المسألة الرابعة في خلط المالين المأخوذين في القراض
ولا يخلو المالان من أن يكونا لملَّاك متعددة، أو لمالك متحد.
فإن كانا لملاك متعددة: فالخلط جائز للعامل ابتداءً، وهل يجوز له بشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
[والثاني: المنع] (١).
ووجه القول الأول: أنه لا تهمة في ذلك؛ إذ لا يأخذ كل واحد منهما إلا ربح ماله.
ووجه القول الثاني: كون رب المال يفيد له هذا الشرط غرضًا ناجزًا من استقراء الربح بمال العامل وغيره؛ لأن التجارة لكثرة المال أشد تأتيًا وأشد تمكنًا.
وأما إذا كان لمالك متحد؛ مثل أن يعطي له مالًا قراضًا، ثم زاد له مالًا آخر: فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون قبل العمل بالأول، وإما أن يكون ذلك بعد التنضيض.
فإن كان ذلك قبل العمل: فلا يخلو من أن يشترط عليه الخلط، أو لا يشترطه عليه.
فإن اشترط عليه الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
стр. 3117
فإن اشترط ألا يخلطهما، وأن يعمل بكل مال على حدة: فلا يخلو من أن تتفق الأجزاء أو تختلف.
فإن اتفقت الأجزاء، فقولان:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر المدونة من قول الغير.
والثاني: أنه لا يجوز إلا بشرط الخلط؛ كما في اختلاط الأجزاء.
فإذا اختلفت الأجزاء: فلا يجوز قولًا واحدًا، للغرر والخطر.
فإن أخذ الثاني بعد استشغال الأول: فلا يخلو من أن يشترط الخلط، أو لا يشترطه.
فإن لم يشترط الخلط: جاز، ويعمل بكل مال على حدة، ثم لا جبران بعد المالين.
فإن اشترط الخلط: فالإجزاء غير حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
حذار الخسران المفتقر إلى الجبران في الثاني، ولزوم إجباره من الأول ظلم على العامل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يكون أخذه للثاني بعد تنضيض الأول: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون المنضود هو رأس المال الأول من غير أن يزيد، أو ينقص، فإن لم يزد ولا نقص، فإن اشترط الخلط: فالإجزاء حاصل -اتفقت الأجزاء أو اختلفت.
فإن أخذه على ترك الخلط: فالإجزاء غير حاصل، وعند اتفاقهما قولان، وقد قدمناهما في الوجه الأول.
فإن نقص عن رأس المال: لم يجز أخذ الثاني على وجه -اتفقت
стр. 3118
الأجزاء أو اختلفت، اشترط الخلط أم لا- كأنه زيادة ازدادها رب المال؛ إذ كأنه قصده ملاقاة الوضيعة ولزوم الإبقاء لقدرة العامل على رد رأس المال بالتنضيض.
فأما إذا زاد على رأس المال: فإن اختلفت الأجزاء، أو اشترط ألا يخلطهما: فالإطباق على أن ذلك لا يجوز، كما قدمناه في الوجه الأول للغرر والخطر؛ فكأنه أخذ أحدهما لأجل الآخر.
فإن اتفقت الأجزاء، أو شرط ألا يخلطهما: فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول غيره في المدونة لبعد التهمة لزوال الخسران المفتقر إلى الجبران.
ووجه قول ابن القاسم: ما قدمناه من قدرة العامل على فك عقد القراض عن نفسه بالتنضيض فكان أخذ الثاني عوضًا عن ترك الفك ولزوم الإبقاء، وذلك زيادة، والقراض لا يغلبها، والحمد لله وحده.
стр. 3119
المسألة الخامسة في نهي المالك للعامل عن الاسترسال في التصرف
اعلم أن رب المال إذا نهاه عن التصرف في بعض الأعيان وأباح له بعضها: فلا يخلو ذلك البعض المباح من وجهين:
إما أن يكون أكثر من البعض الآخر، وإما أن يكون أقل منه.
فإن كان أكثر منه: فذلك غير جائز؛ لأنه يخل بمقصود القراض الذي هو الاستمناء والاستكثار لسهولية وجوده شرقًا وغربًا، متهمًا ومتحدًا في كل صوب وأوب.
وإن كانت أقل منه: فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يعين له سلعة، وينهاه عن التصرف في غيرها.
وأما القسم الأول: فلا يجوز إلا أن تكون تلك السلعة عامة الوجود في الشتاء والصيف.
وأما الثاني: فلا يجوز على الإطلاق، وسواء كان ذلك الرجل موسرًا لا تقدم منه السلع والمتاجر، أو معسرًا يعدم ذلك عنده لإخلاله بمقصود القراض الذي هو النمو والزيادة لتجويز امتناعه عن مبايعة العامل صنفًا منه بماليته، أو أنه لا يبيع إلا بالثمن المجحف العري عن الربح، وبهذا فارق القسم الأول لبعد فرض امتناع كافة ملاكها عن بيعها.
وأما تعيين البلد: فذلك على قسمين:
أحدهما: أن تكون البلد حيث عقد القراض، فذلك جائز؛ لأنه يتجسم مشقة الحل والترحال، وهذا إذا كان البلد المسمى لا تعدم منه السلع والمتاجر لسعته.
стр. 3120
وأما إن كانت تلك المتاجر تعدم منه لصغره: فلا يجوز، وتجري مجرى ما تقدم في إخلاله بمقصود القراض الذي بيناه.
والثاني: أن تكون البلد بغير موضع العقد حيث يتجسم الحل والترحال إليه، فذلك على ضربين:
أحدهما: أن يخرج إليه ليتجر به، وكانت التجارة موجودة فيه: فذلك جائز.
والثاني: أن يخرج إليه ليبيع فيه ما يحمل إليه أو يجلب منه ما يشتري فيه: فهذا للأصحاب فيه قولان: الجواز، والمنع والتوجيه مأخوذ مما تقدم، والحمد لله وحده.
стр. 3121
المسألة السادسة في اشتراء العامل من يعتق عليه أو على رب المال
وهذه الترجمة تحتوي على أربعة أسئلة:
الأول: أن يشتري من يعتق على نفسه.
والثاني: أن يشتري من يعتق على رب المال.
والثالث: أن يشتري أن يعتق عبدًا من مال القراض.
والرابع: أن يطأ جارية من مال القراض فيحبلها.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا اشترى العامل من يعتق إلا إذا كان له فيه شبهة، واختلفت الأصحاب في تلك الشبهة ما هي على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها هي المال، فمتى كان له عتق عليه، ولا اعتبار بما سواه من علم وفضل، وبه قال ابن المواز.
والثاني: أنها هي الربح، فمتى كان هناك ربح عتق على العامل حصته منه، ويقوم عليه نصيب رب المال إن كان موسرًا يوم الحكم.
وإن كان معسرًا: لم يعتق عليه نصيب رب المال؛ بل يباع عليه للقراض، إلا أن يريد رب المال أن يقومه عليه ويبيعه به دينًا: فإنه يتخرج على قولين، وقد قدمناهما في "كتاب العتق الأول" في عتق أحد الشريكين.
