النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنهم لا يضمنون بالاتفاق عند طرءان الغرماء، وهو قول ابن القاسم في الصغير في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة" في الوصي إذا أنفق التركة على اليتيم، ثم طرأ غريم؛ حيث قال: لا ضمان على الوصي، ولا على اليتيم.
والكبير يقاس على الصغير بعلة إتلاف مال الغير على وجه الشبهة.
وغاية ذلك أن يحمل منها محمل الخطأ، والعمد والخطأ في أموال المسلمين سواء، ولا خلاف عندنا في المذهب أن جناية الصغير على الأموال لازمة لماله وذمته.
والقول الثالث: التفصيل بين الصغير والكبير؛ فالكبير ضامن والصغير غير ضامن، وهو ظاهر المدونة؛ حيث نص على الصغير في كتاب النكاح أنه لا يضمن، وهو نص قوله في "العتبية"، ونص في "كتاب القسمة" على الضمان جملة ولم يفصل.
وسبب الخلاف: الدين الطارئ على الميت هل هو متعلق بعين التركة أو هو واجب في ذمة الميت.
فأمَّا إتلافها بإحداث؛ كالبيع، والهبة، والصدقة، والعتق: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يضمنون بذلك، ويلزمهم أن يؤدوا قيمة ما أتلفوا بغير عوض، ولا يرجع على الموهوب له بشيء، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة"، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسم في البيع"؛ حيث قال: وما بيع فعليه ثمنه، لا قيمته إن لم يحاب.
والثاني: أنهم لا يضمنون بذلك شيئًا فيما لم يؤخذ منه عوضًا, ولا
стр. 3257
لهم في المبيع إلا الأثمان، ولا رجوع لهم على المشترين في عدم البائع، إلا أن يكون في المبيع محاباة، فيكون حكمه حكم الهبة؛ يريد: فيرجع عليهم صاحب الدين بالمحاباة كما يرجع الموهوب له بعد قيام الهبة دون فواتها، وهو قول أشهب وسحنون.
فأما ما تلف بسبب سماوي: فلا يخلو ذلك الشيء من أن يكون مما يغاب عنه، أو مما لا يغاب عنه.
فإن كان مما لا يغاب عنه، فهل يضمنه الوارث بالتلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
فإن كان مما يغاب عنه: فالمذهب في ضمانه بالتلف مع قيام البينة على قولين:
أحدهما: أنهم لا يضمنون، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنهم ضامنون مع قيام البينة على التلف، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيى في "العتبية".
والثالث: أنهم يضمنون العين دون ما سواه، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: ما تقدم في دين الغرماء، هل هو متعلق بالذمة أو بعين التركة؟
والجواب عن السؤال الثالث: في طروء الغريم على الغريم، وعلى الورثة؛ مثل أن يقوم الغرماء على ميت، فأخذوا ديونهم من تركته، وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم آخر لم يعلم به: فلا يخلو الورثة من أن يبيعوا التركة مبادرة، أو بعد الاستيفاء.
فإن باعوها مبادرة وقد قسم الورثة الفضلة، واستهلكوها، فإن وجد الورثة أملياء: كان له الرجوع عليهم بجميع دينه إن كان في الفضلة كفاف
стр. 3258
دينه، فإن لم يكن فيها كفاف دينه رجع على الغرماء بما بقى له، ويتبع كل واحد بقدر ما ينوبه في المخاصمة أن لو كان معهم في حين الحصاص، ولا يأخذ الغني منهم بالمعدم، بخلاف رجوعه على الورثة يأخذ منهم الملي بالمعدم، وله أن يستوفي جميع حقه من واحد، إلا أن يكون دينه أكثر من سهم الوارث من التركة، فلا شيء عليه أكثر من ذلك، فإن وجد الورثة فليرجع على الغرماء بما كان ينوبه معهم، ثم يرجع جميعهم على الورثة، وهو قول عبد الملك في "الموازية"، وهو تفسير للمذهب.
فإن كان بيعهم بعد توان وتربص: فإن بيعهم هاهنا يجرى مجرى بيع السلطان، فلا رجوع له على الغرماء بوجه، وإنما له اتباع الورثة إذا كان في تلك الفضلة كفاف دينه، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3259
المسألة الثالثة في إقرار من أحاط الدين بماله بالدين لمن لا بينة له أو إقرار من هو في معناه ممن تلحقه من وجه ما
ولا يخلو هذا المقر بالدين على نفسه من أن يكون مريضًا، أو صحيحًا.
