ذوات القيم. ووجه قول ابن القاسم.
والثاني: أن الغزل من ذوات القيم كالثوب المنسوج منه، ولا احتفال يكون الغزل منسوجًا كما لم ينظر إلى تماثله من جهة [] (١) وعدل فيه إلى القيمة حتى يتحقق الضبط، ويحقق الخيط؛ فكذلك لا اكتراث بكون الغزل موزونًا؛ لأن التماثل يتعذر لاختلاف أصله.
واختلف إذا وجد مثل الغزل، وقدر على نظيره على قولين:
أحدهما: أن الواجب القيمة على كل حال؛ لأن الغزل لا يكاد يتساوى في الغلظ والرقة والضعف والقوة، وإن وجد المثل كان نادرًا، والنادر يعطى له حكم غالب على مشهور مذهبنا؛ إذ القواعد لا تنقض بعد تأسيسها بآحاد المسائل، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وهو الأظهر في النظر.
والثاني: أن ابن القاسم إنما تكلم في الغالب، وأنه إذا وجد المثل قضى له به، ويكون عليه أن ينسجه ثمانية بالأجرة الأولى، وهو قول ابن حبيب تأويلًا على ابن القاسم.
والجواب عن الموضع الثاني: في الإجارة، هل تنفسخ بينهما أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن الإجارة تنفسخ بينهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن الإجارة ثابتة بينهما، وهو قول أصبغ، وهو ظاهر قول الغير في "الكتاب".
стр. 2907
والثالث: التفصيل بين أن يريده للباسه، فتنفسخ الإجارة [] (١) فهي ثابتة، فلا تنفسخ بينهما، وهذا القول حكاه اللخمي، ولم يسم قائله.
وينبني الخلاف: على الخلاف الذي قدمناه في الغزل التالف يقضي له فيه بالمثل أو بالقيمة على قولين.
فعلى القول بالقيمة فتنفسخ بينهما؛ لأنه غزل معين، فإذا ذهب العين بطل العقد المختص به كرضاع الصبي، وتعليم الغلمان.
وعلى القول بالمثل فلا معنى للفسخ؛ لأن مثل الشيء كعينه.
والجواب عن الموضع الثالث: إذا اختار أخذ الثوب، هل عليه جميع الأجرة أو بحساب ما عمل؟
على أربعة أقوال:
أحدها: أن عليه جميع الأجرة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن له من الأجرة بحساب ما عمل، وهو قول الغير في "الكتاب" حيث قال: ينظر إلى أجرة مثله فيما شرط وأجرة مثله فيما عمل، ويسقط ما بينهما من المسمى.
والثالث: التفصيل بين أن يدخل في جميع الغزل، فيكون له جميع الأجرة كما قال ابن القاسم، أو يدخل فيه بعضه فيكون كما قال غيره، وهو تأويل بعض المتأخرين على ما نقله اللخمي.
والرابع: أن معنى قوله: "إن له الأجر كله" أي: ما ينوب ذلك من المسمى لا أنه يرد إلى إجارة المثل كما ثبت عليه قول الغير، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
وسبب الخلاف: هل ذلك من قبيل العيوب، أو ذلك من قبيل
стр. 2908
النقص، فمن رأى أنه من قبيل العيوب قال: يغرم جميع الأجرة؛ لأنه مخير بين أن يضمن الحائك، أو يأخذ ثوبه، وهذا حكم العيوب، ومن رأى أنه من قبيل النقص قال: إنه يكون له من الأجر بقدر ما عمل.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يزيد على ما كلفه، فإن الجواب ينعكس على ما كان عليه في الوجه الأول؛ فعلى قول ابن القاسم أنه لا شيء له، وعلى قول الغير يكون له الأجر كاملًا، وفيه قول ثالث بالتفصيل بين العامد والغالط؛ فإن تعمد فلا أجرة له، وإن غلط له الأجرة، وهذا القول لبعض المتأخرين، والحمد لله وحده.
стр. 2909
المسألة الثانية في تضمين الصناع والأجراء وغيرهم ممن يقبض مال غيره
ولا يخلو قابض المال من وجهين: إما أن يقبضه بإذن ربه، أو بغير إذن ربه.
فإن قبضه بغير إذنه، فلا كلام فيه؛ لأنه متعد، وهو ضامن بالتعدي.
فإن قبضه بإذنه فعلى وجهين: إما أن يقبضه على وجه التمليك المؤبد أو على غيره.
فإن كان على وجه التمليك المؤبد؛ مثل أن يشتريه شراء فاسدًا، أو صحيحًا، أو يوهب له، أو يتصدق به عليه، فهذا لا خلاف في المذهب أيضًا أن ضمانه على تفصيل في البيع الفاسد، وقد قدمناه في موضعه.
وأما إن قبضه على غير وجه التمليك، فذلك على ثلاثة أوجه: إما أن يأخذه لمنفعة نفسه على الخصوص، أو لمنفع ربه على الخصوص، أو لمنفعتهما معًا.
فإن قبضه لمنفعة نفسه على الخصوص، فلا يخلو من أن يقبضه لينتفع به أو يرد بدله، أو لينتفع به، ويرد عينه.
فإن قبضه لينتفع به ويرد بدله كالقرض فهو ضامن على كل حال.
فإن قبضه لينتفع به ويرد عينه كالرهن والعارية فهذا يضمن ما يغاب عليه إلا أن تقوم بينة أن التلف بغير سببه، ولا ضمان عليه إلا أن يثبت أن التلف من جهته.
وأما إن قبضه لمنفعة ربه على الخصوص فلا ضمان عليه فيه -كان مما
стр. 2910
يغاب عليه أم لا، قبضه على التصرف كالصناع، أو على غير التصرف فيه كالودائع.
فإن قبضه لمنفعتهما معًا، فإنه يغلب منفعة رب المال، ويصدق القابض -كان مما يغاب عليه أم لا، قبضه على التصرف فيه كالقراض، أو على غير التصرف فيه كالشيء المستأجر لينتفع به، أو كالشيء المستأجر عليه على حمله أو رعايته أو على استعماله- إلا في مسألتين: الصانع المتصدي، والأجير على حمل الطعام.
وأما الأجير على حمل الطعام، فإنه يضمن إذا ادعى التلف لما يعلم بالعادة لتسارع الأكرياء من مد اليد إلى تفويت الطعام مع غيبة المالك حتى إذا قامت البينة أن الضياع من غير سبب المكري، أو كان رب الطعام صحبته فلا ضمان عليه في تلك الحال على ما سنزيده وضوحًا وبيانًا في "كتاب الرواحل والدواب".
وأما الأجير المتصدي في الأسواق، والمتصدي للعمل بالأجرة للعام والخاص فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدعي ضمان ما أخذ، وإما أن يدعي رده، وإما أن يختلف مع ربه في صفة العمل.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا ادعى ضمان ما أخذوا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يغيب على عمل يعمله في داره أو في حانوته، وإما أن يعمله بحضرة صاحبه، وإما أن [يدعوه] (١) رب الشيء إلى داره، فيعمله عنده.
أما إذا غاب على العمل في بيته أو في حانوته ثم ادعى ضياع ما أخذ فلا يخلو من أن تقوم له بينة على الضياع أم لا.
стр. 2911
فإن قامت له بينة على الضياع، فهل يضمن أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه ضامن؛ قياسًا على قول أشهب في الرهان، والعواري أنه ضامن مع قيام البينة.
