← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

المسألة الثالثة فيمن مر برجل فسمعه يطلق، أو يعتق، أو يعترف بحد أو حق من غير أن يشهده المطلق أو المعترف وقد وقع في هذه المسألة في "الكتاب" إشكال، وفيها ألفاظ توهم أن قول مالك اختلف فيها، وأنا أورد عليك نص "الكتاب" حتى يتبين لك محل الإشكال أو ما أوجب الإيهام من الكلام. قلت: أرأيت إن سمع رجل رجلًا يقول: إن لفلان على فلان كذا وكذا، أو يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا أو قال: سمعت فلانًا قذف فلانًا، أو سمعت فلانًا طلق فلانة، ولم يُشهده، إلا أنه مر فسمعه وهو يقول هذه المقالة، أيشهد بهذا، وإنما مر فسمعه يتكلم به، ولم يشهده، قال: لا يشهد بها ولكن إنما مر فسمع رجلًا يقذف رجلًا، أو سمع رجلًا يطلق امرأته ولم يشهداه، قال مالك: فهذا الذي يشهد به، وإن لم يشهداه. قال: ويأتي من له الشهادة فيعلمه أن له عنده شهادة. قال: وسمعت من مالك هذا في الحدود: أنه يشهد بما سمع من ذلك إذا كان معه غيره. وأما قولك الأول في "كتاب الشهادات"، فإني سمعت مالكًا، وسئل عن الرجل يمر بالرجلين وهما يتكلمان في الشيء، ولم يستشهداه فإنه لا ينبغي أن يشهد، قال ابن القاسم: إلا أن يكون استوعب كلامهما؛ لأنه إن لم يستوعبه لم يجز أن يشهد لعل الذي نقله قد كان قبل هذا الكلام كلام يبطله، فيدعوه أحدهما إلى الشهادة فلا يشهد، وهذا نص المسألة في الأمهات.

стр. 3152

واختلف المتأخرون في تأويلهما؛ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره، ورأى أن الذي في "الكتاب" اختلاف قول واضطراب رأي، فيتحصل في المسألة على هذا المذهب أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يشهد وأنه لا فرق بين الحدود والحقوق، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لا يشهد بها. والثاني: التفصيل بين الحدود والحقوق؛ فيشهد في الحدود بما سمع وإن لم يشهداه، ولا يشهد في الحقوق إذا لم يشهداه، وهو قول مالك الأول على ما نص عليه في "كتاب الشهادات". والثالث: التفصيل بين أن يستوعب كلامهما فيشهد، أو لا يستوعبه فلا يشهد، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر قول مالك فيما جوز فيه شهادته إذا استوعب. وأما إذا لم يستوعب الكلام فلا يشهد، قولًا واحدًا. والرابع: التفصيل بين أن يسمع ذلك من شاهد يحكيه أو يسمعه من المباشر, فيستدق أو من القاذف: فيشهد، وإن سمعه من شاهد يحكيه: فلا يشهد، وهو ظاهر قول مالك في المسألة هنا. بيد أن أرباب المذهب اختلفوا في نقل الشهادة عن الشاهد، هل يفتقر إلى إذن الشاهد المنقول عنه أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا بإذنه، وهو نص المدونة في كتاب [. .] و" كتاب الشهادات". والثاني: أنه يجوز ولا يفتقر إلى إذنه، وهو ظاهر قوله في "كتاب

стр. 3153

الأقضية" من "المدونة" حيث قال: إن القاضي المحدث لا ينظر في شيء من أمر البينة التي شهدت عند المعزول وثبت في ديوانه فقال: لا يجوز في شيء من ذلك إلا أن تقوم عليه بينة. قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: قوله: إلا أن يقوم عليه ببينة [. .] (١) على ما ثبت من خط الشهود، فقد أفادت المسألة جواز الشهادة على الخط. وإن كان أراد به إقامة البينة على سماعهم الشهادة من الشهود حين أثبتوها عند القاضي، فقد أفادت المسألة جواز نقل الشهادة، وإن لم يأذن الشاهد المنقول عنه بذلك، وإلى هذا نجا بعض المتأخرين أيضًا، وقال: لا فرق بين أن ينقل عنهما أو قد ذكراها عند الحاكم أو نقلت عنهما، وقد ذكراها عند غير الحاكم. والقول الثالث: أنه يجوز النقل عنهما إذا رفعت عند الحاكم؛ لأن ذلك موضع التحرير والاحتفاظ على الزيادة والنقصان. ولا يجوز النقل عنهما إذا ذكراها في معرض ما حكى له وكثير من الناس من يستعمل في كلامه المعاريض والمزاح الذي هو مباح، ولو علم أنها تنقل عنه لتحقق وتحرز، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين أيضًا. ومنهم من قال: إن ذلك ليس باختلاف قول، وإنما هو اختلاف أسئلة، وإن كلام ابن القاسم تفسير لقول مالك، وليس مراده عندهم بقوله الأول قولًا ثانيًا، واختلافًا من قوليه لتقدم الكلام في المسألة، وسماعه القول في أحدهما قبل الآخر؛ فيكون معنى قوله: وأما على قول مالك الأول يريد بالأول في السماع، لا أنه الأول في الأقوال؛ إذ هي ثلاث مسائل: الأولى: إذا سمع شاهدًا أو شهودًا يذكرون أنهم سمعوا فلانًا يقول

стр. 3154

لفلان: علىَّ كذا وكذا، وسمعنا فلانًا يقذف فلانًا أو يطلق امرأته: فلا يشهد السامع لها ولا الشهود على هذا القول حتى يُشهداه على شهادتهم على ما قدمناه من الخلاف. الثانية: إذا سمعه يقذف رجلًا، أو يطلق زوجته: فهذا يشهد بما سمع إذا كان معه غيره؛ وذلك لأنه في القذف إذا كان وحده، ولم تتم الشهادة على القاذف خشى أن يكون قاذفًا أو معرضًا فيحد. والثالث: إذا سمع رجلين يتراجعان في كلام ويتقاربان في شيء بينهما: فهذا يشهد إذا استوعب كلامهما من أوله إلى آخره كما قال ابن القاسم، ولا يشهد إذا لم يكن كذلك كما قال مالك، وهذا أيضًا يشترط في المسألة التي قبلها، وأنه لا يشهد حتى يستوعب كلامهم في كل شيء؛ لأنه إذا لم يستوعب قوله في الطلاق والقذف أولًا وآخرًا، فكيف يصح له أن يشهد مع الاحتمال أن يكون القائل حاكيًا في غيره، وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في "كتاب محمد"، وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة". والحمد لله وحده.

стр. 3155

المسألة الرابعة في القصاص في الجراح بشاهد ويمين وإذا ادعى على رجل جراحات عمدًا وقطع يد عمدًا في القصاص: فلا يخلو من أن يقوم له على بينة أو لم تقم. فإن قامت له بينة: فلا خلاف في وجوب القصاص فيما يجب فيه القصاص ويتمكن. فإن قام له شاهد واحد، هل يحلف معه ويقتص أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه لا يقتص في الجراح والأعطاب بشاهد ويمين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادات" من المدونة، وهو قول الغير في "كتاب الشهادات". والثالث: التفصيل بين ما صغر من الجراح وما عظم منها؛ فما صغر منها مما ليس فيه عقل مسمى، كما به قال مالك في المبسوط، أو فيه عقل مسمى إلا أنه ليس بمتلف كالموضحة وقطع الإصبع، على قول عبد الملك: فإنه يقتص منه بالشاهد واليمين. وما عظم منها وخيف منه التلف: فإنه لا يقتص فيه بالشاهد واليمين. والرابع: أن الجروح لا يمكن من اليمين، وإنما يحلف الجارح، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" حيث قال: أرأيت إن ادعيت قبل رجل قصاصًا أو أنه ضربني بالسوط، وما أشبه ذلك أيستحلف لي أم لا؟ في قول مالك قال: لا يستحلف إلا أن تأتي بشاهد عدل، فيستحلف لك.

