هل يكون ذلك كالشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالشرط ويرجع عليه المشتري بجميع الثمن، وهو قول اللخمي.
وعلى أنه لا ينبت فيرجع المشتري بما بين ذلك؛ لأن الشعير يتصرف إلى غير وجه، وقيدنا الذي يعلم أنه لا ينبت فلم ينبت بالإثم وعليه العقوبة إذا دلس ولم يبين، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
ولو زرع أحد فنبت شعير صاحبه، ولم ينبت شعيره فلا يخلو من أن يكون مدلسًا أو غير مدلس. فإن كان مدلسًا فإنه يرجع عليه صاحبه بنصف مكيلته من شعير صحيح وبنصف كراء أرضه التي عطل عليه، وهو قول ابن حبيب وأصبغ. وهذا إذا فات إبان الحرث.
وأما إذا علم في إبانها فعليه أن يخرج مثل ذلك من الزريعة الصحيحة فيزرعها في مكان لم ينبت.
فإن كان غير مدلس فإنه يرجع على شريكه بمثل زريعه ودفع إليه شريكه مثل نصف زريعته التي لم تنبت، وهو قول سحنون في النوادر.
فإن لم يشترط ذلك وكان الشراء في إبان الحرث [فهل له الرد] (١) أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا رد والبيع يلزمه، وهو قول سحنون.
والثاني: أن له الرد وأخذ جميع الثمن، وهو قول اللخمي، [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 2872
المسألة الثامنة عشرة في البيع على البراءة
والبراءة من العيوب على وجهين: خاصة، وعامة.
فالخاصة على ثلاثة أوجه: متفق على فساده، متفق على جوازه، مختلف فيه.
فأما المتفق على جوازه فهو المنبري من العيوب التي علمها إذا أوقف المشتري عليها أو سماها له وأخبره أنها في المبيع موجودة إلا أنها مع ذلك على وجهين: وجه يختلف، ووجه لا يختلف؛ فالوجه الذي لا يختلف كالغرر وقطع العضو فإنه يرى بمجرد تسميته، وما يختلف كالإباق والسرقة والديرة فلا تبرئة مجرد التسمية حتى يتبين طلبها بالمقدار وتبرئه مشاهدة المبتاع ومشاهدته لتلك الصفات.
وأما المتفق على فساده فهو التبري من الحمل الظاهر متاع الغير في الرفيعة التي فيها المواضعة ولم يقر السيد بالوطء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: إبطال البيع، وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك وأصبغ وابن المواز في "الموازية".
والثاني: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن حبيب في "واضحته" في الجارية المسبية المشتراة من الغانم أن له أن يتلذذ منها بدون الجماع قبل الحيض؛ لأن بيع المقاسم بيع.
والثالث: جواز البيع وبطلان الشرط، وفيها من المواضعة. وهو قول
стр. 2873
ابن المواز أيضا.
ووجه القول أن التبري من الحمل في الرائعة يسقط المواضعة وذلك غرر وخطر؛ لما كان الحمل مخفيا فيها فصار المشتري يعتقد السلامة والبائع ضده فتخاطرا.
ووجه القول الثاني: بناء على الأصل الذي قدمناه في جواز البيع وبطلان الشرط في بياعات الشروط، وقد استقصينا الكلام فيها أصولا.
ووجه القول الثالث: قياسًا على الوضيعة بعلة أنه عيب فيهما جميعًا.
فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو البراءة العامة؛ وهو أن يتبين البائع من كل عيب لم يعلم به هل هو بيع براءة اشترطها البائع عند العقد أو لم يشترطها؟
فالذي يتحصل من المذهب في ذلك عشرة أقوال؛ منها في الكتاب ثمانية أقوال:
الأول منها: أنه جائزة في الرقيق خاصة إذا اشترط التبري من كل عيب قل أو كثر مما لا يعلمه البائع وبيع السلطان في التفليس والمغنم والميراث إذا علم المبتاع أنه بيع ميراث، وهي رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك في "كتاب محمَّد".
وهذا القول قائم من "المدونة" من قول ابن القاسم: وأما البراءة في الرقيق على قول مالك الأول أن بيع المفلس والميراث بيع براءة وإن لم يتبين، وكذلك بيع السلطان، وذلك ظاهر.
والقول الثاني: أن البراءة لا تكون إلا في الرقيق فيما باعه السلطان على مفلس خاصة دون الميراث وغيرها، وذلك بيع براءة وإن لم يشترطها، وهو
стр. 2874
قوله في "المدونة" وإنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون فيبيع عليهم السلطان، وعلى هذا الظاهر حمله بعض المتأخرين وجعله قولا مفردًا، وهو نص في "كتاب محمَّد" حيث قال: وقال أيضًا: لا ينفع في الرقيق إلا في بيع السلطان في الديون، فأما بيع ميراث وغيره فلا.
والقول الثالث: أنها تنفع في الرقيق والحيوان خاصة، وهو قوله في الموطأ، وقد ذكر أبو محمَّد في "النوادر" أنه أمر بمحو الحيوان منها، وفي "كتاب محمَّد" أنه ذكر له ذلك فقال: إنما أعني بالحيوان الرقيق؛ لأن في "كتاب محمَّد" نصا أنها تجوز في الرقيق والحيوان فقط على ظاهر الموطأ، ومثله في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنها تنفع في كل شيء في الرقيق والحيوان والعروض، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب" على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر" حيث قال: قال ربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد وغيرهم: تجوز البراءة في كل شيء، وقاله مالك مرة: إنه يلزم في الرقيق والعروض والحيوان، ثم رجع إلى أنها لا تكون إلا في الرقيق. قال ابن وهب بقوله الأول، وهذا نص نقله ﵁، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضا من قوله: وثبت مالك على أن بيع السلطان بيع براءة، والثبوت لا يكون إلا بعد الترجرج والاضطراب، وذلك إشارة إلى اختلاف قوله في "الواضحة"، وذلك ظاهر.
والقول الخامس: أنها لا تنفع في شيء من الأشياء لا في الرقيق ولا في الحيوان ولا في العروض إلا في الشيء التافه غير المضطر إليه، فأما ما هو مضطر إليه فلا ينفع فيه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك في "الموازية"، ونحوه في "العتبية"، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضا من قوله:
стр. 2875
إن البراءة لا تنفع لأهل الميراث ولا لغيرهم إلا أن يكون عيبا خفيا فعسى.
والقول السادس: أنها تنفع في ما طالت إقامته عند البائع واختبره، وأما ما لم تطل إقامته ولم يختبره فلا تنفع فيه، وهو قوله في "الواضحة" و"الموازية" وهذا القول أيضا قائم من "المدونة" في الجانب الذي يأتيه الرقيق حيث قال: لا تنفعه البراءة.
