البيع فإن الثمن يتخرج على الخلاف الذي قدمناه إذا عثر على ذلك والخمر بيد البائع هل يرد الثمن على المشتري أو يتصدق به عليه؟
فعلى القول بأن البيع لا ينفسخ بينهما فإن الثمن لا يتصدق به على المساكين -قبض أو لم يقبض- إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشتري نصرانيًا أو مسلمًا.
فإن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المشتري الخمر فهاهنا يفرق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلمًا أو نصرانيًا.
فإن كان مسلمًا يتصدق بالثمن على المساكين قولًا واحدًا قبض أو لم يقبض -إذ لا سبيل إلى نقض البيع وإغرام المسلم الخمر الذي استهلك وكسرها على البائع.
وإن كان نصرانيًا، فعلى قولين:
أحدهما: أنه يغرم مثل الخمر وتكسر على البائع وينقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن كان دفعه رد إليه على قول أو يتصدق به على قول حسبما قدمناه في صدر المسألة.
والثاني: أن البيع يمضي ويتصدق بالثمن على المساكين -قبض أو لم يقبض.
أما الوجه الثاني: إذا كان النصراني هو البائع للخمر من مسلم فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعثر على ذلك والخمر باقية بيد البائع.
والثاني: أن يعثر على ذلك وهي باقية بيد المشتري بعد قبضها.
والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن قومها المشتري.
стр. 2767
فإن عثر على ذلك قبل أن يقبضها المشتري وهي قائمة بيد البائع فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع.
وإن كان قد دفعه فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد الثمن إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
فإن عثر على ذلك والخمر قائمة بيد المشتري فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه وهي رواية [ابن أبي أويس] (١) عن مالك.
والثاني: أنها تكسر على المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا، وإن قبضه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يترك له وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب التجارة".
والثاني: أنه يتصدق به أدبا له -قبضه أو لم يقبضه- وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن ينقد المشتري الثمن أم لا.
فإن نقد الثمن فإن الخمر تكسر على المشتري، والثمن للبائع.
стр. 2768
وإن لم يؤخذ منه فإن لم ينقد فإنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن على المبتاع، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
فإن لم يعثر على ذلك إلا بعد فوات الخمر بيد المشتري المسلم فإنه يؤخذ منه الثمن ويتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه إلى النصراني أدبا له.
وإن كان النصراني البائع قد قبضه منه فعلى قولين:
أحدهما: أنه يسترد منه ويتصدق به وهو قول سحنون.
والثاني: أن الثمن لا يسترد منه وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن حبيب في واضحته. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2769
المسألة الثالثة في التفرقة بين الأم وولدها في البيع
والأصل في بيع التفرقة قوله ﷺ : "لا توله والدة بولدها" (١)، من الوله وهو الحيرة. وقال ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٢).
واختلف العلماء في مقتضى النهي فمنهم من حمله على ظاهره وأنه يقتضي الفساد كنهيه ﷺ عن بيع الغرر الذي النهي فيه معلل بأكل المال بالباطل للإخلال ببعض أركان العقد، وآخرون لا يرونه مقتضيا للفساد معولون على الفرق بينهما من حيث افتراق متعلق بالنهي ومحله لأن الفساد في بيع التفرقة لم يكن في ثمن ولا مثمون فلا معنى لإلحاقه بالغرر والذي اختلت بعض أركانه ولم تنتظمه حقيقة البيع.
فإذا ميزنا بيع التفرقة وبيع الغرر وفرقنا بينهما على مشهور المذهب فما حكمه؟ فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقال بعضهم أن البيع لا يفسخ بل يلاقى بأن يباع الولد والأم على مالكهما ولا يفسخ كالنصراني اشترى عبدًا مسلمًا محافظة على قاعدة البيع المبنية على الأحكام والانبرام فلا يصادمها إلا ما هو مناقض لأصلها من فساد في أحد أعواضها فأما ابن القاسم فمتون الأجوبة التي أجاب بها في الكتاب مختلفة.
وقال في الهبة والصدقة والجناية والوصية: إذا كان الولد لأحدهما بأحد
стр. 2770
الوجوه التي ذكرنا والأم لرجل آخر أنه يكلف لهما الجمع بينهما في ملك واحد.
والثاني: أن يجمع بينهما في حوز، والقولان متأولان على "المدونة".
وقال فيما افترق الملك بالمعاوضة الاختيارية إما أن يجمع بينهما في ملك أحدهما وإلا فسخ البيع فقال هاهنا بالفسخ ولم يقل يباعان عليهما.
وقال فيما إذا باع الأم على خيار المشتري ثم اشترى البائع الولد أنهما يجبران على البيع والجمع وإلا بيعا عليهما, ولم يقل بالفسخ إن امتنعا فذهب أصبغ إلى أن ذلك اختلاف قول وذلك ظاهر.
وذهب بعض حذاق المتأخرين إلى أن ذلك اختلاف يرجع إلى حال وخرج لذلك وجهًا يقتضي التلفيق، وأشار إلى أن المعنى المانع من إطلاق القول بالبيع عليهما جبرًا لما في ذلك من جمع السلعتين في البيع لمالك وذلك غرر وخطر وقال: الفسخ أولى، ولهذا قال في الهبة والصدقة والوصية والجناية بأنهما يباعان عليهما لتعذر الفسخ، والمشتري بالخيار إنما لم يقل فيه بالفسخ لأن البائع يتهم أن يكون إنما اشترى الولد ليفسخ عقد المشتري فاستحق عقد السلعتين في هذه الوجوه لتعذر الفسخ إذ الفسخ في أغلب الأحوال إنما يستعمل في عقود المعاوضات فاستعمل الأصل كما ترى وربك أعلم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع التفرقة هل ذلك لحق الولد أو ذلك لحق الأم أو ذلك لحق الله؟
فمن رأى أن ذلك حق لله وحق للولد قال بفساد البيع وفسخه.
ومن رأى أن ذلك حق للأم خاصة قال: يجوز البيع إذا أجازته وهو
стр. 2771
أحد أقاويل المذهب.
ومن اعتبر الحقوق الثلاثة قال: يفسخ البيع إذا غلب حق الله.
فإن لم يرجح أحد الحقوق وقال بأنهما يجبران على الجمع بينهما إما في ملك وإما في حوز. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2772
المسألة الرابعة في الذمي إذا أسلم إلى ذمي درهما في درهمين أو في خمر ثم أسلما جميعًا أو أحدهما
فإن أسلما جميعًا وقد قبض ذلك من له السلف فذلك حلال له قولًا واحدا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وإن أسلما جميعا قبل القبض فليس له إلا رأس ماله قولًا واحدًا، وإن أسلما أحدهما ففي ذلك خمسة أسئلة:
أحدها: أن يسلم دينارًا في دينارين.