وإن لم يكن هناك ربح: لم يعتق عليه ويباع ولا يعتبر عمله في شيء من ذلك، ولا يسره إلا من باب التقويم، وبه قال المغيرة.
والثالث: أن الشبهة المعتبرة هي اليسر إذا انضم إليه أحد الوصفين على
стр. 3122
البدل، إما العلم، وإما الفضل؛ فمتى كان موسرًا وهو عالم وفيه فضل: فإنه يعتق عليه ويغرم لرب المال الأكثر من رأس المال وحصته من الربح يوم الشراء أو يوم الحكم إن كان فيه فضل؛ لأنه لما علم فقد رضي بالتزام الأكثر، أو الأكثر من ثمنه الذي اشتراه به أو قيمته يوم الحكم إن لم يكن فيه فضل؛ لأنه لما علم فقد رضي بالتزام الأكثر أيضًا.
وإن لم يعلم وفيه ربح أيضًا: عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب رب المال، كما قال المغيرة في القسم الثاني، وهذا معنى قوله في "الكتاب": "ويرد إلى رب المال رأس ماله وربحه"، وتأثير العلم عنده في لزوم الأكثر.
وأما إن انفرد اليسر بلا علم ولا ربح: فلا يعتق منه شيء ويباع.
وكذلك إذا عدم وكان عالمًا أو غير عالم، ولم يكن فيه فضل: فإنه يباع كله أيضًا.
وأما إن كان فيه فضل: عتق عليه نصيبه، ويباع منه لرب المال رأس ماله وحصته من الربح يوم الحكم إن لم يعلم.
وإن علم: بيع منه لرب المال أيضًا برأس ماله وربحه يوم الحكم، إلا أن يكون الثمن الذي اشتراه به أكثر من ذلك، فيتبع بالزائد في ذمته، وتأثير العلم في لزوم الأكثر أيضًا، وبه قال ابن القاسم.
وسبب الخلف: اختلافهم في الربح متى يملكه العامل، هل يملكه بالظهور من غير اعتبار بالمفاضلة، فيكون له حكم الشريك، وإنما يملكه بالتنضيض والمفاضلة، فلا يكون له حكم الشريك.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشترى من يعتق على رب المال -مليًا كان العامل أو معدمًا- موسرًا كان رب المال أو معسرًا إن لم يكن في العبد ربح.
стр. 3123
فإن كان فيه ربح: قوّم عليه نصيب العامل إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا بقى حظ العامل رقيقًا كالشريك المبعض للعتق سواء.
فإن كان عالمًا: فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فإنه يعتق عليه، ويغرم لرب المال رأس ماله وحصته من الربح إن كان في الثمن ربح يوم الشراء؛ مثل أن يكون رأس المال مائة فربحه مائة ثم يشتري بمائتين: فإنه يغرم لرب المال مائة وخمسين، منها مائة رأس ماله وخمسون حصته من الربح، ولا شيء لرب المال في قيمته يوم الحكم.
وإن كان أكثر من الثمن؛ إذ لا يربح فيمن لا يجوز له أن يملكه، والولاء لرب المال في ذلك كله.
فإن كان معسرًا: فلا يخلو من أن يكون في الثمن الذي اشتراه به ربح، أو لم يكن.
فإن لم يكن فيه ربح، وإنما اشتراه برأس مال القراض: فإنه يباع جميعه إلى أن يفي بيع بعضه برأس المال، فلا يباع منه إلا ذلك، ويعتق الباقي، ولكون ولاؤه لرب المال، وإن كان فيه ربح بيع لرب المال منه برأس ماله وحصته من الربح يوم الشراء إن كان هناك؛ مثل أن يكون رأس المال مائة، فربح آخر يشتريه بمائتين: فإنه يباع منه بمائة وخمسين، ويعتق الباقي على العامل، ولا يربح فيه رب المال أيضًا إن نابت قيمته على ذلك يوم الحكم؛ لأن الربح المعتبر في "الكتاب": ما كان في الثمن الذي اشترى به لا ما كان في قيمة العبد بعد الشراء، ولم يفِ جميع العبد بحظ رب المال، وابتع العالم بالباقي لتعديه، وهذا تحصيل مذهب ابن القاسم في "المدونة" في هذه المسألة، ولا خفاء بتوجيهه على من يشم رائحة
стр. 3124
التفصيل.
وأما تحصيل ما فيها من الاختلاف على الجملة: إذا اشتراه وهو عالم على ما أشار إليه في الكتاب حيث قلل: وقد اختلف في هذه المسألة، وهذا أحسن ما سمعت، والذي تحصل عندي من الخلاف المشار إليه ستة أقوال، أكثرها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنهم يعتقون عليه إن كان له مال ويباعون عليه إن لم يكن له مال، وهو قوله في "الكتاب".
والثاني: أنهم يعتقون على رب المال جملة، وهذا القول قائم من المدونة من "كتاب الرهن" على ما وقع في بعض روايات "المدونة".
والثالث: أن البيع لا يجوز، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب العتق الثاني": في الأب يشتري من يعتق على ابنه الصغير.
والرابع: أنه لا يعتق على واحد منهما، وهو قول ابن القاسم في سماعه في "العتبية".
والخامس: أن العامل يضمن الثمن، ويكون له العبد وهو قول مالك في رواية ابن أبي أويس عنه، وهذا القول قائم من "المدونة" من مسألة الوكيل على ظاهر "الكتاب".
والسادس: أن رب المال بالخيار؛ إن أحب أن يأخذ فيعتق عليه، ويكون للعامل إن كان فيه فضل حصته من الربح، وإن أحب أن يضمن العامل لتعديه: كان ذلك له، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" من "كتاب السلم الثاني" و"كتاب الوكالات" في تعدي الوكيل.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أعتق العامل عبدًا من مال القراض: فلا يخلو من أن يعتقه العامل، أو يعتقه رب المال.
стр. 3125
فإن أعتقه العامل: فلا يخلو من أن يشتريه للعتق، أو للقراض.
فإن اشتراه للعتق، فإن كان موسرًا: فإنه يعتق عليه ويغرم لرب المال رأس ماله وربحه إن كان هناك ربح.
وإن كان اشتراه للقراض: فلا يخلو من أن تكون له قيمة تشبهه أم لا.
فإن لم تكن له شبهة: فلا ينفذ فيه عتقه، ويباع في رأس رب المال.
فإن كان له فيه شبهة: فإنه ينفذ عتقه.
واختلف الأصحاب في تلك الشبهة على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أن الشبهة المعتبرة: الإيسار، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن الشبهة المعتبرة: الربح؛ فإذا كان فيه ربح عتق عليه حظه وقوّم عليه إن كان موسرًا على حسب الشريك المبعض للعتق، وإن لم يكن فيه ربح: لم يعتق عليه منه شيء، وإن كان موسرًا، وهو قول الغير في "الكتاب".
وعلى القول باعتبار الإيسار دون الربح، فإن كان موسرًا: فإنه يعتق ويغرم.
واختلف ماذا يغرم على قولين:
أحدهما: أنه يغرم لرب المال رأس ماله وحصته من الربح إن كان ثم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يغرم له قيمته يوم العتق إلا قدر حظه فيه من الربح إن كان ثم؛ لأنه من حينئذ فوته، وهو قول بعض المتأخرين.