فإن كان صحيحًا: فلا يخلو من أن يحجر عليه الغرماء في التصرف، أو لم يحجروا عليه بعد.
فإن حجروا عليه في التصرف فلا خلاف في المذهب أن تصرفاته بعد الحجر مردودة -كانت بعوض كالبيع، أو بغير عوض كالهبة، والصدقة، والعتق.
وإقراره بالدين بعد الحجر لازم في ذمته، وما يفيد من المال بعد التفليس، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب التفليس"، إذا رفعوه إلى الإمام وحبسه لهم؛ حيث قال: ولك وجه التفليس، فلا يجوز إقراره إلا ببينة.
فأما قبل الحجر عليه وقبل التفليس ومقدماته: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أو تصرفه في المعاوضات جائزة كالبيع والكراء وهبة الثوب، ما لم يكن في ذلك محاباة، إلا ما يستقرأ من "المدونة" من "كتاب المديان" و"التفليس" من قول الغير أن القضاء كالبيع.
وقال في موضع آخر في "الكتاب": إن الرهن مثل البيع، وهو قوله في "كتاب المديان" من "المدونة"، فيوهم هذا الظاهر أن الخلاف يدخل في البيع كما هو في القضاء والرهن.
стр. 3260
ولا خلاف في المذهب أيضًا أن تصرفه في المعارف في ماله كالهبة، والصدقة، والعتق لا يجوز، وأن للغرماء رد ذلك وفسخه.
وأما قضاؤه ورهنه لبعض غرمائه دون بعض: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: المنع جملة.
والثاني: الجواز ما لم يتشاور الغرماء في تفليسه، والقولان في "الكتاب".
والثالث: أنه يجوز قضاؤه، ولا يجوز رهنه، وهذا القول حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد، ولم يسم قائله، وقال: إنه يؤخذ من المدونة، ولم يتبين من "الكتاب" ما أشار إليه.
والقول الرابع: أن رهنه وقضاءه جائز، وإن تشاوروا تفليسه ما لم يفلسوه، وهو قول أصبغ.
وهذا كله فيمن لا يتهم عليه.
وأما إقراره بالدين قبل التفليس لا يخلو من أن يكون لمن يتهم عليه، أو لمن لا يتهم عليه.
فإن كان لمن لا يتهم عليه، فإقراره له جائز، ويتحاص المقر له مع الغرماء بما بيد المقر من المال.
فإن كان لمن يتهم عليه كالأخ والصديق، ومن كان في معناهما، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه جائز.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو قوله في المدونة.
ومعنى قوله أنه لا يجوز: يريد أنه لا يتحاصص مع الغرماء فيما بيده
стр. 3261
من المال، وإلا فذمته عامرة بإقراره، وهو مأخوذ به فيما يطرأ من المال.
ووجه القول بالجواز: أن التهمة في ذلك ضعيفة بالنسبة إلى ما يدركه من الضرر في عمارة ذمة نفسه بإقراره، وذلك يربو على ما يلحق الغرماء من الضرر في نقصان ماليتهم بالحصاص؛ لأن ذمة الغريم قائمة بخلاف المريض لانخرام ذمته.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المقر مريضًا: فلا يخلو من أن يكون مديانًا، أو غير مديان.
فإن كان مديانًا: فتصرفه في المعاوضات جائز، قولًا واحدًا ما لم يحاب، وتصرفه في المعارف صحت، قولًا واحدًا إلا بإجازة، وفي قضائه ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم، والجواز للغير في "كتاب المديان"، والتفصيل بين القضاء والرهن وهو القول الذي حكاه القاضي أبو الوليد.
ولا يدخل في القول الرابع الذي حكيناه عن الغير وإقراره بالدين لمن يتهم عليه لا يجوز، قولًا واحدًا.
وفي إقراره لمن لا يتهم عليه القولان؛ الجواز لابن القاسم، والمنع لابن وهب في "الموازية" حيث قال: لا يجوز إقرار العبد المأذون إلا ببينة؛ لأن ذلك يؤول إلى الإضرار بالسيد؛ كما أن المريض المديان يضر بالغرماء.
وتحصيل القول في ذلك: أن إقرار من أحاط الدين بماله إذا كان صحيحًا لمن لا يتهم عليه جائز قولًا واحدًا، وفي إقراره لمن لا يتهم عليه قولان، وإقرار من أحاط الدين بماله إذا كان مريضًا لمن يتهم عليه، فلا قولًا واحدًا، وفي إجازته لمن لا يتهم عليه قولان.
