المسألة التاسعة في الشهادة على الصفة والاعتراف ومن اعترف عبدًا أو دابة بيد رجل فطلب قيام البينة على عينه
فلا يخلو العبد المستحق من أن يكون في بلد البينة، أو غائبًا عنه.
فإن كان حاضرًا في بلد البينة: فلابد من الجمع بينهما حتى يشهدوا على عينه.
فإن كان قريبًا، فهل تجوز الشهادة على صفة العبد أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: تجوز فيه الشهادة على الصفة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادة"، و"كتاب العتق الثاني"، و"كتاب الآبق" إذا وصفته البينة أو حكته فيقضي له به.
والثاني: أنه لا يجوز، ولا تقع الشهادة إلا على عينه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: يجوز له وضع القيمة، ويخرج به إلى بلد بينته، وبه قال ابن كنانة.
وعلى القول بأنه لابد من الشهادة على عينه، فإذا طلب المستحق أن يخرج به إلى بلد البينة: فلا يخلو من أن يأتي بشبهة، أو لا يأتي بشيء. فإن أتى بشبهة مثل أن يأتي بشاهد واحد، أو سماع أنه سرق له عبد على صفة كذا، فأراد أن يأخذ العبد ويضع القيمة، فهل ذلك له أم لا؟ على قولين:
стр. 3222
أحدهما: أن ذلك له، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يمكن من ذلك، وهو قول غيره في "الكتاب".
فإن لم يأت ببينة إلا مجرد الدعوى: فلا يمكن من الخروج ووضع القيمة قولًا واحدًا.
وعلى القول بأن له وضع القيمة والخروج به، فإذا شهدت البينة على عينه، فوجه شهادتهم: أن يقولوا ما علمنا أنه ما باع، ولا وهبه, ولا خرج من يده بوجه من وجوه الملك حتى سمعناه ينشده، فلو قطعوا أنه ما باع، ولا وهب: فقد شهدوا بزور وشهادتهم ساقطة، وما يدريهم أنه [ما باع] (١) ولا وهب.
فإن أبى الشهود أن يزيدوا على الملك أنه ما باع ولا وهب، وقالوا ما تريدون على هذا، هل يقضي بشهادتهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي بشهادتهم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يقضي بشهادتهم، وهو قول أشهب.
وذهب بعض المتأخرين إلى التلفيق بين القولين، وقال معنى قول أشهب: أنه لا يقدر على سؤالهم؛ لكونهم ماتوا أو غابوا، ومعنى قول ابن القاسم: أنه قادر على سؤالهم، والوقوف على حقيقته.
فإن كان [العبد في موضع] (٢) بعيد عن موضع البينة مما يلحق فيه الضرر المستحق في الذهاب، والرجوع بالعبد والدابة: فلا يخلو الطريق من أن يكون مأمونًا، أو مخوفًا.
فإن كان الطريق آمنًا: فحكمه حكم القريب الغيبة على سواء.
стр. 3223
فإن كان مخوفًا وهناك غرر وخطر: فالذي ينبغي أن تجوز الشهادة على الصفة في هذا الوجه قولًا واحدًا، ويأتي المستحق إلى بينته، ويكتبون له أنه سرق له عبدًا صفته كذا ونعته كذا على حسب ما عرفوا فيه من الصفات التي لا تعتبر ولا تزول، وينتقل له على عقده، فإذا وصل إلى البلد الذي فيه العبد، فيقصد إلى قاضي تلك البلدة، فإذا ثبت عقده أن ذلك كتاب القاضي الذي كتب إليه بشهادة البينة أو يستدل عليه بطابعه -على القول بالعمل بالطابع: فإنه يأمر بإحضار ذلك العبد فيعرضه على تلك الصفات، فإن [وقعت] (١) فيه أو صادف أكثرها: فلا إشكال أنه ينفذ فيه الحكم للمستحق بعد أن يحلفه على البت بيمين أنه ما باع، ولا وهب، ولا أخرجه من يده بوجه من وجوه الملك إلى أن سرق منه أو أبق.
فإن [خالفت] (٢) تلك الصفات صفاته، أو صادف أقلها: فلا شيء للمدعي، ويكتب القاضي للمدعى عليه بإسقاط دعوى المدعى عنه.
فإذا ثبت له الملك ثم طلب المستحق منه وضع القيمة، ويخرج بالعبد إلى بلد بائعه يستخلص به الثمن من عنده: كان ذلك له ويجبر المستحق على ذلك -قرب الموضع أو بعد- ويكتب له القاضي نسخة الاستحقاق، ويطبع على عنق تلك الدابة أو العبد ليتبين أنه مستحق قضى به، ولم يزل ذلك من عمل القضاة والحكام.
والحكم في الدابة أو العبد إذا هلك في الطريق إذا أصابه عيب، أو عجف، أو كسر، أو نقص، أو حوالة الأسواق مبين في الكتاب بما لا يزيد عليه [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3224
المسألة العاشرة في الحيازة
والأصل في الحيازة ما رواه عبد الجبار بن ربيعة عن عمر عن سعيد بن المسيب مرفوعًا أن النبي ﷺ أنه قال: "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له" (١) فالخبر وإن لم يسند فالنظر يؤيده؛ إذ التصرف في أملاك الأغيار محظور شرعًا إلا بأمر جائز، فكان التصرف في المتمولات بما لا يحدثه فيها إلا أهلها، أو إلى مدة لا تسامح النفوس إليها بمعين مالكها دليلًا على الملك أخذًا بالعرف واستصحابًا للحال.
ودليل اعتبار [عشر] (٢) سنين: أن الله ﵎ جعلها أبلغ شيء في العدد؛ إذ أمر نبيه ﷺ بتأخير المشركين، فلم يأذن له في الانتصار بالسيف إلا بعد عشر سنين، فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣)، فهذه أول آية نزلت في الجهاد؛ إذ بالاستئناس بهذا الظاهر يقوى جأش المجتهد في التحديد بعشر سنين، ومنبع أقوال المجتهدين وجدان في التسامح، وفقدان التشاحح، فيمتد الأمد في استقرار المواصلة، ويقصر في التنافر والمفاصلة، ومناط القول فيه بالمتداعين والمحاز والمحاربة، ومدة الخيار وهيئتها، والكلام في هذه الفصول يتداخل، ولا يتمكن إفراد كل فصل بالكلام عليه على حسب العادة المألوفة في وضع هذا الكتاب؛ وذلك لامتزاج الأسئلة وتداخل الأجوبة، غير أنَّا نبلغ المجهود في التحصيل حتى نورد في المسألة ما عليه
стр. 3225
التعويل من الأقاويل بفضل الله وتعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل، فنقول وبالله التوفيق: المتداعى فيه ضربان: مأمون، وغير مأمون، والمتداعيان ضربان: أقارب، وأباعد.
فأمَّا تداعي الأقارب في المال المأمون كالدور والأرضين: فهم على ضربين: الأقارب بالنسبة، والأقارب بالسبب، فأقرب الأقربين: الابن , فلا يخلو ما حازه على أبيه من أن يحيزه بهبة، أو صدقة، أو غير ذلك.
فإن حازه بهبة، أو صدقة: فلا خلاف في المذهب في أن الحيازة عاملة نافعة للابن في حياة الأب وبعد مماته.
فإن حازه بغير ذلك: فلا يخلو من أن يحيزه بالعمارة أو بالسكنى والزراعة.
فإن حازه بالعمارة كالبناء، والغرس، وشق العيون، وحفر الآبار، ولم ينقله عنه الأب إلى أن مات، أو طال الزمان، فهل يكون ذلك حوز أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للولد ويصح حوزه فيه إذا ادعاه ملكًا لنفسه، وهو قول محمد بن أبي قديم بن دينار، ومطرف في "العتبية".
والثاني: أنه ليس بين الوالد وولده في مثل هذا حيازة، وإن طالت عمارة، وإن بني وغرس وسكن، اتصل أم انفصل؛ لأن ذلك كالحوز لأيهم، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
فإن حازه بالسكنى والزراعة: فلا خلاف في هذا في المذهب أنه لا يصح به الملك للولد -طال الزمان أو قصر، حضر الأب أو غاب.