стр. 3156

فانظر فقد جعله في هذه المسألة كالشاهد الواحد على الطلاق أو على العتق؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما يحكم بها في الأموال دون الحدود، والقسامة إنما وردت في النفوس خاصة. ومن رأى أن القصاص يجب بشاهد ويمين المجروح فاسدًا على النفوس، إلا أنها في النفوس خمسون يمينًا، وفي الجراح يمينًا واحدًا. وعلى القول بأن القصاص يجب بشاهد ويمين، فإن نكل المقطوعة يده عن اليمين، ونكل القاطع عن اليمين بعده، هل يقطع أو يحبس؟ قولان: أحدهما: أنه يحبس كالقطع، وهو مذهب المدونة. والثاني: أنه يقطع. وسبب الخلاف: النكول هل هو كالإقرار أم لا؟. وعلى القول بأن القصاص لا يجب بشاهد ويمين: فإن المجروح أو المقطوع يحلف ويأخذ الدية، وهو قوله في "كتاب الشهادات" من "المدونة". وعلى القول بأن القاطع يحلف: فإن نكل عن اليمين، فالذي ينبغي أن يرد اليمين على المقطوعة يده، فيحلف ويستحق القصاص والدية على اختلاف الروايات، ويحتمل أيضًا أن يجري فيه من الخلاف ما يجري في الزوج إذا نكل عن اليمين في الطلاق لكون اليمين في جنبة المشهود عليه في مسألتنا؛ لأنه فيمن أقام شاهدًا واحدًا على رجل بالقذف، فقال: لا يحلف المقذوف، فقيل له: فعلى المشاتم اليمين، قال: نعم فعسى به، وليس كل ما رأى المرء أرادوا معه أن يجعلوه بينة. وأما الوجه الثاني: إذا لم يأت ببينة على القطع ولا شاهد ولا شبهة

стр. 3157

على دعواه: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمين على المدعي عليه، وهو قول مطرف. والثاني: أن عليه اليمين، وهي رواية أشهب عن مالك. والثالث: أنه لا يمين عليه إلا أن يكون مشهودًا بذلك، وهي رواية عبد الملك بن الماجشون والأقوال الثلاثة. فإن نكل عن اليمين على قول من يقول: إنه يحلف إما على الإشهاد أو مع عدمه: فإنه يسجن حتى يحلف، فإن طال سجنه، فإنه كان مشهودًا بالشر مبررًا فيه، فإنه يخلَّى سبيله، وهل يؤدب أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يؤدب على قول أصبغ. والثاني: لا يؤدب، على قول مالك. والحمد لله وحده.

стр. 3158

المسألة الخامسة في يمين العواتق وغير العواتق من النساء، ومن هو في ثقاف الحجر من السفهاء ومعنى العواتق -هاهنا: الأبكار، فاليمين على وجهين: يمين أوجبتها الظنة والشبهة: فلا يتوجه على العواتق وعلى من هو في ثقاف الحجر من السفهاء، فأمَّا اليمين مع الشاهد: فلا يخلو المشهود به من وجهين: إما أن يكون معينًا أو غير معين. فإن كان معينًا فهو على وجهين: مولى عليه، وغير مولى عليه. فإن كان غير مولى عليه: فإنه يحلف مع شاهده، ويستحق الحق الذي يشهد له به سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، ذكرًا، أو أنثى؛ لأنهم لما تساووا في الملك والتصرف وجب أن يتساووا في وجه الاستحقاق. فأمَّا المولى عليه فعلى ضربين: صغير وكبير. فإن كان صغيرًا وانفرد بالحق وحده قبل شاهده، فهل يحلف المشهود عليه أو يوقف الحق حتى يحتلم الصغير, فيحلف: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن المشهود عليه يحلف، وبه قال ابن القاسم في "العتبية"، ورواه مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة". والثاني: أن الحق يوقف إلى بلوغ الصبي، فيحلف ويأخذ، أو ينكل عن اليمين فتسقط دعواه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه". ووجه القول الأول: أن الصغير لما لم يكن من أهل اليمين ثبت اليمين في جنبة المدعى عليه كما لو شهد الشاهد لغير معين.

стр. 3159

ووجه القول الثاني: أنه معين يرجى أن يزول المانع له من اليمين، فينتظر به ذلك أصله المغمى عليه. فعلى القول بأن المطلوب يحلف، فإن حلف بقى الحق عنده سواء كن ذلك الحق معينًا أو ثابتًا في الذمة حتى يبلغ الصغير، فيحلف ما شاهده، فيستحق حقه ما كان منه في الذمة، وما كان معينًا إن كان المعين باقيًا، فإن فات حقه يوم حكم به للصبي إن كان سبب الفوات من الذي هو في يده أو من أجنبي. فإن كان سبب الفوات من عند الله: فلا شيء عليه إلا أن يكون غاصبًا أو متعديًا، ورواه ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وأصبغ. ووجهه: أن الصغير لا يصح منه اليمين؛ فيحلف المطلوب، ويترك الحق عنده، فإذا بلغ الصبي وصار ممن يحلف: حلف مع شاهده كما أمكنه ذلك، ويأخذ حقه. فإن نكل الصبي عن اليمين بعد أن يبلغ، هل يحلف المطلوب مرة أخرى أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يحلف المطلوب مرة أخرى، وهو قول أصحاب مالك في "الموازية"، و"العتبية" وغيرهما وهو مشهور المذهب؛ لأن يمينه بذلك قد تقدمت. والثاني: أنه لابد للمطلوب أن يحلف يمينًا ثانية بعد نكول الطالب. ووجه القول الأول: أن يمين المطلوب لتقدمها في الرتبة عليها، وإنما تقدمت هذه لضرورة توقف تلك اليمين، وإن لم يحلف المدعي: صحت يمين المطلوب، وصح له الحكم بها.