فإن لم تقم البينة على التلف، فلا خلاف في المذهب أنه ضامن، وأن تضمين الأجراء، والصناع المنتصبين مصلحة للعامة؛ لأن بهم إلى الاستعمال مشقة بأجرة أو مضرة حافزة، فلا يتأتى في العامة منصبًا للخياطة، والحياكة، والقصارة، فاقتضت المصلحة تضمينهم سواء عملوه بأجر، أو بغير أجر.
فإن اشترط الصانع إسقاط الضمان، وأنه مصدق في الضياع، هل يوفى له بشرطه [أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يوفى له به] (١) وهو قول مالك، وابن القاسم في "الموازية" وغيرها.
والثاني: أنه يوفى له به، وهو قول أشهب.
وعلى القول بأنه لا يوفى له بشرطه، هل يفسخ الشرط والإجارة أم لا؟.
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الإجارة والشرط باطل.
والثاني: أنه إن أسقط الصانع الشرط صحت الإجارة، وإن تماسك به
стр. 2912
فسخت إن لم يعمل، فإن عمل كان له الأكثر من المسمى أو إجارة المثل.
والثالث: أن الإجارة فاسدة، ويفسخ مع القيام، وإن أسقط الصانع الشرط، ويكون له مع الفوات أجرة المثل -قلت أو كثرت- قياسًا على قول مالك إذا استؤجر على رعاية غنم، وعلى أنه غير مصدق فيما هلك حيث قال: الإجارة فاسدة وله أجرة، ولا فرق بين إسقاط الضمان فيما فيه الضمان، أو وجوب الضمان فيما لا ضمان فيه.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف الذي قدمناه في بياعات الشروط.
وأما إذا عمله بحضرة صاحبه في حانوت نفسه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول الصانع ولا ضمان عليه، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في "كتاب الجعل"، والإجارة في الطعام المستأجر على حمله إذا كان معه صاحبه.
والثاني: أنه ضامن كما عمله بغير محضر من صاحبه، وهو قول ابن حبيب في كتابه.
وسبب الخلاف: هل يغلب كون الصانع مشتركًا بصنعته في حانوت نفسه، أو يعتبر حضور صاحب الشيء معه، وملازمته إياه؛ فكأنه لم يأمنه على متاعه، وأما إن دعاه إلى داره ليعمله عنده كان القول قول الصانع إذا ادعى التلف، وسواء حضر صاحب المتاع في حين التصنيع عنده، فهو المصدق؛ لأنه هاهنا أجير خاص لمن استعمله في داره، وليس بأجير مشترك حتى إذا جلس في حانوت نفسه يكون عند ذلك أجيرًا مشتركًا، وهو قول ابن القاسم ومالك في "الكتاب".
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا ادعى الصانع رد ما أخذ للعمل فلا يخلو من أن يدعي رده إلى ربه، أو ادعى دفعه تصادقا
стр. 2913
على أنه أمره بدفعه إليه.
فإن ادعى الصانع الرد إلى رب الشيء، وينكر هو أن يكون قد قبضه، فهل يكون القول قول الصانع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول صاحب الشيء، والصانع مدع [] (١) وابن القاسم في "المدونة".
والثاني: التفصيل بين أن يقبضه ببينة فلا يقبل دعواه الرد إلا ببينة [] (٢) بينة، فيقبل قوله في الرد، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن حبيب"؛ فأجراه على حكم الودائع، وقول [] (٣) وسواء عنده قبضه ببينة أو بغير بينة إلا أن يقيم البينة على الرد.
فإن ادعى الدفع إلى غير [] (٤) وقد تصادقا على الإذن بالدفع إليه؛ مثل أن يأذن الخياط أن يسلم الثوب بعد الفراغ لغسال، أو صباغ [] (٥) بالدفع إليه من أن يصدقه على القابض أو يكذبه.
فإن صدقه في القبض والدفع، وادعى الضياع [] (٦) فلا يخلو القابض الثاني من أن يكون منتصبًا أو غير منتصب.
فإن كان منتصبًا فإنه يكون ضامنًا إلا [] (٧) على التلف.
стр. 2914
فإن كان غير منتصب، فهل يقبل قوله أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن القابض الأول ضامن [] (١) وقوله في الضياع مقبول بعد يحلف الصانع لقد سلمه إليه، ويحلف الآخر لقد ضاع منه، والقولان [] (٢) وغيره في المذهب.
فإن كذب المأمور له بالدفع بالقبض، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول الصانع، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أن القول قول المأمور بالقبض.
والصانع ضامن لوجهين:
أحدهما: أنه لا يقبل قوله [] (٣) لا يقبل قوله في تسليمه إلى آخر.
والثاني: أنه لا يقبل قول المودع في تسليم الوديعة إلى يد آخر، وفي هذا [] (٤) قوله.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا اختلف الصانع ومن استأجره في صفة العمل؛ مثل أن يستأجره على أن ينسج له سبعة في ستة، وقال الصانع: بل ستة في خمسة، أو اختلفا في الخياطة، فقال أحدهما: عربية، وقال الآخر؛ رومية، أو اختلفا في الصبغ، فقال أحدهما: أحمر، وقال الآخر: أخضر، فلا يخلو من أن ينفرد أحدهما بالأشبه أو يشتركا فيه.
فإن انفرد أحدهما بالأشبه؛ مثل أن يكون الصانع [] (٥) واحدًا، فالقول قول مدعيه من صانع أو صاحب العمل مع يمينه قولًا واحدًا.
стр. 2915
فإن ادعى بكل واحد [] (١) أو لم يدعه واحد منهما لكون الصانع ممن يعمل الصنفين أو ادعى الصانع نوعًا لا يعمل مثله في [] (٢) وادعى رب العمل نوعًا لا يعمله الصانع ولا يحسنه، وكان اختلافهما بعد فوات العمل فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن القول قول الصانع أنه لم يتعد، وأن الإجارة كانت [] (٣) ويسقط عنه حكم التعدي ويستحق المسمى من الإجارة، وهو قول مالك.
والقول الثاني: [] (٤) الصانع في طرح العداء، والقول قول صاحب الثوب في الأخذ، ويكون عليه الأقل من المسمى أو أخذ [] (٥) لا أن يكون المسمى الأقل فلا يمين عليه، وإن أحب الصانع أن يبقى معه شريكًا بالصنعة كان ذلك له، وهو قول [] (٦).
والقول الثالث: أن القول قول صاحب الثوب مع يمينه أنه لم يستأجره على ذلك، ويضمنه قيمة الثوب إن أحب، وهذا القول يؤخذ من "كتاب الوكالات" من "المدونة" من أحد قولي مالك في الوكيل يشتري تمرًا، ويقول: بذلك أمرتني، وقال الآمر: أمرتك بقمح، فقد قال ابن القاسم عن مالك: القول قول الآمر، وكلاهما أمينان؛ هذا أمين على ما يشتريه، وهذا أمين على ما يصنعه، وهو في الصانع أبين إلا أن يقبل قوله؛ لأنه بائع لصنعته ومنافعه؛ فكان القول قول المشتري أنه لم يشتر منه شيئًا [والحمد لله وحده] (٧).
стр. 2916
المسألة الثالثة في تضمين الصناع بالشك
اعلم -أرشدك الله- أن هذه الترجمة تشكل على المستطرف صورتها، وعلى الشادي حقيقتها؛ فالأولى صرف العناية إلى شرحها ليزول الإشكال عنها، وبيان ذلك في ثلاث صور:
أحدها: أن يعلم أصل السبب نفسه.