وكذلك حيازة غير المأمون من العبيد والحيوان: فلا حيازة للابن علي الأب في ذلك جملة، وينبغي إذا حاز جارية من جواري الأب للاستخدام
стр. 3226
والاستشغار زمانًا طويلًا ثم استشغرها بعلم الأب، ووالدها: أن ذلك حوز له إياها كالأجنبي.
والأقارب غيره بنسب أو بسبب كالولاية والصهر: فلا تخلو حيازة بعضهم على بعض بأن تكون بالسكنى، أو الزراعة، أو بالعمارة، أو بالبيع، وأشكاله.
فإن حاز بالسكنى والزراعة، هل يستحقونه بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم لا يستحقون المحاز بذلك -طال الزمان أو قصر- وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يستحقونه بطول خمسين عامًا، وإن خلا من عمارة، وهو قول أصبغ، ومطرف في "كتاب ابن حبيب"، وسواء حضروا أو غابوا.
والثالث: أنهم يستحقونه بحيازة عشر سنين كالأجانب، وهو قول ابن وهب وابن القاسم في "المجموعة"، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الأقضية والشهادات" من المدونة من قوله: أرأيت لو أن دارًا في يدي ورثتها عن أبي ثم أقام ابن عمي بينة أنها دار جده، وطلب مورثه، فقال هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك بها، فساوى بين الأقارب والأجانب في الحيازة.
وهل الأوراث والأشراك كالقرابة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهم كالقرابة، وهو أحد أقاويل ابن القاسم في "العتبية" و"الواضحة" وغيرهما، وأن الثلاثة الأقوال التي حكيناها في الأقارب تجري في الأوراث والأشراك وهو نص مطرف في "كتاب ابن حبيب":
стр. 3227
أن خمسين سنة حد السكنى بينهم في الحيازة والزراعة.
والثاني: أن الأقارب كالأجانب في أن حيازة عشر سنين بينهم تفيد الملك، والإوراث، والإشراك بخلاف ذلك، وهو قول مطرف في "الواضحة"، فيتحصل في المسألة على هذا التخريج أربعة أقوال:
أحدها: أنهم لا يستحقون المحاز بالسكنى والزراعة جملة بلا تفصيل طال الزمان أو قصر، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يستحقوه بحيازة خمسين عامًا، وإن خلا من عمارة وهو قول أصبغ، ومطرف في "كتاب ابن حبيب".
والثالث: أنهم يستحقونه عشر سنين، وهو قول ابن وهب، وابن القاسم في "المجموعة"، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، على ما حكاه ابن حبيب: أن الحيازة بالحرث، والسكنى على الورثة وغيرهم مثل الهدم، والبناء، وهو قائم من "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الأقارب والأوراث والأشراك؛ فالأقارب كالأجنبيين في أن حوز عشر سنين يقطع دعوى المدعي، والأشراك لا يقطع الحوز الدعوى بينهم إلا من خمسين عامًا فأكثر، وهو قول مطرف في "الواضحة".
وأما إذا كانت حيازتهم بالعمارة كالبناء، والغرس، وشق العيون والأنهار: فقد اختلف في حد الحوز على ذلك على قولين:
أحدهما: أن الحيازة بذلك تفيد الملك في عشر سنين، وتحفظ دعوى المدعي، وهو قول مطرف في "الواضحة": إذا كان المحاز عليه حاضرًا عالمًا, ولم ينكر ولم يغيره إذا ادعى ذلك الحائز لنفسه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" في رواية عيسى عنه أن عشر سنين، أو سبع، أو
стр. 3228
ثمانية تقطع دعوى إذا كان حاضرًا عالمًا.
والثاني: أنهم لا يستحقوه إلا بحيازة خمسين، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، والأشراك والأوراث في ذلك سواء.
وأما إذا جاوزه بالبيع وأشكاله؛ مثل أن يبيع أو يهب أو يتصدق أو يصدق للنساء والباقون حضور لم يغيروا ولم ينكروا: فلا حق لهم في المبيع إن لم يقوموا من حينهم.
فإن لم يقوموا من حينهم حتى انعقد البيع، ومضى وهو حاضر عالم ثم قام بعد ذلك، فلهم القيام في الثمن بعد أن يحلفوا أنهم ما تركوه يبيع إلا ليقوموا بحقهم في الثمن، فيصدقوا.
فإن قاموا بعد طول الزمان: فلا حق لهم في الثمن، ولا في المثمون من غير خلاف في المذهب، وكذلك في الإصداق، والتصديق، فلا قيام لهم بعد تراخ أيضًا، وهو قول مطرف في "الواضحة".
وهذا كله في حوز الجملة.
وأما إن حاز الشريك الوارث، وكان إنما حاز بعضًا, ولم يحز البعض، فإن كان ما حازه مثل سهمه فهو له بسهمه فلا شيء له في الباقي، وإن ادعى بقاء حقه فيه، وإن عمر أقل من سهمه: أتم له بقية سهمه فيما بقى، وإن عمر أكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه وما زاد فبسهمه، وهذا كله قول مطرف في "الواضحة" وهو المذهب.
فإن حاز كل واحد من الورثة شيئًا يعمله لنفسه؛ مثل الأخوة يرثون الأرض عن أبيهم، أخذ كل واحد طائفة يحرث، ويعمر حتى يموت بعضهم فكان ولده كذلك فيما ترك وقد اقتسموا ورثته ولم يقتسموا، ثم طلب ورثة الجد القسم، فإن طال الزمان فيما يندرس فيه علم المقاسمه، فذلك باق
стр. 3229
على حاله، ولا يقبل قول من طلب إعادة القسم مرة ثانية، إلا أن تكون عند من طلب القسمة منهم بينة أو سماع أن ذلك منهم على التجاوز والتسامح دون المقاسمة، فليأتنف فمن وقع حقه فيما بني أو غرس: فهو له وما وقع بناؤه في حق غيره: فليحلف ما بني إلا بمقاسمة، ثم يخير صاحبه بين أن يعطيه قيمة البناء قائمًا، وبين أن يعطيه الثاني قيمة أرضه، وإن أبيا: كانا شريكين إلا أن تقوم بينة قاطعة أنه حازه بغير مقاسمة، أو ينكل عن اليمين، ويحلف الآخر: فإن صاحب الأرض يعطيه قيمة بنائه منقوضًا، أو يأمره بقلعه، فإن لم تكن له بينة قاطعة، أو نكلا، أو أعطاه قيمته قائمًا على ما ذكرنا، وهذا كله قول أشهب في "المجموعة".
وأما الأجانب: فلا يخلو المحاز عليه من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا: فإن الحائز يستحق المحاز بحيازة عشر سنين، وإن لم يبن ولم يغرس إذا تصرف فيها بعين حاضرة من غير نكر فيه، فإن عرف أصله للمحاز عليه.
واختلف هل يكلف الحائز إثبات ما تملكه أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لابد أن يكلف ذلك إن كان بشرًا، أو هبة، أو صدقة، أو أمر يدعى فيه انقراض البينة واندراسها، وإلى هذا صار أكثر المتأخرين.
والثاني: أنه لا يكلف إثبات ذلك إذا ادعى أمرًا لا يريد إظهاره، أو لم يدع شيئًا إلا مجرد الحيازة، وهو قول مطرف في "كتاب ابن حبيب"، وهو ظاهر "المدونة" في الذي قامت الدار بيده سنين ذوات عدد يحوذها ويمنعها، ويكرى ويهدم ويبني، ثم أقام رجل البينة أن الدار داره، وأنها لأبيه حيث قال: فإن كان هذا المدعي حاضرًا يرى يبني، ويهدم، ويكري: فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، ولم يقطع إليه يسأل من أين صارت
стр. 3230
إليه، والتسع سنين والثمانية، وما قاربها بمنزلة العشرة، وهذا كله قول ابن القاسم في "العتبية" وغيرها.