والثاني: أن يسلم إليه دنانير في دراهم أو دراهم في دنانير.
والثالث: أن يبيع منه خمرًا بدنانير ودراهم.
والرابع: أن يسلم إليه دراهم في خمر أو خنزير.
والخامس: أن يقرضه خمرًا أو خنازير.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو أن يسلم دينارًا في دينارين فلا يخلو من أن يسلم الذي له الحق أو أسلم الذي عليه الحق. فإن أسلم الذي له الحق فليس له إلا ديناره الذي دفع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
فإن أسلم الذي عليه الحق فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
стр. 2773
أحدها: أنه يقضي عليه برد الدينار كما أسلما جميعا لأنه حكم بين مسلم وذمي وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يغرم الدينارين للذمي وهو قول مالك في "الموازية" وابن القاسم في "العتبية".
والثالث: التوقيف وهو قول مالك في "المدونة" والتوجيه ظاهر.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أسلم إليه دنانير في دراهم أو دراهم في دنانير فلا يخلو من أن يسلم الذي له الحق أو الذي عليه الحق.
فإن أسلم الذي له الحق فليس له إلا رأس ماله دنانير أو دراهم تؤخذ الدراهم من النصراني يشتري بها الدنانير أو تؤخذ الدنانير فيشتري بها الدراهم إن كان أسلم فيها.
فإن أسلم المسلم إليه فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في السؤال الأول إذا أسلم دينارًا في دينارين ولا فرق بين السؤالين.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أسلم دنانير في خمر أو في خنزير فإن أسلم المسلم إليه فإنه يرد إليه رأس ماله قولًا واحدا في المذهب.
فإن أسلم الذي له السلم فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد رأس ماله كما لو أسلم الذي له السلم وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الخمر تؤخذ من الذمي فتراق على المسلم وهو قول مالك في "المدونة".
والجواب عن السؤال الرابع: إذا باع منه خمرا بدنانير أو دراهم فلا يخلو من أن يسلما جميعًا أو يسلم البائع أو المبتاع فإن أسلما جميعًا أو
стр. 2774
أسلم البائع وحده فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الثمن ثابت على البائع على كل حال وهو قول أشهب والمخزومي.
والثاني: أن الثمن يسقط عن المبتاع إذا أسلما أو أسلم البائع وهو قول ابن أبي حازم وابن دينار.
فإن أسلم المبتاع فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد الثمن إلى الذمي على كل حال لأنه دين ترتب في ذمته وهذا هو مشهور [المذهب] (١) والمنصوص فيه.
والثاني: أن الثمن يسقط عنه.
والثالث: أن عليه قيمة الخمر وانقطع بها، والقولان مخرجان غير منصوص عليهما.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا فرض الذمي خمرًا أو خنازير فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يسلما جميعًا، أو يسلم المقرض له، أو يسلم المقرض.
فإن أسلما جميعًا سقط القرض قولًا واحدًا.
فإن أسلم المقرض له وحده فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القرض يسقط عنه وهو قول مالك في "الواضحة".
والثاني: أن القيمة تلزم المقرض وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
فإن أسلم المقرض فالمذهب على قولين:
стр. 2775
أحدهما: أنه لا شيء له على الذمي وهو المشهور أنه لا يجوز للمسلم أخذ الخمر والخنازير ولا اقتناؤهما.
والثاني: أن الخمر والخنازير يؤخذان من الذمي فتراق الخمر وتسرح الخنازير وهو اختيار ابن القاسم في "العتبية". [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2776
المسألة الخامسة في المصراة
وهى حفل الضرع، وهى التي تركت مدة ولم تحلب في وقت صلابها حتى اجتمع اللبن في ضرعها ليغتر بذلك مشتريها ويحسب أنها كذلك في سائر الأوقات، وأصله الجمع، ومنه الصرر وهو: الماء المجتمع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ (١)، فقيل: في نساء مجتمعات، وقيل: في صجة وصحة وكأنه من اجتماع الأصوات أيضًا، ويقال: صريت الماء في الحوض واللبن في الضرع، وصريته يخفف ويشدد وليس من الصر الذي هو الربط. واختلف في ضبط قوله ﷺ : "لا تصر الإبل" (٢). على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضبط فيه فتح التاء وضم الصاد والواو قدام الراء وفتح اللام في الإبل وهكذا: لا تَصُرُوا الإبلَ.
والثاني: أن التاء مرفوعة والصاد مفتوحة والراء مرفوعة واللام في الإبل مضمومة على أن الإبل مفعول لم يسم فاعله.
والثالث: أن الضبط فيه أن تكون التاء مرفوعة والصاد مفتوحة والراء مضمومة واللام في الإبل مفتوحة على أنه مفعول سمى فاعله، وهو الصحيح.
وقال القاضي أبو الفضل عياض: حكى لنا الشيخ ابن عتاب عن أبيه أنه
стр. 2777
كان يقول للطلبة: إذا أشكل عليكم ضبط هذا الحرف فاقرؤوا قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) فقال: نِعْمَ ما قال ﵀، فإن صرى مثل زكى مفعوله بعده منصوب وهذا والصحيح.
فأما من فتح التاء أوضحها فجعل الإبل مفعولا لم يسم فاعله فذلك لا يصح إلا على القول بأن معنى صر أي ربط وذلك ضعيف في النقل والسماع.
وأما على معنى صرى بمعنى منع فلا يصح ذلك جملة، فإذا ثبت ذلك فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تصر الإبل والغنم، ومن اشتراها [فهو] (٢) بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (٣)، وفي بعض طرق الحديث: "بعد أن تحلبها ثلاثًا"، وفي بعض طرقه: "بعد أن يحلبها ثلاثة أيام" وهو حديث ابن وهب.
فإذا اشترى شاة حلوبة فلا يخلو من أن يشترط ما تحلب كل يوم أو لم يشترطه.
فإن اشترط ما تحلب كل يوم فالمشتري على شرطه، فإن وجده كان وإلا كان له الخيار قولًا واحدا ولا كلام في ذلك للمشتري إذا وجدها قليلة الدر.
فإن كانت مصراة فتبين له النقصان في الحلبة الثانية كان له الخيار في الرد والإمساك بلا خلاف.
فإن حلبها ثالثة بعد أن ظهر له النقصان في الثانية هل يعد ذلك منه
стр. 2778
رضا بالمبيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك منه رضا ولا رد له بعد ذلك بعيب التصرية، وهو قول ابن المواز وهو ظاهر قوله في "المدونة"، حيث قال: إذا حلبها الثانية فقد علم بذلك نقص حلبها فإما رضيها أو ردها.