стр. 3126
وإن كان معسرًا على قول ابن القاسم فإنه لا يباع ولا يعتق منه شيء إن لم يكن فيه فضل.
فإن كان فيه فضل: عتق عليه حظه منه، وتبعث البقية لرب المال يستوفي منها رأس ماله وربحه.
وإن أعتقه رب المال: فإنه يقوم عليه حظ العامل إن كان موسرًا.
وإن كان معسرًا: فقولان أيضًا:
أحدهما: أنه يعتق عليه بحصة العامل من الربح دينًا إن كان هناك ربح، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يعتق منه حق رب المال، ويبقى حظ العامل، ويباع له، وهو قول الغير في "الكتاب"، وهو الأظهر في النظر.
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أحبل العامل جارية من مال القراض: فلا يخلو من أن يشتريها للقراض، أو يشتريها للوطء، أو جهل أمره.
فإن اشتراها للقراض، ثم تعدى عليها فأحبلها: فلا يخلو من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فإنه يغرم قيمتها وتكون له أمّ ولد.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمتها يوم الوطء إلا قدر حظه من الربح، وهو قوله في "كتاب محمد".
والثاني: أنه يلزمه الأكثر من قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل من الثمن الذي اشتراها به، وهو قول ابن المواز.
ولا شيء عليه من قيمة الولد في الوجهين جميعًا.
стр. 3127
فإن كان الواطىء معسرًا هل تباع عليه، أو يتبع؟ قولان:
أحدهما: أنه تباع عليه فيما يجب لرب المال.
فإن كان فيها فضل بيع منها بقدر رأس المال وربح رب المال ويتبع بنصف قيمة الولد، فإن لم يفِ ثمنها بما وجب عليه من القيمة: فإنه يتبع الزائد.
والثاني: أنه يتبع بالقيمة دينًا في ذمته، ولا تباع عليه.
والقولان لمالك في كتاب محمد، وهما قائمان من المدونة من مسألة الأمة بين الشريكين، فعلى القول بأنها لا تباع، هل يتبع بقيمة الولد أو بنصفها إن كان فيه فضل، وكان القراض على النصف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتبع بالقيمة، أو بنصفها، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية".
والثاني: أنه لا شيء عليه من قيمة الولد، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" وغيرها.
وسبب الخلاف: القيمة متى تعتبر؟ هل يوم الوضع أو يوم الحمل؟
وإن كانت حائلًا وكان موسرًا: خير رب المال بين التقويم والترك.
وإن كان معسرًا هل تباع فيما لزمه من القيمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تباع فيما لزمه من القيمة بناء منه على أنه بنفس التعدي تعلقت القيمة بذمته.
والثاني: أنها لا تباع وتبقى بحالها؛ بناءً على أن الخيار في التقويم لرب المال.
стр. 3128
والقولان لمالك في "الموازية".
وأما الوجه الثاني: إذا تسلف مال القراض فاشتراها لنفسه فأحبلها: فلا يخلو من أن يكون له مال أو لا؛ فإن كان له مال فإنه يغرم لرب المال.
واختلف ما الذي يغرم له على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يغرم قيمتها يوم الوطء.
والثاني: أنه يغرم الثمن.
والثالث: أنه يغرم الأكثر من الثمن أو قيمتها يوم الوطء أو يوم الحمل.
والأقوال الثلاثة لابن القاسم.
فإن لم يكن له مال، هل تباع عليه، أو يتبع في الذمة؟ قولان:
أحدهما: أنها تباع كلها إن لم يكن فيها فضل، فإن كان فيها فضل: بيع منه بقدر رأس المال أو حصة رب المال من الربح، وهو قول ابن حبيب وغيره.
والثاني: أنها لا تباع، ولا خيار في ذلك لرب المال، وأن الحمل فوت يتبع العامل بالثمن في ذمته، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد".
وهكذا الحكم في الذي اشترى أمة بمال البضاعة فأحبلها، فالجواب وحد في هذا كله إذا ثبت وتقرر أن العامل اشتراها لنفسه أو للقراض.
وأما الوجه الثالث: إذا اشتراها وأبهم الأمر، ولا يدري إن كان لنفسه اشترى أو للقراض، هل يصدق أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يصدق وتكون له أمّ ولد ويتبع بالقيمة في ذمته؛ لأنه يتهم في بيع أمّ ولده، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يصدق لأنه أمين على التصرف في المال إذا ادعى الضياع،
стр. 3129
فكيف إذا ادعى الشراء والملاقاة، وكونه تعدى على الوطء لا يدل على الشراء لنفسه، بل ينبغي أن لا يقبل قوله إن ادعى الشراء لنفسه إذا كان معسرًا، لما في ذلك من الضرر برب المال، وهو ظاهر قول ابن حبيب؛ لأنه لا فرق عنده بين أن يشتريها لنفسه أو للقراض إذا كان معسرًا أنها تباع عليه أو يباع منها بقدر رأس ماله وحصته من الربح إن كان فيها فضل.
وذهب بعض المتأخرين إلى أن الخلاف في بيعها في العدم إنما يتصور فيها إذا وطىء، ولم يعلم إن كان اشترى للقراض أو لنفسه بمال استسلفه من مال القراض: فحمله مالك على ما رواه عنه ابن حبيب على أنه اشتراها للقراض، ولم يصدقه أنه اشتراها لنفسه، ولذلك قال: إنها تباع في القيمة إذا لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من مال القراض، ولم يصدقه على أنه اشتراها من مال القراض؛ ولذلك قال: إنه لا تباع في عدمه، وأما لو علم أنه اشترها لنفسه من القراض، فلا تباع ويتبع بالثمن الذي اشتراها به قولًا واحدًا، والحمد لله وحده.
стр. 3130
المسألة السابعة في اختلاف دافع المال والمدفوع إليه
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة أسئلة:
أحدها: إذا قال الدافع: دفعته قراضًا، وقال المدفوع إليه: بل وديعة.
والثاني: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال الدافع إليه: بل أبضعته معك لتعمل به.
والثالث: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال ربا المال: بل قرضًا.
والجواب عن السؤال الأول: إذا قال الدافع: دفعته قراضًا وقال المدفوع إليه: بل وديعة: فلا يخلو الأمر فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المال حاضرًا.
والثاني: أن يكون غائبًا.
والثالث: أن يكون قد تلف قبل أن يحركه المدفوع إليه أو بعد أن حركه.
فإن كان حاضرًا: فليس بمسألة، يأخذ رب المال ماله.
وإن كان غائبًا: ففي ذلك قولان:
أحدهما: أن القول قول الدافع، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في "المدونة".
والثاني: أن القول قول المدفوع إليه المال؛ لأنه لا يؤخذ أحد بغير ما
стр. 3131
أقرَّ به على نفسه، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم، وروايتهما عن مالك.
وأما إن تلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه ثم رده في موضعه: ببينة على القول بأن المودع إذا تجر في الوديعة لا يصدق في ردها إلى موضعها إلا ببينة، أو بغير بينة على القول بأنه يصدق في ردها إلى موضعها، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول رب المال، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن القول قول المدفوع إليه.
