مع القدرة عليها. فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو مشتري العدل على برنامجه من وجهين: إما أن يجد المبتاع على وفق الصفة، أو على خلاف الصفة. فإن وجده على خلاف الصفة: فلا يخلو إما أن يكون ذلك قبل الغيبة عليها، أو بعد الغيبة عليه. فإن كان ذلك قبل الغيبة عليه: فالقول قوله.

стр. 2638

وكذلك إن كان بعد الغيبة، وكان ذلك بمحفر البينة: كان القول قوله أيضًا. فإن كان وحده: فلا يقبل قوله فيه، ويكون له الخيار إن شاء أخذه كذلك وإن شاء نقض البيع. فإن وجده على وفق الصفة فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يجد الزيادة في العدد. والثاني: أن يجد النقصان منه. فإن وجد الزيادة في العدد؛ مثل أن يشتري عدلًا على أن فيه خمسين ثوبًا: فقد قال مالك في المدونة: يرد جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا من الثياب. قلت: فإن كان جزءًا من اثنين وخمسين ثوبًا لا يعتدل أن يكون ثوبًا كاملا؛ يكون أقل من الثوب، أو أكثر من الثوب كيف يصنع؟ قال مالك: منذ حين أرى أن يرد جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا. ثم أعدته عليه؛ فسألته عنه كيف يرد؟ قال: يرد ثوبًا كأنه عيب وجده فيرده به. قلت لمالك: أفلا يقسمها على الأجزاء؟ فقال: لا وانتهزني، ثم قال: إنما يرد ثوبًا كأنه عيب وجده في ثوب فرددته، فلم أر فيما قال لي مالك آخرًا أن يجعله معه شريكًا. قال ابن القاسم: وأنا أرى قوله الأول أعجب إليَّ. فهذا نص قوله في "المدونة". وقد اختلف المتأولون والشارحون في هذه المسألة في موضعين:

стр. 2639

أحدهما: في منتهاها. والثاني: في معناها. فأما اختلافهم في منتهاها: فهو قوله: فوجد فيها إحدى وخمسين ثوبًا، وقال: يعطي جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا. فذهب الأكثرون من أهل الشرح والتأويل إلى أن ذلك وهم من الراوي، أو خطأ من الكاتب، وإلا فالذي ينبغي على سياق المسألة: أن يعطي جزءًا من اثنين وخمسين، وهو في بعض النسخ المدونة كذلك، إلا أنه نقل على الإصلاح. وقد تغالى بعض المتأخرين في التأويل وقال: يحمل قوله على أنه قد أحل اللفافة في العدد، وهو تأويل بارد؛ لأن اللفافة لا تعد ولا تقصد، ولا هي من جنس الثياب المشتراه، ولو صح ذلك لصح أن تعد حبال شده وطيه، وذلك كله ملغي. وهو تأويل أبي بكر بن اللباد، وهذا التأويل مطرح ساقط الاعتبار. والصحيح أن ذلك وهم من الرواة؛ إما من الرواة عن مالك، وإما من الرواة عن ابن القاسم. والموضع الثاني في معنى المسألة: وقد اختلف المتأولون في معنى ما وقع في الكتاب هل يتأول ويرجع إلى قول واحد أو ذلك اختلاف قول ولا مدخل فيه للتأويل على قولين: أحدهما: أن ذلك يرجع إلى قول واحد، وأن معنى قول مالك أنه يكون شريكًا بجزء من اثنين وخمسين جزءًا، وقوله آخرًا: كعيب وجده فيه، يريد: بالقيمة، وأن الثياب تنقسم بالقيمة إلى إحدى وخمسين جزءًا لم يسم بينهم فيرد جزءًا واحدًا، وصار بعض كلامه تفسيرًا لبعض.

стр. 2640

وهذا تأويل أبي عمران الفاسي. والثاني: أن ذلك اختلاف قول، وهو الصحيح، ويدل عليه سياق الكلام في "الكتاب"، واختيار ابن القاسم في الباب. وإنما هما قولان: أحدهما: أن البائع [يكون] (١) شريكًا بالثوب الواحد. والثاني: أنه لا يكون شريكًا، وأن المشتري يرد ثوبًا على البائع، غير أن القائلين بهذا القول قد اختلفوا في صفة الشركة على القول بها؛ فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال، كلها متأولة على المدونة: أحدها: أنه يكون شريكًا بجزء من إحدى وخمسين جزءًا، فإذا بيعت الثياب أخرج ذلك الجزء من الثمن، ويأخذه البائع، وهذا تأويل ابن لبابة. وظاهر هذا القول: أنه لا يعجل ببيع الثياب على المشتري حتى يبيع باختياره. والثاني: أنه يعجل ببيع الثياب الآن، ويقسمان الثمن على إحدى وخمسين جزءًا. وهذا القول أظهر، وأسعد بظاهر "الكتاب". والثالث: أنه يقرع على الثياب على إحدى وخمسين جزءًا، فما خرج للبائع في جزئه من ثوب أو ثوبين، أو أقل، أو أكثر أخذه. فإن خرج له أقل من ثوب، أو أكثر من ثوب: كانا شريكين وذلك غاية المقدور عليه. وهذا تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي. وسبب الخلاف: الشركة الحكمية هل تضاهي الشركة الأصلية حتى