فإن كان غير مديان: فبيعه وشراؤه غير جائز أيضًا ما لم تكن فيه محاباة، فتصرف إلى الثلث، وتصرفه في المعارف كالعتق وغيره موقوف
стр. 3262
على الثلث، والزائد عليها موقوف على إجازة الورثة، وإقراره بدين.
فإن كان لمن لا يتهم عليه: جاز قولًا واحدًا.
وإن كان لمن يتهم عليه: فلا يجوز -كان وارثًا أو أجنبيًا كالصديق الملاطف، إلا أن تقوم له بينة على أنه كان يطالبه ويتقاضاه في صحته، فيكون الإقرار جائز له، وهو قوله في "الكتاب".
فإن أقر لوارث أو أجنبي: تحاصا؛ فما صار للأجنبى أخذه، وما صار للوارث دخل عليه فيه الورثة.
وهل للوارث المقر له الرجوع على الأجنبي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يرجع على الأجنبي، فإذا أخذ منه شيئًا شاركه فيه الورثة، فإذا شاركوه انتقض ما أخذ، فرجع على الأجنبي حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء، وهذا نص قول أشهب وقوله في مسألة الدور، وكلام ابن القاسم فيها أصح، وأسلم من الاعتراض، وأما قول أشهب فقد اعترض من وجهين:
أحدهما: حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء، وليس ما قالوه بصحيح؛ إذ لابد أن يبقى بيد الأجنبي شيء ما؛ لأنهما لو كانا أخوين، وترك مائة دينار، فأقر لأحد الوارثين ولأجنبي بمائة: أخذ كل واحد منهما خمسين، ثم إن أخاه شاركه فيما أخذ فأخذ منه خمسة وعشرين، فإنه يرجع على الأجنبي باثنتي عشر ونصف حتى يتساويا في القسم لاستوائهما في الإقرار، فإذا أخذها دخل معه الأخ فيقاسمه، فيأخذ أخوه منها ستة وربعًا، ثم يرجع على الأجنبي بنصف الستة وربع، وذلك ثلاثة وثمن فضلة الأجنبي بها, ولابد أن يبقى في يد الأجنبي كثير، فكيف يقال لا
стр. 3263
يبقى بيد الأجنبي شيء.
والوجه الثاني: مراجعة الأخ المقر له على الأجنبي بما أخذ أخوه من سهمه يوجب رجوع الأجنبي على الأخ الذي لم يقر له؛ وذلك أنا إذا صورنا مشاركة الأخ لأخيه فيما أخذ بالإقرار وهي خمسون دينارًا، وقلنا إن الأخ المقر له يرجع على الأجنبي المقر له بنصف ما أخذ منه أخوه حتى يتساوى معه في العدد كان يجب للأجنبي الرجوع على الأخ الذي لم يقر له، فيقول له إقرار الميت لازم لي، وأنا قبضت بعض ديني فلا يصح أن ترث أنت، ولم يتم لي ما أقر به الميت.
فإذا أخذ منه شيئًا رجع عليه الوارث المقر له، فقال له أنا وأنت في الإقرار سواء، فيجب أن أرجع عليك بنصف ما أخذت من أخي، فإذا رجع إليه رجع الوارث الذي لم يقر له، فقال: أنت وارث معي فلا يجوز الإقرار لك، فدخل عليه، فذلك يؤدي إلى الدور العقلي، وصورة الدور في مسألتنا إذا أوجبنا الرجوع إلى الأخ المقر له على الأجنبي بنصف ما أخذ منه أخوه وجب للأجنبي على الأخ الوارث الذي لم يقر؛ إذ لا ميراث إلا بعد وفاء الدين، فإذا أخذ منه شيء رجع عليه الأخ المقر له بنصف ما أخذ، فإذا أخذ منه رجع عليه الأجنبي بما انتقض من حقه، فهذا أبد الآباد، وذلك ظاهر لمن تأمله.
وأما إذا أقر بدين لوارث فلا يخلو ذلك الوارث من أن يكون زوجة أو ولدًا؛ فإن كان زوجة فأقر لها بدين أو ببقاء مهرها في ذمته في بلد جرت عادة أهله بقبض المهر قبل البناء، ففي ذلك تفصيل وتحصيل، وتلخيصه على منهاج قول مالك وأصحابه أن أمره لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعلم منه ميل إليها وصبابة بها.
стр. 3264
والثاني: أن يعلم منه الشنئان لها والبغض.