وإن تلف بعد أن حركه: كان القول قول الدافع، وهو قول أشهب.
وأما على القول بأن المودع إذا حرك الوديعة لا يبرأ من ضمانها إلا بصرفها إلى ربها، فإنه يكون ضامنًا دون يمين يلزم الدافع.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا قال المدفوع إليه: أخذته قراضًا، وقال الدافع: بل أبضعته معك لتعمل فيه، هل يكون القول قول رب المال على حكم المدعى والمدعى عليه، ويحمل على أن كل واحد منهما مدع على صاحبه؟ فبين المتأخرين قولان تأويلًا على المدونة:
أحدهما: أن ذلك حكم المدعي والمدعى عليه، وبكون القول قول رب المال مع يمينه، ويكون عليه للعامل الأقل من إجارة المثل، أو ما يدعيه من الربح، وهذا تأويل أبي إسحاق التونسي على "المدونة"، وهو أسعد بظاهر "الكتاب"؛ ولأن رب المال قد ادعى ما يشبه لكون القابض قد أقرَّ له بالمال، ثم ادعى فيه جزءًا من الربح، فصار مدعيًا.
والثاني: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه؛ فرب المال يدعي على العامل أنه عمل له في المال باطلًا، والعامل يدعي أنه عمل له فيه على
стр. 3132
نصف الربح: فوجب أن يتحالفا جميعًا، فإن حلفا جميعًا، أو نكلا جميعًا عن اليمين: كان للعامل الأقل من إجارة المثل، وما يدعيه من الربح، ويكون معنى قوله في "الكتاب": إلا أن يكون إجارة مثله أكثر من نصف الربح فلا يزاد عليه يريد بعد أن يحلف، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر: كان القول قول الحالف منهما، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد ابن رشد قال: وعلى هذا ينبغي أن تحمل الرواية وتصرف العناية إليه بالتأويل، ولا يلتفت إلى ألفاظها التي تدل على أنه جعل القول قول رب المال، فإن نكل: كان القول قول العامل.
وقد وقع له في "الكتاب" في آخر هذه المسألة لفظ فيه إشكال تنازع المتأخرون في تأويله؛ وذلك أنه قال: القول قول رب المال، فإن نكل كان القول قول العالم إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض.
وقال بعضه: إن ذلك حشو, لأنه لفظ يستغني عنه، وإن المسألة تتم دونه.
وقال بعضهم: بل ذلك اختلاف قول؛ لأن المعهود من أصله في "الكتاب" أن المدعى إذا نكل عن اليمين، فإن المدعى عليه يحلف إذا أتى بما يشبه أم لا، فكذلك ينبغي أن يكون في هذه المسألة؛ لأن رب المال قد مكنه من دعواه بنكوله؛ فوجب أن يحلف وإن لم يأت بما يشبه.
وقال بعضهم: بل ذلك لفظ صحيح لا إشكال فيه ولا اعتراض عليه؛ لأن قوله: "إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض"، ليس من تمام المسألة، وإنما المعنى في المسألة: أن الكلام قد تم بقوله: "فإن نكل عن اليمين كان القول قول العامل مع يمينه" ثم ابتدأ وقال: "هذا الذي وصفته من الأيمان إنما يكون إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض"، فيكون كل واحد منهما قد ادعى على صاحبه ما يشبه فوجبت عليه اليمين على ما قلناه؛
стр. 3133
لأن المسألة على ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون المدفوع إليه المال لا يشبه أن يستعمل مثله في القراض.
والثاني: أن يكون ممن يشبه أن يستعمل مثله في القراض.
والثالث: أن يكون ممن يعلم أنه يستعمل مثله في القراض.
فأما إذا كان ممن يشبه أن يستعمل مثله في القراض: فلا يمكَّن من اليمين؛ لإتيانه بما لا يشبه، ويكون القول قول رب المال، فإن حلف استحق ما ادعاه من أنه كان أبضع معه المال.
فإن نكل عن اليمين: كان القول قول العامل.
فإن كان مثله لا يستعمل في القراض؛ لأن رب المال قد مكَّنه من دعواه بنكوله.
فأمَّا إن كان مما يشبه أن يستعمل مثله في القراض كان لكل واحد منهما مدع على صاحبه بما يشبه، فوجب أن يحلفا جميعًا، فإن حلفا أو نكلا جميعًا: كان له الأقل، على ما تقدم.
وإن كان مما يعلم أن مثله يستعمل مثله في القراض: لوجب أن يكون القول قوله، على قول ابن القاسم في المدونة في مسألة الصانع في "كتاب الجعل والإجارة" في الصانع ورب الثوب يختلفان، فيقول رب الثوب: عملته باطلًا، ويقول الصانع: بل عملته بكذا وكذا أن القول قول الصانع، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد بن رشد، والذي قاله ظاهر في المعنى، بعيد في اللفظ.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا قال المدفوع إليه المال: أخذته قراضًا، وقال رب المال: بل دفعته إليك قرضًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
стр. 3134
أحدها: أن يكون المال قد تلف كله أو بعضه قبل أن يحركه.
والثاني: أن يكون تلف أو نقص بعد أن حركه.
والثالث: أن يكون زاد بربح فيه.
فأما إذا تلف المال كله أو بعضه قبل أن يحركه: ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول قول المدفوع إليه، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك.
...
والثالث: التفصيل بين أن يتلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه.
فإن تلف قبل أن يحركه: كان القول قول المدفوع إليه.
وإن تلف بعد الحركة: كان القول قول الدافع، وهو قول أشهب.
وأما إن تلف المال أو نقص بعد أن حركه: فالقول قول رب المال باتفاق بين ابن القاسم وأشهب؛ لأن المدفوع إليه مدع في مال قد حركه أنه لا ضمان عليه.
وأما إذا أدار المال فربح فيه: فقد اختلف فيه المذهب أيضًا على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الربح يوقف ممن أكذب نفسه، ورجع إلى قول صاحبه كان الحكم على ما يدعيه المرجوع إلى قوله الذي أقر له.
والأقوال الثلاثة تقاس على ما في "كتاب إرخاء الستور"، و"كتاب الرهون" من "المدونة"، والحمد لله وحده.
стр. 3135
كتاب الأقضية
стр. 3136
كتاب الأقضية
بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
ففرض الله ﵎ على الحكام العدل في الحكم، وأن لا يتبعوا الهوى، ولا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، وفرض لهم على الناس التسليم، وبذل السمع، والطاعة، والانقياد، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فقرن طاعته بطاعة رسوله وبطاعة أولي الأمر من عباده.
وقال ﵇: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (٤) ومن عصى إمامًا، أو قاضيًا، أو حاكمًا من الحكام في ما أمر به من الحق، أو حكم به من وجه العدل، فقد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده.
وأما إن قضى بغير العدل، أو حكم بغير الحق فطاعته غير لازمة لقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٥) إلا أن يخشى أن تؤدي مخالفته إلى الهرج والمرج بالفساد، وسفك الدماء، وسبي الأموال، وهتك
стр. 3137
الحرم: فتجب طاعته حينئذ على كل حال.
فالحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، وقال ﷺ "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٢)، وقال ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة لا ظل إلا ظله" (٣)، فبدأ بالإمام العادل.