فإن بني أو غرس، فهل يكون ذلك حوز من حينه ووقته أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البناء، والغرس، والهدم حوز من حينه ووقته، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثاني: أنه يكون حوزًا بعد عشر سنين فما دونها وهو قول ابن القاسم.
فإذا كان المحاز عليه غائبًا: فلا تخلو غيبته من أن تكن قريبة أو بعيدة.
فإن كانت غيبته قريبة مثل اليومين واليوم، فإن لم يعلم بحيازة الأجنبي: فهو على حقه إذا قام -طال الزمان أو قرب- وإن علم، ولا مقال له في هذا الوجه.
فإن كانت الغيبة بعيدة: فلا تخلو من أن تكون غيبة بعيدة بعيدة، أو بعيدة ليست ببعيدة.
فإن كانت بعيدة بعيدة كالأندلس من مصر، وشبه ذلك: فإن حيازة الحائز تقطع الملك المحوز عليه -علم بذلك أو لم يعلم، طال الزمان أو قصر- ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد بأنه على حقه، وإن لم يشهد لم يضره ذلك، ورواه مطرف عن مالك.
فإن كانت غيبة ليست ببعيدة جدًا: فلا خلاف في المذهب أنه على
стр. 3231
حقه إذا لم يعلم بالحوز، واختلف فيه إذا علم هل يقطع حجته أم لا على قولين:
أحدهما: أنه مهما علم ولم يخرج ولم يوكل فهو كالحاضر فلا حق له بعد ذلك، وهي رواية عن ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن علمه لا يقطع حجته، ولا تعمل عليه الحيازة إذا كان له عذر مثل أن يكون في جواز عدو أو من وراء الحيازة إذا كان له عذر مثل أن يكون في جوار عدو أو من وراء بحر، أو ضعيفًا، أو امرأة محجوبة، وهي رواية حسين بن عاصم عن ابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع في "العتبية"، و"الواضحة"، قيل لابن القاسم: فإن لم يكن به ضعف ولا عذر؟ فقال: كم يتبين عذره، ولا يكون معذورًا.
واختلف في حد الغيبة التي يعذر بها، وإن علم على ثلاثة أقوال:
أحدها: مسيرة ثمانية أيام، أو تسعة، وهو قول مطرف، وبه قال أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن حدها مثل مسيرة ثلاثة أيام، أو أربعة، وأنه معذور بذلك العذر، وإليه رجع ابن القاسم على ما حكاه أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر".
وأما حوزهم في غير المأمون كالحيوان، والثياب، وسائر العروض: أما حوزهم بالاستخدام، والامتهان على عين حاضرة: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
стр. 3232
أحدهما: أنها كالرياع جملة بلا تفصيل، وهو مذهبه في المدونة، وهو قول مطرف في "كتاب ابن حبيب" أن الحيازة في ذلك عشر سنين، وما قاربها له حكم العشرة.
والثاني: أن حيازة الثوب السنة إذا لبس وامتهن بعلم صاحبه، وإليه والسنتان، والثلاثة في الدواب، والإماء إذا كانت الدواب تركب وتكرى، وبه قال أصبغ في "كتاب ابن حبيب"، ويقول أصبغ: قال ابن أبي زمنين، وهو أقرب للمذهب.
واختلف في الورثة، والأشراك هل حكمهما في ذلك حكم الأجانب أم لا، على قولين:
أحدهما: أن حكمهم في ذلك واحد، وإنهم يستحقونها بحيازة عشر سنين، وهو قول عيسي بن دينار.
والثاني: أن الورثة والأشراك لا يستحقونها إلا بزيادة على عشر سنين باجتهاد الحاكم، وهو قول مطرف وأصبغ.
فإن تداعوا فيه قبل عشر سنين: حلف المحاز عليه مع بقاء ذلك عند الحائز، فيبقى على حقه.
فإن فوت الحائز هذه الأشياء ببيع، أو هبة، أو بصدقة، أو صداق، أو عتق، أو إيلاد قبل انقضاء أمد الحيازة: فلا يخلو من أن يبادروا بالإنكار عليه من حين علمهم، فإن تراخوا عنه، فإن تبادروا بالإنكار في الحال من غير تراخ: فلهم رد البيع، والعتق، والصدقة، والإصداق فإن لم يبادروه بالإنكار إلا أنهم قاموا بالقرب: فلهم الثمن في البيع والقيمة في العتق والإيلاد بعد أن يحلفوا أنهم ما سوغوه ذلك ولا تركوه إلا ليأخذوا الثمن أو القيمة.
стр. 3233
والهبة والصدقة والإصداق مردودة أيضًا بعد أيمانهم أنهم ما تراضوا عن القيام بنفس العلم إلا للتدبير والتبري في إقامة الحجة، وهذا تفسير ما وقع لمطرف في "الواضحة".
فإن توانى عن الإنكار مدة طويلة يفهم منها إسقاط الحجة، وتسلم الشيء لحائزه وتسويغ فعله: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن ذلك يدل على أن الملك للحائز، وأن المحاز عليه قد انصرم ملكه من الشيء المحوز، وأما الأصول فلا يستحقها بحيازة الغلة، ويصدقون أنهم وكلوه على الغلة مع أيمانهم أو أنهم ساغوا له بالغلة خاصة دون الأصل [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3234
كتاب المديان
стр. 3235
كتاب المديان
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في حبس المديان واختبار أحواله
وأصل تسميته مديانًا: كثرة ما عليه من الديون.
والدين من المذلة، يقال: دان الله، إذا أطاعه، ومنه الحديث: "الكيس من دان نفسه" (١) أي: أذلها.
والدين مذلة على من هو عليه، وقد استعاذ منه ﷺ ، وقال أيضًا: "إياكم والدين، فإنه هم بالليل ومذلة بالنهار"، وقال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم والدين، فإن أوله هم، وآخره حرب" (٢): بفتح الراء، أي: سلب، يريد والله أعلم أنه بالتفليس يسلب حتى لا يبقى عنده مال، وقد رويت عن النبي ﷺ آثار كثيرة في التشديد في المديان [منها ما] (٣) رواه ابن أبي قتادة عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر أيكفر الله به خطاياي؟ فقال النبي ﷺ نعم: فلما أدبر الرجل ناداه أو أمر به فنودى له فقال: "كيف قلت؟ "، فأعاد عليه قوله، فقال: "نعم إلا الدين فإنه كذلك قال لي جبريل" (٤).
стр. 3236
ومنها: ما روى أن النبي ﷺ كان جالسًا مع أصحابه في موضع الجنائز إذا رفع رأسه ثم نكسه ثم وضع راحته على جبهته ثم قال: "سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد" (١).
وقال ﷺ : "صاحب الدين مأسور يوم القيامة بالدين" (٢) وقال: "نفس المؤمن [معلقة] (٣) بدينه" (٤) أو قال: "من كان عليه دين حتى يقضي [دينه] (٥) ".
والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى، فقيل: إن في ذلك كله ما كان من النبي ﷺ قبل أن تفتح عليه الفتوحات، وقبل فريضة الزكاة على المسلمين، فلما فرضت الزكاة قال النبي ﷺ : "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فعلي" (٦)، وقيل: إن هذه الآثار إنما وردت فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو من تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به؛ لأنه مهما فعل، فقد قصد إلى استهلاك أموال المسلمين، وهذا هو الصحيح، فإذا ثبت ذلك فالغرماء على ثلاثة أقسام:
غريم غني، وغريم معسر غير معدم، وغريم معسر معدم.
فأما الغريم الغني: فتعجيل الأداء عليه واجب، ومطله بالحق حرام غير جائز؛ لقول النبي ﷺ : "مطل الغني ظلم" (٧).
стр. 3237
وأما المعسر الذي ليس بمعدم، وهو يفرحه تعجيل القضاء ويطريه: فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من غير مضرة تلحقه مرغب فيه ومندوب إليه، وفيه قال النبي ﷺ : "من أنظر معسرًا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (١).