стр. 2641

كأنها هي أم لا؟ وعلى هذا القول بأنهما يشتركان في الثوب إذا خرج له الجزء في بعضه، هل لصاحب الأقل أن يلزمه لصاحب الأكثر -بائعًا كان أو مشتريًا- ويأخذ منه قيمة بقيته؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن ذلك له؛ لأنه إن وقع الأكثر للبائع كان للمشتري أن يلزمه له؛ لأنه يتهم إدخاله عليه فيتوصل بذلك إلى الشركة، والمشتري لم يدخل عليها. فإن وقع الأكثر للمشتري: فللبائع أن يلزمه ويقوم عليه، كأنه المشتري استحق عليه الأكثر مما اشترى، وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع؛ لأنها شركة أوجبتها الأحكام، فلا كلام لواحد منهما على صاحبه فيها. وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه في الشركة الحكمية هل هي على مكان الشركة الأصلية أم لا؟ وعلى القول بأنهما لا يكونان شريكين في جميع الثياب، وأن المشتري يرد ثوبًا -سواء كان أعلى أو أدنى- ويقدر البائع كأنه باعه إحدى وخمسين على أن يختار منها خمسين، ألا تراه يقول في "الكتاب": كأنه عيب وجده فيه. وهذا تأويل أبي عمران الفاسي. والثاني: أنه يرد ثوبًا موافقًا للصفة التي عليها اشترى -لا أقل منها ولا أكثر- وهذا تأويل ابن لبابة، وهو ظاهر "المدونة" لمساواتهما في الثياب، وليس لواحد منهما أن يستبد بالأعلى ويأخذ الآخر الأدنى. وظاهر هذين القولين [أنه] (١) يرد بلا قرعة.

стр. 2642

والثالث: أنه يرد الثوب بالقيمة والقرعة، وهذا القول منصوص في المذهب أيضًا، وهو جنوح من قائله إلى القول بالشركة. وسبب الخلاف: اختلافهم في المخطئ في مال نفسه هل هو كالمخطئ في مال غيره، أم لا. فإن قلنا: إنه كالمخطئ في مال غيره فإن المشتري يرد ثوبًا على الصفة التي اشترى ويكون البائع كالمستحق. وإن قلنا: إنه لا يكون كالمخطئ في مال غيره وأنه جنى على نفسه. والتسليط من جهته ولاسيما مع ما يلحقه من التهمة أن يكون قصد إلى ذلك ابتداء: فإن المشتري يرد عليه أيّ ثوب شاء -أعلى أو أدنى. وهذا كله إذا كانت جنسًا واحدًا، ووجدت الزيادة. وأما إذا وجد النقصان؛ مثل أن يشتري عدلًا على أن فيه خمسين ثوبًا فوجد المشتري أقل من خمسين: فلا يخلو النقصان من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا. فإن كان يسيرًا؛ كالخمس والسدس -على الاتفاق- أو كالثلث والربع -على الخلاف في "كتاب القسم" وغيره- فلا يخلو من أن تكون الثياب جنسًا واحدًا، أو أجناسًا. فإن كانت من جنس واحد: فلا خلاف في المذهب أن المشتري يلزمه البيع فيما وجد، ويرجع بثمن ما نقص إن كان قد نقده. وإن لم ينقد فإنه يوضع عنه ذلك القدر. والثمن هاهنا على عدد الثياب؛ إن وجد أربعين رجع بخمس الثمن، وإن وجد ثلاثين رجع بخمس الثمن؛ كالطعام إذا اشتراه صبرة على أن فيه

стр. 2643

مائة أردب، فوجد فيها أكثر من المائة. ولا تقويم في هذا الوجه أصلًا، بخلاف الاستحقاق والرد بالعيب؛ لوجود ما يقوم هناك، وغرم ما يقوم هنا. فإن كان النقصان كثيرًا؛ ذهب بأكثر الصفقة: فالمشتري بالخيار في ذلك إن شاء تماسك بما بقي بحصته من الثمن، وإن شاء رده وفسخ البيع عن نفسه. فإن كانت الثياب أجناسًا، فوجد النقصان في بعضها، فإنه ينظر إلى الجنس الذي وجد فيه النقص كم هو من جميع الثياب؛ فإن كان ربعًا وكان عشرة أثواب: ينقص منها ثوب؛ فإنه يوضع عن المشتري ربع الثمن، فعلى هذا الحساب يجري. والحمد لله وحده.