والثالث: أن يجهل مذهبه فيها وحاله معها.
فأما الوجه الأول: إذا علم منه الميل إليها وصبابة بها: فلا يجوز إقراره لها إلا أن يجيزه الورثة -كان موروثًا بولد أو بكلالة- ولا إشكال في ذلك.
وأما الحال الثاني: إذا علم منه البغض فيها، والشنآن لها: فإقراره جائز على الورثة جملة بلا تفصيل بين الكلالة والولد.
وأما الحال الثالث: إذا جهل حاله معها في الميل إليها، والبغض لها: فلا يخلو أمره من وجهين:
أحدهما: أن يورث بكلالة.
والثاني: أن يورث بولد.
فأما إذا ورث بكلالة: فلا يجوز إقراره لها.
وأما إذا ورث بولد: فلا يخلو من أن يكونوا إناثًا، أو ذكورًا، صغارًا أو كبارًا، واحدًا أو عددًا منها أو غيرها.
فاما إذا كان الولد إناثًا يرثنه مع العصبة، فسواء كان واحدة أو عددًا، صغارًا أو كبارًا من غيرها، أو كبارًا منها: فذلك يتخرج على قولين:
أحدهما: أن إقراره جائز.
والثاني: إقراره لا يجوز.
وهذا الخلاف يتخرج على اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة، فقد اختلفوا في ذلك على قولين منصوصين في المذهب:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
стр. 3265
حكاهما أبو إسحاق التونسي، والقول بالجواز مذهبه في "المدونة".
فأما إن كن صغارًا منها: لم يجز إقراره لها، قولًا واحدًا؛ لأنه يتهم أن يقر بماله عن العصبة.
وأما إن كان الولد ذكرًا وكان واحدًا: فإقراره لها جائز إلا أن يكون بعضهم صغيرًا منها، وبعضهم كبيرًا منها أو من غيرها، فلا يجوز إقراره لها؛ لأنه يتهم بالميل إليها لأجل الولد الصغير, والنفوس مجبولة على حب الأولاد الصغار أكثر من حب الكبار.
فإن كان الولد الكبير في الموضع الذي ترتفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجته عامًا، فإن التهمة لا ترتفع عنه، والإقرار باطل على ما في سماع أصبغ من "العتبية"، وهو قوله في "المدونة" إذا تفاهم ما بينه وبين الولد.
فإن كان بعضهم بارًا به وبعضهم عاقًا له: فإنه يتخرج الخلاف الذي قدمناه في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنه وعصبته، وكذلك الحكم سواء في إقرار الزوجة لخروجها ولا فرق أيضًا بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو يقر أنه قبض ماله عليه من دين.
فهذا تحصيل ما قيل في هذه المسألة وتلخيص القول فيها، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3266
المسألة الرابعة في مال الميت أو المفلس يوقف للغرماء, فيهلك في الإيقاف
وإذا جمع القاضي مال المفلس وأوقفه ليقبضه غرماؤه، ثم تلف، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يبيعه، وأوقف ثمنه ليفرقه عليهم، أو أوقف الشركة حتى يبيع ما يباع منها من غير جنس الدين.
فإن باعه وأوقف الثمن: فلا يخلو من أن يوقفه لمعين، أو لغير معين.
فإن أوقفه لغير معين، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ضمانه ممن وقف له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ضمانه من المفلس دون الغرماء، وهو قول ابن عبد الحكم.
فإن جمع المال ليبيع ما ليس من جنس الدين إن كان في التركة ثم تلف المال ممن ضمانه، فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن ضمانه من المفلس -كان عرضًا، أو حيوانًا، أو عينًا- حتى يصل إلى الغرماء، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن ضمانه من الغرماء -كان عينًا، أو حيوانًا، أو عرضًا أو ما كان، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك؛ لأن السلطان احتجبه فصار ضمانه من غرمائه من حضر منهم أو غاب، علم أو لم يعلم، كان دينه عرضًا، أو حيوانًا.
والثالث: التفصيل بين أن تكون التركة عينًا، أو عرضًا؛ فإن كانت عينًا: فضمانها من الغرماء، وإن كانت عروضًا: فضمانها من الغريم الذي عليه الحق، وهو مذهب ابن حبيب، وابن وهب، ومطرف في
стр. 3267
"الموازية"، و"الواضحة"، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والرابع: أن ضمان الذهب ممن له عليه ذهب، وضمان الورق ممن له عليه ورق، وضمان العروض ممن له عليه عروض مثلها، وهو ظاهر قول عبد الملك بن الماجشون، على ما نقله الشيخ أبو القاسم بن الجلاب.