والجور في الأحكام، واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٤)، يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل.
والقضاء محنة، ومن دخله فقد ابتلى بعظيم؛ لأنه قد عرض نفسه للهلاك؛ إذ التخلص على من ابتلى به عسير، وخرج أبو داود عن بريدة الأسلمي أن رسول الله ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، ورجل قضى في الناس بجهل فهو في النار" (٥).
وروى عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد [فأصاب] (٦) فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٧).
стр. 3138
وطلب القضاء، والحرص عليه حسرة، وندامة يوم القيامة، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "ستحرصون على الإمارة، وستكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة" (١).
وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال "من طلب القضاء وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكًا يسدده" (٢).
وروى عنه أبو موسى الأشعري أنه قال ﷺ : "لا نستعمل، ولن نستعمل على عملنا من أراده" (٣).
قال مالك: كان مما يتحدث به الناس أن النبي ﷺ قال: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن تولها عن غير مسألة تعن عليها، وإن تولها عن مسألة توكل إليها" (٤).
وروى ابن القاسم عن مكحول قال: لو خيرت بين القضاء، وبين المال لاخترت القضاء، ولو خيرت بين القضاء وضرب عنقي لاخترت [ضرب عنقي] (٥).
قال قتادة: إن موسى قال: يا رب ما أقل ما وضعت في الأرض؟ قال: العدل.
وقال يحيى بن سعيد: وليست قضاء الكوفة، وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم إلا وإِني قد سمعته، فأول مجلس جلست للقضاء
стр. 3139
اختصم إليَّ رجلان في شيء ما سمعت فيه شيئًا.
وأول ما استقضى معاوية ﵁ ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأبي بكر ولا لعمر، ولا لعثمان قاض، وكان الولاة هم الذين يقضون، وهذا قول مالك في "العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة"، وأنكر قول أهل العراق وأن عمر استقضى شريحًا، وقالوا: كيف يستقضى بالعراق، ولا يستقضى بالشام واليمن وغيرهما, وليس كما قالوا، وروى العلاء بن كثير أن عمر بن الخطاب ﵁ نظر إلى شاب قد وفد عليه، فاستحلاه عمر وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت تغرنا بنفسك، إلا أن هذا الأمر لا يقوى عليه من يحبه.
وقال مالك في المجموعة: ومن عيب القضاء أنه إذا عزل أنه لا يرجع إلى المجلس الذي كان يتعلم فيه.
وأما صفة القضاة: فاعلم أنهم قالوا: للقضاة خصال مشترطة في انعقاد الولاية، وخصال مشترطة في استدامتها، وتوجب عزل القاضي عن الولاية إذا أخل بشيء منها، وخصال مستحبة فيها.
فأمَّا الخصال المشترطة في انعقاد الولاية: فإذا عدمت، أو واحدة منها لم تنعقد له الولاية، وهي ستة خصال: أن يكون حرًا، مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، واحدًا؛ فإن ولي من لم تجتمع فيه لم تنعقد له الولاية، وإن انخرم شيء منها بعد انعقاد الولاية سقطت الولاية.
وقلنا: أن يكون حرًا احترازًا من العبد، وقد قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا خلاف بين المسلمين أنه لا يكون قاضيًا.
стр. 3140
ووجه ذلك: أن منافع العبد مستحقة لسيده، فلا يجوز له أن يصرفها للنظر بين المسلمين؛ ولأنه ناقص الحرمة نقصًا يؤثر في الإمامة كالمرأة.
وقولنا: مسلمًا؛ احترازًا من الكافر، ولا خلاف بين المسلمين أن من هو في محل الغباوة وغزارة الحداثة وعدم الحكمة، فالهداية وقلة المعرفة، والدراية لا ينبغي أن يتقلد شيئًا من أمور المسلمين لعدم الخطاب، والوقوف على مراسم الكتاب.
وقولنا: ذكر؛ احترازًا من الأنوثة.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في المرأة، هل يجوز أن تلي القضاء أم لا، فذهب مالك والشافعي إلى أنها لا يجوز أن تلي شيئًا من النظر في أمر من أمور المسلمين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تلي القضاء دون القصاص، وذهب محمد بن الحسين، ومحمد بن جرير الطبري إلى أنه يجوز أن تكون قاضية على كل حال [. .] (١) ما روى أن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة".
ومن طريق العموم أنه أمر يتضمن فصل القضاء فوجب أن تنافيه الأنوثة كالإمامة الكبرى.
قال القاضي أبو الوليد: ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين في عهد النبي ﷺ أنه لم يقدم لذلك في عصر من الأعصار، ولا مصر من الأمصار امرأة [للقضاء] (٢) كما لم [يقدمها] (٣) للإمامة.
وقولنا: عاقلًا: احترازًا من المجنون، ولا خلاف في ذلك أيضًا.
وقولنا: واحدًا منفردًا: احترازًا من أن يتولى القضاء قاضيان فأكثر على وجه الاشتراك، فلا يكون لأحدهما الانفراد بالنظر في قضية ولا قبول ببينة
стр. 3141
ولا إنقاذ حكم قال الشيخ أبو إسحاق بن شعبان في "الزاهي": فالحاكم لا يجوز أن يكون نصف حاكم، فلا يجمع اثنان فيكونان جميعًا.
وأما أن يستقضي في البلد القضاة، والحكم ينفرد كل واحد منهم بالنظر فيما يرفع إليه من ذلك فجائز، والدليل على ذلك: إجماع الأمة؛ لأنه لم يختلف في ذلك واحد في زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا, ولا أعلم أنه أشرك بين قاضيين في زمن من الأزمان، ولا في بلد من البلدان.
ودليل آخر: أن المذهب مختلف والأغراض متباينة، ولا يصح أن يتفق رأى رجلين في كل شيء حتى لا يرى أحدهما فيه خلاف ما يرى الآخر.
وإذا أشركا بين الحكمين عاد ذلك إلى اختلافهما في المسائل وتوقف نفوذها كالإمامة؛ لأنهما يحكمان في قضية واحدة وليس بولاية، فإن اتفقا نفذ حكمهما، وإن اختلفا لم ينفذ حكمهما وحكم ما لم يكن في ذلك مضرة، ولا مفسدة، وهذا بناء في الولاية؛ لأن من ولى القضاء لا يمكن الاستبدال عند المخالفة، فيؤدي ذلك إلى توقف الأحكام وامتناع نفوذها.
وأما الخصال المشترطة في الاستدامة [والتي] (١) توجب عزل القاضي عند الإخلال بشيء منها فهي: أن يكون سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، عدلًا.
فهذه الأربع خصال لا يجوز أن يولي القضاء إلا من اجتمعن فيه، فإن ولى من لم يجمع فيه وجب أن يعزل متى عثر عليه، ويكون ما مضى من أحكامه نافذًا جائزًا إلا الفاسق الذي يعزل: فاختلف في أحكامه التي صادف فيها وجه الحلم، وعثر على الصواب على قولين:
стр. 3142
أحدهما: أنها جائزة، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنها مردودة؛ لأن مصادفته للحق من غير قصد إلى إيقاعه كنقد الأعمى إذا صادف درهمًا زائفًا، وهذا مشهور المذهب، فعلى هذا القول تكون العدالة من شروط صحة انعقاد الولاية كالإِسلام وأخواته.