والقول السابع: أنها لا تنفع في شيء من الأشياء جملة كافية سواء اشترطها أو لم يشترطها، وهي رواية حكاها القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك في المذهب أن البراءة لا ينفع اشتراطها في شيء ولا يبرأ البائع إلا بما برئه المبتاع، وعللها بعض الأصحاب أن البيع على البراءة غرر وخطر، ولا فرق في ذلك بين بيع السلطان وغيره، وهذا القول أيضا قائم من "المدونة" من قوله الذي رجع إليه: أن البراءة لا تنفع في الرقيق، يريد: ولا في غيره لا لأهل الميراث ولا لوصي ولا لسلطان؛ وعلى هذا تأول اللخمي المسألة.
ويدل على صحة هذا التأويل قوله في مسألة أول عهدة باب المفلس فيمن اشترى عبدًا من مال رجل قد فلسه السلطان فأصاب فيه عيبا حيث قال: يرده على الغرماء، ويدل عليه أيضا قوله في الباب الأول: وكان وقوله في الرقيق في بيع الميراث والسلطان في المفلس .. إلى آخر المسألة: وأنه لا يلزم البائع شيئًا مما أصابهم؛ فقوله القديم يدل على أنه اختلف في ذلك، وأن له فيها قولا جديدًا.
وقال في موضع آخر في "الكتاب": ما وقفت لمالك على هذا إلا ما أخبرتك من قوله القديم، وقد خالف في هذا التأويل جماعة من الشيوخ، وتأولوا مسألة المفلس أنه كان عالم بالعيب وعلم بعلمه.
стр. 2876
وذكر أبو محمَّد بن أبي زيد، وابن الكاتب، وغيرهما أنه لا يختلف قوله: إن بيع السلطان بيع براءة.
والخلاف موجود وقد حكيناه.
والقول الثامن: أن البراءة لا تصح بشرط، وإنما تصح لمن يوجبها عليه الحكم من بيع السلطان وأهل الميراث، وهذا القول قائم من المدونة من قوله: ولم تكن البراءة عند مالك إذا كان يجيزها إلا في الرقيق وحده في الميراث وما باع السلطان للغرماء، وإلى مثل هذا أشار الباجي في "المنتقى".
والقول التاسع: أن البراءة لا تكون إلا بشرط، فإذا لم يشترطها فعليه عهدة القائم بعيب، على عكس القول الثامن، وهذا القول من "المدونة" من قوله في أول الباب: إن البراءة لا تكون إلا في الرقيق، ولا تنفع في غيرهم كانوا أهل ميراث أو غيرهم.
وظاهره: لا تكون بشرط لقوله: ينفع، ومثل هذا إنما يستعمل فيما قصد، فأما ما يوجبه الحكم فلا يقال فيه تصح، وإنما يقال فيه يصح؛ فتأمله تجده صحيحا إن شاء الله، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين.
والقول العاشر: بالتفصيل بين ما بيع بالخيار من مالكه وبين ما بيع عليه؛ فما بيع باختيار المالك فلا تكون فيه البراءة إلا في الرقيق خاصة، وما بيع بغير اختياره كبيع السلطان في فلس أو موت أو على أصاغر فإنه بيع براءة في كل شيء من الرقيق والحيوان والعروض، وهو وقول ابن حبيب من رأيه؛ لأنه قال: أنا آخذ بقول مالك الآخر فيما بيع طوعًا أن البراءة لا تكون فيه إلا في الرقيق.
فأما ما باعه السلطان في فلس أو موت أو على أصاغر فإنه يأخذ فيه بالقول الأول أنه بيع براءة وإن لم يشرط، قال: وقاله مطرف وابن الماجشون
стр. 2877
وأصبغ وغيرهم.
فهذا تحصيل الأقوال في هذه المسألة على تقرير من الروايات وغيرها، ولفظه في "الكتاب" متكرر ومتردد ومختلف في العبارات في مواضع شتى من أبواب العهدة من البراءة؛ فرتبنا مشكله على ما فسر في غيره. والحمد لله وحده.
стр. 2878
كتاب الاستبراء
стр. 2879
كتاب الاستبراء
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى في اشتقاق الاستبراء
وهو مأخوذ من التبري؛ وهو الانفصال والتخلص، ثم استعمل في الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض على يقين منه، وهو ما يعرف عند الفقهاء كناية عن أحوال الأرحام عند انتقال الأملاك حتى يعلم تخلصها من الحمل أو شغلها به بالعلامات التي جعل صاحب الشريعة وذلك دليلا عليها؛ مراعاة لحفظ الأنساب واحتياطًا لاختلاط الذرية وتمييز النسل، وهو لوجهين:
أحدهما: تمييز ماء البائع من المشتري، وذلك في كل موطوءة للبائع إذا لم يستبرئها أو في العلية التي يحط الحمل من ثمنها كثيرًا، وما لم توطأ فاستبرأها، ولا بالمواضعة؛ ومعنى هذه الكلمة الإيقاف مدة الاستبراء وهو وضع هذه الجارية على يد ثقة حتى تظهر براءة رحمها من شغل الحمل وتحل للمشتري، وهذا الاستبراء واجب.
وحكم هذه في هذه المدة حكم ما لم يخرج من ملك البائع، ونفقتها عليه، وضمانها منه؛ لأنه لما كان استبراؤها وإنفاقها بسببه من أجل ما به أو من أجل خلوص العلى من الحمل.
وإن لم يطأ البائع كان تمام بيعها إنما يكون يوم براءتها من ذلك، ولم يتم العقد المتقدم إلى الآن؛ ومن حينئذ يضمنها المشتري، والاستبراء الثاني
стр. 2880
في غير هذه ممن لا تواضع فيمن لم يعرف البائع بوطئها من وخش الرقيق، أو ممن لا ينقصها الحمل من علية كالمتزوجة أو المطلقة أو الزانية، فهؤلاء لا مواضعة فيهن ولا استبراء إلا أن يريد المشتري الوطء فواجب عليه أن يستبرئ لنفسه مما لعلها أحدثته، وضمانها من مشتريها ويم الصفقة إلا أن يكون هناك عهدة الثلاث فمن يوم تمامها، واختلف في التي اشتريت وهي في عظم حيضتها، وفي البكر العذراء هل فيها مواضعة أم لا على قولين:
أحدهما: أنه لا مواضعة فيها، وأن تلك الحيضة تجري معهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة في التي هي في عظم حيضتها، ويلزم مثله في العذراء.
والثاني: أنه لابد لها من الاستبراء والمواضعة، وهو قول أشهب على ما حكاه عنه أبو إسحاق بن شعبان، وفضل بن سلمة في التي هي في عظم حيضتها، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب" وغيره [في] (١) التي قاربت الحلم ويخشى منها الحمل أنه لابد فيها من الاستبراء والمواضعة.
وسبب الخلاف: المواضعة هل هي مشروعة للاستبراء خاصة، أو هي مشروعة للاستبراء والتعبد؟
فمن رأى أنها مشروعة للاستبراء خاصة قال: إذا تحقق براءة الرحم فلا استبراء ولا مواضعة، ومن [رأى] (٢) أن فيها ضربا من التعبد قال لابد من المواضعة، [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 2881
المسألة الثانية إذا قبض المشتري الرائعة على غير المواضعة
فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه:
إما أن يقبضها على الائتمان على استبرائها.