وأما المعسر المعدم: فتأخيره إلى أن يوسر وأجب، والحكم بذلك لازم، فهو في نظرة الله تعالى إلى أن يوسر، ولا يحبس، ولا يؤاجر، ولا يستخدم، ولا يستعمل؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يصح أن يؤاجر فيه، خلافًا لأحمد بن حنبل الذي يقول: إن المعسر يؤاجر في الدين.
والدليل على ما عليه الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢): معناه إن حضر ذو عسرة، أو وقع ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، فالآية عامة في كل من أعسر بدين كائنًا ذلك الدين ما كان، ربًا كان أو غيره، فإذا ثبت ذلك، فالغريم مجهول على الملأ حتى يتبين عدمه كان قد أخذ في الدين الذي يطلب به عوضًا أم لا؛ لأنه إن كان أخذ به عوضًا فهو مال قد حصل إليه فلا تقبل منه دعوى العدم حتى يبينه، وإن كان لم يأخذ به عوضًا: فالمعلوم من حال الناس الحرص على الطلب، الجد في الكسب، فهو محمول على ما يعلم من حال الناس، وما جبلهم الله عليه، هذا قول الشيخ أبي إسحاق التونسي وغيره من المحققين.
فإذا لم يتبين عدمه ولم يظهر فقره: فعلى الحاكم بذل وسعه في استبراء حاله، فإن أدَّى اجتهاده إلى حبسه: فليحبسه فإن ذلك جائز له باتفاق الأمصار، والدليل على إجازة حبسه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 3238
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١)، أي: ملازمًا، فإذا جاز ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه فإذا اقتضى نظر الحاكم حبسه فحبسه: على ثلاثة أوجه:
أحدها: حبس تلوم، واختبار فيمن جهل حاله.
والثاني: حبس من ألد واتهم بأنه خبأ مالًا وغيبه.
والثالث: حبس من أخذ أموال الناس، وتعدى عليها، وادعى العدم، فلم يبين عدمه؛ إذ لم يعلم أنه جرى عليه بسببٍ أذهب ما حصل عنده من أموال الناس.
فالجواب عن الجواب الأول: وهو حبس التلوم والاختبار في المجهول الحال: فإنه يحبس قدر ما يستبرأ، ويكشف عن حاله، وذلك يختلف باختلاف الدين؛ فما روى ابن حبيب عن ابن الماجشون: فيحبس في الدريهمات اليسيرة: قدر نصف شهر، وفي الوسط: شهران، وفي الكثير من المال: أربعة أشهر، ووجه ذلك: أنه يحبس على وجه اختيار حاله، فوجب أن يكون على قدر الحق الذي يسجن لأجله.
فإن طلب المحبوس التلوم، والاختبار أن يعطي حميلًا حتى يتبين حاله، ويكشف عن أمره، ولا يحبس؛ فقد قال مالك في "المدونة" في هذا الوجه: لا يحبس، ويؤخذ عليه حميل، وفي بعض روايات "المدونة": يأخذ عليه وكيل، وحكى أبو عمران أنه رواها، والصواب رواية من رواها "حميلًا"؛ إذ لا فائدة للوكيل في هذه الصورة.
ولم يبين إن كان الحميل بالوجه أتى بالمال، والصواب هنا أن يكون
стр. 3239
بالوجه، وقد نص عليه أبو عمران، وأبو إسحاق التونسي ﵄، وغيرهما من شيوخنا القرويين والأندلسيين، ولا يقتضي النظر سواه؛ لأن هذا لم يثبت أنه ملي، ولا أنه غيب مالًا، فعاقب بالسجن والأدب، ولا قويت عليه التهمة بذلك، فيستبرئ أمره بسجنه، والتضييق عليه لعله يخرج منه، فيخرج ما عنده من المال، وإنما كان ذلك يسجن هذا توقيفًا له ليكشف حقيقة حاله، ويستخبر باطنه، فإذا أعطى حميلًا بالوجه إلى مدة الاختبار التي شرع سجنه لذلك، فإن ظهر للحاكم وجه للشدة أمر الحميل بإحضاره وبرئ من الضمان، ويحبس حتى يؤدي المال إن تبين أن له مالًا.
وإن لم يتبين له مال: أطلق بعد اليمين، وإن لم يحضره غرم المال -وإن تبين أنه عديم- من أجل اليمين اللازمة له.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو حبس ما ألد واتهم بأنه خبَّأ مالًا وغَيَّبَه، فإنه يحبس حتى يؤدي , أو يثبت عدمه فيحلف، ويسرح.
فإن سأل أن يعطي حميلًا: إلى أن يثبت عدمه أو ينال النظرة ووعد بالقضاء، أما إذا سأل أن يعطي حميلًا حتى يثبت أمره، أو حتى تزكي البينة إن شهدت له بالعدم، هل يقبل منه الكفيل بالوجه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل منه إلا أن يريد أن يسجن، وطلب أن يعطي حميلًا غارمًا لا يسقط عنه الغرم إثباته العدم؛ لأن التضييق بالحبس واجب عليه للتهمة اللاحقة رجاء أن يؤدي، وهو ظاهر قول سحنون في "كتاب ابنه".
والثاني: أنه يجوز أن يؤخذ منه الحميل بالوجه، وهو قول ابن القاسم.
стр. 3240
وذهب بعضهم إلى أن ذلك ليس باختلاف، وأن ابن القاسم إنما تكلم على من لا يعرف بالناس، وسحنون إنما تكلم على من لا يعرف به، ويتوسم بأن عنده ما يؤدي منه عليه من الحق.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو الذي أخذ أموال الناس، وتعقد عليها، وادعى العدم، فتبين كذبه؛ إذ لم يعلم أنه اجتيح بحريق أو بسرقة: فإنه يسجن أبدًا حتى يؤدي أموال الناس، أو يموت في السجن، وروى عن سحنون أنه يضرب بالدرة المرة بعد المرة حتى يؤدي أموال الناس.
وقال القاضي ابن رشد: وليس قول سحنون بخلاف لمذهب مالك؛ فقد قال مالك: وضرب الإمام الخصم على اللدد، وأيّ لدد أبين من هذا، فالقضاء بما روى عن سحنون في مثل هؤلاء الذين يقعدون على أموال الناس، ويرضون بالسجن، ويستحقونه ليأكلوا أموال الناس ويستهضموها؛ بل هو الواجب الذي لا تصح مخالفته إن شاء الله تعالى.
وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضيه بقدر ما أحدثوا من الفجور (١).
وما حكاه ابن الهندي عن سحنون ﵁ أنه قال في ابن أبي الجواد إذا ضربه حتى مات إن صح فلا يدل على رجوعه عن مذهبه، وإنما يدل على ثبوته عليه، واستنصاره فيه مع ورعه وفضله؛ لأنه قال: لم أقتله أنا، وإنما قتله الحق، وأشفق -مع ذلك- إشفاق المؤمن الحذر الخائف لربه؛ مخافة أن يكون جاوز في اجتهاده، اقتداءًا بعمر بن الخطاب ﵁ في قوله:
стр. 3241
لو مات جمل بشاطئ الفرات ضياعًا لخشيت أن يسألني الله عنه.
فإذا حبس في دين، فإنه لا تدخل عليه امرأته؛ لأنه إنما يراد التضييق عليه، وقول سحنون، وقال محمد بن الحكم: ولا يخرج للجمعة ولا للعيدين، واستحسن إذا اشتاد مرض أبويه أو ولده أو أخته أو أخيه، وخيف عليه الموت أن يخرج، ومن يقرب من قرابته فيسلم عليهم، ويؤخذ منهم كفيل بوجهه، ولا يفعل ذلك في غيرهم من القرابة، ولا يخرج لحجة الإسلام، ولو أحرم بحجة أو عمرة , أو نذر فقيم عليه بالدين، فإنه يحبس وبقى على إحرامه، ولا يحله منه إلا الطواف بالبيت [وإن] (١) طال الزمان، وهو نص قول مالك في "كتاب الحج الثاني" من "المدونة" في قوم اتهموا بالدم، فأخذوا وهم محرمون بالحج: إنهم يحبسون، ولا يحلهم إحرامهم إلا الطواف بالبيت.