стр. 3160

ووجه القول الثاني: أن يمين المطلوب لتوقف الحق بيده خاصة لما تعذرت يمين الطالب التي يتعجل بها حقه، فإذا حلف الطالب أخذ حقه بشاهد ويمينه، فإن نكل: حلف المطلوب فبرأ من الاستحقاق وقضى له، وإن لم يحلف: قضى عليه بنكوله؛ لأنه لو كانت يمينه أولًا يمين الاستحقاق: لوجب ألا يبقى بعدها للمدعي يمين، فإذا نكل المطلوب عن اليمن أولًا: غرم الحق وأخذ. فإذا بلغ الصبي فغلبه اليمين، فإن حلف: قضى له بحقه، وإن نكل عن اليمين: رد الحق إلى المطلوب، ولا يؤخذ عليه باليمين ثانية، رواه ابن حيب عن مطرف، وابن كنانة، وبه قال ابن المواز. فإذا ثبت ذلك فإن الصغير إذا كبر يحلف مع شاهده على البت، وهل من شرطه أن يقع العلم عنده بصحة ما شهد به الشاهد، فعند ذلك يحلف أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يحلف الوارث على ما لم يحضره، ولم يعلم وهو لا يدري هل يشهد بحق أم لا؟ فيحلف مع شاهده على خبره فيصدقه، كما جاز أن يأخذ ما شهد به الشاهدان من مال وغيره وهو لا يعلم صحة ذلك إلا بقولهما، وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون"، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من غير ما موضع؛ منها أيمان القسامة، فإن الأولياء يقسمون على شهادة الشاهد، أو على قول الميت: دمي عند فلان، وهم على أسرتهم نائمون وفي غفلاتهم متقلبون، ولا يتيقنوا بصحة ما يحلفون عليه. ومنها يمين الصبي إذا ثبت له حق بشاهد واحد قبل أن يولد، فإنه

стр. 3161

يحلف معه على البت إذا بلغ وغير ذلك مما لا يحصى كثيره. والثاني: أنه لا يحلف حتي يقع عنده العلم، ويحصل له بالخير المتواتر، فإن لم يبلغ هذا الحد: امتنع من اليمين، واستحلف المدعي عليه؛ لأنه [لا يصح] (١) لأحد أن يحلف على ما لا يتيقنه، وهو اختيار القاضي أبي الوليد الباجي، قال: وهو ظاهر قول مالك والمعلوم من مذهبه. وصفه يمينه: أن يحلف على حسب ما شهد به الشاهد، فإن شهد بالإقرار: لم يكن له أن يحلف أن له عليه كذا وكذا, ولا أنه غصب منه كذا وكذا, ولكن يحلف بالله لقد أقرَّ له فلان بكذا وكذا، وهو قول محمد بن عبد الحكم. فإن كان المدعى عليه غائبًا: زاد في يمينه أن حقه عليه لباق، وما عنده به رهن، ثم يقضي له بذلك. فأمَّا إن كان المولى عليه كبيرًا، هل يحلف مع شاهده ويستحق حقه، أو يحلف المطلوب أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يحلف مع شاهده، ويستحق حقه، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"، فإن نكل: حلف المطلوب وبرئ، وإن نكل: غرم كالعبد والذمي. والثاني: أن المطلوب يحلف، ويؤخر السفيه، فإذا رشد: حلف مع شاهده إن شاء وقفى له. وإن أبى أن يحلف: لم يكن له على المطلوب يمين، وهي رواية ابن حبيب عن مطرف، وهو الصحيح، وقيل بأن اليمين ترد على المطلوب،

стр. 3162

وقد قدمنا توجيه ذلك في فصل الصغير يكبر. ووجه القول الأول: أن هذا يلزمه الحدود والطلاق فكان له أن يحلف، ويستحق كالرشيد. ووجه القول الثاني: أن من لم يحلف في دفع حق عن نفسه، فإنه لا يحلف في استحقاقه كالصغير. وعلى القول بأن السفيه يحلف أولًا، فإن نكل عن اليمين وحلف المطلوب، هل ترد اليمين على السفيه إذا بلغ الرشد أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يمين له، ولا للبكر بعد صلاح حالها، وهي رواية ابن سحنون عن أبيه في "العتبية". وعلى القول بأن المطلق يحلف أولًا: فإن نكل أخذ منه الحق. فإذا رشد السفيه: حلف ومضى له، وإن نكل: رد إلى المطلوب بلا يمين، وهو قول مطرف، وابن كنانة، ولا ترد اليمين عليه؛ لأن ذلك يفضي إلى الدور العقلي. فإذا قلنا: أن السفيه يحلف مع شاهده حال سفهه: فإنه إن حلف: قبض ما استحقه بيمينه الذي هو الناظر عليه والمتكفل به كقبضه لسائر ماله. قال الشيخ أبو إسحاق: والاختيار أن يحلف ويقبض هو ما حلف عليه، فإذا صار إليه قبضه منه من له النظر عليه؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئًا إلا من إليه قبضه. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الشهادة لغير معين: فلا يخلو من أن يحاط بعددهم، أو لا يحاط بعددهم. فإن كانوا لا يحاط بعددهم؛ مثل أن يشهد شاهد بصدقة لبني عم، أو

стр. 3163

للمساكين، أو في سبيل الله، فقد قال ابن القاسم وأشهب: لا يحلف فيه مع الشاهد، ولا يستحق بشهادة حقًا؛ لأنه لا يتعين لهذا الحق مستحق، فيحلف معه؛ لأن كل من حلف مع الشاهد يجوز أن يخرج عن هذا الحق، ويصرف إلى غيره. وإنما يحلف في الحقوق من يستحق بيمينه الملك والقبض. فإن كانوا معينين، إلا أنه يحاط بعددهم، وأضيف إليهم من لا يحصى؛ مثل أن يقول: حبست هذا الملك على ولد زيد وعقبهم، أو قال: تصدقت به عليهم فيشهد لهم بذلك شاهد واحد: فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمين فيه، وقد قال في كتاب ابن المواز أن الذي يقول به أصحابنا أن كل محبس ومبتل ومعقب فلا يصح فيه الثمن. والثاني: أنه إذا حلف منهم الجل نفد لهم الصدقة، ولغيرهم ولغائبهم ولمولدهم وللسبيل بعدهم، وهي رواية عبد الملك عن مالك في "الموازية"، و"المجموعة". والثالث: أنه يحلف من أهل الصدقة رجل واحد مع الشاهد، ويثبت جنسًا له ولجميع أهلها، وإن لم يحلف عليها غيره، ولكل من يأتي ممن شرطت له من صغير وكبير، وهي رواية ابن وهب، ومطرف، وابن الماجشون عن مالك في "المجموعة"، وبهذا قال المغيرة إذا كانت الشهادة لمعين وغير معين؛ مثل أن يشهد الشاهد أن فلانًا حبس على فلان، وعلى عقبه أنه يحلف مع شاهده ويحق الحق له، ولمن يأتي بعده، فإذا ثبت فما كيفية اليمين التي بها يحلف من وجبت عليه، وأين يحلف؟

стр. 3164

أما كيفية اليمين: فإنه يحلف بالله تعالى، ولا يقبل منه غير ذلك باتفاق العلماء، ثم لا يخلو الحالف من أن يكون مسلمًا، أو كافرًا. فإن كان مسلمًا: فإنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ولا يزيد على ذلك الرحمن الرحيم، ولا الطالب المدرك، قال ابن القاسم: ورأينا المدينين يزيدون ذلك في اليمين عند المنبر، فأبى ذلك مالك، وقال: هذه أيمان الأعراب. واختلف في أيمان اللعان، والقسامة، هل يزاد عليها على ما قدمناه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يزاد، وأن اليمين فيهما كاليمين في سائر الحقوق، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وهو الأشهر. والثاني: أنه يزاد فيهما: عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمد". ولو حلف فقال: "والله" من غير أن يقول: لا إله إلا هو، هل يجزئه ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز، ويكفيه ذلك من الزيادة عليه، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النذور". والثاني: أنه لا يجزئه حتى يضيف إليه: "الذي لا إله إلا هو"، وهو نص قول أشهب في "الموازية"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية". فإن كان الحالف كافرًا، وكان يهوديًا أو نصرانيًا، فهل يقتصرون على اليمين بالله خاصة، أو يكلف الزيادة عليه؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":