стр. 2644

المسألة الخامسة في الذي اشترى جارية بمائة دينار, ثم ادعى أن بها عيبًا, فأنكره البائع, ثم قال رجل آخر: أنا آخذها منكما بخمسين على أن يتحمل كل واحد منكما بخمسة وعشرين ومثلها مسألة من اشترى عبدًا من رجل على أن يعينه فلان بألف درهم، فأنعم له فلان. فوجه التشبيه بين المسألتين: أن البائع الأول يلزمه ما التزم من حمالة خمسة وعشرين، كما يلزم فلانًا ما التزم من إعانة من اشترى عبدًا. وقوله في "الكتاب": "أنا آخذها منكما": لفظة فيها تجوز، والصواب فيها: "أنا آخذها منك"؛ لأن المشتري النائق إنما اشتراها من المشتري الأول، وعهدته عليه، فإن استحقت منه تلك الجارية: فإنه يرجع عليه بخمسين دينارًا، ويرجع هو على البائع الأول بخمسة وسبعين دينارًا. فإن وجد بها عيبًا غير الذي دخل عليه: فعلى المشتري الأول أن يردها، ثم ينظر، فإن كان هذا العيب الذي ردها عليه قديمًا عند البائع الأول: فإن المشتري الأول يردها عليه بذلك -صدقة في العيب الذي يتحاصان فيه أو كذبه. فإن كان حديثًا مشكوكًا فيه: فإن المشتري الأول وبائعه يرجعان إلى رأس أمرهما في الخصومة. والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمَّد خير خلقه، وعلى آله.

стр. 2645

كتاب بيع الخِيَار

стр. 2646

كتاب بيع الخِيَار تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع مسائل. المسألة الأولى في أمد الخِيَارِ اقتضى الدليل ألا يجوز بيع الخِيَار؛ لأنه غرر وخطر، وكل واحد من المتبايعين لا يدري هل ينعقد البيع ويتم له مراده؛ مع ما في ذلك من الضمان بالجعل إذا كان الخيار للمشتري. إلا أن الشرع ورد بجوازه رفقًا بالعباد، ورخصة لهم دائمة إلى يوم التناد، ومشروع لأمرين، أو لأحدهما، على البدل؛ إما للاختيار، وإما للاستشار، وإما لهما معًا. ولذلك اختلف أمره لأجل اختلاف المبيعات، على ما هو مسطور في الأمهات؛ وقد وقع في "الكتاب" في الدابة تشتري على خيار: أجوبة مضطربة، وأقوال مختلفة، ظاهرها اختلاف أقوال؛ فمن ذلك قوله في أول الكتاب: والدابة تركب اليومين وما أشبهه، وفي روية أخرى: تركب اليومين. قال بعد ذلك: ولا بأس أن يسافر عليها البريد ونحوه. وقال أشعب بعد هذا: أو البريدين، وما أشبههما فلا بأس به. وقال هذا في آخر الكتاب: ولا بأس بشراء الثوب أو الدابة على خيار ثلاثة أيام. فأما قول مالك وابن القاسم: فيمكن تلفيقهما بالتأويل حتى يرجعا إلى

стр. 2647

قول واحد، ويكون اختلاف حال، وقد يحتمل قول مالك في آخر الكتاب في خيار ثلاثة أيام على أنه اشترط ذلك للاستشار لا للاختيار. ويحمل ما قاله أول الكتاب على الاختيار. وقوله: "والدابة تركب اليوم وما أشبهه" يريد في الحضر. وقوله: "لا بأس أن يشترط إن سافر عليها البريد ونحوه" يريد خارج البلد؛ لأن المراد من الدابة في السفر غير المراد منها في الحضر كلونها تحتاج إلى أن يحسر سيرها وسبرها وسلامتها من الكبو والعثار وثبات الحمل على ظهرها واعتدال المشي واستدامتها على السير. وقد يكون للدابة اندفاع في أول سيرها ثم تتبطأ بعد ذلك. وقد يحتاج إلى النظر إلى قصمها واستيفائها لعلفها وذلك كله لا يتمكن إدراكه والوقوف على حقيقته في الحضر. وعلى هذا التأويل يحمل قول ابن القاسم فيرجع إلى قول واحد وهو الصحيح إن شاء الله. وإن كان بعض المتأخرين قد حمل ما في الكتاب على الاضطراب استخرج من المدونة في ركوب الدابة قولين: أحدهما: أنه لا يجوز إلا بشرط أخذًا من قوله: "ولا بأس أن يشترط أن يسافر عليهما البريد ونحوه". والثاني: أنه يجوز له الركوب بغير شرط أخذًا من قوله: "والدابة تركب اليوم ونحوه". وظاهره من غير شرط وهو الصحيح؛ لأن الخيار يتضمن الأمرين كما