والخامس: أن الضمان في الموت من الغرماء، وفي التفليس من المفلس، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: قبض الحاكم مال المفلس ورفعه يد الغريم هل هو كقبض الغرماء إياه أم لا؟
وعلى القول بأن ضياعه من الغرماء، فلو بيعت دار الميت بأمر القاضي لدين عليه؛ وهو مائة دينار، فبيعت بمائة دينار، وأودعها القاضي فهلكت في الإيداع، ثم استحقت الدار لرجع مشتريها على الذي بيعت له الدار -وهو طالب الدين- لأنه كان الثمن في ضمانه فكأنه قبضه، وهو قول أصبغ، وعبد الملك فيما حكاه ابن المواز عنهما في النوادر قال: وكذلك لو كان عبدًا، فباعه القاضي لغرمائه، فضاع من رسول القاضي، وقد استحقه العبد بحرية أن الثمن من الغرماء وعليهم يرجع المشتري بالثمن إلا أنه قال في هذا الفصل: فإن لم يجد عند الغرماء شيئًا رجع ذلك في مال المفلس أو الميت أن يبقى له شيء، أو طرأ له مال يأخذ ذلك منه، ويحسب ذلك على الغرماء؛ لأنه عنهم يأخذه، فإن لم يوجد للميت شيء: رجع ويتبعهم في ذممهم، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3268
المسألة الخامسة في الذى أمر رجلًا أن يدفع عنه مالًا إلى رجل
والكلام في هذه المسألة في ثلاثة [أسئلة:
أحدها: إذا قال له ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له، فقال: نعم، وليس للواصل قبل المأمور شيء.
والثاني] (١): إذا أمرته أن يدفع لفلان دنانير سلفًا منه، فدفع غيرها.
الثالث: إذا كان لرجل دين على رجل، فأمره أن يدفعه إلى من استقرضه مثل ذلك القدر.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال له ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له، فقال: نعم، وليس للواصل قبل المأمور شيء، فمات الذي أمر قبل أن يدفع المأمور الصلة: فلا يخلو الآمر من أن يشهد على الصلة، أو لم يشهد عليها.
فإن لم يشهد عليها: فلا خلاف في المذهب أن الصلة باطلة، ولا شيء فيها للموصول.
فإن أشهد عليها، فقولان منصوصان في "الكتاب":
أحدهما: أنه مضت للموصول بالإشهاد -قبضها في حياة الواصل أو بعد مماته- وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه إذا مات الواصل قبل أن يقبضها الموصل حتى تصير دينًا على الواصل يطلب، ولا ينفعه الإشهاد، وهو قول غيره في "الكتاب".
стр. 3269
والصحيح ما قاله ابن القاسم؛ وذلك أن الواصل لما التزم المأمور السلف، وأشهد الواصل أنه وصل به فلانًا صار كدين له على من أسلفه، وصار الموهوب قد أشهد له الواهب بدين له على رجل، فكان ذلك حوزًا؛ كمن وهبت له هبة فباعها الموهوب له قبل أن يقبضها، ثم مات الواهب: أن الهبة صحيحة لا يبطلها موت الراهب قبل الحوز؛ لتعلق حق المشتري بها، وهو غير محتاج إلى حيازة لكونه مشتريًا، والموهوب له قد خرجت من يده بالبيع.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أمرته أن يدفع لفلان دنانير سلفًا منه لي، فدفع له غير ما أمرته به، فلا يخلو من أن يدفع له دراهم عن دنانير، أو دفع له عرضًا.
فإن دفع له عرضًا عن عين ما الذي يجب على الآمر دفعه ورده؟
فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يرد عليه ما أمره بدفعه.
والثاني: أنه يرد عليه مثل ما دفع مخافة أن يكون ما دفع عنه المأمور أقل مما أمره بدفعه، فيؤدي إلى أن يربح في السلف.
والقولان لمالك في "الكتاب".
والثالث: الآمر مخير إن شاء دفع ما أمره بدفعه، وهذا القول أيضًا متأول على "المدونة".