والثانية: إذا أشكل السبب.
والثالثة: أن يتيقن السبب نفسه، ويشكل وجهه.
فالجواب عن الصورة الأولى: إذا علم السبب وجهل تناوله المجمل المتداعى فيه، مثل أن يسرق بيت الصانع أو يحترق، أو تغرق مركبه، وادعى الصانع حضور الثوب في تلك الواقعة، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة أم لا.
فإن لم يثبت ذلك ببينة، ولا كان إلا مجرد دعواه، فإنه يضمن قولًا واحدًا في المذهب.
فإن ثبت ذلك ببينة عاينت الثوب في النار حتى احترق أو حتى سرق، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان على الصانع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: التفصيل بين السرقة والحريق؛ فيضمن في الحريق دون السرقة، وإن عاينت البينة الثوب في النار؛ لاحتمال أن يكون من سببه،
стр. 2917
وهو قول مالك في "الموازية".
ووجه قول ابن القاسم: أن النار غالبة فاعلة بنفسها؛ فأشبهت الفأر والسوس.
ووجه قول مالك: أن النار سببها الإنسان وهو موقدها، وإن إحراقها يحتمل أن يكون لأجل تصرفه بها، فيسقط منها ما أحرق، أو لكونه أوقدها بقرب ما أحرقت.
والجواب عن الصورة الثانية: إذا أشكل السبب؛ مثل أن يأتي بالثوب وبه أثر مبهم، فيدعي أنه من قرض فأر، أو حرق نار، ولم يتبين ذلك للناظر فيه، فإنه لا يضمن قولًا واحدًا في المذهب فيما علمت.
والجواب عن الصورة الثالثة: إذا تيقن السبب نفسه، وأشكل وجهه كالفران يأتي بالخبز محروقًا فيدعي أنه مغلوب، أو يرى الثوب في النار، ولم يعلم هل السبب اختياري أو اضطراري، أو يرى في الثوب قرض، ولم يعلم هل صنع أم لا، أو غير ذلك مما تبقى فيه وجوه السبب، وعلم عينه، فهل يثبت الضمان أو يسقط؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: إثبات الضمان عليهم تمسكًا بالأصل حتى يتبين خلافه، وهو قول مالك في "الكتاب" في قرض الفأرة.
والثاني: نفى الضمان عليهم لوضوح نفس السبب؛ إذ لا يثبت التعدي بالدعوى، وهو قوله في "الكتاب" في احتراق الخبز عند الفران، وبه قال ابن حبيب [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2918
المسألة الرابعة في الصانع يدفع الثوب إلى غير ربه غلطًا، أو البائع يدفع غير الثوب إلى المشتري غلطا
أما السؤال الأول: إذا دفع غير الثوب إلى غير ربه غلطا: معناه إذا دفع إلى كل واحد منهما غير ثوبه، فلا يخلو حالهما من أربعة أوجه:
إما أن يلبساهما جميعًا، أو لا يلبساهما جميعًا، أو لبس أحدهما دون الآخر. أو فصل أحدهما الثوب الذي أخذ، وقد لبس الآخر ولم يلبس.
فأما الوجه الأول: إذا لبس كل واحد منهما الثوب الذي أخذ فلا يخلو لباسهما من أن يكون لباسًا ينقص تلك الثياب أو لا.
فإن كان لباسًا لا يؤثر في نقصان الثياب ليسارته، فكل واحد منهما يأخذ ثوبه، ولا شيء لواحد منهما على صاحبه، ولا على الصانع.
فإن كان لبساهما لبسًا يؤثر في نقص الثياب فلا يخلو من أن يكونا عالمين، أو جاهلين، أو أحدهما عالم، والآخر جاهل.
فإن كانا عالمين ولبس كل واحد منهما ثوب صاحبه وهو يعلم، وإن اختلف نقصان ذلك رجع من له الفضل على صاحبه، وإن لم يكن في القيمة فضل فلا شيء لواحد منهما على صاحبه.
فإن لبسا ولم يعلما، فإن كان بينهما فضل رجع بذلك من له الفضل على الصانع، وهو قول سحنون على ما نقله الشيخ أبو محمَّد.
فإن علم أحدهما وجهل الآخر، فإن الجاهل يرجع على العالم بما نقص اللبس من ثوبه؛ لأنه هو المباشر إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا رجع على الصانع ثم يتبع الصانع ذمة اللابس بذلك، والعالم يرجع على
стр. 2919
الصانع بقيمة ما انتقص من ثوبه في اليسر والعسر، ولا شيء له على الجاهل؛ لأنه لبس بوجه شبهة.
فإن تلف الثوبان عندهما جرى على التفصيل الذي قدمناه في العلم وعدمه؛ فإن علما رجع من له الفضل على صاحبه مع اليسر، ومع العسر يرجعان على الصانع بالفضل.
فإن جهلا فالصانع خاصة يتبع بالفضل.
وإن تلف أحدهما وبقى الآخر فعلى هذا التفسير. وهذا رواية ابن القاسم، وأشهب عن مالك في "الموازية"، وبه قال ابن الماجشون.
وظاهر قول أشهب في "الموازية" خلاف روايته؛ وذلك أنه قال: فإن لبساهما حتى أخلقاهما ضمن كل واحد قيمة الثوب الذي لبس يغرمها لربه، وإن لم يخلقاهما فعلى كل واحد منهما ما نقص لبسه من الثوب الذي لبسه هو، ولا شيء على الصانع، فإن كان أحدهما عديمًا رجع صاحب الثوب على الصانع، وظاهره ألا فرق بين العلم وعدم العلم، والله أعلم.
وأما الوجه الثاني: إذا لم يلبساهما فلا يخلو من أن يكونا قائمين، أو فائتين.
فإن كانا قائمين، فإن كل واحد منهما يرد الذي عنده، ويأخذ متاعه.
فإن كانا فائتين فلا يخلو من أن يكون فواتهما بسبب سماوي أو بسبب آدمي.
فإن كان بسببه فعلى ما قدمناه في فضل اللباس.
فإن كان بسبب سماوي، فالتفصيل بين العلم وعدمه؛ ففي العلم يكون مراجعة بينهما مع اليسير ولا شيء لها على الصانع إلا في عسرهما
стр. 2920
أو عسر أحدهما، وفي الجهل قولان:
أحدهما: كالعلم على ظاهر قول أشهب.
والثاني: مراجعتهم على الصانع خاصة، وكل واحد منهما يتبعه بقيمة ثوبه.
وأما الوجه الثالث: إذا لبس أحدهما دون الآخر فعلى التفصيل والتحصيل الذي قدمناه؛ فإذا لبسا أو لم يلبسا، وقد علما أو جهلا؛ فلا فائدة للتكرار.
وأما الوجه الرابع: إذا فصل أحدهما الثوب الذي أخذ وقد لبس الآخر، أو لم يلبس: أما اللباس فقد تقدم حكمه، وأما التفصيل إذا فصل أحدهما الثوب الذي أخذ من عند القصار مثلًا وخاطه فلا يخلو ما أحدث فيه الآخر من أن يكون قد زاد في ثمنه، أو نقص منه.