وأما السمع والبصر: فقد حكى فيهما أصحابنا الإجماع إلا ما حكاه الماوردي عن مالك في جواز قضاء الأعمى، وهو غير معروف من مذهبه.
والدليل على أن ذلك لا يجوز: أن في تقديمه تضييق على المسلمين في طريق القضاء، وإنفاذ الأحكام، والحاكم مضطر إلى أن ينظر لكل من يطلب عنده مطلبًا من مطالب الحق، والأعمى وإن كان يميز الأصوات فلا يميز إلا من يكرر عليه صوته، وليس كل من يشهد عنده بشهادة من يتكرر إليه يعقل عليه؛ فقد يشهد بها عنده من لم يسمع كلامه قبل هذا.
وأما السمع: فإنه يفتقر إلى أن يسمع دعوى الخصم وأداء الشهادة، وليس كل شاهد يمكنه أن يكتب شهادته فيعرضها عليه، ومنهم من لا يكتب، مع ما في ذلك من تضييق الحال على الناس، وتعذر سبيل الحكم، وذلك يجب أن يمنع منه.
وهل يجوز أن يكون الأمي الذي لا يكتب حاكمًا إن كان عالمًا عدلًا لم أر فيه لأصحابنا نصًا لا لمتقدم ولا لمتأخر، ولأصحاب الشافعي قولان: الجواز، والمنع، والأظهر: الجواز؛ لأن إمام المرسلين، ورسول رب العالمين، وأفضل الحكام كان لا يكتب، ولا يعترض على ذلك بأن يقال النبي ﷺ مخالف لغيره من البشر، فإن المخالفة في غير ذلك.
وأما في فصل القضاء فهو فيه مع سائر المكلفين على سواء، والدليل على ذلك الحديث المشهور قد خرَّجه مالك وغيره من طريق أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم لتختصمون إليَّ .. " (١) الحديث.
стр. 3143
فبين النبي ﷺ أنه من البشر، وأنه لا يعلم الغيب، ولا المحق من الخصمين من المبطل، وأخبر بأن حاله في ذلك كحال غيره؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا ما اطلع عليه بالوحي.
ولما كانت الدنيا دار تكليف، وكانت الأحكام تجري على ذلك أجرى في غالب أحواله في هذا الوجه على أحوال سائر الحكام؛ ولذلك لم يقل في مسألة المتلاعنين أنه أعلم بالكاذب منهما؛ بل قال: يعلم الله أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟.
وأما الخصال المستحبة فكثيرة، قال عمر بن عبد العزيز ﵁: لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمس ضلال: حتى يكون ورعًا، ويكون نزيهًا، ويكون عالمًا بما كان قبله من الأقضية.
وفي رواية أخرى عنه: ويكون عالمًا بالفقه والسنة ذا نزاهة عن الطمع مستحقًا كالأئمة، حليمًا على الخصم، مستشيرًا لذوي الرأي.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا حصيف العقل، قليل الغرة، بعيد المهمة، لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخشى في الله لومة لائم (١).
وقال أيضًا ﵁: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشديد في غير عنف، اللين في غير ضعف، [الجواد] (٢) في غير سرف، البخيل في غير وكف، وربما قال: الممسك في غير بخل (٣).
قال مالك ﵀: ولا أرى خصال القضاء تجتمع في أحد، فإذا
стр. 3144
اجتمعت منها خصلتان في رجل رأيت أن يولي العلم والورع.
قال ابن حبيب: وإن لم يكن في الرجل علم وورع، فعقل وورع؛ فإنه بالعقل يسل وبالورع يقف، فإذا طلب [العلم] (١) وجده، وإن وجد العقل لم يجده.
ومن سيرة القضاة اتخاذ المجلس، وأن يكون في المسجد، ويرضى فيه بالدون من المجلس؛ ولهذا قال مالك ﵀ القضاء في المسجد من الحق، وهو من الأمر القديم.
فإذا اتخذ المجلس وعين الوقت للجلوس، فقد استراح وأراح غيره، ولا يطول في المجلس؛ لأن ذلك مما يضر به ويذهب بفطنته، وإنما تكون أوقات واسعات معلومة للجلوس.
ولا ينبغي أن يقضي وهو يمشي إلا في الشيء اليسير، وأجاز ذلك أشهب إذا كان ذلك يضرُّ به.
واختلف هل يجلس للقضاء فيما بين العشاءين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يجلس من حدث في تلك الساعة يأمر فيه، وينهى مما يخشى فواته، وأما أن يجلس لفصل القضاء واستيعاب البينات والتعرض لاستيفاء حجج الخصوم فلا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجوز الجلوس بين المغرب والعشاء لمن أراد المجيء، ولا يكلف ذلك أحد، ولا يجلب الكاره، وهو قول أشهب في "المجموعة".
وقال محمد بن عبد الحكم: لا ينبغي للحكم أن يجلس أيام النحر، ولا يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر فيه بالناس في حوائجهم ولابد لهم، وكذلك يوم عرفة، ويوم التروية مما جرى عليه من الناس، وكذلك إذا
стр. 3145
كان الطين والوحل وأضر ذلك بالناس.
وأنه يترك الجلوس إذا دخل عليه هم، أو نعاس، أو ضجر، أو كان شبعانًا، أو [جائعًا] (١): فليقم ولا يجلس.
وكذلك أمر يمنعه من استيفاء النظر فيما بين الخصمين.
واختلف فيما إذا استشعر الملك من نفسه في مجلس حكمه، هل يتحدث مع أهل مجلسه أو يقم على قولين:
أحدهما: أنه يتحدث مع أهل مجلسه في غير الحكم، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يقوم ولا يجلس.
[فهذه] (٢) لمع من آداب القضاء مما لا يمكن أن نخلي الكتاب من ذكرها، والحمد لله وحده.
стр. 3146
المسألة الثانية فيما يتوجه على القاضي إذا دنا إليه الخصمان
وإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي: فهو بالخيار إن شاء سألهما عن خصومتهما، وإن شاء سكت حتى يبتدئاه.
فإذا ابتدءاه أو سألهما، فإن علم المدعي منهما فليبادر له بالكلام، فإن تكلم المدعي أسكت المدعى عليه، واستمع من المدعي حتى يأمره بالسكوت، ويستنطق الآخر.
فإن لم يعلم أيهما المدعي فلا بأس أن يقول لهما: أيكما المدعي، فإن قال هذا سأله, وأسكت صاحبه، فإن قال أحدهما: أنا، وسكت صاحبه ولم ينكر: فلا بأس أن يسأله عن دعواه، واستحب بعض العلماء ألا يسأله حتى يقر له بذلك الآخر.
فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو المدعي، وأن صاحبه هو المدعى عليه، فإن علم الذي استعدى على صاحبه وجلبه إلى القاضي: فإنه يسمع منه أولًا.