стр. 2648

قدمناه في تأويل أبي بكر بن عبد الرحمن. والثاني تأويل أبي عمران الفاسي. وأما قول أشهب فقد يلفق فيكون وفاقًا. وقد يحمل على ظاهره فيكون خلافًا. وقد قال ابن القاسم: "يسافر عليه البريد ونحوه". والنحو والسنة إذا عطف بهما وعلى واحد فهو مثله فيكون له البريدين ركوبًا على قول ابن القاسم. وقال أشهب: يركب البريد والبريدين وما أشبههما. والذي أشبههما [مثلهما] (١) ثم يكون له أن يركبها أربعة برد على مذهب أشهب. فمن سلك طريق التلقين فيقول: إنما تكلم ابن القاسم على الذهاب خاصة ولم يتكلم على الرجوع إذ لابد له منه؛ ولذلك اقتصر على ذكر البريدين في البداة وسكت عن بريدي الإياب. وأشهب تكلم على طرفي الذهاب والإياب فلذلك ذكر أربعة برد فيكون ذلك وفاقًا. وهذا تأويل مؤيد. وعلى مضمون ذلك يجوز للمشتري أن يركبها يومين في السفر ذهابًا ورجوعًا لأن الأربعة برد لا يقطعها في النهار إلا دابة قوية فارهة ولا يكاد صاحبها ينتفع بها بعد ذلك إلا بعد استراح واسترواح. وأما الدابة فلا يقدر الإنسان أن يقطع بها هذه المسافة في نهار واحد أصلًا.

стр. 2649

ومن الأصحاب من حمل الكلام على ظاهره ويقول: إن ابن القاسم إنما تكلم في البداءة والرجوع، وأشهب كذلك فعل وجعل ذلك اختلاف قول وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا وبه التوفيق. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2650

المسألة الثانية في الذي جعل أمر امرأته في يَدِّ أمها فلا خلاف في أن ذلك بيد الأم ما دامت حية. فإذا ماتت فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه: [أحدها]: (١) أن توصي بذلك إلى أجنبي من الناس. والثاني: أن توصي بأمرها ولم تذكر في الوصية أمر ابنتها. والثالث: أن تموت بلا وصية -لا في حقها ولا في حق ابنتها. فالجواب عن الوجه الأول: إذا أوصت بما جعل في يدها إلى أجنبي. فهل يكون ذلك بيد من أوصت به إليه؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز لها وللموصي له مثل ما لها وهو قول مالك. والثاني: أن ذلك لا يكون بيد أحد وأنه يسقط بموت الأم وهي رواية عليّ بن زياد في "المدونة". وسبب الخلاف: هل يغلب في ذلك حق الزوج أو يغلب حق الزوجة؟ فمن غلب حق الزوج قال: إنما جعل ذلك بيد الأم إكراما لها ولما يعلم من قلة عجلتها بالفراق لو ذل وفعل ما يجب عليه بالحكم بمقتضى الشرط حتى ينظر هل يعاتب نفسه وقد تسامح له وتجاوز عن فعله بما رأته من المصلحة في مقام ابنتها في عصمته وتحت ولايته.

стр. 2651

ومن غلب حق الزوجة فقال: لأنه شيء جعل في يد الأم حقًا لغيرها لتولي هي القضاء به عند وجود أسبابه فوجب أن يستند الإيصاء به إلى من يقوم مقامها وينوب عنها بعد مماتها أصل ذلك أيضًا الموصي إلى غيره. والجواب عن الوجه الثاني: إذا أوصت بأمر نفسها ولم تذكر في الوصية ما جعل بيدها. هل تكون وصيتها منطوية على ذلك ويكون إهمالها تركًا لشرطها وإسقاطًا لموجبه؟ فإنه يخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن إهمالها دليل على الترك ثم لا قضاء للموصي له ولا للابنة في ذلك وهو نص "المدونة". والثاني: أن الوصية شاملة لذلك وللوصي القضاء بذلك كما لوصى حث الأم له بالإيصاء به وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا". وسبب الخلاف: الوصية الطلقة هل تقتضي العموم والشمول في جميع ما كان للأم أن تملك التصرف فيه أم هي على القصور حتى يدل دليل العموم؟ وظاهر قوله في "كتاب بيع الخيار": أنها على القصور حتى يتبين دليل العموم. وظاهر قوله في "كتاب الوصايا": أنها على العموم حتى يتبين دليل الخصوص. والجواب عن الوجه الثالث: إذا ماتت الأم ولم توص بشيء أصلًا. هل تسقط ما جعل لها؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك بيد الابنة وهو قول مالك في "الكتاب". والثاني: أن ذلك ساقط ولا يرجع إلى يد الابنة وهو قول علي بن زياد

стр. 2652

في "الكتاب". وسبب الخلاف: الأمر الذي بيد الأم هل هو حق لها أو حق للابنة؟ فمن رأى أن ذلك حق للأم قال: يسقط بموتها. ومن رأي أن ذلك حق للابنة قال: إنه يرجع إليها بعد موت الأم فيعمل بمقتضاه. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2653