فإن زاد في قيمة الثوب فصاحب الثوب بالخيار أن يدفع أجرة خياطته، ويأخذ ثوبه، ويعطي القصار الأجرة، ولا يرجع عليه بأجرة الخياطة، فإن أبى أن يدفع أجرة الخياطة فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أن الخيار للذي خاطه بين أن يعطيه قيمته صحيحًا، أو يسلمه بخياطته على قولين:
أحدهما: أن الخيار للذي خاطه بين أن يعطيه قيمته صحيحًا، أو يسلمه بخياطته، فإن أسلمه كان صاحب بالخيار بين أخذه أو تركه، ويضمن القصار، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية" وغيرهما.
ويخيره الخياط بين غرم قيمته، أو يسلمه مخيطًا، ووقع في بعض روايات المدونة من رواية عبد الجبار.
стр. 2921
والثاني: أن رب الثوب إذا دفع أجر الخياطة فليس له إلا تضمين القصار، فإن ضمنه قيل للقصار: ادفع أجر الخياطة إلى الذي خاطه وخذه، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه قيمة الثوب، فإن أبي هل يكونا شريكين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما يكونا شريكين، وهو قول سحنون في أن رب الثوب ليس له إلا تضمين القصار إذا أبى من دفع أجر الخياطة، وفي أن القصار والخياط يكونان شريكين.
والثاني: أنهما لا يكونان شريكين، وأن القصار إذا ضمنه رب الثوب، فلا مراجعة بينه وبين الخياط، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وقول سحنون وقع في بعض روايات المدونة، وهو منصوص في كتب المذهب.
فإن كان ما أحدث فيه نقص من ثمنه، واختار ربه أخذه هل يغرم أجر الخياطة أم لا؟
على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يأخذها حتى يغرم أجر الخياطة جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: التفصيل بين أن تنقصه الخياطة أو لا تنقصه؛ فإن نقصته فإن له أجرة ولا غرم عليه للخياطة، وهو قوله في بعض روايات "المدونة"، وهو قول مشهور في "كتاب محمَّد" وغيره، والثاني أنه لا شيء في الخياطة، وإن زادت قياسًا على أحد القولين فيمن استحق حبه وقد طحن أنه له أخذه ولا شيء على المستحق؛ لأن الطحن والخياطة ليسا بصنعة أضيفت إليهما كالصبغ.
стр. 2922
فإن قطعه ولم يخطه حتى تفطن له، وقد نقصه القطع هل يغرم للقاطع ما نقصه القطع إذا اختار ربه أخذه مقطوعًا أم لا؟
على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا شيء له على القاطع -زاد أو نقص- وهو قول ابن القاسم.
ووجهه أنه لما كان قادرًا على أخذ قيمته من القصار صحيحًا، ولا يكون للقصار على القاطع شيء؛ لأنه سلطه على القطع، ووجب أن يتنزل رب الثوب منزلة القصار.
والثاني: أن للقصار أن يضمنه قيمة القطع قياسًا على قول محمَّد في "الكتاب" فيمن اشترى ثوبًا، فأعطاه البائع غيره فقطعه المشتري أن عليه قيمة القطع يريد: لأن البائع سلمه، وهو يرى أنه مجبور على تسليمه؛ وكذلك القصار كأنه مجبور على التسليم.
والثالث: أنه لا شيء على القاطع، وإن كان القصار عديمًا؛ قياسًا على أحد القولين فيمن اشترى عبدًا فقتل رجلًا خطأ أن له أن يرده بالعيب، ولا شيء عليه من دية المقتول.
فعلى القول بأنه لا شيء عليه من قيمة القطع، فإن اختار تضمين الخياط قيمة ثوبه، هل يغرم قيمته صحيحًا أو مقطوعًا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمته صحيحًا، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، وهذا مخالف لقوله: إنه لا يغرم لنقص القطع.
والثاني: أنه يغرم قيمته مقطوعًا، وهذا القول موافق لقوله لا يغرم للقطع شيئًا، والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني: في البائع يدفع غير الثوب الذي باع
стр. 2923
غلطًا، فلا يخلو الثوب من أن يكون قائمًا بيده، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا بيده، فإنه يرده، ويأخذ الذي اشترى.
فإن فوته المشتري بالقطع أو غيره، فلا يخلو الثوب الذي أخذ منه المشتري من أن يكون أعلى من الثوب الذي اشترى أو دونه.
فإن كان أعلى، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون للمبتاع بثوبه، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وقال مالك في العتبية؛ لأنه يقول أردت ثوبًا بدينارين، ولم أرد ثوبًا بعشرين.
والثاني: أن للبائع أخذ الثوب مقطوعًا بلا غرم، ويدفع للمشتري ثوبه الذي اشتراه، وهو قول ابن ميسر في "العتبية" وهو قول مالك، وابن القاسم في "المدونة" ولم يفصل.
فإن كان الثوب الذي أخذ منه المشتري دون الثوب الذي اشترى، فالمبتاع مخير بين أن يرده، ويأخذ ثوبه، أو يتماسك؛ فإن اختار رده وقد نقصه القطع هل يرد معه ما نقصه القطع أم لا؟
على قولين قائمين من "الكتاب":
أحدهما: أنه يرده، ولا شيء عليه في القطع؛ لأن القطع ليس بزيادة ولا نقصان، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يرد معه ما نقص القطع، وهو قول مالك في "العتبية".
فإن اختار التماسك، هل يغرم قيمته يوم القطع أو يوم أخذه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمته يوم أخذه، والقولان لمالك في "العتبية".
стр. 2924
فإن اختار التماسك فله أن يأخذ ثوبه الآخر الذي اشترى، وله أن يتركه؛ لأنه يقول: إنما أردت ثوبًا، ولم أرد ثوبين، وهكذا قال مالك في "العتبية".
واتفقوا إذا خاطه بعد القطع، واختار الرد أن صاحبه البائع لا يأخذه حتى يغرم أجر الخياطة، والخلاف فيما نقصه القطع هل يغرمه المشتري أو لا يغرمه؛ يبنى على الخلاف في المخطئ في مال نفسه، هل هو كالمخطئ في مال غيره أم لا؛ فمن رأى أنه كالمخطئ في مال غيره، فقال: يغرم المشتري ما نقصه القطع، وليس خطأ المشتري بالذي يضع عنه أرش تلك الجناية، وإن كانت قد استندت إلى إذن المالك غير أن ذلك الإذن صدر على وجه الخطأ لا على وجه الإذن والرضا المحض؛ لأن ذلك منه ظن أن الثوب للمشتري، ومن رأى أنه ليس كالمخطئ في مال غيره، قال: لا يلزم المشتري ما نقصه القطع؛ لأن البائع سلطه على القطع بتسليمه الثوب إليه.
وقد وقع في المدونة مسائل تنبني على هذا الأصل منها: قوله في "كتاب المرابحة" فيمن اشترى بمائة وعشرين ثم أخطأ، فباع بمائة وعشرة مرابحة، وفاتت السلعة بيد المشتري، فقال ابن القاسم: له قيمة سلعته ما لم تكن أكثر من مائة وعشرين وربحها أو أقل من مائة وعشرة يربحها، فجعله في هذه المسألة كالمخطئ في مال غيره.
وله في "كتاب الوكالات" خلاف هذا في الذي دفع إلى رجل مائة دينار يشتري له بها جارية، فاشترى جارية [بمائة] (١) وخمسين فأخطأ فلم يخبره بزيادة الخمسين حتى أجلها الآمر، فقال ابن
стр. 2925
القاسم: لا شيء للمأمور في ذلك فأخذه بخطئه، ولم يجعله كالمخطئ في مال غيره، وقال سحنون: هي كمسألة المرابحة [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2926
المسألة الخامسة في الحكم بين أهل الذمة
ولا يخلو ما يظَّالموا فيه من أحد وجهين:
إما أن يكون مما هو حق لله تعالى، أو مما هو حق للآدميين.
