اليقين حيث قال: لا يجوز له التماسك بما بقى لأنه بثمن مجهول إذ لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم فصار بيعا مؤتنفا بثمن مجهول، وذلك موجود في هذه المسألة لأن ما بقي من السلعة غير معيب قيمته مجهولة فلا يعرف إلا بعد التقويم، وهذا تأويل بعض المتأخرين على الكتاب أن قوله في هذه المسألة بالتخيير بين الرد والإمساك يتخرج على أحد قولي مالك أن له الإمساك بما بقى في مسألة الاستحقاق.
والرابع: التفصيل بين ما كان من سبب المشتري وما كان بسبب سماوي.
فإن كان من سبب المشتري فإنه يرد معه ما نقص عنده، وما كان من سبب سماوي فإنه يرده ولا يرد معه شيئًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي"، وهو أضعف الأقوال.
والدابة إن تعطلت أعضاؤها أو انقطع ذنبها أو أذنابها كالعبد والأمة في جميع ما أوردناه من الأقوال.
وعلى القول بالتخيير للمشتري بين الرد مع ما نقص العيب فإن قال البائع: أنا أقبله معيبًا وأرد جميع الثمن هل يمكن من ذلك ويخير كما يخير المشتري؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع كما يكون للمشتري وأن المشتري إن اختار الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وقال البائع: أنا أقبله بجميع الثمن معيبا كان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب العيوب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا خيار للبائع وإنما الخيار للمشتري وهي رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك وبه قال عيسى بن دينار.
стр. 2802
والثالث: التفصيل بين أن تكون الزيادة فيمن قيمته مع العيب الذي فيه فيكون الخيار للمبتاع دون البائع ولم يكن فيه إلا التفصيل فيكون الخيار لهما جميعا كما قال ابن القاسم وأشهب وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يكون البائع مدلسا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسا فلا خيار له، وإن كان غير مدلس كان له الخيار وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة" وهو تأويل حسن جيد في الفقه.
فإن كان عيبا مفسدا فذهب بجل منافع المبيع مثل العمى وقطع اليدين والرجلين أو ما أشبه ذلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب ولا خيار له في الرد كما لو فات عينه وهو مشهور المذهب وهو نص "المدونة" في الكبير يهرم.
فإذا هرم الكبير فقد ذهبت منافعه؛ وإن كان بعض المتأخرين فقد فرق بين الصغير يكبر والكبير يهرم، وبين ما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان قائلا: إن الصغير يكبر والكبير يهرم قد صار جنسا آخر غير جنسه الأول حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر، وما بطلت منافعه على خلاف ذلك.
وما فرق به هذا المتأخر باطل لوجود ذلك فيما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان وزوال المراد منه حتى صار من حواشي جنسه فإنه يجوز أن يسلم فيه خيار جنسه مما بقيت منافعه وسلمت الأغراض المقصودة فيه، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
والثاني: أن المشتري بالخيار بين الرد مع قيمة العيب والإمساك ويرجع
стр. 2803
بما نقص العيب على البائع هو ظاهر "المدونة" حيث أطلق الجواب في الكتاب في العيوب المفسدة مثل القطع والشلل والعمى.
فإذا كان كذلك فقد ذهبت أكثر منافع المبيع، وكذلك إذا قطعت له يد واحدة وكانت صنعته في يده كطراز قزاز أو صائغ وما أشبه ذلك فإن ذلك مما يذهب بأكثر منافعه، وعلى هذا حمل أكثر شيوخ المذهب ظاهر الكتاب.
فأما النقصان من غير عين المبيع مثل أن يشتري بنخل بثمرها قبل الطياب قبل الإبار أو بعده، أو عبدا وماله فيذهب مال العبد بتلف والثمر بجائحة فإن ذلك ليس بفوت قولًا واحدا, وله الخيار بين أن يرده ولا شيء عليه ويمسكه ولا شيء له.
وأما النقصان بما أحدث المبتاع في البيع بما جرت العادة أن يحدث فيه مثل أن يشتري الثوب فيصبغه أو يقطعه فينقص الثمن لذلك، فإن هذا فوت باتفاق المذهب والمشتري فخير بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويرد ما نقصه ما أحدث فيه إلا أن يكون البائع مدلسا فلا يكون عليه للنقصان شيئًا يرده من أجله.
واختلف إن أراد أن يمسك هل له أن يرجع بقيمة العيب أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك له فيما نقصه بصناعة الصبغ دون ما نقصه القطع، وهو محمول على أنه غير مدلس حتى يثبت ذلك عليه إما ببينة أو بإقراره به على نفسه، وهو قول أصبغ، وابن المواز.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا فات عين المبيع فلا يخلو فواته مما
стр. 2804
يخرجه عن ملك بعوض كالبيع وغيره من سائر وجوه المعاوضات؛ فالكلام عليه يأتي في مسألة مفردة إن شاء الله.
فإن خرج من يده بغير عوض فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون باختياره وإيثاره، أو يكون ذلك بغير اختياره وإيثاره؛ مثل أن يكون عبدا فيقبله المشتري أو يتصدق به أو يعتقه، هل له الرجوع بقيمة العيب على البائع ويكون ذلك فواتا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوات يوجبه الرجوع بقيمته، وهو القول المشهور الذي عليه الجمهور من أصحاب مالك.
والثاني: أنه لا يرجع بقيمة العيب، وهو مهجور المذهب الذي لا وجه له، وهذا القول حكاه بعض المتأخرين عن مالك في المذهب.
فإن كان ذلك بغير اختيار المشتري؛ مثل أن يكون عبدا فيموت حتف أنفه أو يقتله خطأ فله الرجوع بقيمة العيب قولًا واحدا.
والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده؛ فلا يخلو هذا العقد من أن يتعقبه رجوع إلى ملكه كالكتابة على اعتبار الحال والاستيلاء والتدبير والعتق إلى أجل؛ فذلك فوت وليس فيه إلا الرجوع بقيمة العيب.
وأما إن كان العقد يتعقبه الرجوع إلى ملكه كالرهن والإجارة والإخدام ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك العقد ليس بفوت، ولا رجوع له بقيمة العيب حتى يرجع إلى ملكه -طالت المدة أو قصرت- وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
стр. 2805
والثاني: بالتفصيل بين أن تكون المدة طويلة فيرجع بقيمة العيب في الحال، وبين أن تكون قصيرة فينتظر حتي تنقضي المدة أو يكون أمدا بعيدا فيكون فوتا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين الإجارة والرهن والإخدام؛ ففي الرهن والإخدام يكون فوتا وله الرجوع بقيمة العيب، وفي الإجارة لا يكون فوتا وله الرد، ولا تنقض الإجارة؛ لأنه عقدها بموضع يجوز له كما لو زوج عبدا ثم وجد به عيبا لكان له أن يرده بعينه ولم يفسخ النكاح، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: ذلك فوت يوجب الرجوع بقيمة العيب إن شاء، ومن اعتبر المآل قال: ذلك فوت إذ لابد أن يرجع إلى ما كان عليه. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2806
المسألة الثانية في تعيب بعض الجملة المشتراة أو استحقاقه
ولا يخلو المشتري من أن يكون طعاما، أو عروضا، أو دورا أو أرضين.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المشتري طعاما فلا يخلو من أن يستحق بعضه، أو بعيب.