стр. 3165

أحدهما: أنهم لا يحلفون إلا بالله خاصة، ولا يكلفون أن يزيدوا عليه: الذي لا إله إلا هو، ولا يكلف اليمين بما لا يدينون به، ولا يعتقدونه من إثبات الألوهية فقط، وهو مذهب ابن شبلون، وهو ظاهر المدونة؛ حيث قال: لا يحلفون إلا بالله فقط. والثاني: أنهم يحلفون كما يحلف غيرهم من المسلمين في تتمة الشهادة وعليه اختصر الشيخ أبو محمد، وهو بين في "كتاب محمد" قال: يمين الحر والعبد والنصراني في الحقوق سواء، ولا يعد منهم إسلامًا، وإنما هو حكم يجريه عليه الإسلام كما يلزمهم حكم الإسلام إذا تحاكموا إلينا؛ ويدل على ذلك استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصانع، ولا يثبتونه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فكذلك اليهود والنصارى، وأنهم لا يقولون بالتوحيد فإنهم لا يلزمهم أن يزيدوا في اليمين بالله الذي لا إله إلا هو، وهو ظاهر المدونة أيضًا في المجوس حيث قال: يحلف المجوس في بيت نارهم، قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا. وأرى أن يحلفوا حيث يعظمون، فأمر له أن يحلفه بالله، وإن كان لا يعتقد الصانع، تعالى الله عن قولهم. وأما أن يحلف: فذلك يختلف باختلاف الأحكام الموجبة لليمين، وهي أقسام منها [ما] (١) لا يغلظ على الحالف فيه بالزمان والمكان. ومنها: ما يغلظ عليه فيه بالمكان دون الزمان. ومنها: ما لا يقع فيه التغليظ، لا بالزمان ولا بالمكان. فأما ما يغلظ فيه بالزمان والمكان: فكأيمان القسامة واللعان؛ فإنهم يغلظ عليهم فيهما بأن يجلبوا إلى أشرف أماكن بلادهم فما كان من أهل

стр. 3166

مكة والمدينة وبيت المقدس، فإنهم يجلبون إليها حيث ما كانوا، وأما أهل الآفاق: فإن كانت مواضعهم قريبة من مصر عشرة أميال ونحوها: فإنهم يجلبون إليها فيقسمون فيها. وأما ما بعد عن المصر فوق عشرة أميال، هل يقسمون في مواضعهم أو أو يجلبون إلى المصر؟ فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنهم يقسمون في مواضعهم، ولا يجلبون إلى مصر، وهو نص قول مالك في "المدونة". والثاني: أنه لابد من جلبهم إلى العصر، ولا يمكنون من أن يقسموا في أماكنهم، وإن بعدوا، وهذا القول قائم من المدونة من قوله: ولا يقام القتل بمصر كلها إلا في الفسطاط، إلا أن يكتب صاحب الفسطاط إلى من يقيمه. وأما التغليظ بالزمان: فكون أيمان القسامة واللعان في دبر الصلوات، وقال في "كتاب اللعان": وما كان في دبر العصر أشدهما -بالشين والسين، على اختلاف الروايات- وقال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ الآية (١). وأما ما يغلظ بالمكان دون الزمان كالأيمان الواجبة في الحقوق مما له بال؛ مثل ربع دينار فصاعدًا: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يجوز أن يجلبوا فيها إلى العصر من عشرة أميال؛ لأن ذلك ضرر عليهم، وإنما يحلف في الجامع حيث يعظم، غير أن الحالفين على ضربين؛ رجال، والنساء الحرائر، فأمَّا الرجال: فإنهم يحلفون بالجامع وهو المسجد الأعظم الذي تقام فيه الجمعة، حيث يعظم منه، وإن كان في مسجد النبي ﷺ : فعند المنبر، وإن كان في غيره: فحيث يعظم منه؛ عند المحراب وعند

стр. 3167

المنبر، وقال مالك في "المدونة": لا أعرف المنبر إلا منبر النبي ﷺ فأما مساجد الآفاق فلا أعرف المنبر فيها، وقال القاضي أبو الوليد الباجي: يحتمل من جهة اللفظ أن يريد بقوله: "لا أعرف المنبر" في مساجد الآفاق. وقد أجمع المسلمون من عهد الصحابة ﵃ على اتخاذها في كل بلد، وهو من أعلم الناس بذلك فمحال أن يريد هذا. قال: والصحيح أنه أراد بذلك أن لا يعرف أن حكم سائر منابر البلاد حكمها في هذه حكم منبر النبي ﷺ ، وإنما هذا حكم يختص بمنبر النبي ﷺ . وقد روى ابن وهب عن مالك مفسرًا: أنه لا يحلف عند منبر من المنابر إلا عند منبر النبي ﷺ ويغيرها في مسجده الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم، أو تلقاء قبلتهم، فقال القاضي أبو الوليد: ووجه ذلك عندي -والله أعلم- أن منبر النبي ﷺ في وسط المسجد، وهو موضعه الذي كان فيه زمن رسول الله ﷺ في وسط المسجد، وهو موضعه الذي أحدث حين زيد في المسجد، فصار المنبر في وسط المسجد، فكانت اليمين عند المنبر أولًا؛ لأنه موضع مصلى النبي ﷺ وعند منبره. وأما القبلة والمحراب فشيء بني بعده، وأما منابر سائر المساجد فهي عن المحراب، فمن حلف فإنما يحلف عند المحراب، ولكن بقرب المنبر، وأعظم شيء في المساجد المحاريب , ولو اتفق أن يكون المنبر في بعض البلاد في وسط المسجد لكانت اليمين عند المحراب دون المنبر، فهذا معنى قول مالك في "الكتاب"، وربك أعلم. واختلف هل يغلظ فيها بالزمان أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يغلظ فيها بالزمان كما يغلظ في الدماء واللعان، وهو قول ابن القاسم وأصبغ، وهو مشهور المذهب.

стр. 3168

والثاني: أنه يغلظ بالزمان في المال العظيم كما يغلظ في الدماء واللعان، وهي رواية ابن كنانة عن مالك في "كتاب ابن سحنون". واختلف هل يغلظ بالمكان في القليل والكثير على قولين: أحدهما: أنه لا يغلظ به، وهو المشهور. والثاني: أنه يغلظ به، وإنها لا تكون إلا عند المنبر في القليل والكثير، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن بعض المتأخرين. وأما النساء الحرائر: فإنهن ينقسمن إلى من تخرج بالنهار، ومن لا تخرج. فمن تخرج منهن: فحكما حكم الرجال فيما تحلف عليه، وفي موضع يمينها. ومن لا تخرج منهن: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحاكم يبعث إليها من يحلفها في بيتها, ولا يمكن خصمها من إعناتها، وهذا القول ذكره القاضي أبو محمد عبد الوهاب. والثاني: أنهن يخرجن ليلًا، ويحلفن في أقرب المساجد اليمين، وإليه ذهب بعض شيوخ الأندلسيين، وذكر أن سحنون كان يفعل ذلك. والثالث: التفصيل بين حق لها أو عليها؛ فما كان عليها من حق وشهد عليها به: فإنها تحلف في بيتها، وما تدعيه من حق لها: فلابد لها من أن تخرج إلى موضع اليمين، وهذا القول متأول على المدونة، ومثله لابن كنانة. والأقوال الثلاثة متأولة على المدونة. ووقع في بعض روايات المدونة: فإن كانت ممن لا تخرج نهارًا، وفي