والثاني: أن الحلبة الثالثة لا تعد منه رضا وهو على رأس أمره في الخيار وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" ورواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" وهو ظاهر قوله في "المدونة" حيث قال: ولا حجة له في الثانية إذ بها يخير وهذا القول أظهر في النظر وموافق للأثر وذلك أنه إذا حلبها في المرة الأولى يغزر اللبن ويكثر الدر فيظن أن ذلك عادتها.
فإذا حلبها في المرة الثانية انتقص اللبن فيستريب المشتري وربما يتخيل أن النقصان من أجل المراح والمرعى وأن ذلك من إمساكها وتعطلها عن المرعى مدة التسويق؛ فإذا حلبها ثالثة تحقق له الخبر إما لأنها عادت إلى ما حلب منها أول مرة فتبين له النقصان من أجل المراعي والمراح.
وأما إن وافقت الثالثة الثانية فتبين له أن ذلك دلسة من البائع فيكون بالخيار ساعتئذ بين الرد والإمساك فهل يقبل قوله أنه ما رضيها بعد الحلبة الثالثة دون عين أم لا؟ على قولين فإن اختار الرد فهل يرد معها صاعًا من تمر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يردها ولا يرد معها شيئا وهو قوله في "كتاب ابن عبد الحكم" وبه قال أشهب.
وسبب الخلاف:
تعارض الحديثين وذلك أن قوله ﷺ : "الخراج بالضمان"، يقتضي أن
стр. 2779
كل من استعمل شيئًا بوجه شبهة أن الغلة له بضمانه، وهذا الحديث موافق لأصول الأقيسة إلا أن قوله ﷺ : "يردها وصاعا من تمر" (١) معارض لحديث "الخراج بالضمان" (٢)، وهو أصل مستثنى وباب على حياله.
والحكمة في رد الصاع من التمر مع الشاة إذا ردها دون أن يرد معها اللبن الذي حلب منها وإن كان قائما أن اللبن المحلوب على تلك الحالة منه ما كان في ملك البائع مخزون في الضرع يوم البيع ومنه ما حدث في الضرع ويكون فيه بعد البيع وبعد أن صارت في ضمان المشتري ومقدار ما كان في ملك كل واحد من المتبايعين غير معلوم بالمقدار.
وقد تختلف في ذلك دعاويهما فيدعي كل واحد منهما الأكثر في ذلك فأمر الشرع برد الصاع من التمر قطعًا لمادة النزاع مثل ما حكم ﷺ بالغرة في الجنسين ولهذا قال مالك ﵀: وهذا الحديث ليس لأحد فيه رأي وهو مبني على أن أخبار الآحاد مقدمة على الأقيسة وهو مشهور مذهبه وهو مذهب أكثر الفقهاء خلاف ما حكاه البغداديون وذهبوا إليه من تقديم الأقيسة على أخبار الآحاد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وعلى القول بأنه يرد معها صاعا من تمر، فإذا قال البائع: أنا أقبلها بهذا اللبن الذي حلب منها هل يجوز أو لا يجوز ذلك؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه وهو قوله في "المدونة"، لأن الصالح قد وجب له فباعه بما رد مع الشاة من اللبن قبل
стр. 2780
أن يقبضه.
والثاني: أن ذلك جائز ويكون إقالة وهو قول سحنون، وقال بعض المتأخرين: إنما تصح فيها الإقالة إذا حلبها المشتري بحضرة الشراء وحيث لا يتولد فيها لبن، وما قاله ليس بصحيح، وإذا حلبها بحضرة الشراء فمن أين يعلم أنها مصراة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من تقديم القياس على الخبر.
فإذا اشترى جماعة شياه أو بقرات أو نوقا كلها مصراة فهل يرد مع الجميع صاعًا واحدًا أو يرد مع كل رأس صاعا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد معها كلها صاعًا واحدًا وهو قول عيسى بن دينار وأحمد بن خالد وأكثر أهل العلم.
والثاني: أنه يرد صاعًا مع كل واحدة وهو قول ابن الكاتب.
والثالث: أنه يرد الصاع مع القليل، فإذا أكثر لم يرد شيئًا.
وسبب الخلاف:
اختلافهم في الألف واللام هل هما للعهد أو للجنس؟
فمن رأى أنهما للعهد قال: يرد صاعًا مع كل واحد، ومن رأى أنهما للاستغراق قال: يرد صاعًا واحدًا للجميع. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2781
المسألة السادسة في بيع الشاة والاستثناء منها
ولا يخلو ما استثناه منها من خمسة أوجه:
أحدها: أن يستثني صوفها وشعرها ووبرها.
والثاني: أن يستثني الجلد والسواقط.
والثالث: أن يستثني منها جزءا شائعًا كالنصف والثلث.
والرابع: أن يستثني منها جزءا معينًا كالفخذ والكبد.
والخامس: أن يستثني منها أرطالا مسماة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا استثنى منها صوفها ووبرها وشعرها فلا خلاف في الجواز في السفر والحضر، وسواء قلنا أن المستثني مشترًا أو مبتعًا لجواز بيع ذلك على ظهور الحيوانات.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا استثنى الجلد والسواقط فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الحضر والسفر وهو ظاهر رواية ابن وهب في "الكتاب" بناء على أن المستثنى مشترًا وأن الرأس لا يعطى له حكم اللحم لجواز أن يشتري قبل أن يسلخ من جلده فذلك خالف حكمه حكم اللحم إذ لا خلاف في ذلك.
والثاني: المنع جملة في الحضر والسفر بناء على أن المستثنى مبقًا، وهو ظاهر قول مالك في آخر "كتاب بيع الخيار" في الذي باع تمرًا على كيل واستثنى منها البائع أصعًا معلومة حيث قال بالجواز بناء على أن المستثنى
стр. 2782
مبقا، وهو ظاهر قول مالك في آخر "كتاب بيع الخيار" في الذي باع تمرًا على كيل واستثنى منها البائع إذ لو كان مشترًا لمنع لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان البيع على الكيل، وهو في الشاة من باب بيع اللحم المغيب وهو ظاهر لا إشكال فيه.
والثالث: التفصيل بين الحضر والسفر فيجوز في السفر ولا يجوز في الحضر وهو مذهب "المدونة" نصًا.
والفرق بينهما أنه في السفر لا ثمن له إذ هو غير مقصور هناك ولا مطلوب، وأكثر المسافرين يطرحونه فيخف الغرر إذ ذاك، وفي الحضر له ثمن وهو مقصود إذ له أقوام يقصدونه بالشراء والمتاجرة فيه، وربما كان ثمنه مساويا لثمن اللحم أو باق عليه فيكثر الغرر لجلهم بمقدار ثمن اللحم في الحال.