فإن استحق بعضه فلا يخلو المستحق من أن يكون يسيرا، أو كثيرا.
فإن كان يسيرا مما لا ضرر فيه على المشتري فلا مقال له في الرد.
وإن كان كثيرا فللمشتري المقال في الرد والإمساك.
واختلف في حد الكثير؛ ففي الثلث قولان في "الكتاب".
وعلى القول بأن الثلث في حيز اليسير ففي النصف قولان في "الكتاب".
أحدهما: أن النصف في حيز الكثير، وهو نص "المدونة" في كتاب "القسمة".
والثاني: أنه في حيز اليسير كالعروض، وهو قول أشهب في غير "المدونة" في "كتاب العيوب".
ويوجد لابن القاسم من مسألة الحمل في آخر "كتاب الوكالات" من "المدونة" علي ما بيناه هناك، وهذا الحكم إذا اشترى صيرة على أن ما فيها مائة أردب ثم وجدها تنقص على ما ذكرنا، فإن تعيب البعض فلا يخلو المعيب من أن يكون يسيرا أو كثيرا.
стр. 2807
فإن كان يسيرا كالعشر فالسلم لازم للمشتري، ولا رد له، وهل ذلك برضا البائع أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب بيع الخيار" وغيره.
فإن كان المعيب مثل الخمس والسدس وما لا رد فيه للمشتري لو استحق فليس للمشتري إلا أن يرد الجميع لحجة البائع في استتباع المعيب السالم وحمله عليه، ثم تبين للبائع أن يلزمه السالم بحصته لحجة المشتري في الرغبة في شراء إما لرخصها وإما لإكفاء المؤنة، حتى إذا تراضيا على شيء فيجوز ما تراضيا عليه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المشتري عروضا ثم استحق بعضها؛ فإن استحق منها ما لا ضرر فيه على المشتري فالسالم يلزمه بحصته من الثمن ولا، رد له، فإن استحق منها ما عليه فيه ضرر كالثلثين ففي هذا الوجه يكون له الكلام.
ثم لا يخلو الاستحقاق من أن يكون علي التعيين أو على الإجزاء.
فإن كان على التعيين مثل أن استحق من صفقته عين -يعني: أي شيء يعبر- فهل له التماسك بما بقى منها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب العيوب" و"الاستحقاق"، ولا يخفى علي من طالعهما.
والخلاف فيهما مبني على الخلاف في جمع السلعتين في البيع.
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء فهل يجوز التماسك بما بقي أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
стр. 2808
والثاني: المنع، وهو قائم من "المدونة" بالمعنى؛ وبيانه أنا لو جعلنا الخيار للمشتري في الرد أولًا فوجب أن يفسخ البيع ثم يختار التماسك آخرا؛ فيكون قد أخذ سلعة البائع بغير إذنه وذلك ممنوع شرعا، وهذا أصل متداع في أكثر مسائل "المدونة"؛ وهو المخير بين شيئين هل يعد مختارا لما ترك أم لا؟ وهذا معنى دقيق لا يفطن له إلا من عنده تحقيق وتدقيق.
واختلف في النصف في العروض هل هو في حيز القليل أو في حيز الكثير على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب القسمة" على ما لا يخفى، إلا أن المشهور في أن النصف في حيز اليسير في العروض.
والفرق بين الطعام والعروض على مشهور المذهب في أن النصف في الطعام في حيز الكثير وفي العروض في حيز اليسير أن العادة الجارية في المكيل والموزون من المأكول أن التنافس والرغبة في شراء الجملة أكثر، فإذا استحق منها النصف فقد ذهب المقصود، بخلاف العروض؛ فإن المقصود منها أعيانها حتى لا يكاد الثمن يختلف في شراء آحادها وأعدادها على المشهور.
فإذا استحق منها النصف فلا خيار له لبقاء النصف وهو كثير. والمكيل والموزون والمعدود من العروض في استحقاق النصف سواء.
والمعتبر فيما ذكرناه من استحقاق الأقل والأكثر إنما هو في القيمة دون أعيان السلع وأعدادها، بخلاف المكيل، والموزون من الطعام والعروض فإن المعتبر فيه أعداد ما يستحق فيرجع بقدر ذلك من الثمن دون تقويم إلا في صورة واحدة فإن العروض المعدودة فيها توافق الطعام؛ وهو إذا اشترى عدلا على أن فيه خمسين ثوبا فوجد فيه أربعين فإنه يرجع بخمس الثمن، ولا تقويم في هذا لعدم ما يقوم.
стр. 2809
والرد بالعيب والاستحقاق النظر فيهما إلى القيمة؛ لوجود ما يقوم، وهذا الجزء المستحق والمعيب.
فافهم هذه المعاني؛ فإنها معان فائقة، وأسرار رائقة، ولا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
فأما إن كان المشتري عروضا ثم وجده المشتري عيبا، فإن كان المعيب يسيرا جدا فالسالم يلزم المشتري بحصته من الثمن ولا رد له.
فإن كان المعيب جل الصفقة فهل له التماسك بالسالم ويرد المعيب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مخير بين الرد والإمساك، وليس له أن يحبس السالم ويرد المعيب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب" إذا كان العيب في كثير من عدد أو وزن حتى يضر ذلك بصفقته فليس له إلا أن يرد الجميع، وليس له التماسك بالسالم وإن كان معدودا لحجة البائع في محل المعيب على السالم.
والثاني: قوله فيها بالتفصيل بين أن يكون المعيب وجه الصفقة أم لا؛ فإن كان المعيب وجه الصفقة فليس له التماسك بالسالم الأدنى، وإن كان المعيب هو الأدنى فله أن يرد ويلزمه السالم بحصته من الثمن، وهذا نص قوله في "المدونة".
وإن كان من حجته استتباع العيب للسالم ومنعه من التماسك بالسالم الأدنى ليحمل عليه الأكثر الأردأ فبأن يمنع من التماسك بالمعيب الأكثر ليحمل عليه المعيب الأقل أولى، وهذا منه اختلاف قول على كل حال، وعلى أنه اختلاف حمله أبو سعيد في "التمهيد".
стр. 2810
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المشتري دورا أو أرضين فاستحق بعضها أو وجد بها عيب فالحكم في ذلك واحد.