стр. 3169

بعضها، فإن كانت ممن لا تخرج فظاهره أنها لا تخرج جملة كنساء الملوك. وعلى القول بأنها تخرج وتحلف في المسجد، ففي كم تخرج؟ فقد اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنهن كالرجال وأنهن يخرجن في ربع في دينار فصاعدًا، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة"، وبه فسر أبو محمد عبد الوهاب ما له بال من المال، وهذا القول متأول على "المدونة". والثاني: أنها لا تخرج في ربع دينار، ولا تخرج إلا في المال الكثير وهي رواية ابن المواز عن ابن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" عند بعضهم، وحمل قوله في "المدونة": "إن كل شيء له بال": فهو المال الكثير. وعلى القول بأن القاضي يبعث إليها من يحلفها في بيتها، هل يكتفي بذلك الواحد، أو لابد من اثنين؟ ففي ذلك قولان. وسبب الخلاف: في هل طريقه طريق الإخبار أو طريقه طريق الشهادة؟ وأما ما لا تغليظ فيه على الحالف لا بالزمان ولا بالمكان، وهو اليمين على أقل من ربع دينار: فمشهور المذهب على أنه يحلف في أي موضع شاء، ولا يلزمه اليمين في الجامع، ولا في مساجد العشائر خلاف ما حكاه القاضي أبو محمد عن بعض المتأخرين أن يحلف عند المنبر في القليل والكثير، والحمد لله وحده.

стр. 3170

المسألة السادسة في الشهادة على الخط ولا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشهد على خط نفسه. والثاني: أن يشهد على خط شاهد غيره. والثالث: أن يشهد على خط المقر على نفسه. فأما الوجه الأول: إذا عرف خطه في الكتاب، ونسى الشهادة، ولا عقد عليها، فهل يشهد أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يشهد ولا يرفعها جملة، وهو قول ابن القاسم، وابن نافع، وأصبغ وغيرهم من أصحاب مالك في "العتبية" و"الموازية" و"الواضحة". والثاني: أنه إذا لم يسترب في الكتاب محوًا, ولا حكًا, ولا بترًا: فإنه يرفعها، ويشهد، وينتفع بها المشهود له، وهو قول سحنون في "العتبية". والثالث: أنه يرفعها إلى الحاكم ويؤديها كما علم، ثم لا ينتفع بها المشهود له، وهو قول مالك في المدونة. والرابع: التفصيل بين أن يكون بخط يده، أو بخط غيره؛ فإن كان جميع الكتاب بخط يده، وأثبت خطه، ولم يستنكر في الكتاب محوًا، ولا بترًا ولا إلحاقًا: فشهادته جائزة، وإن لم يرفع الشهادة، وإن كان الكتاب بخط غيره: فلا يشهد، وهو قول ابن نافع في "المجموعة"

стр. 3171

وهذا القول أشبه في النظر، ولاسيما في وقتنا هذا؛ لأن الغالب على الناس النسيان. فإذا تحقق أنه خطه، وكان ممن لا يشتبه عليه في الخطوط عليه إلا أن يدخله ريبة، فيتوقف وقد اعترض على قول مالك في "الكتاب" حيث قال: "يؤديها كما علم، ثم لا ينتفع بها"، وذلك تناقض من القول؛ لأنه إذا كان ينتفع بها فما فائدة رفعها إلى الحاكم. وقد وجه بعض المتأخرين قوله في "المدونة" بأن قال: إنما أمر بأدائها ورفعها إلى الحاكم لاحتمال أن يكون ممن يرى ذلك في مذهبه، ويصوب الحكم به؛ ولأنه مسألة اختلف فيها. وهذا التوجيه يرد ظاهر "الكتاب"؛ لأنه قال: "ثم لا ينتفع بها الطالب"، وهذا مثل ما قاله في "كتاب الصيام" من "المدونة" في الذي يرى هلال رمضان وحده: فإنه يرفع شهادته إلى القاضي، ثم لا يلزم الناس الصيام بشهادته. وأما من دعى إلى شهادة، فقال عند القاضي: لا أذكرها: فلا يخلو من أن يقول: أخروني حتى أنظر، وأتفكر أو قال: ما عندي علم. فإن قال: أخروني لأتذكر وأنظر، ثم جاء بعد ذلك فشهد: جازت شهادته إن كان مبرزًا، أو كان ذلك بالقرب. فإن قال: ما عندي علم، ثم رجع فأخبر بعلمه: فقد اختلف فيه عن مالك؛ إذا كان مبرزًا فمرة جوزها إذا كان بالقرب، ومرة منعها. وإن كان غير مبرز: رجعت قولًا واحدًا. ووجه القول في إجازتها: أن قوله: ما عنده علم في ذلك الوقت لا ينفي أن يكون علم ذلك قبله، فإن تذكر بعد ذلك ما تقدم علمه به:

стр. 3172

جازت شهادته كما لو تقيدت شهادته شهد عليه، فإن أكثر الناس نسى ذلك، فإذا وقف على العقد، ورأى خطه تذكر شهادته، وجاز أداؤها. ووجه القول بردها: أن قطعه بنفي علمه ظاهر أنه ليس عنده أصل ولا سبب يتذكر منه. وقال ابن حبيب: إنما هذا إذا سئل عند الحكم، أو سئل المريض عن نقلها عنه. فأما في غير هذين الوجهين: فلا يضره ذلك، وقوله تفسير للمذهب، والله أعلم. فإن قال الشاهد: كل شهادة أشهد بينكما زور لم يضره ذلك وليشهد، وهذا القول حكاه ابن المواز عن أشهب. قال ابن حبيب: وكذلك إن قال الشاهد لخصم: ما أشهد عليك بشيء ثم شهد: فإنه يقبل ذلك منه، ولا يضره القول الأول، وإن كانت عليه بينة، ومعنى ذلك أنه وعده بأن لا يقيم عليه، ثم رجع عن ذلك إلى الواجب من إقامتها عليه، أو يكون قد نسى الشهادة ثم ذكرها فأدَّاهَا. وأما الوجه الثاني: وهو الشهادة على خط الشاهد، وقد مات أو غاب، فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن الشهادة على الخط لا تجوز؛ لأن الشهادة على خط الشاهد بمنزلة أن يسمعه بنص شهادته، فلا يجوز له أن ينقلها عنه إلا بإذنه على مشهور المذهب، وهذا القول قائم من "المدونة" من باب نقل الشهادة. والثاني: أن الشهادة على خط الشاهد جائزة، ولا يجوز في ذلك أقل