وإما أن يقبضها على براءة البائع من وطئها ومن حملها أن يكون منه.
وإما أن يقبضها على براءة البائع من حملها وهو مقر بوطئها.
فأما الوجه الأول: إذا قبضها المشتري على أنه مؤتمن في استبرائها فذلك جائز، وإن كانت المواضعة على يدي غيره أحسن، فإذا وضعت بيد المشتري كان أمينًا على حضيتها، ونفقتها على البائع حتى تحيض، وما أصابها في ذلك فمن البائع، والقول قول المشتري إن أصابها ذلك قبل أن تحيض؛ لأنها لو كانت بيد غيره فيتأخر حيضها وتربصت ثلاثة أشهر ثم تحل للمبتاع وتخرج من ضمان البائع إلا أن يظهر بها حمل فيرد أو يمسك فيها بحبس البطن فيكون المبتاع مخيرًا إن شاء تربص إلى تسعة أشهر وإن شاء ردها؛ لأن تأخير ذلك إلى تسعة أشهر كعيب وجده.
وأما الوجه الثاني والثالث: إذا قبضها على الجهل بالاستبراء وعلى تعمد تركه وقبضها كقبض الوخش فإنها تخرج من يد المشتري ويخرج فيها حكم المواضعة.
ويلحق الولد بالبائع في التي أقر بوطئها إن لم يدع استبراء.
فإن لم يرفع أمرها حتى ماتت بيد المبتاع وهو يقول ما حصلت، فإن ماتت فيما يكون فيه استبراؤها فهي من المبتاع وإن ماتت في مثل ما لا
стр. 2882
يكون فيه الاستبراء فهي من البائع بغير يمين المبتاع أنها لم تحض عنده، وهذا قول مالك في "كتاب ابن حبيب"، وهو تفسير لما في "المدونة".
والبيع في ذلك كله جائز ولا يفسخ، وهو نص مالك في "كتاب الاستبراء" من "المدونة".
وأما الوجه الرابع: إذا قبضها على البراءة من حملها وهو مقر بوطئها فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أنها تخرج من يد المشتري وتجري فيها أحكام المواضعة، وهو قول ابن حبيب عن مالك.
والثاني: أن البيع مفسوخ مع القيام، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية".
وأما الوجه الخامس: إذا قبضها منه على وجه التبري من وطئها أو البراءة من حمل إن ظهر بها من غيره فلا يخلو من أن تكون رائعة من علية الرقيق أو متوسطة.
فإن كانت من وسط الجواري لا علية ولا وخشة فذلك جائز، ويدخل في ضمان المشتري بالعقد، ولا يطأها حتى تحيض، وله فيها التلذذ دون الوقاع.
فإن كانت رائعة من علية الرقيق لا يصلح مثلها إلا إلى الفراش فالبيع فاسد وترد إلى أن تفوت فتضمن قيمتها، وهذا على قول مالك في "كتاب ابن حبيب"، وهو تفسير لما في "المدونة".
وقد تقدم كثير من مسائل هذا "الكتاب" في "كتاب النكاح" فأغنى عن إعادته. والحمد لله وحده.
стр. 2883
كتاب الصلح
стр. 2884
كتاب الصلح
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في صلح البائع والمشتري في دعوى بما يعيب
فليدمع البداية بها لأنها أغلظها فروعًا وأكثرها وجوهًا، ولنقتصر فيها على صلح البائع رغبة في إنفاذ العقد.
وأما صلح المشتري فرغبة في فسخ العقد تقدم مبسوطا في مسألة حمار ربيعة "في كتاب الآجال".
اعلم أنه إذا باع سلعة بذهب إلى أجل فادعى المبتاع أن بها عيبًا وأراد مصالحة البائع فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت قائمة فلا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون عرضا، أو دنانير، أو دراهم.
فإن صالحه على عرض فلا يخلو من أن يكون نقدًا أو إلى أجل.
فإن كان نقدًا جاز قولا واحدًا.
وإن كان إلى أجل فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب".
والثاني: المنع، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب الصلح".
وسبب الخلاف: من ملك أن يملك هل يعد كالمالك قبل أن يملك أم لا؟، فإذا قلنا: إنه كالمالك فيمنع كما قال ابن القاسم؛ لأنه ملك أن يرد
стр. 2885
لوجود العيب ويأخذ الثمن الثابت في الذمة، فإذا اعتاض عنه بالعرض إلى أجل كان ذلك فسخ الدين في الدين، وإذا قلنا: إنه ليس كالمالك فلا يمنع كما قال أشهب؛ لأنه عوض عن الخصام لا عن قيمة العيب إذا لم يثبت بعد؛ فكان ذلك كالشراء للخصومة. فإن صالحه على دنانير؛ فإن كان نقدا جاز قولا واحدا؛ لأن المشتري كأنه استرجع بعض ثمنه والمستبقى هو الثمن.
فإن كان إلى أجل فلا يجوز إن تأخر بشرط؛ لأنه بيع وسلف من المشتري، وإن تأخر من غير شرط جاز.
فإن صالحه على دراهم؛ فإن كانت الدراهم إلى أجل فلا يجوز؛ لأنها سلعة وفضة إلى أجل نقدًا -قلت الدراهم أو كثرت.
فإن كانت نقدًا جاز في أقل من صرف دينار قولا واحدًا، وفي أكثر من صرف دينار قولان في ذلك: المنع لابن القاسم؛ لأنه بيع وصرف، والجواز لأشهب إما لكون البيع والصرف عنده جائز وهو مشهور مذهبه، وإما لأنه يرى الصلح عوضًا عن الخصام.
وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا وقع البيع على النقد ولم ينتقد فعلى الأوجه الثلاثة التي قدمناها أن يكون الصلح بعرض أو بذهب أو بورق.
فإن كان الصلح بعرض فذلك جائز معجلا ومؤجلا وكان سلمًا يراعي فيه تعجيل رأس المال النقد في رأس المال وتأخيره إلى القدر المعروف؛ لأن المشتري كأنه اشترى العرض المصالح به ببعض ما عليه من الثمن.
فإن كان الصلح بدنانير لم يجز إلا على المقاصصة؛ لأنه إذا عجلها صار ذهب وسلعة بذهب.
стр. 2886
وإن كان بدراهم لم يجز أن يتناقدا معا إذا كانت الدراهم قليلة أقل من صرف دينار، وإن كانت أكثر من صرف دينار جرى على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم وأشهب.
وأما الوجه الثالث: إذا كان البيع إلى أجل فلا يخلو من أن يكون بعرض أو بدنانير أو بدراهم.
فإن كان الصلح بعرض لا يجوز إلى أجل؛ لأنه دين بدين، ويجوز نقدًا لزوال المانع.
فإن كان بالدنانير وكان نقدًا أو إلى أجل غير أجل الثمن فلا يجوز، لأنه ذهب بذهب مع أحدهما سلعة، فإن كان إلى أجل الثمن جاز ويصير مقاصصة.