فإذا استحق منها الشيء اليسير الذي لا ضرر فيه على المشتري فهل يلزمه الباقي بحصته من الثمن أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يلزمه الباقي بحصته من الثمن، وسواء كان الاستحقاق على الإجزاء أو على التعيين، وهذا نص قوله في "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: أنه لا يجزئه التماسك بما بقى؛ لأنه يمسكه بثمن مجهول إذا كان الاستحقاق على معين، ويجوز إذا كان على الإجزاء، وهذا القول مستقرأ من "كتاب التجارة" إلى أرض الحرب من استثناء الجز المعين من الشاة كالفخذ والكبد، وقد منعه هناك، ووجه المنع فيه لمجهلة في الثمن في المستثنى والمشتري لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم؛ فقد منع ذلك في الشاة مع قلة المستثنى والاستثناء كالإستحقاق، وهذا ظاهر جدا لمن أنصف.
فإن كان المستحق كثيرا كالنصف والثلثين فله رد ما بقى، وهل له التمسك به بحصته من الثمن أم لا؟
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء قولان، وإن كان على التعيين قولان، والتوجيه ما تقدم في تحصيل العروض.
واختلف في استحقاق هل هو في حيز الكثير الذي لا يعتبر فيه الضرر لكون ضررا في نفسه؟
على قولين قائمين من "المدونة":
стр. 2811
أحدهما: أن الثلث في حيز اليسير الذي يعتبر فيه وجود الضرر وعدمه.
ووجود العيب في جميع هذه الفصول كالاستحقاق سواء.
وهل الكراء في ذلك كله كالشراء؟
قولان منصوصان في "الكتاب". [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2812
المسألة الثالثة إذا اشترى عبدا بثوبين فهلك عنده أحدهما ثم وجد بالآخر عيبا
فلا يخلو من أن يوجد العيب بالثوب الباقي أو بالعبد، فإن وجد بالثوب فلا يخلو الثوب الهالك من أن يكون هو أوجه الثوبين أو هو الأدنى منهما، فإن كان الهالك هو أوجه الثوبين وتعيب الأدنى فلا يخلو العبد من أن يكون قائما أو فائتا.
فإن كان قائما فإن المشتري يرد المعيب ويرجع بما ينوبه من القيمة.
وهل يرجع؟ [...] (١) وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع بذلك في عين العبد، ويكون بذلك القدر شريكا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين المدلس وغيره؛ فإن كان مدلسًا فإن المشتري يرجع بقيمة العيب في عين العبد ويكون شريكا، وإن كان غير مدلس فإنه يرجع بقيمة العيب في ذمة البائع لا في عين العبد، وهذا القول مخرج غير منصوص.
والرابع: أن يخير في ذلك المشتري للعبد بين أن يرخي بالشركة أو يرده على بائعه كعيب ظهر له في المبيع، والشركة في الرقيق عيب، وهو قول ابن القاسم.
ووجه القول الأول: أنه لا يكون شريكا في العبد ترجيحا لجانب
стр. 2813
مشتري العبد لما يلحقه من الضرر في الشركة التي لم يدخل عليها أولا.
وجه القول الثاني: أن الأصول موضوعة على أن من باع عرضا بعرض فاستحق أحدهما ووجد به عيبا فإنه يرجع في عين شيئه إن كان قائما أو بقيمتها إن كان فائتا.
فإذا كان الحكم أن يرجع في عين شيئه مع تعييب الجميع أو استحقاقه فكذلك يرجع فيه إذا تعيب البعض واستحق؛ لأن الموجب برجوع من شيئه.
ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين التدليس وغيره إن كان مدلسا كان هو المتسبب في ذلك ويحسب على أنه دخل على الشركة باختياره وإيثاره، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ووجه القول الرابع: بأن الخيار في ذلك للمشتري لأن بائع العبد قد تعين حقه في عين شيئه فيكون له الرجوع في عينه ويشتري العبد ويدخل على ضرر الشركة ولا رضي به، فإذا استحق بعض العبد من يده كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار أيضًا بين أخذ الثوب المعيب مع قيمة التالف أو أخذ قيمة الثوبين جميعا.
فإن كان العبد فائتا فلا يخلو فواته من أن يكون بحوالة الأسواق أو مما هو أعلى منها؟ فإن فات بحوالة الأسواق فهل يكون ذلك فيه فوتا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك فيه فوت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وكتاب "محمَّد" أن حوالة الأسواق تفوت عرض البيع.
стр. 2814
والثاني: أنه ليس بفوت، وهو ظاهر "الكتاب" إذا تلف الأدنى وتغيب الأعلى حيث قال: إنه يرد المعيب مع قيمة التالف وتلف أقلها أشد من حوالة الأسواق، ومع ذلك لم يجعله فوتا، وهو تأويل بعض الأندلسيين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرد بالعيب فيما فات من الأعواض هل يعطى له حكم البيع الفاسد لمساواتها في القيمة وأن المرجوع في ذلك إليها في غير ذات المثل، أو لا يعطى له حكمه لاختلافهما في موجب الشرع لأن الرد في البيع الفاسد جبري والرد بالعيب أمر اختياري فافترقا.
فإن كان فواته مما هو أعلى فلا يخلو من أن يكون مما يمكن الرد معه مثل أن يعقد فيه عقدًا من عقود الحرية فإنه يرجع بقيمة المعيب في ذمة بائعه قولًا واحدًا.
فإن كان مما يمكن الرد معه كنقصان الذات وزيادتها فمنصوص المذهب على أنه يرجع بقيمة العيب في الذمة لا في عين العبد.
ويتخرج فيها قول آخر أنه يرجع في عين العبد ويكون شريكا ليكون عين شيئه.
فإن كان [الهالك] (١) هو الأدنى من الثوبين وتغيب الأعلى، فإن كان العبد قائما فإنه يرد القائم من المعيب وحده ويأخذ ما ينوبه من قيمة العبد، ويمضي الأدنى بما ينويه من قيمة العبد، وهو مذهب "المدونة"، وإن كان قد أعقد هذا الوجه في "الكتاب" ولم يذر فيه إلا أصولا تدل عليه.
والثاني: أنه يرد الثوب القائم المعيب مع قيمة الهالك ويأخذ قيمة عبده وهو رأي الأندلسيين. واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين قائمين من
стр. 2815
"المدونة" على اختلاف الروايات فيها:
أحدهما: أن القيمة فيها يوم القبض، وهي رواية التميمي، وهو الصحيح.
والثاني: أن المعتبر في ذلك يوم الصفقة، وهذا ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الرد بالعيب هل يعطى له حكم الفاسد فيما يرجع إلى القيمة أم لا؟
فإن كان العبد هو المعيب فإن مشتريه يرده ويأخذ ثوبيه إن كانا قائمين أو قيمتهما إن كانا فائتين.