стр. 3173

من شاهدين، ويحلف الطالب مع شهادتهما، ويستحق حقه كما نقلاها عنه في حياته، وهي رواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك في "العتبية"، و"الموازية" وهذا القول قائم من المدونة أيضًا من مسألة الذي شهد عند القاضي ثم يموت، ويعزل القاضي فيشهد قوم على شهادته: فقد قال في "كتاب الأقضية" من "المدونة": إن ذلك جائز. ووجه القول بالمنع: أن الناس قد دخلو وأحدثوا من الفجور والضرب على الخطوط ما لا يخفى، قال محمد بن عبد الحكم: وقد كان فيما مضى يجيزون الشهادة على طابع القاضي، ورأى مالك ألا تجوز. ووجه القول بالجواز: أن ذلك أمر دعت إليه الضرورة لاندراس البينات، وانقراضها. فالقول بمنعها ذريعة إلى إبطال الحقوق وإتلاف أموال الناس. والفرق بين الشهادة على خط الشاهد، والنقل عنه: أن الشاهد إذا كتب شهادته لا يضعها إلا بعد أن يحققها وينزلها على حسب ما هي عليه لعلمه أنها تستنقل عنه، بخلاف النقل عنه، فإنه إذا لم يأذن في النقل عنه: فلا تنقل عنه. فإن سمعها عنه الشاهد لكونه لا يكاد يتحفظ في إيرادها وحكايتها على وجهها، فخيف أن ينقلها عنه الناقل على خلاف ما هي عليه، فلذلك منع النقل إلا بإذن المنقول عنه، فإذا قلنا: تجوز الشهادة على خط الشاهد، فإنما تجوز في الأموال وحيث يقضي باليمين مع الشاهد، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ. وأما الوجه الثالث: وهو الشهادة على خط المقرّ على نفسه؛ مثل أن يكتب على نفسه ذكر حق بخط نفسه، ثم جحد فيشهد رجلان أن ذلك

стр. 3174

خطه، فهل تجوز هذه الشهادة ويؤاخذ بها المشهود عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز. والآخر: المنع. والقولان حكاهما ابن الجلاب عن مالك، وقال ابن المواز: لم يختلف قول مالك في الشهادة على خط المقرّ، قال: وهي بمنزلة أن يسمع المقر بنص إقراره الشهادة، وإن لم يأذن في ذلك. والخلاف عن مالك كما حكيناه، وقد قدمنا قبل هذا أن قول ابن المواز لا يقبل في حكايته الإجماع في المذهب، وربما حكى الإجماع، والخلاف فيها منصوص، وهذا مجرب عنه كثير، والصحيح من ذلك أن الشهادة على خط المقر على نفسه جائزة لاتفاقهم أن الخط رسم يدرك بحاسة البصر، ووجد البصر بيمين بين الخطين والشخصين مع جواز اشتباه ذلك فلما جوزها في الشخص مع الأشباه جازت في الخط، فإذا قلنا بجواز الشهادة على خط المقر، فهل يحلف المشهود له مع شهادة الشاهدين أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يحكم له بمجرد الشهادة دون يمين؛ لأنها شهادة كاملة تتناول الإقرار كالشهادة على لفظ المقر. والثاني: أنه لا يحكم له حتى يحلف، فيستحق حقه: والقولان حكاهما ابن الجلاب عن مالك. وسبب الخلاف: هل هي شهادة كاملة فلا تحتاج إلى اليمين كما لو شهد إقراره، أو إنما هي بعض الشهادة كالنقل. فإن شهد على خط المقر شاهد واحد، هل يحكم له بشهادته مع يمينه

стр. 3175

أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يحكم له بالشاهد مع يمينه. والثاني: أنه لا يحكم له بذلك، ولا يستحق بشهادته شيئًا، والقولان حكاهما ابن الجلاب. ووجه القول الأول: أنها شهادة على ما يثبت به إقرار المقر بالمال، فأشبهت الشهادة على لفظه. ووجه الرواية الثانية: أنها شهادة لا تتناول الإقرار، وإنما تتناول معنى يجري إليه كالشهادة على الوكالة في المال، والشهادة على الشهادة.

стр. 3176

المسألة السابعة إذا قضى القاضي بقضية فيها اختلاف بين العلماء ثم تبين له أن الحق في غير ما قضى به فلا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقضي بما اختلف فيه المذهب. والثاني: أن يقضي بما اختلف فيه مذاهب العلماء. فأما الوجه الأول: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو ذلك الخلاف من أن يكون اختلافًا شاذًا، أو يكون اختلافًا مشهورًا. فإن كان اختلافًا شاذًا يخالف ظاهر الكتاب والسنة، كاختلافهم في إيقاع ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، وكاختلافهم في تحليل المطلقة بالعقد دون الدخول، أو كاختلافهم في بيع أمّ الولد في الدين، وغير ذلك من الخلاف الشاذ، فهذا لا خلاف أن القاضي نفسه ينقضه، وهل ينقضه غيره ممن يلي بعده من القضاة أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه لا يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه؛ لأنه حكم قد مضى على مذهب من يرى ذلك فيعتقده، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: و"إنما الذي لا يرجع فيما قضى به القضاة مما اختلف الناس فيه على رواية الضم على ما لم يسم فاعله؛ لأنه اعتبر الخلاف على الجملة؛ فإن كان

стр. 3177

اختلافًا مشهورًا: فلا خلاف فيما يأتي بعده أنه لا يجوز أن ينقضه، ولا التعرض لأقضيته. وهل يجوز له هو أن ينقض قضاء نفسه أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها متأولة على "المدونة": أحدها: أنه ينقض قضاءه، ويرجع إلى ما رأى من الصواب ما دام في ولايته من غير اعتبار بحاله حين الحكم من أن يكون ذلك منه وهمًا أو غلطًا أو نسيانًا، أو انتقالًا من اجتهاد إلى اجتهاد، وهو قول مطرف، وعبد الملك، وعليه أكثر أصحاب مالك، وهو المشهور، وهو ظاهر "المدونة" على رواية فتح الياء في "كتاب الأقضية" من "المدونة"، على رواية ضم الياء في "يُرجع"، ووقع له في "كتاب الرجم" ما هو أبين من هذا في قوله: "وإنما لا يرجع فيما حكم به غيره"، وعلى هذا اللفظ اختصرها أبو محمد بن أبي زيد، وحمديس وغيرهما. والثاني: أنه لا يرجع في شيء من حكمه مما اختلف فيه إلا في الجور البين الذي ينقضه من جاء بعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو ظاهر المدونة على رواية فتح الياء في "يرجع". والثالث: التفصيل بين ما حكم به وهمًا وغلطًا، وبين ما انتقل فيه اجتهاده؛ فأما ما حكم به وهمًا، وغلطًا، ونسيانًا: فإنه يرجع فيه وينقضه، وما حكم فيه بانتقال من اجتهاد إلى اجتهاد: فإنه لا ينقضه وهو لا ينقضه، وهو مذهب سحنون، وحكى عن عبد الملك مثله، وهو أظهر وأقرب للصواب؛ إذ لو سوغ ما تأولوه أولًا باجتهاد وغلبة ظن. وأما الوجه الثاني: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو من أن يكون من أهل النظر والاجتهاد، أو يكون من أهل التقليد.

стр. 3178

فإن كان من أهل النظر والاجتهاد، فقضى بما يراه من قضائه، ثم تبين له بعد ذلك ما هو أحسن منه، فهل ينقض قضاءه أم لا؟ على قولين قائمين من "الكتاب". وسبب الخلاف: اختلافهم في تصويب المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ فمن رأى أن كل مجتهد مصيب، قال: لا ينقض حكم نفسه لظهور اجتهاد آخر. ومن رأى أن المصيب واحد قال: ينقض حكم نفسه [لظهور] (١) الحق في واحد من أقاويل المجتهدين. وإن كان من أهل التقليد: فلا يجوز له أن ينقض ما حكم فيه لتقليد بانتقال إلى تقليد آخر، قولًا واحدًا. وأما الوجه الثالث: إذا حكم بما خالف فيه مذاهب العلماء، فإن كانت القضية قضية اجتهادية فقضى بها بما يغلب على ظنه: فلا خلاف أن حكمه نافذ، ولا ينقضه، لا هو ولا غيره -وافق ذلك بعض المذاهب أو خالفها- لأنه من آحاد المجتهدين. فإن كان فيها نص من كتاب أو سنة، أو كانت قضية اجتهادية، فقضى فيها بالحدس والتخمين: فلا خلاف أنه يرجع في حكم نفسه، ولمن يتولاه بعد أن ينقضه، والحمد لله وحده.