والرابع: التفصيل بين الجلد والرأس فيجوز في الجلد ولا يجوز في الرأس على القول بأن الجلد له حكم اللحم، وهو ظاهر قول ابن وهب: أنه لا يجوز أن يستثني من اللحم قليلًا ولا كثيرًا.
وأما الجلد فلا أعلم فيه في المذهب نص خلاف أنه لا يعطى له حكم اللبن إلا ما استقرأ من المذهب، وإلى أن الجلد له حكم اللحم ذهب أبو الحسن اللخمي.
وقد تؤكل الشاة مشويا وسميطًا فيكون للجلد حكم اللحم. وعلى القول بالجواز قلا قول للبائع مع المشتري في الذبح والاستحياء.
فإن استحياها المشتري فعليه قيمة الجلد أو مثله.
وقال بعض متفقهة العصر: يؤخذ من هذه المسألة إلزام المثل في العروض، وقد يحتمل أن يكون كما قال، ويحتمل أن يكون ذلك جنوحا
стр. 2783
إلى أن الجلد له حكم اللحم على ما يقوله اللخمي، واللحم من ذوي الوزن وهما مما يقضي فيه بالمثل. ويحتمل أن يكون ذلك اتباعًا للأمر الوارد في ذلك.
واختلف المذهب من المقدم منهما في الاختبار على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البائع مقدم على المشتري في أخذ ما شاء من المثل أو القيمة.
والثاني: أن المشتري مقدم، والقولان قد تأولا على "المدونة".
والثالث: أن النظر في ذلك إلى الحاكم ويحكم فيه بما يراه.
والأقوال الثلاثة مروية في المذهب، وعلى أن المشتري مقدم أسعد بظاهر الكتاب.
[واختلف] (١) في أجرة الذابح على من تكون منهما؟ قولان:
أحدها: عليهما جميعًا.
والثاني: أنها على المشتري دون البائع.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا استثنى منها جزءًا شائعًا قل أو كثر، ففي الكتاب قولان منصوصان:
أحدهما: الجواز قياسا على استثناء الثمار وهو قول ابن القاسم وقياسه غير صحيح.
والثاني: المنع وهي رواية ابن وهب في "الكتاب"، وهو الأصح لأنه من باب اللحم المغيب من البائع والمشتري سواء بنينا على أن المستثنى مبقًا أو
стр. 2784
مشترًا على القول بالجواز فإنهما يكونان مشتركين فمن دعى منهما إلى الذبح فذلك له وأجرة الذبح عليهما معا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا استثنى جزءا معينا كالفخذ والكبد ففي الكتاب قولان:
أحدهما: المنع وهو نص قول ابن القاسم.
والثاني: الجواز وهذا القول يؤخذ من مسألة الأرطال.
فمن منع رأى أن ذلك من بيع اللحم المغيب مع الجهل بمقدار ثمن المبيع إلا بعد التقويم.
ومن جوز رأى أن ذلك غرر يسير في جنب ما بقى كاستحقاق اليسير من الكثير.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا استثنى أرطالا مسماة فقد اختلف فيه على ستة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك لا يجوز لا في القليل ولا في الكثير وهي رواية في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز في اليسير كالثلاثة الأرطال وهي رواية ابن وضاح في الكتاب خلاف ما يراه غيره من الثلث بضم التاء.
والثالث: أنه يجوز في الأربعة فدون وهو قول ابن القاسم في الكتاب حيث قال: يجوز في الأربعة وما أشبهها.
والخامس: أنه يجوز في الثلث بضم الثاء فدون وهي رواية ابن وهب في الكتاب وبه قال أشهب في غير "المدونة".
والقول السادس: أنه يجوز فيما دون الثلاثة الأرطال قَلَّت أو كثرت
стр. 2785
وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: ولم يبلغ مالك الثلث فجعل الثلث هاهنا في حيز الكثير.
فوجه القول بمنع الجميع لأن ذلك غرر في ثمن المستبقى إذ لا يعرف إلا بعد التقويم وذلك بيع بثمن مجهول.
ووجه القول بالجواز أن ذلك غرر يسير لقلة المستثنى في جنب المستبقى.
وأما اختلافهم في عدة ما يجوز أن يستثنى من الأرطال فمبني على اختلافهم في حد القليل من الكثير وذلك راجع إلى اختلاف آثار المجتهدين، وعلى هذا الخلاف ينبني اختلافهم في استحقاق اليسير من الكثير أو بعينه إذا كان على التعيين، وذلك يرجع إلى اختلافهم في اعتبار الحال والمآل. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2786
المسألة السابعة في الحكرة من الطعام وغيره
والكلام في هذه المسألة في أربعة أسئلة:
أحدها: احتكار ما في الأسواق.
والثاني: التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء.
والثالث: الحكم فيما بأيدي الناس من الطعام إذا كان الغلاء.
والرابع: في التسعير.
فالجواب عن الوجه الأول: في احتكار ما في الأسواق وهو اشتراؤه للخزين وذلك ينقسم إلى طعام وعروض فالطعام لا يخلو احتكاره من أن يضر بالناس أو لا يضر بهم.
فإن كان يضر بالناس إما بانحطاط السعر وإما أن يستوعب المحتكرون جميع ما في السوق من الطعام ولا يجد عامة الناس ما يشترون فإن التجار يمنعون من الاحتكار في هذا الوجه قولًا واحدًا.
فإن عثر عليهم بعد أن اشتروا فإن الطعام يخرج من أيديهم ويشتركون فيه مع الناس بالثمن الذي اشتروا به إن علم.
فإن جهل سعره يوم احتكروه وهو قول ابن حبيب، وما قاله عين المذهب وقد فعله عمر بن الخطاب ﵁، وذلك في جميع الأطعمة.
فإن كان الاحتكار لا يضر بالناس ولا بأهل السوق فهل يمنع التجار من الاحتكار أم لا؟ على قولين:
стр. 2787
أحدهما: أنهم لا يمنعون وهو قوله في "المدونة" وغيرها، وقد قال في "الموازية": ومما يعيبه من مضار ويرونه ظلمًا تمنع التجارة إذا لم تكن مضرة بالناس ولا بأسواقهم.
والثاني: أنهم يمنعون مع عموم الأزمان، وقد قال مطرف وابن الماجشون: لا يكون احتكار الطعام في وقت من الأوقات إلا مضرًا بالناس.
فإن كان لا يضرهم فإنهم لا يمنعون قولًا واحدًا ولا فرق في جميع ما ذكرناه في الطعام والعروض فيما يخزن في البلد الذي اشترى منه أو يجلب إلى غيرها من البلدان ولا بين البوادي والقرى لشمول العلة وعمومها.