فإن فات أحدهما وهو الأعلى كان فوتًا للأدنى، ويأخذ قيمتها إلا أن يريد البائع أن يأخذ الأدنى مع قيمة الأعلى كان ذلك له؛ لأن الحق له.
وإن فات الأدنى أخذ الأعلى مع قيمة الفائت، ويرد العبد إن شاء، والحمد لله وحده.
стр. 2816
المسألة الرابعة فيمن اشترى سلعة فلم يقبضها حتى هلكت عند البائع أو هلكت ثم علم أن بها عيبا، وما الذي يكون قبضها وتصير به في ضمان المشتري إذا وجد
ولا تخلو السلعة المبيعة من وجهين:
أحدهما: أن تكون محبوسة بالثمن عند البائع أو تكون في حكم المحبوسة بالثمن.
والثاني: أن تكون غير محبوسة في ثمن.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت محبوسة في الثمن أو هي في معنى المحبوسة مثل أن لا يصرح البائع بالحبس ولا مكن المشتري من القبض حتى هلكت السلعة، فلا يخلو إهلاكها من وجهين: إما أن يكون بسبب سماوي، أو بسبب آدمي.
فإن كان هلاكها بسبب سماوي فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان فيها من البائع.
والثاني: أن الضمان فيها من المشتري، والقولان لمالك في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري من أهل البلد وهو موسر فيكون الضمان من البائع، أو يكون غريبًا أو بلديًا معسرًا فيكون الضمان من المشتري، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسواء كان المبيع في جميع هذه الأقوال مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه، حاضرًا كان أو غائبًا.
стр. 2817
وسبب الخلاف: اختلافهم في المخاطب بالتسليم أولًا هل البائع مخاطب بتسليم المبيع فبعد ذلك يخاطب المشتري بتسليم الثمن، أو المشتري مخاطب أولا بتسليم الثمن وبعد ذلك يخاطب البائع بتسليم المبيع؛ فإذا قلنا بأن البائع مخاطب بالتسليم أولًا كان الضمان من المشتري؛ إذ بالعقد صارت في ضمانه والعقد بيع على الحقيقة والتقابض من كماله.
فإن قلنا: إن المشتري مخاطب بتسليم الثمن أولا كان الضمان من البائع ببقاء المبيع في ملكه وتحت يده، والبيع هو التقابض دون العقد بل هو السبب الموصل إلى التقابض، وهذا القول أضعف الأقوال.
وأما القول الذي فصل فيه بين البلدي الموسر والغريب والبلدي المعسر فهو حوم على هذا الأصل إذا اعتبرته.
فإن كان الهلاك بسبب آدمي فلا يخلو من أن يكون بسبب البائع، أو بسبب المشتري، أو بسبب أجنبي.
فإن كان ذلك بسبب البائع فعلى البائع لأن الضمان من البائع ينفسخ البيع.
ثم لا يخلو الثمن الذي اشترى به المشتري من أن يكون [من] (١) الجنس الذي تقوم به الأشياء، أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه فلا يخلو من أن يستهلكه خطأ أو عمدًا.
فإن استهلكه خطأ فلا شيء للمشتري على البائع إن كانت القيمة أكثر من الثمن.
فإن استهلكه عمدا أو كانت القيمة أكثر من الثمن غرم البائع فضل
стр. 2818
القيمة على الثمن، ولا شيء له عليه إن كانت أقل.
فإن كان الثمن من غير الجنس الذي تقوم به الأشياء؛ مثل أن يكون الثمن عرضا كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يدفع الثمن الذي اشتراه به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون العمد والخطأ سواء؛ فعلى المشتري الثمن وعلي البائع القيمة.
فإن تجانسا تقابضا، ومن له الدرك على صاحبه وجه به عليه.
فإن لم يتجانسا غرم البائع القيمة وغرم المشتري الثمن.
فإن استهلكه المشتري فعلى القول بأن الضمان من البائع ينظر فإن استهلكه خطأ انفسخ البيع ويغرم المشتري أكثر من الثمن أو القيمة؛ لأنه بالخطأ أبطل الدين الذي عليه، فعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون عليه الثمن -قل أو كثر- لأنه صار في معنى المقبوض.
فإن استهلكه عمدا غرم الثمن على القولين جميعا؛ لأن ذلك يعد منه رضا بقبضه على تلك الحال.
فإن استهلكه أجنبي عمدا أو خطأ فعلى القول بأن الضمان من البائع يكون على الأجنبي الأكثر من القيمة أو الثمن؛ لأن خطأه على السلعة أبطل على البائع الدين الذي له عليه في ذمة المشتري. وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الذي استهلكه وعليه الثمن للبائع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت السلعة المبيعة غير محبوسة في ثمن فلا تخلو من أن تكون مما يتعلق به حق التوفية أم لا. فإن كان مما يتعلق به حق التوفية كالمكيل والموزون والمعدود إذا اشتراه على كيل أو وزن
стр. 2819
فلا خلاف أنه في ضمان البائع حتى يقبضه المشتري وصار في وعائه.
واختلف إذا هلك وهو في المكيال أو في كفة الميزان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان من البائع حتى يصب في وعاء المشتري.
والثاني: أنه من المشتري وإن لم يصل إلى وعائه.
والقولان لمالك ﵁.
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري هو متولي الكيل والوزن فيكون الضمان منه، وإن كان المتولي لذلك هو البائع أو وكيله فالضمان من البائع، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: أجرة الكيل على من تكون؟ قيل: على البائع، وقيل: على المشتري، فمن رآها على البائع قال: الضمان منه -وهو الأظهر- ومن رآها على المشتري قال الضمان منه، وإن كان المبيع مما لا يتعلق به حق التوفية فلا يخلو البائع من أن يمكن المشتري من القبض أو لا يمكنه.
فإن لم يمكنه من القبض فهو فصل المحبوسة في الثمن، وقد قدمناه.
فإن مكنه من القبض هل يكون ذلك كالقبض أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن التمكين كالقبض، وهو مشهور المذهب والمنصوص فيه.
والثاني: أن التمكين [ليس كالقبض] (١)، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المذهب.
وقد حكى الحفيد إجماعًا في المذهب أن التمكين في البيع الصحيح
стр. 2820
قبض، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن لنا في "المدونة" مسائل تدل على أن التمكين ليس بقبض.
وأما إذا اشترى سلعة ثم علم أن بها عيبا بعد أن هلكت فلا يخلو هلاكها من وجهين: إما أن يكون قبل القيام بالعيب، أو بعد القيام.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب وكان هلاكها من غير سبب العيب فلا خلاف أن ضمانها من المشتري، وله الرجوع على البائع بقيمة العيب.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب فممن ضمانها؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: [أنها] (١) في ضمان المشتري حتى يحكم السلطان بردها على البائع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنها في ضمان المشتري وإن قضى له السلطان بالرد حتى يقبضها البائع، وهو أحد قولي مالك في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنها في ضمان البائع بيقين بنفس إثبات المشتري العيب عند السلطان.