стр. 3179

المسألة الثامنة في القاضي هل يحكم بعلمه وما أقر به عنده دون بينة تشهد عليه وذلك على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقر بذلك عنده قبل أن يستقضي. والثاني: أن يقر بذلك عنده بعد أن يستقضي في غير مجلس حكمه. والثالث: أن يقر بين يديه في مجلس حكمه. فأما القسم الأول: إذا أقر عنده قبل أن يستقضي: فلا خلاف بين أحد من أهل العلم أنه لا يجوز له أن يحكم بذلك الإقرار، فإن فعل: رد ذلك الحكم، وفسخه هو، أو من يأتي بعده، وهكذا حكى القاضي أبو الوليد ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل". وأما الوجه الثاني: إذا أقر عنده في غير مجلس حكمه بعد أن استقضى: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون بينة تشهد، وأهل العراق في ذلك يفرقون بين الحدود والإقرار؛ فيحكم عليه بعلمه في الحقوق دون الحدود، والشافعي يجوز ذلك على الإطلاق. فإن قضى عليه بذلك الإقرار هل ينقضي حكمه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن له أن ينقضه ما لم يعزل، وهو قول ابن القصار، وهو مشهور المذهب.

стр. 3180

والثاني: أنه حكم ماض، ولا ينقضه هو ولا غيره، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن بعض الأصحاب، واتفقوا أنه لا ينقض بعده للخلاف في ذلك. وأما الوجه الثالث: إذا أقرَّ به عنده في مجلس حكمه ثم جحده، ولا بينة عنده، فهذا الوجه اختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنه يقضي عليه بما أقرّ به عنده، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وهو دليل قوله ﷺ : "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" (١)، ولم يقل ما ثبت عندي. والثاني: أنه لا يقضي عليه بما أقرَّ به إذا جحد ذلك، وهو ظاهر "المدونة"، وهو المشهور، والحمد لله وحده.

стр. 3181

المسألة التاسعة في الشاهد إذا طلب الإقالة من شهادته ولا يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل الحكم، أو بعده. فإن كان ذلك قبل الحكم بشهادته، فجاء يستقيل منها: فلا يخلو من أن يدَّعي شبهة، أو لا يدَّعيها. فإن لم يدَّع شبهة ولا وهمًا: فإن شهادته مردودة في هذه وفيما يستقبل، قولًا واحدًا في المذهب؛ لأنه إذا لم يدَّع أنه أشبه عليه، أو ادّعاه إلا أنه لم يتبين لدعواه وجه: فقد تبين كذبه، وظهر أنه شاهد زور، فهل يؤدب أم لا؟ فالمذهب على قولين من "المدونة": أحدهما: أنه يؤدَّب، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، ولو أُدِّب لكان لذلك أهلًا. والثاني: أنه لا يؤدب، وهو قول سحنون؛ لأن الراجع عن الشهادة قبل الحكم بها لا يؤدب؛ لئلَّا يمتنع من يشهد على باطل من الرجوع، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" من "المدونة". فإن ادَّعى وهمًا وأنه قد شبه عليه: فلا يخلو من أن يكون مبرزًا في العدالة، أو غير مبرز. فإن كان مبرزًا في العدالة: فالقول قوله في أنه شبّه عليه، فتقبل شهادته فيما يستقبل إلا أن يتبين كذبة. فإن كان غير مبرز: فهل يصدق في الوهم والتشبيه أم لا؟

стр. 3182

فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يصدق ويقبل قوله، وإن لم يكن مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة". والثاني: أنه لا يصدق، ولا يقبل قوله: أنه شُبِّه عليه إلا أن يكون مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، وبه قال مطرف وابن الماجشون فيما حكاه ابن حبيب، وهو مذهب. فأما الوجه الثاني: إذا رجع الشاهد عن شهادته بعد الحكم بها: فلا يخلو من أن يكون قد شبه عليه أم لا. فإن شبه عليه: فإن الحكم لا يرد، واختلف هل يضمن أم لا؟ وهل ترد شهادته في المستقبل أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يضمن ما أتلف بشهادته، وإن شهادته في المستقبل لا تجوز، وهو قول مالك في "كتاب القطع في السرقة" في الغرم، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" في قبول الشهادة، حيث قال: إذا طب الإقالة بعد الحكم بشهادته، ولا يقبله، إلا أنه كان يقول: لا تجوز شهادته فيما يستقبل، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وعلى "العتبية"؛ لأنه قال فيها أيضًا: وإن رجع بعد الحكم فلا يقبل منه، فقيل: إنه لا يقبل منه في إسقاط الغرم عنه؛ بل يغرم وإن شبه عليه كما قال في "كتاب السرقة". وقيل: معناه أن شهادته لا تقبل فيما يستقبل وإن شبه عليه، وقيل: غير ذلك. وهذا كله حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل".

стр. 3183

والثاني: أنه لا يغرم إذا شبه عليه، وإن شهادته مقبولة فيما يستقبل وهو قول سحنون في قبول الشهادة في المسألة، وتأويل على "المدونة" في إسقاط الغرم عنه إن كان مبرزًا في العدالة على الاتفاق، أو كان غير مبرز على الخلاف. فإن لم يشبه عليه، وتبين كذبه: فإنه يغرم ما أتلف بشهادته، ولا تقبل له شهادة في المستقبل، قولًا واحدًا. وهل يؤدب أم لا؟ قولان. والحكم نافذ، ولا يؤدب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القطع في السرقة"، وفي "كتاب الرجم" من "المدونة". تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، ومسائل الأقضية قد تداخلت مع مسائل الشهادات؛ لأن "كتاب الأقضية" من "المختلطة" ولم يدونها سحنون مع جملة كتب حتى مات رحمة الله عليه، وهي كتب معلومة لا خفاء بها على من تعنى فدرس المدونة، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد نبيه وآله.

стр. 3184

كتاب الشهادات

стр. 3185

كتاب الشهادات تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشر مسائل: المسألة الأولى في شهادة ذوي القربى بعضهم على بعض أما شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، والابن لأمه، والأم لابنها: فقد اختلف العلماء في جوازها؛ فذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أنها لا تجوز جملة، بلا تفصيل، ويدخل في ذلك الجد والجدة من قبل الأم والأب. وذهب داود وشريح، وأبو ثور إلى أن شهادة بعضهم لبعض جائزة؛ وعمدتهم: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، والأمر بالشيء يقتضي إجراء المأمور به إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه أنها لا تجوز، وعمدتهم من طريق المعنى أن قالوا رد الشهادة بالجعلة إنما هو لموضع اتهام الكذب، وهذه التهمة إنما أعملها الشرع في الفاسق. ومعنى إعمالها في العادل؛ إذ لا تجتمع العدالة والتهمة، وعمدة الجمهور: حديث عمر بن الخطاب ﵁: "لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين (٢) ولا جار إلى نفسه" (٣)، والتهمة أصل يؤثر في إسقاط الشهادة على الجملة، وهي فيما بين الأبوة والبنوة في الابن إذا شهد لأحد الأبوين