فإن كان مما هو حق لله تعالى كالدماء والربا، والفروج، والطلاق، والعتاق، فلا يخلو من أن يطلبوا أن يحكم بينهم بحكم دينهم، أو بحكم الإسلام.
فإن طلبوا أن يحكم بينهم بحكم دينهم، فلا يجوز ذلك ولا يحل بالإجماع.
فإن طلبوا أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، هل يتعرض بينهم أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يحكم بينهم بحكم المسلمين جملة من غير تفصيل، وهو قوله في "كتاب تضمين الصناع" في الحكم بينهم بالربا، و"كتاب الرجم" في المسلم إذا زنا بالذمية حيث قال: يحد المسلم وترد هي إلى أهل دينها، واللذين حكم النبي ﷺ فيهما بالرجم لم يكونا أهل ذمة، وقال في موضع آخر: وإنما حكم بينهم بالتوراة.
والثاني: أن الحكم جائز بينهم بما تقتضيه شريعة الإسلام، وهو قوله في "كتاب العتق الثاني": إذا عتق عبده واعترف بذلك، وأبى أن يرفع يده عن خدمته، وتحاكما إلينا حيث قال: يحكم عليه بعتقه، ويلزم ذلك في الطلاق، والربا وغيرهما من سائر الحدود.
стр. 2927
والثالث: أنه يجوز له أن يتعرض إليهم، ويتصدى للحكم بينهم، ويحكم بينهم بأن لا يلزمهم طلاق ولا عتق ولا ربا، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثالث" من "المدونة" على تأويل بعض الشيوخ على ما بيناه في موضعه؛ وذلك إذا ترافعوا إليه؛ لأن أصل معاوضتهم وعقد أنكحتهم فاسدة في أصلها.
والقول الرابع: التفصيل بين الربا وغيره، فلا يجوز أن يحكم بينهم في الربا، ويجوز فيما عداه، وهو قوله في "كتاب تضمين الصناع"، وهو تأويل بعضهم على قول مالك في "كتاب الغصب" من "المدونة" حيث قال: وترك الحكم بينهم أحب إليّ، قالوا: معناه: في الربا خاصة، وعليه اختصرها بعض المختصرين كأبي سعيد وغيره؛ وذلك أن الربا محرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (١)، فإذا تخاصموا وتحاكموا إليه في طلب استيفائه فلا يساعدهم على ذلك، وهو الأظهر.
وأما لكونهم مخاطبون بفروع الشريعة وذلك يعم جميع ما ذكرناه من الطلاق، والعتاق، وغير ذلك.
وأما ما هو حق للعباد مما يجري بينهم من التظالم، فهل يجوز الحكم بينهم أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون ذلك بعد الترافع إلينا، أو قبل الترافع.
فإن كان قبل الترافع إلينا، فهل يجوز للحاكم التعرض لهم، والحكم بينهم أم لا؟
فالمذهب على قولين:
стр. 2928
من غير ما موضع.
والثاني: أنه يجوز التعرض لهم ودفع الظالم منهم عن المظلوم في امتناع دفع الثمن أو المثمون أو تعدى بعضهم على بعض، وهو ظاهر قوله في كتاب تضمين الصناع من "المدونة" حيث قال: لأن هذا من التظالم الذي لا ينبغي للحاكم أن يتركهم عليه.
فإذا كان ذلك بعد الترافع إلينا، فهل يجب الحكم بينهم أم لا؟
على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يجب على الحاكم الحكم بينهم، وهو ظاهر قوله في "كتاب الغصب" من "المدونة" حيث قال: إذا تظالم أهل الذمة في غصب الخمر قضينا بينهم فيها؛ إذ هي من أموالهم.
والثاني: أنه مخير إن شاء حكم بينهم، وإن شاء ترك، وهو قوله في "كتاب تضمين الصناع".
والثالث: أن ترك الحكم بينهم أولى من الحكم بينهم، وهو ظاهر "المدونة".
وقد قال في بعض روايات "المدونة": وترك الحكم بينهم في كل شيء أحب إليّ، وهو تأويل بعضهم أيضًا على ما في "كتاب الغصب"، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2929
المسألة السادسة في الذي وقع له رطل زيت في زق زنبق، والشعير يختلط مع القمح
أما الزيت مع الزنبق فقد اختلف المذهب في صفة الحكم بينهما على قولين في "المدونة":
أحدهما: أن صاحب الزنبق بالخيار بين أن يغرم رطل الزنبق لصاحب الزيت أو يسلم له رطلًا من زق الزنبق، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يلزم صاحب الزنبق أن يشتري له مثل ذلك الزيت، ولا أن يعطي تلك المكيلة من ذلك الزنبق، ولكن يباع فيقسمان الثمن على قيمة الزيت والزنبق هذا بقيمة زنبقه معيبًا؛ لأن الزيت يعيب الزنبق لا محالة -وهذا بقيمة زيته إما معيبًا، وإما سليمًا على حسب نظر أهل المعرفة، وهو قول سحنون في "الكتاب" أيضًا.
وأمَّا القمح والشعير فيختلطان فلا يخلو من أن يكون بتعد أو بغير تعد.
فإن كان بغير تعد من أحد، فإنهما يكونان شريكين فيه على القيمة هذا بقيمة قمحه معيبًا، وهذا بقيمة شعيره غير معيب، فيباع ويقسمان الثمن على تلك القيم قولًا واحدًا.
فإن تراضيا على قسم المخلوط فلا يخلو من أن يقسماه على القيم أو على قدر المكيلة.
فإن اقتسماه على القيم، فلا يجوز؛ لأن ذلك ربا، وكل واحد منهما
стр. 2930
قد أخذ بعض متاع صاحبه؛ وذلك يؤدي إلى التفاضل في الجنس الواحد، وهو حرام.
فإن اقتسماه على قدر المكيلة، هل يجوز ذلك أم لا؟، فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: الجواز؛ لأن كل واحد منهما أخذ قدر حقه، ولا تفاضل في ذلك.
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك مخاطرة، وكل واحد منهما لا يدري ما يصح له من القمح، وما يصح له من الشعير؛ وذلك عين المخاطرة.
فإن اختلط بتعد، فلا يخلو من أن يكون بتعد من أحدهما أو بتعدي أجنبي.
فإن كان بتعد من أحدهما، فإن المتعدي يكون ضامنًا لكل ما استهلك.
فإن كان بتعدٍ من أجنبي، فلكل واحد منهما اتباع المتعدي بمثل ما استهلك بالخلط، ويكون الطعام المخلوط له، وهذا إذا كان له مال.
فإن لم يكن له مال، فإن الطعام المخلوط يباع عليه، ويشتري لهما بثمنه مثل طعامهما، فما عجز اتبع به، وما بقى من الثمن كان له.
فإن طلب أن يباع لهما، ويقسما ثمنه على قيمة ما لكل واحد منهما، فالمذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول أشهب، وهو أظهر في النظر؛ لأن كل واحد منهما انتقل من مكيلة معلومة إلى مكيلة مجهولة؛ إذ لا يدري كم يقع له من ثمن القمح، والشعير إذا بيع، وذلك من باب انتقال
стр. 2931
المعقول إلى المجهول.