فإن كان بالدراهم لم يجز -كانت نقدًا أو إلى أجل- لأنه صرف مستأخر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يكون الصلح بعد فوات البيع؛ فإن التقسيم المتقدم دائر فيه وهو أن يكون على النقد فانتقد، أو على النقد ولم ينتقد، أو إلى أجل. فإن وقع على النقد وانتقد فلا يخلو الصلح من أن يكون على النقد أو على النسيئة.
فإن كان على النقد جاز على الإطلاق دون تفصيل دون ما صالح من عرض أو عين.
وهل من شرطه معرفتهما بقيمة العيب؟ وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز وإن جهلا قيمة العيب في الحال، وهو قوله في
стр. 2887
"الموازية" و"المستخرجة".
فوجه قول ابن القاسم أن الجهل بقيمة العيب غرر وخطر، ووجه قوله في "الموازية" أن الصلح في غالب الأحوال أن يكون على أقل من قيمة العيب بالشيء البين؛ فيصيرا قد خرجا بالصلح من حد المكايسة إلى حد المكارمة؛ لأن ذلك هبة من المشتري ومعروف صنعه، وهبة المجهول عندنا جائزة.
فإن كان الصلح على التأجيل: فأما بالدراهم أو العروض فلا يجوز بحال؛ لأنه فسخ دين في دين، وأما بالدنانير فإن كان مثل قيمة العيب فأقل فذلك جائز، وإن كان أكثر لم يجز؛ لأنه تأخير بزيادة؛ وذلك أن المشتري وجبت له قيمة العيب على البائع فأخره بها بشرط الزيادة؛ وذلك سلف جر نفعا.
فإن باعه بنقد ولم ينتقد فلا يخلو الصلح من أن يكون بعرض أو بدراهم أو بدنانير، فإن كان بعرض جاز نقدًا ومؤجلا، ويكون سلما، ويلزم المشتري النقد كما تقدم؛ لأنه اشترى الموصوف بما في ذمته.
فإن كان بالدراهم فلا يجوز إلا أن يتناقدا على حكم الصرف.
فإن كان بالذهب: فأما على معنى الوضع أن يضع عنه من الثمن الذي عليه فذلك جائز -قل ما حط عنه أو كثر. فإن كان على غير ذلك فلا يجوز إلا أن يحضر المبتاع ما عليه من الثمن ويحضر البائع ما عليه من قيمة العيب فيراطله بها كفة بكفة احترازًا من التفاضل بين الذهبين.
أما الوجه الثاني من الوجه الثاني: وهو أن يكون البيع إلى أجل فلا يخلو من أن يكون الصلح بعرض أو بدراهم أو بدنانير.
стр. 2888
فإن كان الصلح بعرض جاز نقدًا لا مؤجلا؛ لأنه دين بدين.
وأما بالدراهم فلا يجوز نقدًا ولا مؤجلا؛ لأنه صرف ومستأخر.
وأما بالدنانير: فإن كان على وجه المقاصصة والوضيعة جاز، فإن كان على وجه النقد ينقده البائع فلا يجوز هذا، وجاءت الرواية، وللأشياخ المتأخرين في تأويلها كلامان:
أحدهما: أن ذلك على إطلاقه لا يجوز؛ لأنه سلف جر منفعة كأن البائع أسلفها للمشتري يردها إذا حل الأجل فيما عليه من الثمن، ولأنه يدفع عن نفسه الخصام في الحالة الراهنة بما أعطى، وهذا تأويل أبي الحسن ابن القابسي.
والثاني: أن معنى ذلك إذا كان المصالح به أقل من قيمة العيب؛ لأنه يتهم أن يدفع قليلا ليأخذ كثيرًا إذا حل الأجل، وأما إن كان مثل قيمة العيب فأكثر فلا تهمة؛ لأنه من البعيد أن يعطي كثير في قليل، وهو تأويل ابن أبي زيد ﵁.
فيتحصل لك من جملة المسألة ستة أقسام؛ كل قسم ثلاث مسائل؛ وذلك ثماني عشرة أسئلة لأنها إذا كانت قائمة فثلاثة أوجه وإن كانت فائتة فثلاثة أوجه: إما ينقد فانتقد أو ينقد ولم ينتقد أو بالتأجيل، وفي كل قسم من هذه الأقسام ثلاث مسائل: إما أن يصالح بعرض أو بذهب أو بدراهم؛ فيأتيك من ذلك العدد الذي حصلنا. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2889
المسألة الثانية في صلح الورثة امرأة الهالك
ولا يخلو صلحهم إياها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يصالحوها على قدر حقها من التركة أو أقل.
والثاني: أن يصالحوها على قدر حقها من غير التركة من أموالهم.
والثالث: أن يصالحوها على أكثر من حقها من التركة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صالحوها على قدر حقها من التركة فذلك جائز على الإطلاق وإن اشتملت التركة على عين وحلي؛ لأن ذلك ليس ببيع وإنما أخذت بعضًا ووهبت بعضًا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صالحوها من أموالهم على مثل حقها أو أقل أو أكثر فلا يخلو من أن تكون التركة من جنس ما به صولحت أم لا.
فإن كان في التركة من جنس ما به صولحت كان الميت ترك دنانير ودراهم أو أحدهما فصالحت به جنسا لا عينًا لم يجز على الإطلاق؛ لأنه ذهب بذهب وفضة بفضة مع أحدهما سلعة.
فإن لم يكن في التركة نظير ما أخذت؛ مثل أن يصالح بدنانير وفي التركة دراهم أو بالعكس فلا يخلو من أن تكون التركة كلها وافرة ليس فيها ديون ولا طعام من بيع ولا شيء غائب، أو يكون فيها أحد هذه الوجوه.
فإن كانت التركة كلها حاضرة ولم يكن فيها من الوجوه الثلاثة وجه، فإن كان حظها مما في التركة من العين أقل من صرف دينار فإن ذلك جائز قولا واحدًا؛ لأنها باعت جميع سهم من التركة بما قبضته من العين، فإن
стр. 2890
كان حظها منها أكثر من صرف دينار فالمذهب على قولين:
أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأن ذلك بيع وصرف.
والثاني: الجواز، وهو قول أشهب.
فإن كان في التركة أحد هذه الوجوه التي ذكرناها فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب؛ لأنه إن كان فيها دين وكان ذهبًا والصلح على دراهم أو بالعكس كان صرفًا مستأخرًا، وإن كان من جنس ما وقع به الصلح كان ذلك ذهبًا بذهب أو فضة بفضة مع أحدهما سلعة، وإن كان فيها طعام من بيع منع؛ لأن ذلك بيعه قبل قبضه، وإن كان فيها شيء غائب فلا يجوز أيضا؛ لأن ذلك غرر وخطر.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا صالحوا على أكثر من حقها من التركة فلا يخلو من أن تكون التركة ذهب وفضة أو فيها أحدهما.
فإن كان فيها ذهب وفضة فأخذت أكثر من حقها من أحدهما فلا يخلو من أن تكون حصتها من الأخرى أقل من صرف دينار، أو أكثر.