والرابع: أنه إذا أشهر المبتاع أنه غير راض فقد برئ من الضمان إلا أن يطول الأمد حتى يرى أنه راض به، وهو قول أصبغ. [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2821
المسألة الخامسة إذا اشترى جارية على جنس فوجدها على خلافه
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترط الأعلى فيجد الأدنى.
والثاني: أن يشترط الأدنى فيجد الأعلى.
والثالث: أن يشترط جنسًا فوجد غيره مما يتفق معه في العلاوة.
فإن اشترط الأعلى فوجد الأدنى، مثل أن يشتري جارية على أنها بربرية فوجدها أسبانية أو إبرية فله الرد قولًا واحدًا.
فإن اشترط الأدنى فوجد الأعلى؛ مثل أن يشتريها على أنها إبرية فوجدها بربرية أو خراسانية فلا رد له؛ لأنه وجد أحسن مما اشترط، إلا أن يدعي وجها؛ مثل أن يكون شراء البربريات لما يخاف من أصولهن وسرقتهن كما قال في "الكتاب" فيكون له الرد فيقبل قوله.
ومعنى قوله في "الكتاب": "وسرقتهن" أنهن يسرقن لا يسرقن من مال ساداتك، فإن اشترط جنسا فوجد جنسا غيره مما يوافقه في العلاوة؛ مثل أن يشتريها على أنها بربرية فوجدها خراسانية فقد قال في "المدونة": له أن يردها.
وكذلك إن اشتراها على أنها خراسانية فوجدها بربرية فله أن يردها أيضًا؛ لأن ذلك مما تختلف فيه الأغراض، وهو قوله في "المدونة".
فإن اشتراها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية، أو اشتراها على غير شرط كان له الرد.
стр. 2822
وإن اشتراها على أنها نصرانية فوجدها مسلمة فهل يمكن من الرد أم لا؟
على قولي:
أحدهما: أنه لا يمكن من الرد، والإسلام ليس بعيب.
والثاني: أن له الرد بحجة أن يقول: إنما أردت تزويجها لعبدي النصراني أو ما أشبه ذلك مما يشبه إن ادعاه.
وقد وقع في "الكتاب" سؤال طاشت فيه الأحلام وحارت فيه الأوهام؛ وهو قوله في الذي اشترى جارية فأراد أن يتخذها أم ولد فإذا نسبها من العرب، فأراد أن يردها بذلك خوفا أن تلد منه فتعتق فيجر العرب ولاءها دون ولده، فقال مالك: إن ذلك ليس بعيب يرد به، وليس المراد أن المشتري شرط هذا الشرط ولو اشترطه لفسد العقد، ولكن معناه أنه نواه وأضمره في قلبه من غير أن يصرح به فاختلف في تأويل قوله في ذلك.
وجواب مالك ﵁ هل ورد على تصحيح قول المشتري وتقريره أو ورد على تكذيبه وردا لما يدعيه السائل؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك منه تصحيح للدعوى أو تقريره وأنها إن عتقت كان ولاؤها للعرب لا لولد السيد، وهو تأويل سحنون، ويحيى بن عمر، وغيرهما؛ لأن مالكا لم ينكر قول السائل، وإنما قال له بعد تسليم علته: لا أرى هذا عيبا ولو أنه لم ير علته صحيحة وأن ولاءها لمعتقها لا للعرب قال: لا أرى لك ردها ولا أرى ذلك عيبا. وإنما كان يقول: لا أرى لك ردها, ولا حجة فيما اعتللت به؛ إذ ولاؤها لأولادك وعصبتك.
وذكر سحنون أن أصحاب مالك مجمعون أن الولاء إنما يكون للمعتق
стр. 2823
فيمن أعتق من العجم، فأما رقيق العرب فلا ولاء فيهم لمعتقهم.
والثاني: أن جواب مالك ﵀ ورد على تكذيب السائل وتقريعه وردا لما يدعيه، وأن الولاء لمن أعتق على كل حال كان المعتق من العجم أو من العرب.
والثالث: أن معنى قوله: "جر العرب ولاءها" أي: نسبها، ومعناه أن نسبها يستفيض ويستطير؛ يقال: فلانة بنت فلانة حتى يساء مولاها إذ المولى الأسفل إنما يعرف ويشتهر بسيده، وبه تكتب شهادته في الوثائق ويقول: فلان من فلان مولى فلان، ورأى مالك أن ذلك ليس بعيب وأنه ليس بمنفعة مقصودة في العتق على كل حال؛ لأن ذلك أمر قد يكون وقد لا يكون؛ إذ قد تموت الجارية الآن فلا يبقى لها الولاء يرغب فيه، وقد يموت ولدها وينقطع نسبه، وقد لا يولد له ولد أصلا، وهو تأويل ابن حبيب، وأشهب، والقاضي.
فيتحصل في ولاء العرب إذا عتقوا قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ولاءها للعرب لا للمعتق، وهو مشهور المذهب على ما حكاه سحنون، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب"، وقد قال يحيى بن عمر في "السليمانية" في قريش تزوج أمة رجل من العجم فأولدها وأعتق الرجل ولدها إنهم يرجعون إلى أنساب قريش حتى كأنهم لم يمسهم رق قط، وكذلك جميع العرب؛ لأن أنسابها معروفة يتوارث بها.
والثاني: أن ولاءها للمعتق دون قومها كالعجم، وهو قول أشهب، وادعى بعضهم في ذلك إجماع المذهب على عكس ما ذكره سحنون، وهذا القول قائم من "كتاب الجهاد" من "المدونة" حيث قال في العرب: إذا سبوا فإنهم بمنزلة الأعاجم مجملا, ولم يفصل، وهذا الخلاف ينبني على
стр. 2824
اختلافهم في تأويل قول مالك ﵁.
ولا خلاف أن النسب الداني مقدم على الولاء بكل حال في العرب والعجم [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2825
المسألة السادسة إذا اشترى سلعة ثم باعها فادعى بعد البيع أنها بها [عيب] (١)
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يبيعها من [بائعها] (٢).
والثاني: أن يبيعها من غير [بائعها] (٣).
فإن باعها من [بائعها] (٤) فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يبيعها بمثل الثمن، أو بأقل، أو بأكثر.
فإن باعها بمثل الثمن ثم وجد بها عيبًا كان عند البائع الأول فلا مراجعة بينهما قولًا واحدًا، سواء علم بالعيب أو لم يعلم.
فإن باعها بأكثر من الثمن الأول فلا يخلو المشتري الآخر من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب لم يكن له الرجوع على المشتري الأول بشيء.