المسألة الثالثة في النظر والاستحسان وإذا تبايع رجلان سلعة على أن أحدهما بالخيار ثم مات من له الخيار منهما فلا يخلو من أن يكون الخيار للمشتري أو للبائع. فإن كان الخيار للمشتري ثم مات، فلا يخلو القائم بخيارهم من سبعة أوجه: أحدها: أن يكون وارثًا. والثاني: أن يكون ورثة. والثالث: أن يكون أوصياء. والرابع: أن يكون وصيِّا. والخامس: أن يكون وصيِّا وورثًا. والسادس: أن يكون وصيان ووارث. والسابع: أن يكون غرماء. فهذه سبعة أوجه: فالجواب على [الوجه] (١) الأول: إذا كان القائم بالخيار هو الوارث الواحد. فهذا الوجه ليس فيه نظر ولا استحسان وإنما يملك ما ملك الميت أن يختر البيع أو يرده خاصة. والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان القائم بالخيار هم الورثة. فإن انفقوا على أمر واحد فهو ذلك. وإن اختلفوا فقال بعضهم: ترد. وقال بعضهم: يختر. فهذا الوجه الذي يتصور فيه النظر والاستحسان.

стр. 2654

واختلف هل الوارث مبدي على البائع في نصيب الراد والبائع مبدي؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الوارث هو المقدم. فإذا اختار أحدهما الرد واختار الآخر الإجازة فالنظر أن يردا جميعًا أو يمسكا جميعًا كما كان الميت يفعل لو عاش. والاستحسان أن يقال لمن اختار الرد ليتم الصفقة للبائع ويبلغه الغرض الذي يرتجيه في إمضاء البيع لأنه منعقد من جهته. فإذا رضي الآخر بذلك والتزم أن يؤدي جميع الثمن فلا حجة للبائع لأن صفقته لم تتبعض عليه ولا دخل عليه ضرر بوجه. فإن أبا أخذ مصابه والراد ورجع الخيار إلى البائع إن شاء قبل مصابه الراد ورضي بتبعيض صفقته. وإن شاء كلف الآخر الرد مع صاحبه. وهذا القول هو الأظهر في النظر. والقول الثاني: أن البائع مقدم على الوارث. فإذا رد بعضهم وتماسك بعضهم فالخيار للبائع. فإن شاء جوز البيع للمتمسك بنصيبه وقبل نصيب الراد ولا كلام في ذلك للمتمسك بنصيبه لا في النظر ولا في الاستحسان. فإن قال: لا أجيز ولا أرضى بتبعيض صفقتي فهاهنا يفترق النظر والاستحسان. فالنظر أن يقال للمتمسك بنصيبه: رد كما رد شريكك وليس ذلك بتبعيض الصفقة على البائع كما ليس ذلك للميت. فإن شاء الذي تماسك أن يرد صفقته كما رد صاحبه كان ذلك له.

стр. 2655

والاستحسان إذا اختار المتمسك بنصيبه أن يأخذ مصابه الراد فيضم الجميع إلى ملكه ويغرم جميع الثمن ولا حجة في ذلك للبائع إذا وصل إليه جميع الثمن ويسلم من تبعيض الصفقة. وهذا القول الذي صوبه جميع المتأخرين. والقولان قائمان من "المدونة". وسبب الخلاف: النظر إلى الترجيح بين جانب الوارث وبين جانب البائع. فمن رجح جانب الوارث لكونه يقوم مقام المشتري تارة على الاستبداد وتارة مع الأعداد. وعلى أي وجه هو أصيل وليس بدخيل لثبوت السبب الذي به يدلي جناة ومماتًا والبائع لا ضرر عليه إذا قبض ثمن جميع سلعته على حسب ما وقع به البيع قال: الوارث مقدم على البائع. ومن رجح جانب البائع لكونه مالك للسلعة على الحقيقة وهي بعد في ضمانه. ومن رد سهمه من الورثة فقد رده على أصل ملك البائع على أصل ما كان عليه أولًا ثم لا سلعة عليه للوارث المتمسك إلا برضا البائع أصل ذلك الأجنبي إذا أراد الأخذ بعد أن رده المشتري أو ورثته لأنه محل الاتفاق قال: إن البائع مقدم على الوارث. والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان القائم بالخيار هو الوصي فاختار الرد والإجازة فإن السلطان ينظر في أمره ويتعقب فعله، فما كان صوابًا أمضاه وما كان فسادًا رده. والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان على الوارث بالخيار هم الأوصياء. فإن اتفقوا في الرد والإجازة فهم كالوصي الواحد فإن اختلفوا نظر