فإن كانت حصتها منها أقل من صرف دينار فلا يخلو من أن يستأصل الجنس الذي أخذت منه أو استأصلت منه.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز كما لو استأصلته، وهو قول ابن القاسم؛ بناء منه على أن الجنس المأخوذ منه يطرح من الكل، وجعل الزوائد على حقها ثمنًا لحقها في سائر التركة.
والثاني: أنه لا يجوز حتى يستأصل جميع الجنس الذي تأخر منه، وهو
стр. 2891
قول ابن المواز، بناء منه على أن الذي يبقى من الجنس المأخوذ منه حقها باق فيه؛ لأن لها جزءا في كل عين منه فقد باعت حينئذ ذهبًا بذهب وفضة بفضة مع أحدهما سلعة.
فأما إن كانت حصتها من الآخر أكثر من صرف دينار فعلى الخلاف الذي قدمناه؛ فيمنع عند ابن القاسم لأنه بيع وصرف؛ لأن الزائد على حقها فيما أخذت عوض عن حصتها في الجميع؛ وذلك صرف وعوض عن حقها في بقية التركة، وذلك بيع.
فإن كان في التركة أحد النوعين ذهب أو فضة فأخذت أكثر من حقها منه وفي التركة عروض فلا مجال للصرف في ذلك وإنما هي امرأة باعت حقها من غير ما أخذت بما زاد على حظها منه فيجوز إن لم يكن هناك طعام من بيع ولا ديون ولا مال غائب، ويراعى في ذلك جميع شروط البيع في الجمة، وذلك بين. [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2892
المسألة الثالثة هل يقتضي المقتضى من مال مشترك بينه وبين غيره
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يخرج بإذن شريكه.
والثاني: أن يخرج بغير إذنه.
فإن خرج بإذن شريكه وأعذر إليه في الخروج [] (١) وامتنع وأذن له الحاكم بالخروج فلا يخلو ذلك من الدين من أن يكون مما لا يجوز بيعه قبل قبضه أو كان من بيع عين الطعام والإدام فهل يجوز [أن] (٢) يأذن الشريك لشريكه في اقتضاء نصيبه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" حيث قال: غير الطعام والإدام؛ لأن ذلك بيعه قبل قسمته لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل قبضه، قاله ابن أبي زمنين وغيره.
والثاني: أن ذلك جائز، ولا يكون ذلك بيعه قبل قبضه، وهو قول مالك في "الأسدية".
وسبب الخلاف: القسمة هل هي بيع أو تمييز حق؛ فعلى القول بأنها بيع يمنع، وعلى القول بأنها تمييز حق جاز.
стр. 2893
فإن كان مما يجوز بيعه قبل قبضه إما لكونه عرضًا أو عينًا وإما لكونه طعامًا من قرض فلا خلاف أنه يستبد بما اقتضى ولا مدخل لشريكه في ذلك على الغريم أو لم [] (١).
فإن خرج بغير إذن من شريكه وبغير إعذار من الحاكم، وكان الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه هل يختص المقتضى أو للشريك الدخول معه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له الدخول معه فيما اقتضى، وهو قوله في "كتاب الصلح" و"كتاب المديان"، وهو قول الغير في "كتاب الجنايات".
والثاني: أن المقتضي يختص بما اقتضى ولا يدخل معه فيه الشريك. وهو قول ابن القاسم عن مالك في "كتاب السلم الثاني" من "المدونة" في إقالة أحد الشريكين البائع منهما طعامًا من نصيبه حيث قال: لا يدخل معه شريكه فيما أخذ مع كون الإقالة بيعًا، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات" من "المدونة" في العبد إذا قبل رجلا له وليان فعفى أحدهما عن العبد على أن يأخذ حصته ورضي بذلك السيد حيث قال: فإن دفع السيد إلى أخيه نصف الدية تم فعله، وإلا خير العافي بين أن يكون العبد بينهما أو يرده، فإن كان له الدخول مع شريكه فيما قبض شاء أو أبى ما كان يكون الخيار للعافي بل يكون للشريك.
قال في القول الثالث: حيث قال سحنون وقد قال أيضا: إن للأخ الدخول مع أخيه في العبد، يؤيد ابن القاسم.
فعلى القول بأن الشريك يدخل معه فيما اقتضى فلا يخلو المقتضى من
стр. 2894
أن يقتضي حقه، أو صلاح.
فإن اقتضى جميع حقه كان ما اقتضى بينهما بحق الشركة.
فإن صالح الغريم فلا يخلو صلحه من وجهين:
إما أن يكون بمعنى الحط، أو بمعنى البيع.
فإن كان بمعنى الحط؛ مثل أن يأخذ عشرة ويحط أربعين، والدين مائة، فإن رضي القاعد بتسليم ذلك فلا كلام، وإن امتنع من التسليم قاسمه، وفي كيفية القسمة قولان:
أحدهما: أنه يقاسمه على ما كان عليه أصل الدين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح" فيقسمان العشرة أيضًا.
والثاني: أنهما يقتسمان العشرة أسداسًا يقدر كأن الدين جميعه ستون دينارًا: للقاعد خمسون وعشرة للخارج، وكأن جميع نصيب الصلح يتحاصان فيه على قدر حقيهما يضرب للخارج بالسدس والقاعد بخمسة أسداس، وهو قول الغير في "كتاب الصلح".
وفائدة الخلاف: نقصان كمية نصيب الخارج حتى إذا اقتضى القاعد حقه من الغريم استدرك الخارج أولا ما أخذ منه على كلا القولين.
واختلف في المتولي مشقة الاقتضاء على قولين كلاهما عن ابن القاسم:
أحدهما: أن القاعد يقتضى جميع حقه ثم يعطى للخارج أول ما أخذ منه كأنه لما انتفع بخروجه تعين عليه حسم الرحيل وتكلف الارتحال في الاقتضاء كما فعله هو، وهو قول ابن القاسم في "كتاب المديان".
الثاني: أنهما جميعا يتوليان الاقتضاء؛ فالخارج يرجع على الغريم إما بخمسة على قول، وإما بسدس العشرة على قول، والقاعد يقوم عليه
стр. 2895
بجميع حقه إلا ما أخذه من الخارج، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلح"، وهكذا قال غيره في "كتاب المديان"، بناء منه على أنه أهدر خروج الخارج أولا بخلوه عن الإذن ورجع القاعد عليه ومقاسمته إياه ما اقتضاه حكمًا شرعيًا.
أما إن كان صلحه بمعنى البيع؛ مثل أن يصالحه بعرض والدين عينًا، أو بعين والدين عرضًا فالقاعد بالخيار كما تقدم.
فإن قاسمه ما أخذ هل يكون بقية الدين بينهما أم لا؟
على قولين لابن القاسم والغير، وقد قدمناهما:
فعلى القول بأنهما جميعًا يتوليان الاقتضاء فإن ما بقى من الدين يكون بينهما.
وعلى القول بأن القاعد يتولى الاقتضاء آخرًا فلا يخلو من أخذ من الخارج أولا من أن يكون مما يرجع إلى المثل أو ما يرجع إلى القيمة.