فإن لم يعلم كان له أن يرده على الذي اشتراه منه آخرًا إلا أن يرضى المشتري الأول أن يرد عليه الفضل الذي بين الثمنين فيلزمه البيع؛ لأن مآل أمرهما في المراجعة إلى ذلك.
стр. 2826
فإن باعها بأقل من الثمن فلا يخلو المشتري الأول من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب وحده فلا قيام له على البائع الأول لتمام الثمن؛ لأن ذلك منه رضًا بإسقاط حق العيب، ومن تصرف في البيع بعد العلم بالعيب فلا قيام له بعد ذلك، فإن لم يعلم بالعيب فهل له الرجوع على البائع الأول بتمام الثمن أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له الرجوع عليه بتمام الثمن؛ لأنه يقول: كان لي أن أرده عليك وهذا هو في يدك، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الخلع في التي اختلعت من زوجها، ثم علمت أن به عيبا يوجب لها الخيار حيث قال: ليس لها أن ترجع على الزوج بشيء من الخلع، فعلى هذا لا يكون للمشتري أن يرجع علي البائع منه بشيء؛ لأن السلعة في يد البائع الأول بعقد ثان، وهذا الاستقراء لبعض المتأخرين.
وأما الوجه الثاني: إذا باعها من غير [بائعها] (١) فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم بالعيب قبل أن يبيعها.
والثاني: أن يعلم به بعد أن باعها.
والثالث: أن يبيعها وهو عالم بالعيب وبين إلا أنه يظن أنه قد حدث عنده.
стр. 2827
والرابع: ألا يعلم بالعيب إلا بعد أن اشتراها مرة ثانية.
فإن علم بالعيب قبل أن يبيعها فلا خلاف أنه لا حجة على البائع الأول ولا رجوع.
فإن علم به بعد البيع فلا يخلو المبيع من أن يكون قائمًا بيد المشتري الثاني، أو فائتا.
فإن كان قائمًا فهل للمشتري الأول الرجوع على البائع الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" لأنه في بيعه على أحد وجهين: إما أن يبيع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه، وإما أن يبيع بأقل، فإن النقض لم يكن لأجل العيب.
والثاني: التفصيل بين أن يبيع بمثل الثمن فأكثر فلا يرجع بشيء وبين أن يبيع بأقل من الثمن فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من قيمة العيب أو ما نقص من الثمن، وهو قول أشهب.
والثالث: أن له الرجوع بقيمة العيب على حال كما لو هلك المبيع.
فإن باع بمثل الثمن أو أكثر؛ لأن ذلك يكون لزيادة المبيع في نفسه أو لغلاء سوق أو لمعاملة كانت في وقت الشراء، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم".
وسبب الخلاف: الطوارئ هل تراعى أم لا تراعى؛ فمن اعتبرها قال: لا يرجع على البائع بشيء؛ لاحتمال أن يعود إليه يوما فيمكن من الرد على البائع الأول.
стр. 2828
ومن لم يعتبرها قال: يرجع عليه بقيمة العيب في الحال من غير اعتبار بما باع به إن كانت أقل من الثمن الذي به اشترى أو أكثر.
والقول باعتبار الأقل توسط بين القولين.
فإن فات المبيع بيد المشتري الثاني فواتا لا يمكن الرجوع معه إلى يد المشتري الأول فإنه يرجع على البائع الأول بقيمة العيب.
فإن علم بالعيب حين باع وبين وظن أنه حدث عنده، أو باعها وكيله وهو عالم بالعيب وبين وظن أن عند الأمر حدث فإنه يرجع على البائع بالأقل من قيمة العيب أو إتمام الثمن قولا واحدًا.
فقول ابن القاسم الذي يقول: إذا علم بالعيب بعد البيع أنه لا يرجع على البائع بشيء.
فإذا اشتراه يوما هل له أن يرده على البائع الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الرد عليه، وأن شراءه بعد العلم بالعيب لا يمنعه من الرد؛ لأنه يقول: [أنا] (١) اشتريته لأرده، وهذا ظاهر قول ابن القاسم وأشهب في "الكتاب"، وعليه أكثر المحققين حمل قوله في "الكتاب": إذا اشترى عبدًا فباعه ثم ادعى عيبًا لم يكن له أن يخاصم بائعه، لكن إن رجع إليه يومًا ما بشراء أو غيره كان له أن يرده على بائعه، وهذا يكاد أن يكون نصًا.
والثاني: أنه لا يمكن من الرد من البائع الأول إذا اشتراه بعد العلم، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة"، وهو تأويل ضعيف نقله القاضي
стр. 2829
أبو الفضل.
وأما إذا لم يعلم بالعيب حتى اشتراه مرة ثانية أو ورثه أو تصدق به عليه؛ فإن عاد إليه بالشراء كان له الخيار إن شاء رده على الأول أو على الآخر، فإن رده على البائع الأول كان ذلك له ثم لا رجوع له على البائع الآخر بقيمة العيب لأخذه الأول بالعهدة، ثم ينظر إلى الثمن الذي باعه به منك الآخر فإن كان مثل الثمن الذي ابتاعه منك أولًا فلا يرجع عليك بشيء، وإن كان أقل رجع إليك بتمام الثمن لا بأقل؛ لأنه له رده عليك ويأخذ جميع الثمن، وها هو ذا في يده، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن رده على الآخر كان هو بالخيار أيضًا بين الرضا به أو رده على الأوسط؛ لأن عهدته عليه، فإن رده عليه كان له هو أن يرده على الأول إن شاء.
فإن لم يرده الآخر على الأوسط ورضى بعيبه فهل للأوسط الرجوع على الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه لا رجوع على الأول بشيء كان [ما] (١) باعه به أقل مما اشتراه به أو أكثر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما باعه به المتوسط من الراضي بالعيب أقل مما ابتاعه من الأول فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من تمام الثمن أو من قيمة العيب، وبين أن يكون ما باعه به مثل الثمن أو أكثر فلا يكون له عليه الرجوع بشيء.
стр. 2830
والقولان حكاهما سحنون في "المدونة".
ولو وهبه لك المبتاع أو تصدق به عليك لرجع عليه بقيمة العيب من الثمن الذي بعته به منه، ثم لك رده على بائعك الأول وأخذ جميع الثمن منه ولا كلام له في ذلك.
ولو ورثته من مبتاعه منك كان له رده على البائع الأول وأخذه بجميع الثمن؛ لأن ما وجب للميت عليك قد ورثته منه.
فهذا تحصيل هذه المسألة وتنزيل فصولها وتلخيص وجوهها، فإذا فهمتها وأحطت العلم يتبين لك أن أشهب موافق لابن القاسم في المسألة، وأن كلامه تفسير لقول ابن القاسم، وأن كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر. والحمد لله وحده.