فإن لم يدر من جلب منهما صاحبه: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القاضي يقيهما عنه حتى يأتي أحدهما إلى الخصومة، فيكون هو الطالب، وهو ظاهر قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنه يبدأ بمن شاء منهما، وهو قول ابن عبد الحكم، ومن المدونة: قلت لابن القاسم: ما قول مالك في الخصمين إذا أتيا إلى القاضي، فيتبين له أن الحق لأحدهما، فأراد أن يحكم للذي اتضح له
стр. 3147
الحق؟! قال: سمعت مالكًا وهو يقول من وجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان حجتهما، وفهم القاضي عنهما، فأراد أن يحكم بينهما أن يقول لهما: أبقيت لكما حجة، فإن قالا: لا. قضى بينهما وأوقع الحكم، فإن أتيا بعد ذلك يريدان نقض ذلك لم يقبل ذلك منهما إلا أن يأتيا بأمر يرى أن لذلك وجه، قال: معناه أنه إن أتى بشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين يريد أو بينة لم يعلم بها، قاله في "كتاب السرقة" من "المدونة" وقال الخصم: لا أعلم لي شاهدًا آخر، فوجه القاضي الحكم عليه ثم قدر على شاهد آخر بعد ذلك أنه يقضي بهذا الآخر، وما أشبه هذا مما قال مالك يعرف به وجه حجته، والكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع:
أحدها: قوله: "إذا فهم القاضي منهما".
والثاني: قوله: "أبقيت لكما حجة".
[والثالث] (١): قوله: "إذا أتى بشاهد عند من لا يرى القاضي بالشاهد واليمين فوجه الحكم عليه ثم قدر على شاهد آخر بعد ذلك".
فأما الموضع الأول: وهو القول إذا فهم القاضي عنهما، فأراد أن يحكم بينهما: قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: جعل فهمه منهما مقام ما يسمعه منهما، والذي قاله هو ظاهر "الكتاب".
وقال غيره من المحققين: ليس مراد صاحب "الكتاب" ما قاله أبو القاسم، فإن معناه: أنه فهم عنهما ما سمعه وحققه تحقيقًا يدفع عنه الريب والاحتمال من مقاصدهما؛ لأنه فهم من معرض كلامهما ولحن خطابهما؛ إذ ليس ذلك مما تقوم به الأحكام.
وقد قال أشهب وسحنون وغيرهما: لا يقضي القاضي حتى لا يشك
стр. 3148
أنه قد فهم، وأما أن يظن أنه فهم، وهو يخاف ألا يكون قد فهم لما يجد من الكسل، والحيرة فلا ينبغي أن يقضي بينهما، فهذا الفهم الذي أراد صاحب "الكتاب" لا [غيره] (١).
وأما قوله: "أبقيت لكما حجة": قيل: إنما صوابه أن يقوله للمحكوم عليه، وعلى هذا اختصر المسألة أبو محمد بن أبي زيد أن يقال للمطلوب: أبقيت لك حجة، فهو الذي يعذر إليه.
وأما المحكوم له: فإنه الذي يطلب الحكم، ولا أعذار له، وقد قيل: يحتمل صواب ما قال؛ لأن المطلوب إذا ذكر حجة سأل الطالب عن جوابه كأنه قال: أبقى لكما كلامًا أسمعه منكما وأنظر فيه، أو حجة تترافعانها.
وقيل: إن الذي قاله صواب، وأنهما اثنان؛ طالب ومطلوب، فمرة يتوجه الحكم على المطلوب، ومرة يتوجه على الطالب بتعجيزه ودفعه عن المطلوب ورفع يديه عن الخصام، فقوله: "أبقيت لكما حجة" لما كان له أن يقول ذلك لكل واحد منهما على الانفراد إذا توجه عليه الحكم؛ اختصر الكلام ولفه في لفظ واحد، فكأنه يقال لكل واحد من الخصمين ممن يتوجه الحكم عليه , أو بتعجيزه ودفعه عن صاحبه من طالب أو مطلوب أبقيت لكم حجة، وهذا يتخرج على الخلاف في المدعى عليه، هل يكتب له الحكم بدفع دعوى المدعي إذا طلب ذلك؟ فللأصحاب في ذلك قولان:
فمطرف، وأصبغ يقولان: ذلك له، وابن القاسم يقول: ليس له ذلك.
وأما قوله: "مثل أن يأتي بشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين، فوجه القاضي الحكم ثم جاء بشاهد آخر بعد ذلك، وأتى ببينة لم يعلم بها
стр. 3149
على ما في "كتاب القطع في السرقة"، هل ينظر فيما أتى به آخرًا، ويحكم له به؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدهما: أنه ينظر فيما أتى به بعد الحكم مما له وجه سواء كان القاضي بنفسه أو بغيره، وهو ظاهر "الكتاب" على ما تأوله التونسي وغيره.
والثاني: أنه لا ينظر فيما أتى به بعد الحكم لا القاضي نفسه ولا غيره، وهو مذهب سحنون؛ لأنه حكم قد مضى.
أما الأول فمذهبه أنه لا يقضي بشاهد ويمين، والشاهد الأول قد حكم بإسقاط شهادته فلا تلفق شهادته مع شهادة الثاني، وأما القاضي الذي تولى بعده: فلا يجوز له التعرض لما قضى به من قبله من الجور البين.
والقول الثالث: التفصيل بين القاضي نفسه الذي حكم عليه، فيجوز له النظر فيما أتى به آخرًا.
وأما من يتولاه بعده فلا يجوز له النظر في ذلك، ولا التعرض له، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله أبو عبد الله التونسي.
ومن هذا القبيل اختلافهم فيمن أقام شاهدًا على حق من الحقوق، فأبى أن يحلف معه، وحلف المدعى عليه، ثم وجد شاهدًا لآخر هل يحلف مع الثاني، أو تلفق شهادته مع الأول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن شهادة الثاني تلفق مع الأول؛ لأن تورعه عن اليمين مع شهادة الأول لا يؤثر في إسقاطها.
والثاني: أنه لا يجزئه إلا شاهدان سوى الأول؛ لأنه لما نكل مع الأول، فكأنه أخبر أنه لا يحلف مع شاهد على حال.
стр. 3150
والثالث: أنه يحلف مع الثاني لإمكان سكون نفسه إليه، وكونه يتق شهادة الأول. والحمد لله وحده.
стр. 3151
المسألة الثالثة فيمن مر برجل فسمعه يطلق، أو يعتق، أو يعترف بحد أو حق من غير أن يشهده المطلق أو المعترف
وقد وقع في هذه المسألة في "الكتاب" إشكال، وفيها ألفاظ توهم أن قول مالك اختلف فيها، وأنا أورد عليك نص "الكتاب" حتى يتبين لك محل الإشكال أو ما أوجب الإيهام من الكلام.
قلت: أرأيت إن سمع رجل رجلًا يقول: إن لفلان على فلان كذا وكذا، أو يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا أو قال: سمعت فلانًا قذف فلانًا، أو سمعت فلانًا طلق فلانة، ولم يُشهده، إلا أنه مر فسمعه وهو يقول هذه المقالة، أيشهد بهذا، وإنما مر فسمعه يتكلم به، ولم يشهده، قال: لا يشهد بها ولكن إنما مر فسمع رجلًا يقذف رجلًا، أو سمع رجلًا يطلق امرأته ولم يشهداه، قال مالك: فهذا الذي يشهد به، وإن لم يشهداه.