فإن كان مما يرجع إلى القيمة فإنه يرد عليه نصف قيمة العرض الذي أخذ منه.
فإن كان مما يرجع إلى المثل كالمكيل والموزون هل يرجع عليه بالمثل أو القيمة؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يرجع عليه بالمثل، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: أنه يرجع عليه بالقيمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصلح" ولاسيما على قول الغير آخر "الكتاب".
стр. 2896
وعلى القول بأنه يرجع عليه بقيمة ما أخذ منه فمتى تعتبر قيمته؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يرد قيمته يوم وقع الصلح به، وهو نص قوله في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أنه يرد قيمته يوم أخذه من الخارج، وهذا تأويل أكثر المتأخرين على المدونة، وحملوا قوله يوم صالح على أنه يوم القبض. وهذا كله في تحصيل المسألة، وأما توجيه هذه الجملة وفهمها فنحن الآن خائضون فيه إن شاء الله.
وينبغي أن يعلم العالم أن احتصاص المقتضى بما اقتضى من دين مشترك إنما لم يصح على الوجه الذي ذكرنا دفعا للضرر الداخل على الشريك الآخر باختصاص صاحبه عنه بما أخذ من دين هما فيه سواء مع نقصان ما بيد الغريم بما أخذ منه قطعا فأرجعناه وسلطناه حدًا وإبراء لما في ذمة الغريم، وذلك مما يستضر به القاعد المعذور، وهذا التسليط ليس على أن يأخذه منه فرضًا محضًا، يرد عليه المثل إن كان إنما أخذ منه المثل وهم يقولون إنما يرد عليه القيمة، ولو كان ملكا محضًا لما رده [] (١) مكيلته وهم يقولون له إذا اقتضى حقه فعلى أن التسليط وفوات السلامة في العقبى.
فإذا كان المحذور المعذور المجوز باقتضاء حقه كلاما تعين عليه رد جميع ما أخذ، وإلا فلا؛ إذ لا يختص بحصته التواء فصار فرضًا من وجه وملكًا من وجه، وهذا كما ترى. والحمد لله وحده.
стр. 2897
المسألة الرابعة الإقرار بقتل الخطأ
فلا يخلو المقر من وجهين: إما أن يصالح الأولياء على مال، أو لا يصالحهم.
فإن صالحهم على مال يحصوه عليه فلا يخلو من أن يكون جاهلا بالحكم، أو عالما به.
فإن كان جاهلا بالحكم فلا يخلو القتل من أن يكون ببينة، أو بإقرار القاتل بانفراده.
فإن كان القتل ببينة كان للقاتل الرجوع على أولياء القتيل بما قبضوه منه حتى يردوه عليه؛ لأن الدية على العاقلة في هذا الوجه باتفاق.
فإن كان بإقرار القاتل دون بينة تشهد على معاينته فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الدية على العاقلة ويرجع المقر على الأولياء بما قبضوه منه ويسقط عنه ما بقى، وهذا يتخرج على أحد قولي مالك في "كتاب الصلح" من "المدونة"؛ لأن الدية على العاقلة، ويكون معذورًا بالجهل.
والثاني: أن المقر يلزمه ما دفع، وأن ما التزمه يلزمه بالعقد ولا ينتقل عنه إلى العاقلة؛ لأنه التزم ما يلزمه عند بعض العلماء، وفي بعض أقوال مالك في الكتاب أن الدية في مال المقر، على ما سنبينه في الوجه الثاني إن شاء الله، وهذا تأويل أبي عمران الفاسي وغيره على "المدونة".
стр. 2898
والثالث: أنه يلزمها دفع وقبض منه، ولا يرجع به على الأولياء ويسقط عنه ما لم يدفع، وهذا تأويل بعض الشيوخ على "المدونة" بناء على أن القبض له تأثير قوي كما لو حكم عليه بدفعه وأن القبض له تأثير فيما اختلف فيه كالديون في الأنكحة المختلف فيها وقبض السلع في بعض البياعات المكروهة عندنا المختلف فيها.
فإن كان عالما بالحكم غير جاهل به؛ مثل أن يكون فقيها عالما بما له وعليه صالح الأولياء على مال لكان يدعي أن يلزمه ما التزم ويمضي الصلح في الوجهين قبض ذلك منه أم لا قولا واحدًا، ويبقى النظر فيما دفع إلى أولياء القتيل هل يرجع به على العاقلة أم لا، وذلك يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع على العاقلة بشيء.
والثاني: أنه يرجع بذلك على العاقلة، وإلى هذا أشار بعض المتأخرين.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أقر بقتل الخطأ ولم يصالح على شيء فلا يخلو من أن يتهم في إقراره أم لا.
فإن كان يتهم في إقراره مثل أن يتهم في غيلولة المقتول فلا تلزم الدية العاقلة بإقراره قولا واحدًا، وهل يلزم ذلك المقر في ماله أم لا؟ على قولين:
فعلى القول بأن ذلك يلزمه في ماله فهل ذلك بقسامة أو بغير قسامة؟
قولان أيضا.
والأقوال كلها قائمة من "المدونة" من "كتاب الصلح والديات":
أحدهما: أن الدية على العاقلة بقسامة.
والثاني: أن الدية في مال المقر بقسامة، وهو ظاهر قول مالك في
стр. 2899
"الكتاب" حيث قال: لا يكون عليه شيء إلا بقسامة، فقيل: معناه جميعها، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة".
والثالث: أن الدية في مال المقر بغير قسامة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصلح" أيضًا حيث قال: "الدية في ماله"؛ فأطلق، وهو قول المغيرة وعبد الملك.
والأقوال الثلاثة عن مالك، لقوله في "كتاب ابن المرابط" وغيره، وقد اختلف الناس في الإقرار بالقتل خطأ عن مالك فالأول رواية ابن القاسم وأشهب.
والرابع: التفصيل بين أن تكون له حياة أم لا؛ فإن كانت له حياة فالدية على العاقلة بقسامة، وإن لم تكن له حياة ومات من ساعته فالدية في مال المقر قسامة، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والخامس: أنه لا يلزمه بإقراره في قتل الخطأ شيء لا على نفسه ولا على العاقلة، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك بهذا النص، وحكاه ابن ميسر عن ابن القاسم وابن وهب أن العاقلة ولم يذكر إلزامه هو هل يلزمه شيء أم لا؟
والسادس: أن العاقلة لا تقسم بقوله ولا يلزمه من الدية إلا ما يلزمه مع العاقلة لو اقتسموا بقوله، وهو قول ابن دينار، وحكاه ابن سحنون أيضًا عن آخرين من أصحابنا ولم يسمهم، وحكاه ابن الجلاب رواية عن المذهب. وعلى القول بأن الدية على العاقلة بقسامة هل يؤدي معهم المقر أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه كواحد منهم وعليه ما عليهم، وهو تأويل بعضهم عن
стр. 2900
مالك في "الكتاب" حيث قال: لا شيء عليه إلا بقسامة، فإذا أقسم الأولياء كان كواحد من العاقلة، وهو نص قول مالك في "كتاب الصلح" من "المدونة" و"كتاب محمد" و"المجموعة"، وهو تأويل أكثر الشيوخ.