وقال ابن الحكم: ولو ثبت الدين عليه يوم نزوله بمكة أو منى, أو عرفة استحسنت أن يؤخذ معه كفيل حتى يفرغ من الحج، ثم يحبس بعد النفر الأول، وهذا كله منصوص لابن عبد الحكم في "كتاب ابن سحنون".
وكل من وجب عليه حق من الحقوق لقريب أو لأجنبي، فإنه يحبس فيه إذا طلب ذلك صاحب الحق, إلا الوالدين، فإنهما لا يحبسان فيما ترتب لولد في ذمتيهما من الدين، ولا يحلفهما؛ لأن ذلك من باب العقول؛ لأنه حق لا يوصل الولد إليه إلا بعد ارتكاب محظور.
فإن شح الابن في استحلاف أبيه استحلف له، وكانت جرحه على الابن، وهو قول ابن القاسم في "الواضحة" و"الموازية" ونصه في "المدونة": "إن استحلفه وهى جرحه"، ولم ينص على أنه يستحلف له
стр. 3242
إن طلب ذلك، فأمعن النظر في هذا المعنى كيف يجوز للحاكم مساعدة الولد على تحليف الأب وسجنه، وهو من الكبائر، وكيف يحمله على ارتكاب محظور متفق على حظره.
فإن قلنا: إن الولد طلب أمرًا أباحته الشريعة على الجملة، فنقول أيضًا في ضمن امتثاله أمر قد حصرته الشريعة على الجملة، والأصول على أن كل طاعة لا يتوصل إلى فعلها إلا بارتكاب محظورة في نفسها.
أصل ذلك الحج على مشهور المذهب، فإن الولد إذا تعينت عليه فريضة الحج، فمنعه أبوه من السفر لأدائها أنه لا يخرج، ولا يكون عاصيًا بترك المبادرة إلى أدائها؛ بل هو عاص بالخروج، مطيع بالتخلف عن الخروج، ولو مات قبل أن يحج على الصورة المفروضة لكان غير مأثوم، وهذا كما تراه، ولاسيما على مذهب البغداديين من أصحابنا القائلين بأن فريضة الحج على الفور.
وقال بعض المتأخرين غاية المقدور في ذلك أن يقال للولد قد طلبت حقًا واجبًا في مقتضى الشرع، فأنت عاص في استيفائه.
فانظر لنفسك ما هو أرشد لها.
وأما إذا امتنع الأب [من] (١) الإنفاق على ولده الصغير: فإنه يحبس في ذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم في "كتاب ابن سحنون": والفرق بين النفقة، وما له عليه من الدين أن ترك الإنفاق على ولده الصغير من الإضرار به، فالسلطان يأخذه بذلك، ويلزمه إياه.
ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين إذا كان لهم في يده مال، وكذلك الأب يحبس في الدين الذي على الولد إذا كان له بيده
стр. 3243
مال، و [ما] (١) رواه ابن سحنون عن ابن عبد الحكم معناه أنه قبض له مالًا , ولم يعلم له نفاذه، ولا يقبل قوله أنه يدعي خلاف الظاهر من حاله.
ولا يمتنع المحبوس أن يسلم على أحد معه، أو يسلم عليه، ولا يخرج، وإن اشتد به المرض إلا أن يغلب على عقله، فيخرج بحميل، فإن احتاج إلى أمة تباشر منه لا يباشر غيرها، وتطلع على عورته، فلا بأس بذلك.
فإذا حبس الزوجان في دين عليهما، فطلب الغريم أن يفرق بينهما في الحبس، وطلب الزوجان أن يجتمعا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للزوجين إن كان السجن خاليًا فليجتمعا، وإن كان فيه غيرهما: حبس الرجل مع الرجال، والمرأة مع النساء، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يفرق بينهما, ولا يمكن أن يكون معه امرأته وتبيت عنده؛ لأنه إنما سجن ليضيق عليه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 3244
المسألة الثانية في طرآن الغريم
والكلام في هذه المسألة على ثلاثة أسئلة:
الأول: طروء الغريم على الغرماء.
والثاني: طروء الغرماء على الورثة بعد قسمة التركة.
والثالث: طروء الغريم على الغرماء وعلى الورثة.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو طروء الغريم على الغرماء؛ مثل أن يموت رجل وعليه من الدين ما يفترق ماله، فقام عليه غرماؤه وأخذوا ماله، وقسموه على قدر ديونهم، ثم طرأ غريم، فلا يخلو الورثة من أن يعلموا بنفقة الغرماء، أو لم يعلموا.
فإن علموا بنفقة الغرماء، وكان الميت موصوفًا بالدين: فإن الغريم الضاري يرجع إما على الورثة، وإما على الغرماء.
وقد اختلف على من يرجع في الابتداء على قولين منصوصين في الكتاب:
أحدهما: أن الغريم القادم يرجع أولًا على الورثة بقدر ما هو به في الحصاص أن لو حضرتم ثم يرجع الورثة، أو الوصي على الغرماء الذين اقتضوا أولًا لذلك القدر.
والثاني: أن الضاري يرجع على الغرماء أولًا، فإن وجدهم أمينًا أخذ منهم ما ينوبه في المحاصة أن لو حضر معهم، ثم لا رجوع لهم على الورثة بشيء.
стр. 3245
وإن وجدهم عدمًا: فإنه يرجع على الورثة بذلك القدر, ثم يرجع الورثة على الغرماء الأولين بما ادعوا من ذلك إلى التقادم.
والقولان لابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المسبب والمباشر أيهما أولى بالمؤاخذة، ولاسيما في مسألتنا أن المسبب قد تعدى فيه الدفع والتمكين بعلمه بأن المال الذي مكن فيه الغرماء تعين في الحق لغيرهم إما بمحض العلم كعلمه ببقية الدين, وإما بغلبة ظن لكون الميت موصوفًا بالدين, وعلى القول بأن عهدة الطارئ على الغرماء إما بطريق الإيصاء لكون الوارث الوصي غير عالم ببقية الدين , وإما على القول بأنه العهدة أولًا على الغرماء.
وإن علم للوارث فلا تخلو التركة من أن تكون مما يرجع إلى المثل, أو ما يرجع إلى القيمة.
فإن كان التركة مما يرجع إلى المثل؛ كالمكيل والموزون: فإنه يرجع على واحد منهم بما ينوبه في المحاصة أن لو حضر القسمة أولًا، ولا يأخذ الملي بالمعدم، وسواء كان عين ما أخذوه قائمًا أو فائتًا؛ لأنه إن كان قائمًا أخذه، وإن كان فائتًا أخذ مثله؛ لأن المثل في المكيل والموزون يقوم مقام العين، ولا تنتقض القسمة بينهما في ذلك، ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه.
فإن كانت التركة مما يرجع إلى القيمة؛ كالعروض والحيوان فلا يخلو ما أخذوه من أن يكون قائمًا بأيديهم , أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالطارئ مخير بين أن ينقض القسمة بينهم حتى يأخذ حقه من الوسط؛ لما يدخل عليه من الضرر في تبعيض حقه، أو يبقيها
стр. 3246
على ما كانت عليه، ويأخذ من كل واحد منهم ما ينوبه مما قبض.
فإن كان فائتًا: فلا يخلو فواته من أن يكون بسبب قابضه، أو بسبب سماوي.
فإن كان بسببه: فإنه ضامن النصيب الطارئ من غير اعتبار بكمية الأخلاف من البيع، والهبة والصدقة، والعتق، والإيلاد، وغير ذلك من أنواعه.
فإن كان بسبب سماوي فلا يخلو ذلك من أن يكون مما يغاب عنه، أو مما لا يغب عنه.
فإن كان مما يغاب عنه، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كل واحد منهم ضامن للطارئ مما ينوبه مما قبض، وإن قامت له البينة على تلفه، ولا فرق في ذلك بين العين وغيره.