стр. 2656

السلطان في ذلك. فمن دعا منهما إلى سداد وصلاح رد إليه الآخر. والجواب عن الوجه الخامس: إذا كان القائم وارثًا ووصيِّا فهم كالورثة في جميع ما تقدم في الورث تفصيلًا وتحصيلًا فلا نطيل بتكراره مرة أخرى. والجواب عن الوجه السادس: إذا كان القائم بالخيار وارثًا ووصيين. فلا يخلو الوارث من أن ينفرد بأحد أمرين أو وافقه أحد الوصيين. فإن انفرد بأحد الأمرين ردًا أو إجازة كان كالوارثين على سواء. فإن وافقه أحد الوصيين فيما دعا إليه وانفرد الوصي الآخر فالأمر الذي دعا إليه من رد أو إجازة فإن السلطان ينظر فيما بين الوصيين. ومن وعي منهما إلى السداد رد إليه من خالفه، فإن كان الذي مع الوارث على سداد رد إليهم الوصي المنفرد ثم لا نظر ولا استحسان. فإن كان الوصي المنفرد هو المصيب رد إليه الوصي الذي مع الوارث ويكون الحكم في ذلك بين الوارثين وقد قدمناه. والجواب عن الوجه السابع: إذا كان القائم بالخيار هم الغرماء. كمثل أن يشتري سلعة على خيارهم ثم مات المشتري قبل أن يختار وعليه دين يحبط بماله فلا تخلو إجازة الشراء من أن تكون ردًا على التركة أو ردًا لها. فإن كان الآخذ رد على التركة كان الأخذ للغرماء جائز وليس بلازم لأن أخذ العين أحظى لهم من إجازة البيع وأخذ العوض لكونهم تعرضوا لتقليد العهد ولهم ألا يرضوا بذلك. فإن اختاروا الأخذ كان ذلك جائز لهم بشرط أن يكون ما فيها من الربح للميت ويوضع عنه من الدين بقدره وما كان فيها من وضيعة فعلى الغرماء لأن الثمن كان الآن ماله في ذمته.

стр. 2657

وهذا كله في الخيار الحكمي كاطلاع الورثة على العيب فيما اشتراه فاختلفا في الرد والرضا بالعيب فدعا بعضهم إلى الرد ودعا بعضهم إلى الرضا هل هما من مسائل النظر والاستحسان أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أنهما من مسائل النظر والاستحسان وهو قول أشهب في بيع الخيار. والثاني: أنه لا نظر فيهما ولا استحسان وكل واحد من الورثة أو الشريكين يسعف بمراده. فمن أراد الرد كان له، ومن أراد الإمساك كان ذلك له، ولا حجة للبائع في التبعيض إذ على ذلك دخل لأنه دخل على اتباع ذمة كل واحد منهما بما عليه في الشركة. وسبب الخلاف: في الخيار الحكم هل هو كالشرطي أم لا؟ والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الخيار للبائع ثم مات فاختلف ورثته في الإمضاء والرد هل يدخل فيها النظر والاستحسان كما دخل فيما حين ورثه المشتري؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه لا نظر فيها ولا استحسان فليس لمن أراد الرد والإمساك أخذ نصيب الآخر. وإنما الخيار في ذلك للمشتري إن شاء قبل نصيب الذي رضي البيع ويفسخ البيع في حق الآخر إذا رضي بتبعيض صفقته وإن شاء فسخ البيع بنفسه. وإنما قلت: أنه لا يدخل فيه الاستحسان؛ لأن الذي اختار الإجارة لا يقال له: خذ مصابة الرد؛ لأن الراد قد أبطل البيع عن نفسه فليس لمن

стр. 2658

أجازه أن يلزمه البيع كرهًا ويكلفه عهدة قد فر منها. وإنما قلنا: أنه لا يدخل فيه النظر والاستحسان للضرر الداخل على المشتري في تبعيض صفقته. وهذا ظاهر. والثاني: أن النظر والاستحسان يدخل فيه كما يدخل في موت المشتري. وبيان دخول النظر أن يقال للذي اختار الإجارة يلزمك أن تختار الرد كما اختاره صاحبك فليس لك أن تحسر البيع في حصتك ويلزم ذلك للمشتري؛ لأنك بعضت عليه صفقته وليس لك أن تأخذ نصيب الراد ويلزمه فيه البيع ليتم الصفقة للمشتري لأنه لا يلتزمه. وبيان الاستحسان أن الذي اختار الإجازة إن شاء رد كما رد صاحبه، وإن شاء أخذ نصيب الراد ويلزمه فيه البيع بغير اختيار الصفقة للمشتري، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: إلا أن يجيز الباقي من البائع أو المشتري. والقول الثالث: أن النظر والاستحسان يدخلان فيه. وبيان دخولهما على عكس ما وصف في الثاني، ويكون للذي يريد الرد من ورثة البائع مثل الذي يريد الإمضاء من ورثة المشتري ويكون للذي أراد الرد من ورثة البائع أن يأخذ نصيب من أراد إمضاء البيع؛ لأن الذي أراد الإجارة من ورثة البائع قد رضي بإخراج نصيبه من يده وأخر الثمن فيه. فإذا قال له الذي أراد إبطال البيع: أنا آخذ مصابك وأعطيك الثمن الذي أردت، كان ذلك له. وهذا القول ظاهر في المعنى بعيد في اللفظ. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2659