فإذا رفع الضمان إلى أن يكون لهما المخلوط يقسمانه علي طعام كل واحد منهما، هل يجوز ذلك؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز لهما، وهو قوله في "كتاب محمَّد" بناء على أن التضمين إنما هو حق لهما، فإذا رفعا التضمين كان لهما قسمة ذلك على الكيل بالتراضي.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو تأويل سحنون على قول أشهب.
واحتج أشهب بقول: لو قال أحدهما: أنا آخذه كله، وأغرم لصاحبي مثل طعامه أن ذلك لا يجوز؛ فكأنه أخذ بما وجب له على المتعدي قمحًا وشعيرًا على أن يعطي عن المتعدي شعيرًا؛ ولأن أحدهما لو اتبع المتعدي بمثل طعامه لم يكن للآخر أن يقول: أنا أكون لك شريكًا.
فإذا رفعا جميعًا العداء عنه، وقد ترتب حق كل واحد منهما في ذمة المتعدي، وصار الطعام المخلوط له، فلا يجوز لمن له قمح أن يأخذ قمحًا وشعيرًا عن قمح، ولا لمن له شعير أن يأخذ قمحًا وشعيرًا عن شعير، والحمد لله وحده.
стр. 2932
كتاب الجعل والإجارة
стр. 2933
كتاب الجعل والإجارة
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى في البيع والإجارة
وإذا باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر له المشتري في ثمنها سنة، فقال في "الكتاب": إن ذلك جائز إن كان اشتراط إن تلف المال أخلفه البائع حتى يتم عمله بها سنة، وإلا فلا خير في ذلك، فهذا نص قوله في "المدونة"، وشبهها بمسألة الراعي؛ فالكلام في هذه المسألة على خمسة أسئلة:
أحدها: خلف المال وإخراجه من الذمة.
والثاني: معرفة الصنف الذي يتجر فيه.
والثالث: الحكم في الوضيعة والربح.
والرابع: إذا استحقت السلعة، أو ظهر بها على عيب.
والخامس: موت المشتري أو مرضه قبل أن يوفى المدة.
فالجواب عن السؤال الأول: في خلق المال إن تلف قبل انقضاء المدة، فلا يخلو حالها بين العقد من ثلاثة أوجه: إما أن يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، وإما أن يشترط ألا يخلفها، وإما أن يهمل الأمر.
فإن اشترط خلف الدنانير إن ضاعت قبل تمام المدة، فلا إشكال في جواز ذلك وصحته على القول باجتماع الإجارة والبيع، وهو مشهور المذهب، وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب قولًا
стр. 2934
بالمنع، وهو من شواذ المذهب.
ويستحب للمشتري أن يشهد على إخراج الثمن من ذمته إلى أمانته، ويقبل قوله فيما يدعيه من تلف أو خسران.
فإن لم يشهد على إخراجه، فلا تخلو ملابسته للتجارة من أن تكون مما يظهر أنه يتجر للبائع أو يشكل أمره.
فإن كان مما يظهر أنه للبائع يتجر؛ مثل أن يكون قد سمى له نصفًا لا يتعداه في المتجر أو كان قبل ذلك لا يشتغل بالتجارة، فعند معاملته للبائع اشتغل بها، وحبس في دكان يبيع ويشتري، ويكلف الأسفار، وشد الرحال إلى الأقطار مما لم تكن عادة، فإن ذلك يقوم مقام الإشهاد قولًا واحدًا.
فإن ادعى وديعة قبل قوله، وإن أتي بربح أخذ منه.
فإن أشكل أمره وجهل حاله، ولا يدري هل لنفسه يتجر أو للبائع، فهل يقبل قوله إن ادعى الضياع أم لا؟
فلا يخلو من أن يدعيه قبل الاشتغال أو بعده.
فإن ادعى ضياع المال قبل أن يشغله في البيع والشراء فلا يصدق، وإن ادعى ضياعه بعد الاشتغال صدق، ويؤخذ منه الربح إن جاء به، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" فيمن أمر غريمه أن يشتري له بما له عليه من الدين سلعة، فقال المشتري: قد اشتريتها وضاعت إن القول قوله، يريد: لأنه مؤتمن على الشراء، فكان القول قوله أنه فعل ما اؤتمن عليه، وهو في مسألتنا أبين؛ لأنهما لو شاءا أن يعقدا البيع على ما أتي به الآن من الثمن وربحه جاز، بخلاف الدين يتقرر في الذمة على أن يتجر فيه، ثم يتجر فيه بعد ذلك، فذلك يتهم فيه إلى أن يقصد فيه إلى سلف
стр. 2935
جر نفعًا.
وأما الوجه الثاني: إذا اشترط البائع ألا يخلفها إذا ضاعت وأن يحاسبه بقدر ما عمل فلا يخلو من أن يكون البائع ممن يتعذر عليه الخلف أو لا يتعذر عليه.
فإن كان ممن يتعذر عليه الخلف جاز ذلك، وإن كان ممن لا يتعذر عليه فلا تخلو الإجارة من أن تكون يسيرة أو كثيرة.
فإن كانت كثيرة مثل نصف عين السلعة فأكثر، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك بيع بثمن مجهول؛ إذ لا يدري هل يبقى له الثمن إلى انقضاء أمد الإجارة أو يتلف قبل ذلك فيؤل الأمر إلى أنه باع سلعته بثمن مجهول.
فإن كانت الإجارة يسيرة فالمذهب يتخرج في جوازه على قولين: أحدهما: الجواز، والآخر: المنع.
وينبني الخلاف على الخلاف في الغرر اليسير هل يؤثر في عقول المعاوضات أم لا؟
وأما الوجه الثالث: إذا أهمل الأمر، ولم يتعرض لاشتراط الخلف، ولا إسقاطه هل يجوز العقد والحكم يوجب الخلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا باشتراط الخلف، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أول "كتاب الجعل والإجارة".
والثاني: أنه يجوز، وإن لم يشترط الخلف والحكم يوجبه، وهو قول سحنون، وأصبغ، وابن حبيب، وهو قائم من "المدونة" من غير ما موضع أن الإجارة لا بموضع المناولة إلا في أربع مسائل، وقد ذكرناها فيما
стр. 2936
سلف من الكتاب.
والجواب عن السؤال الثاني: في معرفة الصنف الذي يتجر فيه فلا ثلاثة شروط:
أحدها: أن يسمى صنفه.
والثاني: أن يكون مأمون الوجود في الشتاء والصيف.
والثالث: أن يكون المشتري ممن يريد التجر متصلًا في الشراء والبيع.
فإن انخرم شرط من هذه الشروط فسد العقد.
وقولنا أن يكون التجر متصلًا احتراز من أن يشتري شيئًا، فيرفعه ينتظر به الأسواق، فإن لا يجوز؛ لأنه غرر وخطر؛ إذا لا يدري هل يتغير سوقه في السنة مرة أو مرتين أو أكثر، أو يكسد جملة فيتخرج السنة ولم يبع فلا يدري ما باع من منافعه ولو شطر أنه يتجر فيه في تلك السنة مرتين لم يجز أيضًا؛ لأنه فقد بعض السلعة من منافع رجل بعينه يقتضيها إلى الأجل.
والجواب عن السؤال الثالث: في الربح والوضيعة إذا كان في المال: أما الربح فلا يخلو من أن يشترط عليه العمل به في المال، أو لم يشترط.