والثاني: أنه لا ضمان عليه في العين، ولا غيره إذا قامت البينة على تلفه، وإن لم تقم البينة كان ضامنًا.
والثالث: الفرق بين العين وغيره؛ فيضمن بالعين، وإن قامت البينة على التلف، ولا يضمن غير العين إذا تلف ببينة، وهو قول أصبغ في "العتبية".
فإن كانت التركة مما لا يغاب عليه، هل يصدق في دعوى التلف بغير سببه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه ويحلف.
والثاني: أنه ضامن على كل حال.
وسبب الخلاف: اختلافهم في ديون الغرماء هل هي متعينة في عين
стр. 3247
التركة؟ أو في ذمة الميت؛ فمن رأى أنها متعينة في عين التركة: قال بأنهم ضامنون من غير اعتبار بصورة التلف كان ببينة أو بغير بينة، كان ذلك الشيء مما لا يغاب أم لا؛ لأن ذلك ضمان أصل بمنزلة من استهلك مال غيره يظن أنه ماله ثم تبين له أنه مال غيره، فإنه يضمنه.
ومن رأى أنها متعينة في ذمة الميت: فيفصل بين قيام البينة على التلف، وعدم قيامها، وبين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه؛ لأنه ضمان تتمة، لا ضمان أصل.
ومن فرق بين العين وغيره، فليس لتفرقه وجه، اللهم إلا أن يلاحظ من فرق بين العين وغيره فيما إذا تلف المال قبل أن يقسم على الغرماء، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهكذا الحكم في طروء الوارث على الورثة في جميع فصول المسألة ووجوهها.
وأما إن كان الورثة غير عالمين بدين بقية الغرماء، ولا كان الميت موصوفًا بالدين: فلا رجوع للغرماء الطارئين عليهم بوجه ولا على حال، سواء وجدوا الغرماء الماضين أملياء أم غرماء؛ لأنهم ما أخذوا لأنفسهم شيئًا, ولا تسببوا في تلف مال أحد، وإنما فعلوا ما وجب عليهم من تسليم التركة للغرماء خاصة.
والجواب عن السؤال الثاني: في طروء الغرماء على الورثة بعد قسمة التركة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون الورثة عالمين بدين الغرماء، أو كان الميت موصوفًا بالدين.
والثاني: أن يكونوا غير عالمين، ولا كان الميت موصوفًا بالدين، فإن
стр. 3248
علموا بالدين، أو كان الميت موصوفًا بالدين: فلا يخلو الورثة من أن يقسموا جميع التركة، أو عزلوا منها مقدار الدين، ثم قسموا ما بقى.
وإن قسموا جميع التركة: فلا تخلو التركة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة إما بأيدي الورثة، وإما في أيدي غيرهم مثل أن يبيعوها، أو يهبوها، أو يتصدقوا بها، فهل تنتقض القسمة أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القسمة تنتقض، وهي رواية أشهب عن مالك، وإن رضي الورثة بدفع الدين من أموالهم، وينتقد ما عقدوا فيها من العفو وتسترجع السلع من يد من قبضها -مشتريًا كان أو موهوبًا له؛ لأن الميراث لا يصح إلا بعد قضاء الدين؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) , فصار بيعًا منهيًا عنه لحق الله تعالى، فأشبه بيع يوم الجمعة أو الثنية، أو بيع التفرقة، وما أشبه هذا، فيجب فسخه لمكان النهي عنه، وإن كان لا غرر في ثمنه، ولا مثمونة.
والقول الثاني: أن القسمة لا تنتقض، فإن كان الورثة أملياء، أو كان الثمن الذي باعوا به قائمًا بأيديهم، ويدفع للغرماء، ويمضي البيع؛ لأن الغرماء لا حق لهم في أعيان السلع، وإنما حقهم في دين يأخذونه، فمتى أخذوه لم يكن لهم في السلع كلام.
فإن لم يكن للورثة مال، ولا وجد معهم الثمن الذي باعوا به: كان للغرماء أخذ السلع من أيدي المشتريين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما نمى في أيديهم لو نقص قيمته يوم قبضوه، فذلك لهم.
стр. 3249
وإن كان قائمًا ويرجع المشتري على الورثة بالثمن، وهو قول مالك في "الموازية"، وهو تفسير لما في "المدونة"؛ لأنه لم يبين في "الكتاب" هذا البيان.
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وقد اتفق المسلمون قاطبة أن الدين قبل الميراث.
فإن كان التركة قد فاتت: فلا يخلو فواتها من أن يكون فواتًا حسيًا، أو فواتًا معنويًا.
فإن كان فواتا حسيًا: فالورثة ضامنون لقيمة ما قبضوه من التركة يوم قبضوه، سواء فات بتلف أو بإتلاف؛ لأنهم بوضع اليد ضامنون لعلمهم بتعيين حق الغير فيما أخذوه ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن كان فواته فوات معنى؛ مثل أن يعتقوا، أو يدبروا، أو أكروا، أو فعل ذلك من صارت إليه تلك الأعيان بشراء أو بهبة أو بصدقة من الورثة، فلو كان الورثة أملياء: أخذ منهم الثمن أو القيمة، على ما قدمناه, وسواء كان الفوات من فعلهم أو من فعل غيرهم.
فإن كانوا غرماء: أخذت منهم تلك الأعيان، ويبعث للغرماء فيما وجب لهم، ولا تأثير بفعلهم إن هم فعلوا ذلك، غير أنه يدرأ عنهم الحد في وطء الجواري للشبهة؛ لأجل أن حق الغرماء لم يتعين في عين التركة، وبدليل أن لو ظهر للميت مال آخر لكان للورثة أن يردوا منه الدين، ويمضي فعلهم فيما فعلوا؛ لأنهم يؤدبون لاقتحامهم في التحكم في مال ليس لهم فيه حق في ظاهر الأمر.
فإن فعله غيرهم ممن صار إليه بشراء أو صدقة، أو هبة، فإن كان الفاعل موسرًا: أخذت منه قيمة ذلك يوم قبضه، ومضى فعله، ويرجع بذلك على الورثة.
стр. 3250
وإن كان عديمًا: فلا يخلو من أن يكون عالمًا بفعل الورثة، أو لم يعلم.
فإن كان عالمًا بتعدي الورثة على التصرف بالبيع وغيره: فحكمه حكم الورثة، وقد بيناه.
وإن كان غير عالم بتعديهم هل للغرماء رد ذلك، ويبطل العتق، والإيلاد أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن للغرماء رد العبد، ويبطل العتق والإيلاد، وهو قول مالك في "كتاب الغصب" في الذي اشترى أمة من غاصب، ولم يعلم بأنه غاصب، فأعتقها ثم استحقها ربها؛ حيث قال: له أخذها، ويبطل عتقه؛ فقد تساوى في التعدي، وتسليط الشرع إياهما على تلك الأعيان، إلا أن أحدهما يسلطه على ملك عين الشيء المستحق لكونه من ملكه غصب، ومن حوزه استخرج، والغصب عندنا لا يقطع الملك، فصار ملك المالك مستدامًا، والآخر سلطه على استيفاء حقه من تلك الأعيان وحقه فيها متعين لعدم القدرة على غيرها في الحال، فأشبه الغاصب من هذا الوجه.
والثاني: أنه لا رد لهم، والعتق والإيلاد نافذ؛ لأنهم غير متعدين فيما فعلوه؛ لأنهم تصرفوا بوجه شبهة والغرماء لم يستحقوا الأعيان بكل حال، ولا لهم البيع دون النظر ممن يجب له النظر في ذلك وأمثاله، وإلى هذا أشار بعض المتأخرين، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع والأول أصح.
وأما الوجه الثاني: إذا عزلوا من التركة مقدار الدين، ثم اقتسموا ما
стр. 3251
بقى، ثم قدم الغريم وقد تلف المال في الإيقاف بسبب سماوي، هل يكون ضمانه من الورثة, أو من الغرماء؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ضمانه من الغرماء إذا كان المال الموقوف مثل ديونهم قدرًا وصفة، وهو قول مطرف, وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب" وهذا هو المشهور.