قال: ويأتي من له الشهادة فيعلمه أن له عنده شهادة.
قال: وسمعت من مالك هذا في الحدود: أنه يشهد بما سمع من ذلك إذا كان معه غيره.
وأما قولك الأول في "كتاب الشهادات"، فإني سمعت مالكًا، وسئل عن الرجل يمر بالرجلين وهما يتكلمان في الشيء، ولم يستشهداه فإنه لا ينبغي أن يشهد، قال ابن القاسم: إلا أن يكون استوعب كلامهما؛ لأنه إن لم يستوعبه لم يجز أن يشهد لعل الذي نقله قد كان قبل هذا الكلام كلام يبطله، فيدعوه أحدهما إلى الشهادة فلا يشهد، وهذا نص المسألة في الأمهات.
стр. 3152
واختلف المتأخرون في تأويلهما؛ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره، ورأى أن الذي في "الكتاب" اختلاف قول واضطراب رأي، فيتحصل في المسألة على هذا المذهب أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يشهد وأنه لا فرق بين الحدود والحقوق، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: لا يشهد بها.
والثاني: التفصيل بين الحدود والحقوق؛ فيشهد في الحدود بما سمع وإن لم يشهداه، ولا يشهد في الحقوق إذا لم يشهداه، وهو قول مالك الأول على ما نص عليه في "كتاب الشهادات".
والثالث: التفصيل بين أن يستوعب كلامهما فيشهد، أو لا يستوعبه فلا يشهد، وهو قول ابن القاسم، وهو ظاهر قول مالك فيما جوز فيه شهادته إذا استوعب.
وأما إذا لم يستوعب الكلام فلا يشهد، قولًا واحدًا.
والرابع: التفصيل بين أن يسمع ذلك من شاهد يحكيه أو يسمعه من المباشر, فيستدق أو من القاذف: فيشهد، وإن سمعه من شاهد يحكيه: فلا يشهد، وهو ظاهر قول مالك في المسألة هنا.
بيد أن أرباب المذهب اختلفوا في نقل الشهادة عن الشاهد، هل يفتقر إلى إذن الشاهد المنقول عنه أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا بإذنه، وهو نص المدونة في كتاب [. .] و" كتاب الشهادات".
والثاني: أنه يجوز ولا يفتقر إلى إذنه، وهو ظاهر قوله في "كتاب
стр. 3153
الأقضية" من "المدونة" حيث قال: إن القاضي المحدث لا ينظر في شيء من أمر البينة التي شهدت عند المعزول وثبت في ديوانه فقال: لا يجوز في شيء من ذلك إلا أن تقوم عليه بينة.
قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: قوله: إلا أن يقوم عليه ببينة [. .] (١) على ما ثبت من خط الشهود، فقد أفادت المسألة جواز الشهادة على الخط.
وإن كان أراد به إقامة البينة على سماعهم الشهادة من الشهود حين أثبتوها عند القاضي، فقد أفادت المسألة جواز نقل الشهادة، وإن لم يأذن الشاهد المنقول عنه بذلك، وإلى هذا نجا بعض المتأخرين أيضًا، وقال: لا فرق بين أن ينقل عنهما أو قد ذكراها عند الحاكم أو نقلت عنهما، وقد ذكراها عند غير الحاكم.
والقول الثالث: أنه يجوز النقل عنهما إذا رفعت عند الحاكم؛ لأن ذلك موضع التحرير والاحتفاظ على الزيادة والنقصان.
ولا يجوز النقل عنهما إذا ذكراها في معرض ما حكى له وكثير من الناس من يستعمل في كلامه المعاريض والمزاح الذي هو مباح، ولو علم أنها تنقل عنه لتحقق وتحرز، وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين أيضًا.
ومنهم من قال: إن ذلك ليس باختلاف قول، وإنما هو اختلاف أسئلة، وإن كلام ابن القاسم تفسير لقول مالك، وليس مراده عندهم بقوله الأول قولًا ثانيًا، واختلافًا من قوليه لتقدم الكلام في المسألة، وسماعه القول في أحدهما قبل الآخر؛ فيكون معنى قوله: وأما على قول مالك الأول يريد بالأول في السماع، لا أنه الأول في الأقوال؛ إذ هي ثلاث مسائل:
الأولى: إذا سمع شاهدًا أو شهودًا يذكرون أنهم سمعوا فلانًا يقول
стр. 3154
لفلان: علىَّ كذا وكذا، وسمعنا فلانًا يقذف فلانًا أو يطلق امرأته: فلا يشهد السامع لها ولا الشهود على هذا القول حتى يُشهداه على شهادتهم على ما قدمناه من الخلاف.
الثانية: إذا سمعه يقذف رجلًا، أو يطلق زوجته: فهذا يشهد بما سمع إذا كان معه غيره؛ وذلك لأنه في القذف إذا كان وحده، ولم تتم الشهادة على القاذف خشى أن يكون قاذفًا أو معرضًا فيحد.
والثالث: إذا سمع رجلين يتراجعان في كلام ويتقاربان في شيء بينهما: فهذا يشهد إذا استوعب كلامهما من أوله إلى آخره كما قال ابن القاسم، ولا يشهد إذا لم يكن كذلك كما قال مالك، وهذا أيضًا يشترط في المسألة التي قبلها، وأنه لا يشهد حتى يستوعب كلامهم في كل شيء؛ لأنه إذا لم يستوعب قوله في الطلاق والقذف أولًا وآخرًا، فكيف يصح له أن يشهد مع الاحتمال أن يكون القائل حاكيًا في غيره، وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في "كتاب محمد"، وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة". والحمد لله وحده.
стр. 3155
المسألة الرابعة في القصاص في الجراح بشاهد ويمين
وإذا ادعى على رجل جراحات عمدًا وقطع يد عمدًا في القصاص: فلا يخلو من أن يقوم له على بينة أو لم تقم.
فإن قامت له بينة: فلا خلاف في وجوب القصاص فيما يجب فيه القصاص ويتمكن.
فإن قام له شاهد واحد، هل يحلف معه ويقتص أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يقتص في الجراح والأعطاب بشاهد ويمين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادات" من المدونة، وهو قول الغير في "كتاب الشهادات".
والثالث: التفصيل بين ما صغر من الجراح وما عظم منها؛ فما صغر منها مما ليس فيه عقل مسمى، كما به قال مالك في المبسوط، أو فيه عقل مسمى إلا أنه ليس بمتلف كالموضحة وقطع الإصبع، على قول عبد الملك: فإنه يقتص منه بالشاهد واليمين.
وما عظم منها وخيف منه التلف: فإنه لا يقتص فيه بالشاهد واليمين.
والرابع: أن الجروح لا يمكن من اليمين، وإنما يحلف الجارح، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" حيث قال: أرأيت إن ادعيت قبل رجل قصاصًا أو أنه ضربني بالسوط، وما أشبه ذلك أيستحلف لي أم لا؟
في قول مالك قال: لا يستحلف إلا أن تأتي بشاهد عدل، فيستحلف لك.