والجواب عن السؤال الثاني: في التربص في الطعام وغيره رجاء الغلاء ولا يخلو التربص من أن يكون مشتريًا أو جالبًا أو زارعًا.
فإن كان مشتريًا فإنه يجوز مع الكراهة، وإن كان زارعًا أو جالبًا فإنه يجوز بلا كراهة.
وقد سئل مالك ﵀ عن ذلك فقال: ما علمت فيه نهيًا ولا أعلم فيه بأسًا يحبس إذا شاء ويبيع إذا شاء ويخرجه إلى بلد آخر، وقال: ما من أحد يبتاع طعامًا أو غيره إلا ويحب غلاءه ولا أحب ذلك.
والجواب عن السؤال الثالث: في الحكم فيما بأيدي الناس من الطعام في زمن الشدة والغلاء هل يباع عليهم أو يؤمروا ببيعه.
فأما ما ليس فيه فضل عن قوتهم وقوت عيالهم فلا يتعرض لهم في ذلك قولًا واحدًا.
وأما ما فيه فضل عن ذلك فإن الإمام يأمرهم بإخراج ما عندهم من الفضل للبيع بالسعر الواقع وهو قول مالك في "الموازية".
стр. 2788
ومن ليس عنده ثمن فإنه يجب عليهم مواساته ولا يتركونه يموت جوعًا فيسألون عنه يوم القيامة.
والجواب عن السؤال الرابع: في التسعير في الطعام وغيره.
وقد [نهى] (١) رسول الله ﷺ عن التسعير، وقد سئل رسول الله ﷺ أن يسعر فأبى وقال: "إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة" (٢) وقال: "إن الغلاء والرخص جندان من جنود الله تعالى" (٣).
فالمبيع في الأسواق ينقسم إلى عروض وطعام، فالعروض لا يجوز تسعيرها قولًا واحدًا، وأما الطعام فإنه ينقسم إلى المقتات به غالبا وإلي ما هو إدام.
فالطعام المقتات به مثل القمح والشعير والسلق وغيره مما جرت العادة ببيعه على يديه ولا يترك التجار يشترونه ليبيعوه على أيديهم فلا أعرف في المذهب نص خلاف أن التسعير فيه لا يجوز.
وأما ما هو إدام كاللحم والزيت والسمن والعسل أو ما ليس بإدام إلا أنه فاكهة مما يستطرفه الناس فالمذهب في تسعيره على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز فيه التسعير جملة وهو مشهور المذهب وقد قال ابن القاسم في "العتبية": قال مالك في السوق إذا أفسد أهله سعره أنه لا يسعر عليهم.
والثاني: أنه يسعر عليهم على قدر ما يرى من سعرائهم وهو قول أشهب عن مالك في "العتبية" في اللحم، وابن حبيب في الزيت والسمن
стр. 2789
والعسل والفواكه والبقول واتفق المذهب على من حط سعرًا أن يقال له: إما أن تلحق بسعر أهل السوق وإلا فارفع منه، ولا يجبر على أن يلحق به مثل أن يبيع أهل السوق أربعة أرطال بدرهم فأراد هو أن يبيع ثلاثة أرطال بدرهم.
وأما الزيادة في السعر مثل أن يبيع أهل السوق أربعة أرطال بدرهم فباع واحد خمسة أرطال فهذا لا يؤمر أهل السوق بالإلحاق حتى يكون من يبيع ذلك السعر أكثر أهل السوق فعند ذلك يؤمر من بقى بالإلحاق بهم وإلا رفع من سوق المسلمين، وينبغي للإمام تفقد المكاييل والموازين في كل حين، وأمر مالك بذلك، وأن يكون الكيل في البلد الواحد واحدًا كيل [القفيز] (١) وكيل القسط ووزن، وأن يكون القفيز معروفا بمد النبي ﷺ وصاعه أن يتبايعوا فيما دون القفيز بالصاع والمد وأن يأمر الناس بوفاء الكيل والوزن ويؤدب من يطففهما.
وقال مالك في "العتبية" و"الموازية": إذا ملأ رأس المكيال فهو الوفاء من غير رزم ولا تحريك ولا زلزلة، ولكن يصب على رأس المكيال ويمسك بيده فإذا امتلأ أرسل يده ولم يمسك ولا يجوز أن يمسح الكيل باليد.
وقد روى أن رسول الله ﷺ نهى عنه وأمر بيسير الكيل، وقال: إن البركة في رأسه.
وقال عبد الملك بن الماجشون: بلغني أن كيل فرعون إذا كان الطفاف مسحا بالأيدي قال مالك: ويغربل القمح للبيع وهو الحق الذي [لا] (٢) شك فيه. [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 2790
المسألة الثامنة فيمن اشترى لبن غنم بأعيانها مدة معلومة فمات بعضها
ولا تخلو الغنم من أن تكون يسيرة أو كثيرة.
فإن كانت يسيرة فلا يخلو من أن يشتريه على الكيل أو على الجزاف.
فإن اشتراه على الكيل فلا خلاف في الجواز، وإن اشتراه على الجزاف فالمذهب في جوازه على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أن ذلك لا يجوز وهو غرر وخطر بموت الشاة قبل الإبان وهو نص "المدونة".
والثاني: أن ذلك جائز في القليل كجوازه في اليسير وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الذي اكترى بقرة للحرث واشترط حلابها حيث قال: لا بأس بذلك إذا عرف وجه حلابها وهو تأويل فضل بن سلمة وابن أبي زمنين وأبي بكر بن عبد الرحمن وبعض شيوخ القرويين وهو قول أشهب عن مالك وهو الصحيح لمساواة القليل والكثير في توقع الفوات قبل الإبان.
وقد اختلف شيوخ المذهب في تأويل ما وقع في "المدونة" فمنهم من قال أن ذلك اختلاف قول واضطراب رأي وهو قول سحنون ومن ذكرناه من المتأخرين.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال لأن البقرة هي المقصودة لأجل العمل واللبن تبع والأتباع لا تراعى وهذا باطل لقوله في الكتاب: إذا عرف وجه حلابها والمعرفة لا تشترط في الأتباع.
стр. 2791
ومنهم من قال: إنما جوز ذلك للضرورة لكون البقرة في يد المكترى والضرر يكثر عليه بترداد المكترى لحلابها فجاز ذلك كما جاز بيع العرية بخرصها للضرورة ولو كانت عند ربها والمكترى هو الذي يحلبها كل يوم لجرته لم يجز على حال لأنه مقصود بالشراء حينئذ.
ومنهم من فرق بين السؤالين ويقول: إن لبن الشاة هو المشتري في تلك المسألة وفيه الغرر بنفسه وهنا المقصود الكراء واللبن تبع والغرر فيه وحده، والغرر اليسير معفو عنه في الشرع.