والثاني: أن ضمانه من الورثة حتى يقبضه الغرماء، وهو قول مالك في "كتاب المديان".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المال إذا تلف بعد أن وقف ليقسم على الغرماء، هل يكون ضمانه من الغرماء، أو من الغريم؟
وإيقاف الورثة المال بالإشهاد كوقف الحاكم إياه؛ لأن الجماعة العادلة تقوم مقام السلطان إذا كانوا بموضع لا سلطان فيه.
وأما الوجه الثاني من السؤال الثاني: إذا كان الورثة غير عالمين بالدين، وكان الميت موصوفًا بالدين: فلا تخلو التركة من أن تكون قائمة بأيدي الورثة، أو فائتة.
فإن كانت التركة بأيدي الورثة قائمة أو بعضها؛ مثل أن يفوت ما أخذ بعضهم، وبقى ما أخذ البعض، هل تنتقض القسمة بطرءان الغرماء عليهم أم لا؟
فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن القسمة تنتقض بين جميعهم حتى يخرجوا الدين من جملة المال ثم يقتسموا ما بقى, وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب محمد" وغيره، وظاهره أن القسمة تنتقض، فإن رضي الورثة بإخراج الدين من
стр. 3252
أموالهم ليقروها؛ لأنها قبض لحق الله تعالى؛ لأنها قسمة وقعت قبل خروج الدين.
والثاني: أنها لا تنتقض جملة بلا تفصيل، وهو قول أشهب، وسحنون.
والثالث: أنها تنتقض بين جميعهم، إلا أن يشاء الورثة أن يخرجوا الدين، ويقروا قسمتهم بحالها، أو يتطوع أحدهم بإخراج جملة الدين من عنده لاغتباطه بحقه، فيكون ذلك له.
ولا تنتقض القسمة بمنزلة ما لو وهبه صاحبه.
وليس لأحدهم أن يخرج ما ينوبه من الدين، ويتمسك بحظه الذي صار إليه بالقسمة إلا أن يرضى بذلك جميعهم، وهو أحد قولي ابن القاسم.
فإن رضوا بإخراج الدين من أموالهم إلا واحد، فإن كان الدين ثبت بغير شهادة بعض الورثة: كان ذلك للآبى، ولا يلزم ذلك برضاهم.
فإن كان الدين ثبت بشهادة أحدهم مع يمين الطالب، وكان الشاهد هو الآبي ألا تنتقض القسمة، هل يقبل ذلك منه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يقبل منه، ويلزمه ما دعى إليه أصحابه، ويقال له: إما أن تخرج منابتك من الدين، وإلا بعنا عليك ما صار لك بالقسم، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة في "كتاب القسمة" "وكتاب الشهادات"، وغيرهما؛ لأنه يتهم على أنه إنما أراد نقض القسمة ليزداد حظه؛ إما لغَبْن جرى عليه فيها، أو لإتلاف حظه، أو بعضه بأمر من الله، أو ما أشبه ذلك، وهو اختيار القاضي أبو الوليد.
стр. 3253
والثاني: أن قوله في ذلك مقبول، وأنه لا يلزمه ما دعاه إليه أصحابه، وأن له نقض القسمة، إلا أن يؤدوا الدين على ألا يتبعوه في نصيبه بشيء، فإن ذلك لهم، وهو ظاهر قوله في "المدونة"؛ لأن الشاهد الآبي بين إحدى حالتين؛ إما أن يتهم على نقض القسمة لغرض له في نقضها، فذلك يسقط شهادته من أصلها، وإما ألا يتهم: فلا يلزمه ما فعل أصحابه إلا أن يؤدوا عنه الدين كما قدمناه.
وعلى القول بأن القسمة تنتقض بينهم إلا أن يشاء الورثة أن يخرجوا الدين من عندهم، فإذا أبوا من إخراجه، وانتقضت القسمة، فإن ما بقى من التركة بعد قضاء الدين يكون بين جميع الورثة؛ من فات بيده منهم بآفة سماوية أو بعضه، ومن بقى جميع سهمه، فإنهم يقتسمون ذلك على فرائضهم، ويحطونه كأنه جميع التركة، وهو أحد قولي ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة".
والقول الرابع من الأقوال: أن القسمة إنما تنتقض بين من بقى حظه بيده، أو شيء منه، أو استهلكه.
وأما من تلف جميع حظه بأمر من السماء: فلا يرجع عليه بشيء من الدين، ولا يرجع هو مع سائر الورثة فيما بقى من التركة بعد تأدية الدين؛ فلا له ولا عليه، وهذا القول لابن القاسم في "كتاب القسمة" أيضًا.
وأما من تلف حظه: فإن الدين جميعه يؤخذ، فمن بقى سهمه بيده، فإذا أخرج الدين نظر إلى الباقي بعد خروجه، فيضم إلى قيمة ما أتلف هؤلاء، فيكون هو جميع التركة، فيرجع الذي أدى الدين عليهم بقدر ما ينوب كل واحد منهم، فهذا قوله في "الكتاب"، فتأمل هذا الكلام، فإن ظاهره يؤذن بالاضطراب أيضًا، وقوله: كأنه جميع التركة يؤذن بأن
стр. 3254
القسمة تنتقض، ومن بقى سهمه بيده قائمًا رده، ومن استهلك ما أخذ أخرج قيمته يوم أخذه، ويضم إلى ما بقى من التركة فيقسم بينهم على فرائض الله تعالى.
وقوله: "يضم ما بقى بيد هذا الوارث بعد الدين إلى ما أتلف بقية الورثة، فكان هو التركة، فما بقى بيد الغارم كان له، ويسع جميع الورثة بتمام مورثه من مال اليتيم" يؤذن بأن القسمة لا تنتقض؛ لأنها لو انتقضت لضم بقية الورثة إلى قيمة المتلف، ويقسم بينهما على فرائض الله تعالى؛ فهذا لم يمشه على أنها تنتقض، وعلى أنها لا تنقضض، وجعلها تنتقض بين ما بقى سهمه بيده من غير اعتبار بنمائه ونقصانه فلم يجعل فوات البعض كفوات الكل.
ولا شك أن نقصان الذات بسبب سماوي كذهابها [كلها] بذلك السبب؛ لأنه قال في أحد قوليه: من فات سهمه بسبب سماوي: لا له، ولا عليه.
وكذلك كله اختلاف قول، واضطراب رأي.
والقول الخامس: أن القسمة تنتقض بين جميعهم؛ مثل قول ابن القاسم الأول إلا أن لمن شاء منهم أن يعد نصيبه بما ينوبه من الدين، وكان ذلك له، إلا أن يكون ما بأيدي سائر الورثة، قد تلف شيء منه بموت أو جائحة، فليس ذلك إلا أن يشركهم في ضمان ما مات من ذلك أو أجيح، فإنه يحمل منه ما ينوبه، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
وعلى قول سحنون، وأشهب بأن القسمة لا تنتقض فما كيفية إخراج الدين وتفضيضه؟.
فقد اختلف فيه على قولين:
стр. 3255
فذهب سحنون إلى أنه يفض على قيمة ما بيد كل واحد منهم يوم الحكم.
وذهب أشهب في أحد قوليه إلى أن الدين يفض على الأجزاء التي فيها اقتسموا عليها -زادت قيمتها أو نقصت- ما دامت قائمة لم تتلف.
ومعنى قول أشهب: يغض الدين على الأجزاء التي اقتسموا عليها يريد بالسهام سهام المسألة؛ كالنصف والربع والثلث والسدس، وعلى ذلك يفض الدين، وهذا مراده، والله أعلم.
ولا فرق على مذهب أشهب، وسحنون بين أن يكون الدين قد ثبت بشهادة شاهدين، أو بشهادة أحد الورثة مع يمين الطالب؛ إذ لا انتفاع للشاهد بشهادتهما على مذهبهما.