والثاني: أنه لا شيء على المقر منها، وهو تأويل بعضهم على قول مالك في "المدونة"، وأما معنى قوله في "الكتاب": "كواحد منهم" على الاستحسان.
وسبب الخلاف: اختلافهم في إقرار القاتل هل هو كالشاهد على العاقلة أم لا؛ فمن جعله كالشاهد قال: يقسم ولاة الدم بقوله، ومن لم يجعله كالشاهد قال: لا يلزم العاقلة شيء، وهل يلزم ذلك المقر في ماله أم لا؟ فمن نظر أن مقتضى إقراره لا يوجب عليه شيء لا قصاص ولا دية قال: لا شيء عليه؛ لأن إقراره على غيره لا على نفسه، ومن رأى أنه أقر بالقتل وأن ما يدعيه من كونه خطأ تلحقه فيه التهمة قال: أدنى مراتبه أن تكون عليه الدية في ماله، ومن رأى أن ذلك عليه بقسامة فقد لاحظ مجرد الصورة وأن الدية في الخطأ لا تكون إلا بقسامة على الجملة، والحمد لله وحده.
стр. 2901
المسألة الخامسة فيمن قتل رجلا له وليان فعفى أحدهما على مال
فلا يخلو من أن يصالح عن جميع الدم أو حصته، فإن صالح عن جميع الدم فلا يخلو ما صالح به من أن يكون مثل الدية فأكثر أو أقل منها.
فإن صالح عن جميع الدم بمثل الدية فأكثر فذلك جائز لازم للورثة لا خروج لهم عن صلحه، ويقتسمون ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن صالح على أقل من الدية فذلك لازم في خاصة نفسه، ويكون له مما صالح به مقدار حقه ويسقط ما بقي عن القائل، ويكون لبقية الورثة حقوقهم على حسب الدية الكاملة، وصورها في الكتاب على أن المقتول ترك ابنين وبنتًا، فإذا صالح أحد الابنين بما ذكرنا كان له الحصتان من ذلك، ويرجع الأخ والأخت الباقيان بثلاثة أخماس الدية كاملة تكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس للمصالح أن يضم حصته بما صالح إلى ما أخذ الأخ والأخت من حساب الدية الكاملة فيقسم معهما إلا برضاهما؛ لأنه قد رضي بنقصان حقه.
فإن صالح عن حصته من الدم خاصة فلا يخلو من أن يصالح على أكثر من حقه من الدية أو على أقل.
فإن صالح على أكثر من حقه من الدية، مثل أن يصالح لنفسه على الدية فأكثر فذلك جائز، واختلف هل لبقية الورثة الدخول معه فيما صالح به أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معه من بقى من الورثة فيما صالح به، وإنما
стр. 2902
سلطانهم علي القاتل فيرجعون عليه على حساب الدية، وهو قول الغير في "كتاب الصلح"، وقول ابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
والثاني: أن لهم الدخول معه، وهو قول ابن القاسم في الدين في "كتاب الصلح"، وأحد قوليه أيضا في الدم في "كتاب الجنايات".
وعلى القول بأن بقية الورثة لا يدخلون مع المصالح فيما به صالح وأن سلطنتهم على القائل فهل يجبر على أن يدفع لهم سهامهم على حساب الدية أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجبر علي أن يدفع حقوقهم من الدية، ولا سبيل لهم إلى القتل، وهو قول ابن القاسم والغير في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أن القاتل لا يجبر وأنه مخير إن شاء دفع وإن أبى رجع الخيار إلى الذي صالح من الأولياء إن شاء شاركهم فيما أخذوا وإن أبى انتقض الصلح ويكون لهم القتل إن شاؤوا، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات" من "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في القاتل هل يجبر على دفع الدية إن شاء أولياء القتيل أو ليس لهم إلا القتل أو العفو؟
فعلى القول بأنه يجبر على الدفع أو تطوع بالدفع على القول الآخر، فإذا اقتضوا منه حقوقهم على حساب الدية فإنهم يضمونه إلى ما صالح به أخوهم ثم يقتسمون الجميع للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول أشهب في "كتاب الصلح" من المدونة، وهو تفسير لقول ابن القاسم وهو صحيح.
وقد أشار سحنون إلى أن قول أشهب مخالف لقول ابن القاسم حيث
стр. 2903
قال في غير "المدونة": "وقول أشهب وعلي خير من قول ابن القاسم" يعني: علي بن زياد، وهو الغير الذي قال في "الكتاب": إن صالح من حصته على أكثر من الدية أو على عرض قل أو كثر على ما ذكره بعض المحققين فإن صالح من حصته على أقل من حقه من الدية فلبقية الورثة أيضا الرجوع على القاتل بحقوقهم على حساب الدية يقسم بينهم على فرائض الله، وليس لذي صالح أن يضم ما صالح به إلى ما أخذه أصحابه في هذا الوجه؛ لأنه قد رضي بإسقاط بعض حقه عن القائل، ثم ليس له أن يدخل على أصحابه الضرر في نقصان حقوقهم؛ ولهذا قال في "الكتاب": إذا قتل رجل عمدًا وترك ابنين وبنتا فصالح أحد الابنين على أقل من خمس الدية فليس له غيره، ويرجع الأخ والأخت على القائل بثلاثة أخماس الدية. والحمد لله.
ومسألة موضحة العمل وموضحة الخطأ أخرناها إلى "كتاب الشفعة" إن شاء الله تعالى؛ لأن ذكرها هناك أجدر وفروعها في الكتاب المذكور أكثر، والحمد لله وحده.
стр. 2904
كتاب تضمين الصناع
стр. 2905
كتاب تضمين الصناع
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في تضمين الحائك المتعدي
ولا يخلو في تعديه من وجهين:
إما أن ينقص مما كلف له، وإما أن يزيد عليه.
فإن نقصه؛ مثل أن يدفع له غزلًا ينسجه بسبعة في ثمانية، فينسج له بستة في سبعة، فالخيار لصاحب الثوب إن شاء ضمنه، وإن شاء أخذ ما وجد.
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا اختار التضمين، هل يضمن الحائك قيمة الغزل أو يضمن مثله؟
والثاني: هل تنفسخ الإجارة بينهما أم لا؟.
والثالث: إذا اختار أخذ الثوب، فهل عليه جميع الأجرة أو بحساب ما عمل؟
فالجواب عن الموضع الأول: إذا اختار التضمين ما الذي يضمن الحائك؟ لمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أنه يضمن قيمة الغزل، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يضمن المثل، وهو قول غيره، ووجهه عند غيره من قبيل الموزون، ومن أتلف موزونًا فعليه مثله؛ لأنه من ذوات الأمثال لا من
стр. 2906
ذوات القيم. ووجه قول ابن القاسم.