فإن اشترط العمل به مع المال جاز ذلك إذا كان أمرًا معروفًا متعارفًا متلاحقًا بعضه ببعض، ويجري فيها قول آخر أن ذلك لا يجوز؛ لأنه غرر وحظر؛ إذ لا يدري هل يكون أو لا يكون؟ فإذا كان هل يقل أو يكثر؟ وهو الأظهر في النظر.
فإن لم يشترط العمل فيه مع المال، فالحكم فيه كالحكم في ولادة الغنم في حكم الرعاة، وقد قال في حكمهم أنهم يحملون على العرف إن كان هناك عرف، وإلا فلا يلزمهم الرعي إلا بأجر؛ لأن ذلك زيادة
стр. 2937
عناء وتعب.
وأما الوضيعة، فإن اشترط عليه إن خسر في المال عمل فيها بقى خاصة، وكأنه جميع المال فإنه ينظر فإن كان في أصل العقد، فيفسخ؛ لأن ذلك مخاطرة، فإن كان بعد العقد، فينبغي أن يجوز.
والجواب عن السؤال الرابع: إذا استحقت السلعة المبيعة أو ظهر بها على عيب، ولم تفت السلعة، فإذا كان بعد أن عمل نصف السنة مثلًا كان للمشتري أن يسلم للبائع ما في يديه على هيئته وقت الاستحقاق ووجود العيب، وإن كان عروضًا، ثم يرجع على البائع بمائة دينار، وبأجرة المثل عن الشهور الماضية.
فإن فاتت السلعة في العيب بهبة أو صدقة، أو تلف، فإنه يرجع على البائع بقيمة العيب؛ فإن كانت قيمته العشر رجع بعشرة دنانير، وبعشر قيمة المنافع عن الشهور الماضية، ويسقط عنه الفضل في المستقبل في عشر المائة، ويكون له أن يتجر لنفسه في قدرهما، وإن كان لا يقدر أن يتجر فيها ناحية كان له أن يتجر في جميع المائة، ويلزم البائع قيمة عشر المنافع في المستقبل، ويصير بمنزلة ما لا ينقسم.
فإن فاتت بعيب، فأحب التماسك، فإنه يرجع بقيمة العيب حسبما تقدم لو هلكت أو خرجت من يده، فإن أحب أن يرده رده، وما ينوب العيب من الثمن.
فإن قيل: إنه ينقص العيب الذي حدث عند المشتري العشر من الثمن -وهو التسع بعد طرح قيمة العيب القديم- رجع المشتري بتسعين دينارًا أو قيمة تسعة أعشار المنافع عن الماضي، ويسقط العمل في المستقبل.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا مات المشتري فلا يخلو من أن يموت
стр. 2938
قبل العمل، أو بعد أن عمل نصف السنة.
فإن مات قبل العمل، فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة نظر إلى قيمة الإجارة؛ فإن كانت مائة فأكثر رجع البائع شريكًا فيها بقدر الإجارة، ويرجع الخيار لورثة المشتري، فإن رضوا بعيب الشركة، وإلا رد، وإن كانت الإجارة الثلث فأقل، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البائع بذلك قيمة في مال الميت، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يرجع شريكًا للورثة، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: الثلث هل هو في حيز اليسير، أو في حيز الكثير.
فعلى قول أشهب أنه شريك، فإن الخيار يرجع إلى الورثة لضرر الشركة.
فإن فاتت السلعة، فإنه لا فرق بين القليل والكثير، ويرجع عليهم المشتري بقيمة الإجارة.
فإن مات بعد أن عمل نصف السنة، وقد صار إلى البائع حل الثمن وهو المائة.
ونصف العمل، هل يكون شريكًا للورثة أو يرجع بذلك قيمة؟
على القولين المتقدمين بين ابن القاسم، وأشهب والحكم في مرضه كالحكم في موته [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2939
المسألة الثانية فيمن باع نصف سلعة على أن يبيعه النصف الباقي هل يجوز ذلك أم لا ؟
فقد اضطرب المذهب في ذلك اضطرابًا شديدًا، وتباينت فيه الآثار تباينًا بعيدًا، وجعلت ما فيها من الخلاف بحضرة ثمانية أقوال أكثرها قائمة من المدونة:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة بلا تفصيل ضرب أجل أم لا، وهو قول بعض الرواة عن مالك في المدونة حيث قال: إذا باعه نصف ثوب على أن يبيعه النصف الآخر إنه لا خير فيه، قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلًا؟ قال: فذلك أحرم له، ولم يفصل بين بيعه في البلد وغيره.
والثاني: الجواز جملة بلا تفصيل -ضرب أجلًا أم لا، باع في البلد أو في غير البلد- وهو تأويل ابن لبابة على قول مالك في الموطأ حيث قال: إذا باعه نصف ثوب على أن يبيعه النصف الآخر إن ذلك جائز، قال ابن لبابة: أحسبه يريد ضرب أجلًا في بلدة أو في غير بلدة، وله من الأجر إن لم يضرب أجلًا قدر ما يباع إليه.
والثالث: التفصيل بين البلد وغيره؛ فيجوز في البلد، ولا يجوز في غيره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يضرب أجلًا أم لا؛ فإن ضرب أجلًا جاز، وإن لم يضرب أجلًا فلا يجوز، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا.
والخامس: على عكس الرابع أنه إن ضرب أجلًا، فذلك مكروه، وإن لم يضرب أجلًا فذلك جائز، وهو قوله في مختصر ما ليس
стр. 2940
في المختصر.
والسادس: التفصيل بين ما يعرف بعد الغيبة عليه وما لا يعرف؛ فما يعرف بعد الغيبة كالمعدود من المعروض وغيره من المزروع وغيره، فإنه يجوز، وما لا يعرف بعد الغيبة كالمكيل والموزون من الطعام وغيره فلا يجوز، وهو قوله في المدونة حيث قال مالك: لا بأس بذلك ما خلا الطعام، فإنه لا يجوز.
وقيل: إنه مذهب سحنون، وقد وقعت محاشاة الطعام، والشراب في بعض نسخ المدونة باسم سحنون؛ قال بعض المتأخرين: وكانت رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك أنه لا بأس به في الطعام وغيره ثم أصلحت.
وقال فضل بن سلمة: إنما يجوز فيما لا يكال ولا يوزن مثل قول مالك في "المدونة" وغيرها.
والسابع: التفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم؛ فإن كان مما ينقسم جاز إن ضرب أجلًا، ولا خير فيه فيما لا ينقسم، وإن ضرب أجلًا، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثامن: التفصيل بين أن تكون السلعة التي يبيعها إلى ذلك الأجل بالمنع جملة؛ لأن ذلك معين يتأخر قبضه؛ وذلك أن المشتري لا يقدر على التصرف فيما اشتراه كما يجب، ولا أن يحدث فيه حدثًا مع ما فيه من الخطر والغرر؛ إذ لا يدري هل يبيعها قبل الأجل، فيصح له بعض ما اشترى، وذلك البعض مجهول، ولا يبيع حتى يحل الأجل، فيصح له جميع ما اشترى.
ووجه القول الثاني: بالجواز جملة أن العقد وقع على نعت الجواز،
стр. 2941
وإهمال مقدار الأجل الذي بيع ما بينه، وبين حلوله بقدرٍ كالعرف، ويكون له من الآخر قدر ما يباع إليه على الاجتهاد، وذلك القدر يحط من جملة ما اشتراه المشتري إن باع قبل الوقت المقدر.
ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين بيعه في البلد وغيره أن ذلك من باب التحجير على المشتري؛ إذ لا يقدر على أن يتصرف في حقه حتى يصل إلى ذلك البلد.
وذلك ضعيف لوجود هذا المعنى في البلد تبايعا فيه ومع ذلك جور.
ووجه القول الرابع: التفصيل بين أن يضرب أجلًا أم لا؛ لأنه إذا ضرب أجلًا كان ذلك إجارة، والبيع والإجارة يجوز أن يجتمعا في ظاهر المذهب.
وإن لم يضرب أجلًا كان ذلك جعلًا، والجعل لا يجوز اجتماعهما على مشهور المذهب.
ووجه القول الخامس: أن ذلك جائز إن لم يضرب أجلًا، ويكره إن ضربه؛ لأنه إذا لم يضربه كان البيع ثابتًا، وإن ضربه كان الحكم فيه كالحكم فيمن باع سلعة بدراهم وعروض يسيرة إذا استحق ذلك العرض، هل يرجع بما ينوب ذلك العرض في ذمة بائعه أو في عين سلعته؟
فقد اختلف المذهب في ذلك؛ فمن قال يرجع بذلك قيمة في الذمة قال بجواز البيع في مسألتنا، ويقبض المشتري جميع النصف المشتري، فإن باع في بعض الأجل رجع عليه البائع بما ينوب الإجارة قيمة، ومن قال: إن الحكم الرجوع في عين السلعة لم يجز البيع؛ إذ لا يدري هل يصح له جميع المشتري أو بعضه، وذلك البعض كم هو؟
стр. 2942
ووجه القول السادس: بالتفصيل بين ما يعرف بعد الغيبة، وما لا يعرف أنه إذا كان مما لا يعرف بعد الغيبة عليه كالمكيل والموزون يبقى فيه البيع تارة، والسلف تارة؛ لأنه إن مضى الأجل، ولم يبع صح له جميع المشتري وكان بيعًا.
فإن باع في بعض الأجل فلابد أن يرد جميع المشتري؛ لأنه لم يستوجب جميعه؛ لأن الثمن بعضه عينًا وبعضه إجارة.
فإذا باع في بعض الأجل لم تعرف له جميع الإجارة، فإذا لم تعرف جميعها لم يستحق جميع المشتري.
فإذا لم يستحق جميعه فلابد أن يرد بعضه بعد الغيبة عليه، وذلك عين البيع والسلف فيما مضى فيه البيع، فهو بيع وما رد فهو سلف.
ووجه القول السابع: بالتفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم ملاحظة لما قدمناه في توجيه القول الثالث من التحجير على المشتري فيما اشتراه؛ وذلك أنه إذا باع المبيع مما لا ينقسم كالعبد والدابة، فإن المشتري محجور عليه في التصرف فيما اشتراه؛ بل في قبضه على الجعلة لعدم تمييزه لكونه اشترى مشاعًا فيما لا يمكن قسمه حيًا.
فإن كان مما ينقسم جاز لكونه قادر على القسمة إن شاء؛ إذ لو طلبها لجرى عليها شريكه.
ووجه القول الثامن: بالتفصيل بين المعين والمضمون أنه إذا كان مضمونًا جاز؛ إذ لا يتقي فيه البيع والسلف، ولا الجهل في قدر المشتري؛ لأنه إذا اشترى منه سلعة على أن يبيع له سلعة أخرى غير معينة إلى أجل كذا وكذا، فصار البائع كأنه قد استغرق منافع المشتري في تلك المدة؛ بمعنى أنه إذا باع قبل انقضاء تلك المدة كان للبائع أن يكلف له بيع سلعة أخرى هكذا
стр. 2943
تنقضي تلك المدة، فإذا كانت سلعة معينة عاد الأمر فيه إلى ما قدمناه من الغرر والخطر [والحمد لله وحده] (١).
стр. 2944
المسألة الثالثة في ماهية الجعل وأصل جوازه
فأمَّا ماهيته فهو أن يجعل الرجل للرجل جعلًا على عمل يعمله له إن أكمل العمل كان له جعله، وإن لم يكمله لم يكن له شيء وذهب عناؤه باطلًا، فهذا قد أجازه مالك وأصحابه فيما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمام العمل، وهو في القياس عذرًا إلا أن الشرع ورد بجوازه على ما أحكمته الشريعة كتابًا وسنة، وكان موجودًا في معاملات الناس جاهلية وإسلامًا؛ فأقر النبي ﷺ على فعله، ولم يتعرض لإبطاله مع علمه بذلك؛ إذ لا فرق بين ما يبتدأ في إجارته شرعًا وبين ما يقر على إجارته.
وأيضًا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، والضرورة مستثناة من الأصول، وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأمصار على قديم الأوقات والأعصار.
ومن شروط صحته أن يكون الجعل معلومًا، وأن لا ينقد، وأن يكون مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلًا، فهذه أربعة شروط، وقولنا: "أن يكون الجعل معلومًا" احترازًا من أن يكون مجهولًا.
فإذا كان الجعل مجهولًا والثمن مجهولًا، ولم يكن في الثمن إلى اجتهاد المجعول له لم يجز باتفاق المذهب.
وإن سمى له الثمن أو فوض إليه، ولم يسم الجعل جاز إذا كان هناك عرف جاز، وجاز في جعل مثل ذلك العمل.
وقولنا: "وأن لا ينقد"؛ لأنه إذا انتقد الجعل كان بيعًا تارة، وسلفًا
стр. 2945
تارة، وقد يبيع فيستحق الجعل، وقد لا يبيع فلا يستحق شيئًا؛ إذ لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل.
وقولنا: "وأن يكون لا منفعة فيه للجاعل" احترازًا من أن تكون له منفعة فيما عمله؛ ويؤدي ذلك انتفاع الجاعل بعمل المجعول له باطلًا، وهذا على الخلاف في الجعل على حفر بئر فيما يملك من الأرض، هل يجوز أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز إلا فيما يملك من الأرضين، وهو قوله في "الكتاب" وهو ظاهر المذهب.
والثاني: فيما يملكه من الأرضين وفيما لا يملك، وهو قوله في مسألة المغارسة؛ لأنه جواز المغارسة فيما يملك من الأرض مع جواز عجز الغارس مع تمام غرسه؛ فينتفع الجاعل بعمل المجعول له، ثم إن جاعل الجاعل من يتم له في ذلك العمل، وأنه يكون للمجعول الأول بحساب عمله سواء كان ذلك في حفر أو حمل أو نقل مثل أن يجاعله على حفر بئر، فعجز قبل تمامه، ثم جاعل عليه غيره فأتمه، أو جاعله على نقل خشبة من موضع إلى موضع فجاء بها إلى نصف الطريق فرماها ثم جاعل عليها من يوصلها لربها، فقد قال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": أنه يكون للأول من الجعل بقدر ما عمل مما انتفع به ربها.
وهذا بخلاف البيع إذا عجز عن بيع ما جوعل عليه من السلع إلا أن يبيعها ربها بسوم الأول أو قريب منه فيما قرب من الزمان كبعد يوم أو يومين.
وكذلك إن جاعله على حمل متاع من بلد إلى بلد على معنى البلاغ، ثم عجز في بعض الطريق، ثم وصله ربه أو استأجر عليه من يوصله؛ فعلى ما ذكرناه في البئر والخشب.