فيتحصل من مجموع ما تأول عليها أربعة أقوال.
فأما الوجه الثاني: إذا كانت الغنم كثيرة وقد اشترى لبنها ثلاثة فلا خلاف في الجواز ثم إن مات بعضها في أثناء المدة وبقى بعضا مثل أن تكون جملتها عشر شياه واشترى لبنها ثلاثة أشهر ثم ماتت منها خمس بعد أن حلت جميعها شهرا قال في "الكتاب": ينظر فإن كانت الميتة تحلب قسطين والباقية قسطًا قسطًا نظر كم الشهر من الثلاثة في قدر نفاق اللبن ورخصه.
فإن قيل: النصف وقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن وهلك ثلثا النصف الباقي قبل قبضه فله الرجوع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن أجمع.
ولو كان موت هذه الميتة قبل أن يحلب شيئًا لرجع بثلثي جميع الثمن، وعلى هذا يحسب أن لو كان حصة الميت الثلث أو النصف أو الثلاثة أرباع وهذا نصه في "المدونة".
وصورة المسألة أن يقدر أن القيمة كانت اثنا عشر دينارًا أو يقدر أن الخمسة الهالكة التي تحلب قسطين قيمة لبنها على قدر التشاحح عليه ونفاقه في زمنه ستة دنانير ويقدر أن ذلك الشهر يعدل الشهرين الباقيين فيكون قد
стр. 2792
استوفى نصف صفقته ثم إن النصف الباقي من المدة قد هلك فيها ثلث المشترى قبل أن يقبضه وهو قيمة أربعة دنانير، وهو ثلث جميع القيمة فيصح له الرجوع على البائع بثلث الثمن إن كان قد انتقده ويوضع عنه من جملة الثمن إن لم يدفعه، سواء كان الثمن قليلًا أو كثيرًا، فعلى هذا يحسب أن لو كانت قيمة الميتة الثلث أو الربع على هذا المنهاج يجري. والحمد لله رب العالمين.
стр. 2793
كتاب التدليس بالعيوب
стр. 2794
كتاب التدليس بالعيوب
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان عشرة مسألة
المسألة الأولى فيمن اشترى سلعة ثم اطلع بها على عيب
ولا يخلو من أن يحْدِث عيب آخر أو لم يحْدِث.
فإن لم يحدث عند المشتري عيب ولا تغيرت السلعة فهو بالخيار بين أن يردها على البائع ويأخذ جميع الثمن، أو يحبسها ثم لا شيء له من قيمة العيب، ولا خلاف في هذا الوجه.
والدليل عليه حديث المصراة، وهو أصل في كل غش وتدليس فإن حدث عند المشتري في المبيع حدث يغيره عما كان عليه وقت البيع فلا يخلو ما حدث فيه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يدخله زيادة.
والثاني: أن يدخله نقصان ولا تفوت عينه.
والثالث: أن تفوت عينه لخروجه عن ملكه.
والرابع: أن يعقد فيه عقدًا يمنعه من رده.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يدخل البيع زيادة، فإن الزيادة لا تخلو من خمسة أوجه:
أحدها: زيادة بحوالة الأسواق.
والثاني: زيادة في حال المبيع.
стр. 2795
والثالث: زيادة في عين المبيع فيما حدث فيه أو بشيء من جنسه يضاف إليه.
والرابع: زيادة من غير جنس المبيع مضافة إليه.
والخامس: ما أحدثه المشتري في المبيع من صفة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك بما ينفصل عنه.
فأما الزيادة بحوالة الأسواق والزيادة في حال المبيع مثل أن يكون عبدا فيتعلم الصنعة فتزيد قيمته لذلك فإنه لا يعتبر فيها ولا يوهب للمبتاع خيار.
وأما الزيادة في عين المبيع فيما هو حادث فيه كالدابة تسمن والصغير يكبر أو شيء من جنسه مضاف إليه كالولد يحدث فيه فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بفوت والمشتري مخير بين أن يردها بحالها أو يردها وولدها إن حدث أو تمسك ولا شيء له من قيمة العيب وهو قول مالك وابن القاسم في "العتبية" في الدواب والولادة والعبيد والصغير يكبر.
والثاني: أن ذلك فوت في الجميع ويكون المشتري بالخيار بين أن يمسكها ويرجع على البائع بما نقصه العيب أو يردها ولا شيء عليه في تلك الزيادة وهو قول ابن القاسم في "العتبية" أيضًا إذا سمنت سمانة بينة وهو أحد قولي مالك أيضًا.
والثالث: أن ذلك فوت في الجميع وله قيمة العيب ولا خيار له في الرد وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الصغير يكبر والسمانة، وحدوث الولد كزيادة الصغير يكبر ولا فرق.
والرابع: التفصيل بين سمانة الرقيق وسمانة الدواب فالصغير يكبر
стр. 2796
وحدوث الولد والدابة سمن وذلك فوت وليس السمن في العبيد فوت وهو قول مالك أيضًا في "المدونة".
وأما الزيادة المضافة إلى المبيع من غير جنسه مثل أن يشتري العبد ولا مال له فيفيده عنده مالًا بهبة أو صدقة أو تجارة أو إفادة بوجه غير خراجه أو يشتري الرجل النخل ولا ثمر فيها فيثمر عنده ويجد عيبًا ولا خلاف أن ذلك ليس بفوت ولكن له الخيار بين أن يمسك ولا يرجع بقيمة العيب أو يرد العبد وماله والنخل وثمرها ما لم يطلب على الخلاف [فإن] (١) تمادى يصير غلة على ما سنوضحه في مسألة مفردة في هذا الكتاب إن شاء الله.
فإذا رد النخل وثمرها هل يرجع بقيمة السقي والعلاج أم لا؟ فالمذهب على قولين مشهورين.
وأما الزيادة بما أخذه المشتري المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك مما لا ينفصل إليه بحال أو لا ينفصل عنه إلا بفساد، فلا خلاف في المذهب أن ذلك يوجب له الخيار بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويكون شريكا بما زاد الصبغ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ثبت نقصان في البيع، فلا يخلو ذلك النقصان أيضًا من خمسة أوجه:
أحدها: نقصان بحوالة الأسواق.
والثاني: نقصان بتغير حال المبيع.
....
والرابع: نقصان من غير عين المبيع.
والخامس: نقصان بما أحدث المشتري في المبيع.
стр. 2797
فأما النقصان بحوالة الأسواق فلا عبرة به وهو مخير بين أن يرد أو يمسك ولا شيء له.