стр. 2831
المسألة السابعة في الرجلين إذا اشتريا سلعة ثم ظهرا على عيب وقد تبايعاها
فلا يخلو اطلاعهما على العيب من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل أن يتبايعاها، وإما أن يكون ذلك بعد أن تبايعاها.
فإن كان ذلك قبل أن يتبايعاها، فإن اتفقا في الرضا بالعيب أو الرد فلا كلام، فإن اختلفا [فدعى] (١) أحدهما إلى الرد وأراد الآخر الإمساك فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة".
أحدهما: أن من شاء منهما أن يرد أو يحبس كان ذلك له، ولا حجة في ذلك للبائع، وهذا قول ابن القاسم في "كتاب الخيار" و"كتاب التدليس بالعيوب"، وقال مالك: وما أرى أن يكون للبائع مقال.
والثاني: أن من أراد الرد لا يمكن وحده حتى يردا جميعًا أو يحبسا جميعًا، وهو قول أشهب في كتاب "بيع الخيار".
وقول ابن القاسم أصح، ووجهه أن البائع على ذلك وبذمتين رضى؛ إذ لا يتبع كل واحد منهما عند الفلس إلا بما في ذمته.
ووجه قول أشهب اعتبار حق البائع في تبعيض صفقته وعليه في ذلك ضرر بين.
فإن كان ذلك بعد أن تبايعاها فيما بينهما ثم علما بالعيب: أما الذي باع
стр. 2832
حصته من شريكه فإنه يتخرج على الثلاثة أقوال التي قدمناها:
أحدهما: أنه لا يرجع على الأول بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يرجع بتمام الثمن إن باع بأقل مما اشترى به، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يرجع بقيمة العيب -باع بأقل أو بأكثر- وهو قول ابن عبد الحكم، وروايته عن مالك.
وأما الذي اشترى حصة شريكه فعلى القول بأن شريكه الذي باع نصفه يرجع على البائع الأول إما بتمام الثمن على قول، وإما بقيمة العيب على قول، ففيه قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن له أن يرد نصفه على بائعه الأول دون النصف الذي اشترى من شريكه، ويكون نصف المبيع في يديه ونصفه في يد البائع الأول، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثانى: أنه لا يمكن من الرد إلا برضا البائع الأول لحجته في تبعيض صفقته، وهو قول أشهب في "كتاب بيع الخيار" من "المدونة".
وعلى القول بأن الذي باع حصته لا يرجع على البائع الأول بشيء فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: أنه لا يرد على البائع الأول إلا بتهمته خاصة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يرد عليه ولا يرجع إلا بنصف العيب خاصة، وهو قول
стр. 2833
أشهب.
والثالث: أن له أن يرد جميع المعيب على البائع الأول؛ لأن له عليه العهدة في النصف الذي اشترى وهو في النصف الثاني غريم غريمه، وعهدتهما جميعًا عليه، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب المديان"، و"كتاب الشفعة" وغيرهما من كتب "المدونة"، وهو قول ابن كنانة وأصبغ في "كتاب محمد".
فعلى القول بأنه لا يرد على البائع الأول إلا قدر حصته فإنه يرد على شريكه النصف الذي اشترى منه ثم يرد هو على بائعه الأول إن شاء. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2834
المسألة الثامنة في الثلاث عيوب
وهو أن يشتري سلعة وبها عيب ظاهر علم به المشتري، ثم اطلع على عيب آخر قد دلس به البائع وقد حدث عنده عيب آخر، فلا يخلو هذا البيع من أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، فإن كان صحيحًا فلا يخلو من أن يكون بيع بتل، أو بيع على خيار.
فإن كان بيع بتل فلا يخلو من أن يريد الإمساك أو يريد الرد.
فإن أراد الإمساك فإن البيع يقوم قيمتين: يقوم بالعيب الذي رضي به المشتري فيقال: ما يساوي؟ فإن قيل: قال ما يساوي وبه العيب الذي دلس به البائع فيقال: ثمانين فقد نقص في المبيع الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن -كان الثمن دينارًا أو مائة- كأنه اشترى خمسة أجزاء وقبض أربعة، فصار البائع قد قبض جزءا من الثمن لم يدفع عنه عوضًا، ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن اختار الرد هل يقوم المبيع قيمتين أو ثلاثة أو لا يلتفت إلى القيمة جملة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقوم ثلاث قيم، يقال: ما يساوي بالعيب الذي رضي به المشتري؟ فإن قيل: مائة قيل: ما يساوي بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانين، فيقال: ما يساوي بالعيب الذي حدث عند المشتري؟ فإن قيل: ستين فإنه يرد مع المبيع خمس الثمن، وسماه في "الكتاب" ربعا، والأمر في ذلك واحد؛ سمى خمسًا بالنسبة إلى جميع الثمن أو سمى ربعا بالنسبة إلى ما يبقى من
стр. 2835
الثمن بعد نقص عيب التدليس، وهذا هو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الخيار" و"كتاب العيوب"، وهو الذي نص عليه في "كتاب محمَّد"، وقاله فضل بن سلمة وغير واحد، وهو الصواب.
والثاني: أنه يقوم قيمتين: قيمتها أولا بالعيب القديم وأخرى بالعيب الحادث عند المشتري، وإلى هذا ذهب أبو سعيد ابن أخي هشام، وفيما ذهب إليه ظلم على المشتري؛ لأنه على المذهب يرد أكثر مما يرد عليه من قيمة العيب الذي حدث عنده.
والثالث: أنه لا يلتفت إلى القيم أصلا، وإنما يلتفت إلى قيمة العيب الحادث عنده وما نقص بالغا ما بلغ، وهو قول أحمد بن المعدل، وهذا بعيد جدًا وخارج عن أصولهم، وقوله في "كتاب بيع الخيار": لا ينظر إلى العيب الحادث في أيام الخيار في شيء من ذلك، وهو قد نظر إليه في التقويم، ومعناه أنه لا ينظر إليه في حطه عن المشتري، لأنه قد رضي به.
فإن كان البيع وقع على خيار فالحكم في التقويم فيه على ما قدمناه في بيع البتل من الخلاف في اعتبار القيمتين أو الثلاثة أو لا تقويم أصلا.
واختلف في القيمة متى تعتبر في بيع الخيار؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القيمة فيه يوم العقد، وهو قوله في "الكتاب" يقال: ما قيمة هذه وهي عوراء يوم وقعت الصفقة بغير عيب التدليس.
وقال في "كتاب البيع"، وإنما تقوم السلع يوم وقع البيع فيها فأطلق.
وممن قال بهذا القول وحمل ما في "الكتاب" على ظاهره أبو القاسم بن شبلون، وأبو الفضل بن مياس، وغيرهم من شيوخ القرويين.