المسألة الرابعة في البيع على الرضا والمشورة. وإذا باع البائع على خيار فلان أو رضاه أو اشترى على ذلك هل يجوز البيع ابتداءً أم لا ؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز، وهو نص "الكتاب". والثاني: المنع، وهو رواية سحنون عن ابن القاسم في غير "المدونة" وهو ظاهر "الكتاب" لأن ذلك غرر وخطر. وسبب الخلاف: الرخصة هل تتعدى أم لا تتعدى؟ فعلى القول بالجواز فلهم في ذلك ثلاثة ألفاظ: المشورة والرضا والخيار. فأما البيع على مشورة فلان فلا خلاف في المذهب أن لمشترطها المخالفة وأن له البيع دون مشورة الذي اشترط مشورته إلا متأولًا على ما في "كتاب محمَّد" وما تأول عن ابن نافع. وأما البيع على الرضا والخيار فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن من سبق إلى الرضا أو الرد من الذي اشترطه ذلك أو الذي اشترط رضاه أو خياره كان الحكم حكمه سواء كان الذي اشترطه بائعًا أو مشتريًا. وهو قوله في "الكتاب" في البائع في أول الباب ومثله في "كتاب ابن حبيب". والثاني: أن القضاء ما قضى به المشترط له الرضا أو الخيار ويلزم البائع

стр. 2660

أو المشتري ما قضى به ولا كلام للمشترط معه ولا له مخالفته وهو قوله في الكتاب في المشتري ولا فرق بينه وبين البائع. والقول الثالث: أن للمشترط مخالفة من اشترط له فيما قضي به وهو ظاهر قوله في البائع في أول الباب. فإن رضي البائع أو رضي فلان البيع معناه: ولم يخالفه البائع فيما رضي واختار، وهو تأويل الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد على المسألة. والمشتري في ذلك كالبائع وهو أحد القولين اللذين حكاهما القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب. والقول الرابع: التفصيل بين البائع والمشتري. فالبائع له أن يسبق إلى الحكم وله المخالفة إن سبق المشتري ليس له المسابقة إلى الحكم ولا له المخالفة إن سبق، وهو ظاهر الكتاب إن حملنا الكلام على ظاهره. وهو تأويل ابن أبي زيد وغيره من القرويين. قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا مذهب الحذاق وعليه يصح بناء المسألة. وسبب الخلاف بين القولين المتقدمين: اختلافهم في اشتراط الرضا للأجنبي هل طريقه طريق الوكالة أو طريق التفويض؟ فإن سلكنا به مسلك الوكالة كان للبائع أو للمشتري السبق بالرضا أو الرد كما للآمر أن يبيع ما وكل الوكيل على بيعه وينفذ فعله إذا سبق بيعه بيع المأمور ويكون ذلك له عزلًا. فإن سلكنا مسلك التفويض فلا قضاء للبائع ولا للمشتري معه لتعلق حق الغير بالتفويض؛ إذ لا يختص ذلك الحق بالشرط وحده

стр. 2661

ولا بالذي اشترط ذلك بائعًا كان أو مشتريًا -شاركه في ذلك من عاقده. وسبب الخلاف بين القولين الآخرين: هل ذلك حق للبائع والمشتري جميعًا أو حق لمشترطه خاصة. فإن قلنا: إن ذلك حق لهما جميعًا فلا مخالفة في ذلك للمشترط والقضاء لمن جعل ذلك إليه. فإن قلنا: إن ذلك حق للمشترط وحده ولا حظ فيه لمن بايعه في الصفقة كانت له المخالفة كالمشورة والقول بالتفصيل بين البائع والمشتري استحسان وما ذلك إلا لقوة ملك البائع لأنه في السلعة أصل، والمشتري فيه دخيل والأصل أبدًا أقوى من الدخيل والأقوال كلها متأولة على "المدونة". على ما لا يخفى علي من طالع أمهات الشرح. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2662

المسألة الخامسة فيما يعد من المشتري بالخيار الرضا بالبيع أما العتق والتدبير والوطء وتزويج الأمة والتصرف في الحيوانات بما يرجع إلى إصلاح أدواتها كتوديجها وتغرسها فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك يعد رضًا بالبيع ويزيد الخيار. واختلف فيما سوى ذلك هل يعد دليلًا على الرضا إذا فعله المشتري؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن ذلك دليل على الرضا مثل أن يبيع أو يساوم أو يجني عمدًا أو يرهن أو يؤاجر وغير ذلك من أنواع التصرف التي تدخل على المالك. وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أن ذلك كله على الرضا إلا ستة أشياء: الإجارة والرهن والسوم وجناية العمد وتزويج العبد وإسلامه إلى الصناعة. فإن ذلك لا يكون دليلًا على الرضا بعد أن يخلفه قبل السنة كلها. وهو قوله في "الموَّازية". وقيل: "على الثلاثة منها خاصة. وهو الرهن والإجارة وتزويج العبد" وهو نص قول أشهب في "الكتاب". والقول الثالث: أن ذلك كله دليل على الرضا إلا البيع وهو قول علي ابن زياد في "الكتاب" فإنه قال: "يرجع الخيار في ذلك للبائع". وظاهر كلامه في الكتاب أن لا فرق بين بيعها بربح أو بوضيعة. ولمحمد بن المواز قول آخر في المسألة بالتفصيل بين أن يبيعها بربح فيرد