стр. 3186

على الآخر: على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها جائزة في القليل والكثير إذا كان الابن عدلًا، وخرج من ولاية الأب، وهو قول ابن نافع في "المجموعة" إلا أن يكون الأب قد تزوج على أمه، فيتهم الابن حينئذ أن يكون غضب لأمه. والثاني: أن الشهادة لا تجوز -لا في القليل ولا في الكثير- وهو ظاهر قول مالك في "المدونة"؛ لأن التهمة قائمة من أداء الجهتين. والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فتجوز شهادة بعضهم على بعض في اليسير دون الكثير، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية" و"الموازية" و"المجموعة"، قال: والابن [عتاب أباه] (١) وربما ضربه. وأما شهادة الأب لأحد ابنيه على الآخر: فقد اختلف [أنها] (٢) المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها جائزة جملة بلا تفصيل. والثاني: أنها لا تجوز جملة بلا تفصيل، ولا على حال من الأحوال، وإن كان لكبير على كبير، والقولان لسحنون في "المجموعة". والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يشهد لكبير على صغير، أو لصغير على كبير؛ فإن شهد لكبير على صغير، أو لسفيه على كبير رشيد، ولا يجزيه، وهي رواية عيسى بن القاسم في "كتاب ابن سحنون". وسبب الخلاف: قوة التهمة وضعفها. وأما شهادة أحد الزوجين لصاحبه: فقد اختلف [فيها] (٣) العلماء على ثلاثة مذاهب:

стр. 3187

أحدها: [أنها] (١) لا تجوز جملة بلا تفصيل، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أنها جائزة إطلاقًا، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، والحسن. والثالث: أنها تقبل شهادة الزوج لزوجه، ولا تقبل شهادتها له، وبه قال النخعي، وابن أبي ليلى. وأما شهادة الأخ لأخيه فقد قال الأوزاعي: لا تجوز جملة بلا تفصيل، وأما مالك: فقد اختلف فيه مذهبه في جوازها على خمسة أقوال: أحدها: أنها جائزة جملة بلا تفصيل إذا كان عدلًا، وهو قول مالك في "كتاب الشهادات". والثاني: أنها لا تجوز جملة بلا تفصيل، وهذا القول وقع في بعض روايات "المدونة" في "كتاب الشفعة": أيجوز أن يشهد في وكالة أبي أو ابني، وزاد: أو أخي؟ فقال: لا يجوز إن كان هو الوكيل، وإن كان أبو عمران قال: معناه غير مبرز. والثالث: التفصيل بين أن يكون مبرزًا، أو غير مبرز، فإن كان مبرزًا: جازت شهادته له، وإن كان غير مبرز: لم تجز شهادته له، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في أول "كتاب الشهادات". والرابع: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فتجوز شهادته له في القليل دون الكثير، وهو قول ابن كنانة في "كتاب ابن سحنون". والقول الخامس: أنه تجوز شهادته له في الحقوق دون الحدود؛ مثل القصاص والقربة بما ليس مما تقع فيه الحمية، والتهمة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية"، والأصل في ذلك ما قدمناه من قوة التهمة وضعفها، والحمد لله وحده.

стр. 3188

المسألة الثانية في شهادة النساء ولا يخلو ذلك من وجهين: إما أن تكن فيما يطلع عليه الرجال، أو تكون فيما لا يطلع عليه الرجال. فإن كان فيما يطلع عليه الرجال: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مالًا على الخلوص. والثاني: ألا يكون في نفسه مالًا إلا أن يتوصل [به] (١) إلى المال. والثالث: ما ليس بمال، ولا هو وسيلة إلى المال كالولادة. فأما الوجه الأول: وهو أن يشهدن على ما هو مال على الخلوص: فلا خلاف بين العلماء في جواز شهادتهن في ذلك، فإن شهد معهن في ذلك رجل واحد: كانت شهادة مستقلة، وإن انفردن: فإن المشهود له يحلف مع شهادتهن ولا يجوز في ذلك أقل من امرأتين. وأما الوجه الثاني: وهو أن يشهدن على ما ليس بمال إلا أنه يؤول إلى المال؛ كشهادتهن على الولادة على المال أو على الوصية بالنظر في المال: فالمذهب في جوازها على قولين منصوصين في المدونة: أحدهما: جواز شهادتهن في ذلك كجوازها على المال الخاص، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ورواه ابن حبيب عن عبد الملك بن الماجشون، وقال عبد الملك: ما علمت أن مالكًا جوز شهادتهن على الوكالة، ولا في نقل الشهادة، ولا في إسناد الوصايا.

стр. 3189

ووجه قول مالك: أن شهادته مقصودها المال فجازت كالبيع. ووجه قول أشهب: ما احتج به سحنون من أني لو أجزت شهادة امرأتين، ورجل في الوكالة لأجزت فيه شاهدًا ويمينًا. وأما الوجه الثالث: وهو شهادتهن على ما ليس بمال مما لا يطلع عليه الرجال كالحيض، والحمل، والولادة، والاستهلال , وعيوب الفرج: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في جواز شهادتهن في ذلك, ولا يجزيء فيه أقل من امرأتين، وشهادتهن في ذلك جائزة دون يمين. وأما شهادتهن على الرضاع: إذا شهد امرأتان على رضاع الصبى, هل تقع المحرمية بشهادتهما أم يقارنها الفشور والعرف؟ فذلك على قولين، وقد قدمنا الكلام في الشهادة على الرضاع في مسألة مفردة. وهل من شرط جواز شهادتهن على الولادة بقاء بدن الصبى, أو ليس ذلك من شروطه؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" في "كتاب الشهادات" وغيره: أحدهما: جواز الشهادة إطلاقًا -بقى البدن أو فات- وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن شهادتهما إنما تجوز على ذلك إذا بقى البدن أو فات, وهو قول حتى يشهد عليه الرجال بالنظر إليه ميتًا؛ لأن البدن لا يفوت، والاستهلال يفوت، وهو قول سحنون في "المدونة", و"العتبية". وأما شهادتهما على أنه ذكر، فهل تقبل شهادتهما أو لابد من وقوف الرجال عليه؟

стр. 3190

فالمذهب على قولين: أحدهما: أن شهادتهما في ذلك كافية، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه لابد من وقوف الرجال على جثته؛ لأن شهادة النساء إنما تجوز للضرورة، ولا ضرورة في اطلاع الرجال على الجثة، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"، قال: لأن ذلك يصير نسبًا قبل أن يصير مالًا. وعلى القول بأن شهادتهن على ذلك جائزة من غير حاجة إلى اطلاع الرجال، هل يحلف مع شهادتهن أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن شهادتهن جائزة مستقلة دون يمين، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها. والثاني: أنه يحلف مع شهادتهما؛ لأنها شهادة على مال، وهي رواية يحيى بن يحيى، وعيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية". وعلى القول بأن شهادتهن لا تجوز على أنه ذكر، وقبلت شهادتهن على الولادة والاستهلال، فبماذا يرث ويورث؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يرث ويورث بأدنى المرتبتين، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" وأشهب في "الموازية". والثاني: أنها ترث وتورث على أنها أنثى، كما قال أشهب وسحنون، إلا أن تكون الولادة بموضع لا رجال فيه ينظرون إلى الجسد، والجسد لا يبقى، ويخاف عليه إن أخر دفنه إلى وجود الرجال، فإنه يرث ويورث على أنه ذكر كما قال ابن القاسم، وهو قول سحنون.
следующие страницы →