والثاني: أن القيمة في ذلك تخرج من الاستبراء إن كانت أمة، أو يوم
стр. 2836
يخرج من أيام الخيار، وهو قول أبي القاسم بن محرز، وجمهور المتأخرين، وتأولوا قوله في "الكتاب": "يوم وقعت الصفقة" على القبض، ويدل على تأويلهم قوله في "كتاب بيع الخيار": وإن أراد الرد نظر إلى العيب الذي حدث عنده كم ينقص منها يوم قبضها فيرد معها.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز: وهذا الخلاف ينبني على اختلافهم في الضمان فيما بيع على خيار هل هو من البائع أو من المشتري؛ فمن رأى أن الضمان من البائع حتى يقبضها المشتري وتمضي أيام الخيار قال: الضمان يوم القبض، ومن رأى أن الضمان من المشتري قال: تقوم يوم البيع.
ويمكن أن يكون للخلاف سبب آخر وهو بيع الخيار هل هو منعقد من حينه ووقته أو هو منعقد من مبدئه ومنشئه، والخلاف في ذلك في المذهب معلوم وموضع استقرائه من "المدونة" مرسوم.
فإن كان البيع فاسدًا وكان بها عيب في حين العقد فرضي به المشتري، ثم ظهر فيه عيب آخر بعد القبض وفات البيع فإنه يقوم قيمة واحدة، وإن اختار الرد قومت قيمتان.
فإن اختار التماسك هل يقوم معيبًا أو سالمًا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقوم عليه معيبًا؛ لأن ذمته عمرت بالعيب فلا يغرم فوق ما قبض، وهو قول سحنون، وابن عبدوس.
والثاني: أنه يقوم سالما؛ لأنه قد ملك الرد، وهو قول ابن المواز.
وسبب الخلاف: من خير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؛ وذلك أن المشتري قد ملك الرد فإذا اختار التماسك فكأنه رضي بدفع قيمته سالما، وهذا ضعيف، وقول سحنون أصوب. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2837
المسألة التاسعة في المكاتب إذا عجز
هل هو منزوع المال بنفس العجز، أو هو محجور عليه بالعجز أم لا؟
وقد اختلف المذهب في المكاتب هل هو منزوع المال بنفس العجز أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: [أنه] (١) لا يكون منزوع المال بنفس العجز، بل هو على ما هو عليه في الأصل حتى ينتزع السيد ماله، وهو قوله في "كتاب العيوب" في المكاتب إذا باع فوجد المشتري به عيبًا بعد أن عجز المكاتب حيث قال له أن يرد على العبد ويأخذ الثمن من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع عليه في الثمن.
ويؤخذ من هذه المسألة أيضًا أن المكاتب له أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر من قوله ويأخذ الثمن من ماله بعد العجز.
والثاني: أنه يكون منزوع المال بنفس العجز، وهو مذهب أشهب.
ويؤخذ من قول ابن القاسم في "كتاب المكاتب" إذا كاتب عبده ثم عجز الأعلى حيث قال للسيد الأعلى اقتضاء الكتابة من الأسفل، ويؤخذ له من غير ما موضع من "المدونة":
وأما كونه محجورا عليه بنفس العجز وهو قوله في "المدونة" في كتاب "العيوب" حيث قال في المكاتب إذا اشترى فعجز ثم وجد بالعبد عيبًا إن لسيده رده على البائع وإن رضيه العبد؛ لأن المكاتب حين عجز صار
стр. 2838
محجورًا عليه.
والثاني: أنه لا يكون محجورا عليه إلا بالحكم أو بالإشهاد، وهو قول ابن القاسم في المأذون له في التجارة في آخر "كتاب المأذون" والمكاتب مثله.
والقول الثالث: أن النظر إلى ما كان عليه المكاتب قبل أن يكاتب؛ فإن كان مأذونًا رجع إلى أصل الإذن، وإن كان محجورًا رجع إلى أصل الحجر، وهو تأويل أكثر المتأخرين على "المدونة". [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2839
المسألة العاشرة إذا اشترى دارًا فوجد بها صدعًا
اعلم أن العيوب تنقسم إلى عيب فاحش مفسد وإلى عيب خفيف غير مفسد.
فأما عيب مفسد فإنه يرد به كل مبيع كيف ما كان.
وأما عيب ليس بمفسد فلا يخلو من أن يكون عيبًا لا ينقص من الثمن، أو يكون عيبًا ينقص منه.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن جملة فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يرد به.
وأما عيب ينقص من الثمن فلا يخلو من أن يكون ما ينقص من الثمن يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان ما ينقص من الثمن كثيرا فله الرد أيضا بلا إشكال.
وإن كان ما ينقص من الثمن يسيرا فلا يخلو المبيع من أن يكون ثيابًا أو غيرها من الرياع والحيوان.
فإن كان ثيابًا فإنها ترد بما خف من العيوب، فإذا وجد فيها حرق أو قطع أو ثقب فذلك عيب ترد به وإن قل، وإلا أن يكون ثوبًا يقطع، ومثل ذلك يخرج في التفصيل؛ فلا يكون ذلك عيبا فيها، وهذا نص قول مالك في "الواضحة".
وأما الرياع وسائر الحيوان الناطق منه والصامت فقد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال:
стр. 2840
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب في جميع ذلك جملة بلا تفصيل، وهي رواية [ابن] (١) زياد عن مالك في "كتاب الاستيعاب لأقوال مالك"، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب العيوب" من مسألة الكي الذي لا ينقص من الثمن حيث قال: لا يرد به وإن كان عند النخاسين عيب، ومعنى قوله: "لا ينقص من الثمن" أي: لا ينقص منه كثيرًا.
ويؤخذ أيضًا من مسألة الدار إذا وجد فيها صدعًا.
ومثل هذا في "المختصر الكبير"، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو جعفر بن رزق القرطبي.
والثاني: أن ذلك عيب في الرياع وغيرها من سائر الحيوان، وأنها ترد من قليلها وكثيرها، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض الأندلسيين تأويلا على "المدونة" إذا كان الصدع في حائط من الدار وخيف عليه الهدم من أجله، والحائط من الدار في حيز اليسير، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمَّد عبد الحق، وابن سهل، وغيرهما.
والقول الثالث: التفصيل بين الرياع وغيرها؛ فيرد بالعيب الخفيف الذي ينقص من الثمن قليلا في الحيوان والرقيق دون الرياع، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" من قوله: وإن كان صدعًا لا يخاف منه من الدار فلا أرى أن يرد به؛ لأنه قد يكون في الحائط الصدع فيمكث في الحائط ذلك الصدع زمانًا؛ فلا أرى هذا عيبًا.
فظاهر هذا أن المعتبر بالخوف على انهدام الدار خاصة دون نقصان الثمن.