وأما النقصان بتغير حال المبيع مثل أن يشتري الأمة فيزوجها أو العبد فيزوجه أو يزني أو يسرق أو ما أشبه ذلك مما تنقص به قيمته فلا خلاف في المذهب أن التزويج عيب في الرقيق مع بقاء الزوجية ودوامها وفي انقضاء الزوجية فيها بالموت أو الفراق فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بعيب وهو قوله في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك عيب استدامت الزوجية بينهما أو انقضت وهو قول ابن القاسم وأشهب عن مالك في "المدونة".
والثالث: أن التزويج عيب في الواقعة بعد الموت والفراق دون الوحش وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد".
والرابع: التفصيل بين الموت والفراق فيكون عيبًا مع الفراق وليس بعيب مع الموت وهو ظاهر قوله في "الموازية" وهو قول أبي سعيد البراذعي في "كتاب الشرح والبيان".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العلة التي لأجلها صار النكاح عيبًا في المبيع بعد اتفاقهم على أن مجرد النكاح ليس بعيب لأن الله تعالى ورسوله قد أباحه، وما نص الله تعالى ورسوله على إباحته فليس بعيب فثبت أن العلة أمر زائد على النكاح، واختلف في ذلك الزائد ما هو؟
فمنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون المزوج منهما
стр. 2798
يسرق مال سيده وينقل من بيته إلى زوجته أو إلى زوجها إن كانت أمة، ويتعطل عن شغل السيد ويذهب إلى موضع الزوجة أو الزوج إن تباعدت المواضع وذلك غرر على المشتري وقد تصيبه أمة تذهب به في ذهابه.
فإذا انقطعت العصمة بينهما بفراق أو موت زالت العلة المجردة، ومنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون العبد والأمة طرءا بالنكاح فيكون من العبد التشوف إلى النساء ومن الأمة إلى الرجال وذلك مما يفسر أحوالهما مع المشتري لأن من اعتاد النكاح واستأنس به يميل به الطبع إليه ويغلبه الشوق ويؤدي به ذلك إلى أن يهوي ويعشق وذلك غاية الضرر على السيد.
فإذا ثبت أن التزويج عيب في الرقيق إما مع بقاء الزوجية ودوامها على الاتفاق وإما بعد الفرقة والانصرام على الخلاف فإن ذلك فوت ويخير المشترى بين أن يرد البيع مع قيمة ما نقص عيب الربح عنده أو يمسك ويرجع بما نقص العيب القديم عند البائع.
وأما ما كان من عيوب الأخلاق كالزنا والسرقة وشرب الخمر إذا حدث عند المشتري وقد اطلع على عيب فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها عيوب يرد معها النقص إن اختار الرد، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها ليست بعيوب يرد معها الأرش وله أن يرد ولا شيء عليه، وهو قول ابن حبيب.
وأما النقصان بتغيير عين المبيع مما يحدث في يديه فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون عيبًا خفيفًا لا ينقص من الثمن ولا يخشى له غائلة.
стр. 2799
والثاني: أن يكون عيبًا يسيرًا ينقص من الثمن كثيرًا أو يبقى معه جل منافع المبيع إلا أنه تؤمن غائلته.
...
والرابع: أن يكون عيبًا مفسدًا ذهب بأكثر منافع المبيع.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن كالكي الخفيف الذي لا يخالف اللون ولا تفاحش في العظم ولا هو في موضع مستقبح مثل الفرج وما والاه وغائلته مأمونة وما أشبهه من العيوب الخفيفة التي لا تأثير لها في ضمان الثمن.
فإن كان عند النخاسين عيبًا فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا رد للمبتاع إذا اطلع عليه ولا يرد له شيئًا إذا حدث عنده واطلع على عيب قديم يوجب الرد، وهو نص قول مالك في "الموازية".
فإن كان عيبًا خفيفًا ينقص من الثمن يسيرًا أو كان مما تؤمن غائلته كذهاب السن الواحدة أو ما لا تؤمن غائلته كالحمى والرمد.
فأما ذهاب السن الواحدة في الرابعة في عيب عندهم كانت من مقدم الفم أو مؤخره وهو قول ابن القاسم في الضرير في "العتبية" في سماع أصبغ عنه، وابن حبيب في "واضحته".
وفي غير الرابعة من ذكر أو أنثى قولان:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب فيهما وهو قول في "العتبية".
والثاني: أنه عيب فيهما إذا كانت السن [المنزوعة] (١) من مقدم الفم، وليس بعيب إن كانت من مؤخره وهو قول ابن حبيب في "واضحته" ويتخرج فيها قول ثالث: أن الواحدة عيب في الرابعة وغيرها كانت من
стр. 2800
مقدم الفم أو مؤخره وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب المرابحة"، وأما الحمى والرمد فالمذهب فيهما على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب وأن المشتري بالخيار بين أن يرد أو يمسك، فإن رد فلا يرد مع المبيع شيئًا، فإن اختارا إمساكها فلا يخرج بقيمة العيب وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت فلا يرده إن اختار الرد إلا فيما نقصه العيب عنده وهو مذهب سحنون.
ووجه الحمى والرمد أنهما لا تؤمن غائلتهما، والحمى مرض من أمراض الموت، والرمد لا يؤمن أن يذهب البصر من أجله.
وقد تأول بعض المتأخرين على سحنون أن المشتري لا يمكن من ذلك حتى تستبرأ عاقبتهما ويعلم مآل أمرهما، وعلى ذلك حمل كلامه، وما قلنا أولى.
فإن كان عيبا فاحشا ينقص من الثمن كثيرًا كقطع اليد والشلل والعور وقطع الرجل الواحدة أو الرجلين فهل له الرد أو يجب أو يمنع من الرد؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن المشتري بالخيار بين الرد والإمساك، فإن اختار الإمساك رجع بما نقص العيب الحادث عنده، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت يمنعه الرد كما لو ذهب عيناها جملة وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الكبير يهرم، فقد قال: إنه يمنع من الرد ويرجع بقيمة العيب، وهو قول محمَّد بن مسلمة فيما ذهب أكثر منافعه.
والثالث: أن الرد واجب على المشتري ولا يجوز الرضا بالسلعة المبيعة وهو أحد قولي مالك في الصفقة إذا استحق جلها وكان الاستحقاق على
стр. 2801
اليقين حيث قال: لا يجوز له التماسك بما بقى لأنه بثمن مجهول إذ لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم فصار بيعا مؤتنفا بثمن مجهول، وذلك موجود في هذه المسألة لأن ما بقي من السلعة غير معيب قيمته مجهولة فلا يعرف إلا بعد التقويم، وهذا تأويل بعض المتأخرين على الكتاب أن قوله في هذه المسألة بالتخيير بين الرد والإمساك يتخرج على أحد قولي مالك أن له الإمساك بما بقى في مسألة الاستحقاق.