стр. 2663

بيعه؛ لأنه من باب ربح ما لا يضمن أو يبيعها بغير ربح فيجوز بيعه وينفذ ويكون فوتًا. وفيها قولًا آخر: أنه إن باع بربح كان الربح للبائع وإن زعم أنه اختار قبل البيع كان القول قوله مع يمينه. فيتخرج في البيع على هذا التنزيل أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن البيع دليل الرضا جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن يرجع إلى البائع الأول سواء باعها بربح أو وضيعة وهو قول علي بن زياد في "الكتاب" فيرد البيع لأنه من باب ربح ما لم يضمن أو يبيعها بوضيعة أو بمثل رأس المال فينفذ بيعه ويعد ذلك منه رضا، وهو قول ابن الموَّاز. وقد تأول علي بن زياد مثل قول ابن الموَّاز. والرابع: التفصيل بين أن يدعي المشتري أنه باع بعد الرضا فيقبل قوله مع يمينه أو لا يدعي فيكون الربح للبائع إن باع وهو قول ابن القاسم في إحدى روايات "المدونة" في "كتاب بيع الخيار". وظاهر هذا القول: أنه إذا لم يدع الرضا قبل البيع ولم يبع بربح أن ذلك يعد رضي منه. [والحمد لله وحده] (١).

стр. 2664

المسألة السادسة في الجارية المشتراه إذا ولدت في أيام الخيار والكلام في هذه المسألة على أربعة أسئلة: فمنها: حكم بيعها وهي حامل. ومنها: ما وهب لها من الأموال في أيام الخيار. ومنها: حكم أرش ما جنى عليها. ومنها: حكم ما ولدت في أيام الخيار. فالجواب عن السؤال الأول: في حكم بيعها وهي حامل. فلا يخلو من أن تكون في أقل من ستة أشهر أو جاوزتها. فإن كانت في أقل من ستة أشهر فلا خلاف أعلمه في المذهب في جواز بيعها وأن حكمها حكم الصحيح في جواز بيعها في ذلك وإطلاق يدها في التصرفات إن كانت حرة إيماءً على الإطلاق أو كانت ذات زوج فيجوز تصرفها على الإطلاق في المعاوضات. وفي المعروف مقصور على الثلث. وأما إذا جاوزت ستة أشهر فحكمها حكم المريض المدين الذي يحجب عن التصرف بغير عوض في ماله إلا عن الثلث فلا يجوز بيعها على هذا الوجه؛ لأن بيعها حينئذ غرر وخطر وقد اختلف المتأخرون في وجه الاعتذار عما وقع لابن القاسم في "الكتاب" فمنهم من قال: إنما تكلم على حكمها بعد الوضع والفوات فلو سئل عن بيعها على تلك الحالة ابتداءً لمنعه. ومنهم من قال: يحتمل أن يكون المتبايعان جهلا حال حملها حين البيع

стр. 2665

إما منهما جميعًا على الاتفاق أو من أحدهما على الخلاف إذا علم أحد المتبايعين بفساد البيع. ومنهم من قال: يحتمل أن يكون بيعها في آخر شهر من شهور السنة حيث يكون حكمها حكم الصحيح إطلاقًا وامتد أمد الخيار فيها إلى أن دخلت في الشهر السابع ولاسيما على القول بأن أمد الخيار في العبيد شهر. وهو ظاهر قوله في "الموَّازية" حيث قال: "ولا أفسخه إن وقع الخيار إلى شهر". وعلى هذا التأويل يكون البيع جائز ابتداءً. والجواب عن السؤال الثاني: في حكم ما وهب [لها] (١) من المال في أيام الخيار هل يكون للبائع أو للمشتري؟ فالمذهب فيه يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للبائع إطلاقًا وهو قوله في "الكتاب" قياسًا على الولد. والثاني: أنه للمشتري إطلاقًا. والثالث: بالتفصيل بين أن يستثنى المشتري ما لها فيكون له ما وهب لها من المال أو لا يستثنيه فيكون المال للبائع. وسبب الخلاف: بيع الخيار هل هو منعقد من حينه ووقته أو هو منعقد من مبدئه ومنشئه. والجواب عن السؤال الثالث: في حكم أرش ما جنى عليها في أيام الخيار. ولا تخلو الجناية من أربعة أوجه:
следующие страницы →