فإذا فات ما بأيدي الورثة من التركة، فلا يخلو فواتها من ثلاثة أوجه
إما أن يكون بإتلاف، أو بإحداث، أو بتلف من السماء.
فإن كان بإتلاف؛ مثل أن يأكلوه ويستنفقوه، هل يضمنون بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنهم ضامنون لديون الغرماء باستنفاق التركة واستهلاكها، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب القسمة" من "المدونة" و"الموازية"، وظاهره: ألَّا فرق بين الصغار والكبار، وهو قول أشهب في "الموازية"؛ حيث قال: إن طرأ دين رجع عليهم أجمع، وإن لم يكن عند الصغار شيء؛ لأنه أنفق عليهم أخذ من الكبار، ويرجع الكبار على الصغار بحصتهم، وإن لم يوجد أيضًا عند الكبار شيء اتبع الغرماء الصغار والكبار بقدر حصصهم التي ورثوا، وبه قال أصبغ، وهو قول المخزومي في "كتاب
стр. 3256
النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنهم لا يضمنون بالاتفاق عند طرءان الغرماء، وهو قول ابن القاسم في الصغير في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة" في الوصي إذا أنفق التركة على اليتيم، ثم طرأ غريم؛ حيث قال: لا ضمان على الوصي، ولا على اليتيم.
والكبير يقاس على الصغير بعلة إتلاف مال الغير على وجه الشبهة.
وغاية ذلك أن يحمل منها محمل الخطأ، والعمد والخطأ في أموال المسلمين سواء، ولا خلاف عندنا في المذهب أن جناية الصغير على الأموال لازمة لماله وذمته.
والقول الثالث: التفصيل بين الصغير والكبير؛ فالكبير ضامن والصغير غير ضامن، وهو ظاهر المدونة؛ حيث نص على الصغير في كتاب النكاح أنه لا يضمن، وهو نص قوله في "العتبية"، ونص في "كتاب القسمة" على الضمان جملة ولم يفصل.
وسبب الخلاف: الدين الطارئ على الميت هل هو متعلق بعين التركة أو هو واجب في ذمة الميت.
فأمَّا إتلافها بإحداث؛ كالبيع، والهبة، والصدقة، والعتق: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يضمنون بذلك، ويلزمهم أن يؤدوا قيمة ما أتلفوا بغير عوض، ولا يرجع على الموهوب له بشيء، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة"، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسم في البيع"؛ حيث قال: وما بيع فعليه ثمنه، لا قيمته إن لم يحاب.
والثاني: أنهم لا يضمنون بذلك شيئًا فيما لم يؤخذ منه عوضًا, ولا
стр. 3257
لهم في المبيع إلا الأثمان، ولا رجوع لهم على المشترين في عدم البائع، إلا أن يكون في المبيع محاباة، فيكون حكمه حكم الهبة؛ يريد: فيرجع عليهم صاحب الدين بالمحاباة كما يرجع الموهوب له بعد قيام الهبة دون فواتها، وهو قول أشهب وسحنون.
فأما ما تلف بسبب سماوي: فلا يخلو ذلك الشيء من أن يكون مما يغاب عنه، أو مما لا يغاب عنه.
فإن كان مما لا يغاب عنه، فهل يضمنه الوارث بالتلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
فإن كان مما يغاب عنه: فالمذهب في ضمانه بالتلف مع قيام البينة على قولين:
أحدهما: أنهم لا يضمنون، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنهم ضامنون مع قيام البينة على التلف، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيى في "العتبية".
والثالث: أنهم يضمنون العين دون ما سواه، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: ما تقدم في دين الغرماء، هل هو متعلق بالذمة أو بعين التركة؟
والجواب عن السؤال الثالث: في طروء الغريم على الغريم، وعلى الورثة؛ مثل أن يقوم الغرماء على ميت، فأخذوا ديونهم من تركته، وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم آخر لم يعلم به: فلا يخلو الورثة من أن يبيعوا التركة مبادرة، أو بعد الاستيفاء.
فإن باعوها مبادرة وقد قسم الورثة الفضلة، واستهلكوها، فإن وجد الورثة أملياء: كان له الرجوع عليهم بجميع دينه إن كان في الفضلة كفاف
стр. 3258
دينه، فإن لم يكن فيها كفاف دينه رجع على الغرماء بما بقى له، ويتبع كل واحد بقدر ما ينوبه في المخاصمة أن لو كان معهم في حين الحصاص، ولا يأخذ الغني منهم بالمعدم، بخلاف رجوعه على الورثة يأخذ منهم الملي بالمعدم، وله أن يستوفي جميع حقه من واحد، إلا أن يكون دينه أكثر من سهم الوارث من التركة، فلا شيء عليه أكثر من ذلك، فإن وجد الورثة فليرجع على الغرماء بما كان ينوبه معهم، ثم يرجع جميعهم على الورثة، وهو قول عبد الملك في "الموازية"، وهو تفسير للمذهب.
فإن كان بيعهم بعد توان وتربص: فإن بيعهم هاهنا يجرى مجرى بيع السلطان، فلا رجوع له على الغرماء بوجه، وإنما له اتباع الورثة إذا كان في تلك الفضلة كفاف دينه، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3259
المسألة الثالثة في إقرار من أحاط الدين بماله بالدين لمن لا بينة له أو إقرار من هو في معناه ممن تلحقه من وجه ما
ولا يخلو هذا المقر بالدين على نفسه من أن يكون مريضًا، أو صحيحًا.
فإن كان صحيحًا: فلا يخلو من أن يحجر عليه الغرماء في التصرف، أو لم يحجروا عليه بعد.
فإن حجروا عليه في التصرف فلا خلاف في المذهب أن تصرفاته بعد الحجر مردودة -كانت بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة، والصدقة، والعتق.
وإقراره بالدين بعد الحجر لازم في ذمته، وما يفيد من المال بعد التفليس، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب التفليس"، إذا رفعوه إلى الإمام وحبسه لهم؛ حيث قال: ولك وجه التفليس، فلا يجوز إقراره إلا ببينة.
فأما قبل الحجر عليه وقبل التفليس ومقدماته: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أو تصرفه في المعاوضات جائزة كالبيع والكراء وهبة الثوب، ما لم يكن في ذلك محاباة، إلا ما يستقرأ من "المدونة" من "كتاب المديان" و"التفليس" من قول الغير أن القضاء كالبيع.
وقال في موضع آخر في "الكتاب": إن الرهن مثل البيع، وهو قوله في "كتاب المديان" من "المدونة"، فيوهم هذا الظاهر أن الخلاف يدخل في البيع كما هو في القضاء والرهن.
стр. 3260
ولا خلاف في المذهب أيضًا أن تصرفه في المعارف في ماله كالهبة، والصدقة، والعتق لا يجوز، وأن للغرماء رد ذلك وفسخه.
وأما قضاؤه ورهنه لبعض غرمائه دون بعض: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: المنع جملة.
والثاني: الجواز ما لم يتشاور الغرماء في تفليسه، والقولان في "الكتاب".
والثالث: أنه يجوز قضاؤه، ولا يجوز رهنه، وهذا القول حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد، ولم يسم قائله، وقال: إنه يؤخذ من المدونة، ولم يتبين من "الكتاب" ما أشار إليه.
والقول الرابع: أن رهنه وقضاءه جائز، وإن تشاوروا تفليسه ما لم يفلسوه، وهو قول أصبغ.
وهذا كله فيمن لا يتهم عليه.
وأما إقراره بالدين قبل التفليس لا يخلو من أن يكون لمن يتهم عليه، أو لمن لا يتهم عليه.
فإن كان لمن لا يتهم عليه، فإقراره له جائز، ويتحاص المقر له مع الغرماء بما بيد المقر من المال.
فإن كان لمن يتهم عليه كالأخ والصديق، ومن كان في معناهما، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه جائز.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو قوله في المدونة.
ومعنى قوله أنه لا يجوز: يريد أنه لا يتحاصص مع الغرماء فيما بيده