والرابع: التفصيل بين ما كان من سبب المشتري وما كان بسبب سماوي.
فإن كان من سبب المشتري فإنه يرد معه ما نقص عنده، وما كان من سبب سماوي فإنه يرده ولا يرد معه شيئًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي"، وهو أضعف الأقوال.
والدابة إن تعطلت أعضاؤها أو انقطع ذنبها أو أذنابها كالعبد والأمة في جميع ما أوردناه من الأقوال.
وعلى القول بالتخيير للمشتري بين الرد مع ما نقص العيب فإن قال البائع: أنا أقبله معيبًا وأرد جميع الثمن هل يمكن من ذلك ويخير كما يخير المشتري؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع كما يكون للمشتري وأن المشتري إن اختار الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وقال البائع: أنا أقبله بجميع الثمن معيبا كان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب العيوب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا خيار للبائع وإنما الخيار للمشتري وهي رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك وبه قال عيسى بن دينار.
стр. 2802
والثالث: التفصيل بين أن تكون الزيادة فيمن قيمته مع العيب الذي فيه فيكون الخيار للمبتاع دون البائع ولم يكن فيه إلا التفصيل فيكون الخيار لهما جميعا كما قال ابن القاسم وأشهب وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يكون البائع مدلسا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسا فلا خيار له، وإن كان غير مدلس كان له الخيار وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة" وهو تأويل حسن جيد في الفقه.
فإن كان عيبا مفسدا فذهب بجل منافع المبيع مثل العمى وقطع اليدين والرجلين أو ما أشبه ذلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب ولا خيار له في الرد كما لو فات عينه وهو مشهور المذهب وهو نص "المدونة" في الكبير يهرم.
فإذا هرم الكبير فقد ذهبت منافعه؛ وإن كان بعض المتأخرين فقد فرق بين الصغير يكبر والكبير يهرم، وبين ما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان قائلا: إن الصغير يكبر والكبير يهرم قد صار جنسا آخر غير جنسه الأول حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر، وما بطلت منافعه على خلاف ذلك.
وما فرق به هذا المتأخر باطل لوجود ذلك فيما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان وزوال المراد منه حتى صار من حواشي جنسه فإنه يجوز أن يسلم فيه خيار جنسه مما بقيت منافعه وسلمت الأغراض المقصودة فيه، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
والثاني: أن المشتري بالخيار بين الرد مع قيمة العيب والإمساك ويرجع
стр. 2803
بما نقص العيب على البائع هو ظاهر "المدونة" حيث أطلق الجواب في الكتاب في العيوب المفسدة مثل القطع والشلل والعمى.
فإذا كان كذلك فقد ذهبت أكثر منافع المبيع، وكذلك إذا قطعت له يد واحدة وكانت صنعته في يده كطراز قزاز أو صائغ وما أشبه ذلك فإن ذلك مما يذهب بأكثر منافعه، وعلى هذا حمل أكثر شيوخ المذهب ظاهر الكتاب.
فأما النقصان من غير عين المبيع مثل أن يشتري بنخل بثمرها قبل الطياب قبل الإبار أو بعده، أو عبدا وماله فيذهب مال العبد بتلف والثمر بجائحة فإن ذلك ليس بفوت قولًا واحدا, وله الخيار بين أن يرده ولا شيء عليه ويمسكه ولا شيء له.
وأما النقصان بما أحدث المبتاع في البيع بما جرت العادة أن يحدث فيه مثل أن يشتري الثوب فيصبغه أو يقطعه فينقص الثمن لذلك، فإن هذا فوت باتفاق المذهب والمشتري فخير بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويرد ما نقصه ما أحدث فيه إلا أن يكون البائع مدلسا فلا يكون عليه للنقصان شيئًا يرده من أجله.
واختلف إن أراد أن يمسك هل له أن يرجع بقيمة العيب أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك له فيما نقصه بصناعة الصبغ دون ما نقصه القطع، وهو محمول على أنه غير مدلس حتى يثبت ذلك عليه إما ببينة أو بإقراره به على نفسه، وهو قول أصبغ، وابن المواز.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا فات عين المبيع فلا يخلو فواته مما
стр. 2804
يخرجه عن ملك بعوض كالبيع وغيره من سائر وجوه المعاوضات؛ فالكلام عليه يأتي في مسألة مفردة إن شاء الله.
فإن خرج من يده بغير عوض فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون باختياره وإيثاره، أو يكون ذلك بغير اختياره وإيثاره؛ مثل أن يكون عبدا فيقبله المشتري أو يتصدق به أو يعتقه، هل له الرجوع بقيمة العيب على البائع ويكون ذلك فواتا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوات يوجبه الرجوع بقيمته، وهو القول المشهور الذي عليه الجمهور من أصحاب مالك.
والثاني: أنه لا يرجع بقيمة العيب، وهو مهجور المذهب الذي لا وجه له، وهذا القول حكاه بعض المتأخرين عن مالك في المذهب.
فإن كان ذلك بغير اختيار المشتري؛ مثل أن يكون عبدا فيموت حتف أنفه أو يقتله خطأ فله الرجوع بقيمة العيب قولًا واحدا.
والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده؛ فلا يخلو هذا العقد من أن يتعقبه رجوع إلى ملكه كالكتابة على اعتبار الحال والاستيلاء والتدبير والعتق إلى أجل؛ فذلك فوت وليس فيه إلا الرجوع بقيمة العيب.
وأما إن كان العقد يتعقبه الرجوع إلى ملكه كالرهن والإجارة والإخدام ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك العقد ليس بفوت، ولا رجوع له بقيمة العيب حتى يرجع إلى ملكه -طالت المدة أو قصرت- وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
стр. 2805
والثاني: بالتفصيل بين أن تكون المدة طويلة فيرجع بقيمة العيب في الحال، وبين أن تكون قصيرة فينتظر حتي تنقضي المدة أو يكون أمدا بعيدا فيكون فوتا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين الإجارة والرهن والإخدام؛ ففي الرهن والإخدام يكون فوتا وله الرجوع بقيمة العيب، وفي الإجارة لا يكون فوتا وله الرد، ولا تنقض الإجارة؛ لأنه عقدها بموضع يجوز له كما لو زوج عبدا ثم وجد به عيبا لكان له أن يرده بعينه ولم يفسخ النكاح، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: ذلك فوت يوجب الرجوع بقيمة العيب إن شاء، ومن اعتبر المآل قال: ذلك فوت إذ لابد أن يرجع إلى ما كان عليه. [والحمد لله وحده] (١).