والثاني: أن الغزل من ذوات القيم كالثوب المنسوج منه، ولا احتفال يكون الغزل منسوجًا كما لم ينظر إلى تماثله من جهة [] (١) وعدل فيه إلى القيمة حتى يتحقق الضبط، ويحقق الخيط؛ فكذلك لا اكتراث بكون الغزل موزونًا؛ لأن التماثل يتعذر لاختلاف أصله.
واختلف إذا وجد مثل الغزل، وقدر على نظيره على قولين:
أحدهما: أن الواجب القيمة على كل حال؛ لأن الغزل لا يكاد يتساوى في الغلظ والرقة والضعف والقوة، وإن وجد المثل كان نادرًا، والنادر يعطى له حكم غالب على مشهور مذهبنا؛ إذ القواعد لا تنقض بعد تأسيسها بآحاد المسائل، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وهو الأظهر في النظر.
والثاني: أن ابن القاسم إنما تكلم في الغالب، وأنه إذا وجد المثل قضى له به، ويكون عليه أن ينسجه ثمانية بالأجرة الأولى، وهو قول ابن حبيب تأويلًا على ابن القاسم.
والجواب عن الموضع الثاني: في الإجارة، هل تنفسخ بينهما أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن الإجارة تنفسخ بينهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن الإجارة ثابتة بينهما، وهو قول أصبغ، وهو ظاهر قول الغير في "الكتاب".
стр. 2907
والثالث: التفصيل بين أن يريده للباسه، فتنفسخ الإجارة [] (١) فهي ثابتة، فلا تنفسخ بينهما، وهذا القول حكاه اللخمي، ولم يسم قائله.
وينبني الخلاف: على الخلاف الذي قدمناه في الغزل التالف يقضي له فيه بالمثل أو بالقيمة على قولين.
فعلى القول بالقيمة فتنفسخ بينهما؛ لأنه غزل معين، فإذا ذهب العين بطل العقد المختص به كرضاع الصبي، وتعليم الغلمان.
وعلى القول بالمثل فلا معنى للفسخ؛ لأن مثل الشيء كعينه.
والجواب عن الموضع الثالث: إذا اختار أخذ الثوب، هل عليه جميع الأجرة أو بحساب ما عمل؟
على أربعة أقوال:
أحدها: أن عليه جميع الأجرة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن له من الأجرة بحساب ما عمل، وهو قول الغير في "الكتاب" حيث قال: ينظر إلى أجرة مثله فيما شرط وأجرة مثله فيما عمل، ويسقط ما بينهما من المسمى.
والثالث: التفصيل بين أن يدخل في جميع الغزل، فيكون له جميع الأجرة كما قال ابن القاسم، أو يدخل فيه بعضه فيكون كما قال غيره، وهو تأويل بعض المتأخرين على ما نقله اللخمي.
والرابع: أن معنى قوله: "إن له الأجر كله" أي: ما ينوب ذلك من المسمى لا أنه يرد إلى إجارة المثل كما ثبت عليه قول الغير، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
وسبب الخلاف: هل ذلك من قبيل العيوب، أو ذلك من قبيل
стр. 2908
النقص، فمن رأى أنه من قبيل العيوب قال: يغرم جميع الأجرة؛ لأنه مخير بين أن يضمن الحائك، أو يأخذ ثوبه، وهذا حكم العيوب، ومن رأى أنه من قبيل النقص قال: إنه يكون له من الأجر بقدر ما عمل.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يزيد على ما كلفه، فإن الجواب ينعكس على ما كان عليه في الوجه الأول؛ فعلى قول ابن القاسم أنه لا شيء له، وعلى قول الغير يكون له الأجر كاملًا، وفيه قول ثالث بالتفصيل بين العامد والغالط؛ فإن تعمد فلا أجرة له، وإن غلط له الأجرة، وهذا القول لبعض المتأخرين، والحمد لله وحده.
стр. 2909
المسألة الثانية في تضمين الصناع والأجراء وغيرهم ممن يقبض مال غيره
ولا يخلو قابض المال من وجهين: إما أن يقبضه بإذن ربه، أو بغير إذن ربه.
فإن قبضه بغير إذنه، فلا كلام فيه؛ لأنه متعد، وهو ضامن بالتعدي.
فإن قبضه بإذنه فعلى وجهين: إما أن يقبضه على وجه التمليك المؤبد أو على غيره.
فإن كان على وجه التمليك المؤبد؛ مثل أن يشتريه شراء فاسدًا، أو صحيحًا، أو يوهب له، أو يتصدق به عليه، فهذا لا خلاف في المذهب أيضًا أن ضمانه على تفصيل في البيع الفاسد، وقد قدمناه في موضعه.
وأما إن قبضه على غير وجه التمليك، فذلك على ثلاثة أوجه: إما أن يأخذه لمنفعة نفسه على الخصوص، أو لمنفع ربه على الخصوص، أو لمنفعتهما معًا.
فإن قبضه لمنفعة نفسه على الخصوص، فلا يخلو من أن يقبضه لينتفع به أو يرد بدله، أو لينتفع به، ويرد عينه.
فإن قبضه لينتفع به ويرد بدله كالقرض فهو ضامن على كل حال.
فإن قبضه لينتفع به ويرد عينه كالرهن والعارية فهذا يضمن ما يغاب عليه إلا أن تقوم بينة أن التلف بغير سببه، ولا ضمان عليه إلا أن يثبت أن التلف من جهته.
وأما إن قبضه لمنفعة ربه على الخصوص فلا ضمان عليه فيه -كان مما
стр. 2910
يغاب عليه أم لا، قبضه على التصرف كالصناع، أو على غير التصرف فيه كالودائع.
فإن قبضه لمنفعتهما معًا، فإنه يغلب منفعة رب المال، ويصدق القابض -كان مما يغاب عليه أم لا، قبضه على التصرف فيه كالقراض، أو على غير التصرف فيه كالشيء المستأجر لينتفع به، أو كالشيء المستأجر عليه على حمله أو رعايته أو على استعماله- إلا في مسألتين: الصانع المتصدي، والأجير على حمل الطعام.
وأما الأجير على حمل الطعام، فإنه يضمن إذا ادعى التلف لما يعلم بالعادة لتسارع الأكرياء من مد اليد إلى تفويت الطعام مع غيبة المالك حتى إذا قامت البينة أن الضياع من غير سبب المكري، أو كان رب الطعام صحبته فلا ضمان عليه في تلك الحال على ما سنزيده وضوحًا وبيانًا في "كتاب الرواحل والدواب".
وأما الأجير المتصدي في الأسواق، والمتصدي للعمل بالأجرة للعام والخاص فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدعي ضمان ما أخذ، وإما أن يدعي رده، وإما أن يختلف مع ربه في صفة العمل.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا ادعى ضمان ما أخذوا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يغيب على عمل يعمله في داره أو في حانوته، وإما أن يعمله بحضرة صاحبه، وإما أن [يدعوه] (١) رب الشيء إلى داره، فيعمله عنده.
أما إذا غاب على العمل في بيته أو في حانوته ثم ادعى ضياع ما أخذ فلا يخلو من أن تقوم له بينة على الضياع أم لا.