ويتخرج في المسألة قول رابع: أنه لا شيء على الآمر؛ لأنه يقول: إذا كنت أمرته أن يدفع ذلك سلفًا لي لم يلزمني أما ما دفعه مما هو خلاف ما أمرته، وكأنه لم يمتثل أمري، فلا يلزمني شيء.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيما أمر بدفعه عنه؛ هل هو دين على
стр. 3270
الآمر بنفس الإنعام به من المأمور، أو لا يكون دينًا إلا بإخراجه ودفعه إلى من أمر بقبضه؟
فإذا قلنا: أنه بنفس الإذن والإنعام: صار دينًا في ذمة الآمر، كما يقول ابن القاسم في مسألة الصلة، فإن الآمر يدفع عند القضاء ما أمر بدفعه، لا ما عوض عنه؛ لأنه بالالتزام صار ملكًا للمأمور له بالدفع، وجازت فيه مبايعته ومصارفته كدين ثابت له.
فإذا قلنا بأنه لا يجب، ولا يلزم إلا بإخراجه وقبضه كما قال الغير في مسألة الصلة كتمان الآمر مخير على قول، أو يدفع للمأمور ما دفع إليه على قول، أو لا يلزم الآمر شيء على قول؛ لمخالفته المأمور، فدفع غير ما أمر به.
فإن دفع دنانير عن دراهم، أو دارهم عن دنانير: دخله ما قدمناه من الربح في السلف ما فيه من الخيار في صرفها، على القول بتخيير الآمر.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أمر لمن له عليه دين أن يدفعه إلى من استقرضه مثل ذلك قدرًا وصفة، فدفع المأمور خلاف ما أمر به؛ مثل أن يدفع ذهبًا عن ورق، أو ورقًا عن ذهب: فإن الأقوال الثلاثة التي قدمناها في السؤال الثاني تدخل في هذا السؤال، ولا يدخل فيه القول الرابع؛ لأجل اختلاف السؤالين؛ لأن ذمة المقرض في هذا السؤال عامرة على كل حال، وعهدة المقرض عليه؛ إذ لا سبيل للآمر أن يرجع على الذي عليه الدين أولًا بوجه، ولا على حال ما نقله أهل المذهب، وإن كان يجوز أن يقول: إن الآمر لم يوسع للذي عليه الدين أن يدفع الإمالة عليها فيهما دفع غيره، كأن الخيار للآمر إن شاء جوز فعله، وأخذ من المقرض ما قبض، وإن شاء رد مصارفته، ويرجع على الذي كان عليه الدين بما ترتب في ذمته، إلا أنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: إن ذمته
стр. 3271
برئت بالدفع سواء دفع عين ما به عمرت، أو دفع عنه عوضًا إذا وقع التراضي بينه وبين المقرض؛ فكان المقرض كالموسع للذي عليه الدين فيما يعطي هذا، وكأنه لم يقرضه إلا ما قبض؛ ولأجل هذا يجوز له أخذ ما قبض عوضًا عما أمر به على أحد قولي مالك، إلا أن فيه بعدًا.
وفي السؤال الثاني يتعين فيه هذا الاعتراض، ويلزم ألا تعمر ذمة الآمر إذا دفع عنه المأمور خلاف ما أمر به لزومًا صحيحًا.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد نبيه.
стр. 3272
كتاب التفليس
стр. 3273
كتاب التفليس
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في الغرماء إذا قاموا على الغريم وطلبوا تفليسه والحجر على يده
ومعنى الحجر: المنع؛ قال الله تعالى: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١) أي حرامًا محرمًا لا يباح , ومنه تسمية الدار حجرة؛ لأنها حجرت أي: منعت من التصرف فيها بالدخول إلا بإذن أهلها، ومنه تسمى حجرة الكعبة الحجر؛ لأنه يمنع أن يستباح به، بل حرمته حرمة الكعبة.
ومعنى الفلس: العدم، وأصله من الفلوس؛ أي: أنه صاحب الفلوس بعد أن كان صاحب ذهب وفضة، ثم استعمل في كل من عدم المال، ويقال: أفلس الرجل، بفتح اللام، فهو مفلس.
وإذا طلب الغرماء أو واحد منهم تفليس الغريم وخلعه من ماله ليقضي به ما عليه من الديون، هل يمكنهم السلطان من ذلك، ويظفرهم بمقصودهم أم لا؟
فلا يخلو المديان من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون المال والمديان حاضرين.
والثاني: أن يكونا غائبين.
والثالث: أن يكون المال حاضرًا والغريم غائبًا.
стр. 3274
والرابع: أن يكون الغريم حاضرًا، والمال غائبًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المال والمديان حاضرين: فالتفليس جائز، ويقسم ماله بين غرمائه، ومن كان غائبًا وقف على نصيبه.
فأما في الموت: فإنه تكون قسمته بعد الاستيناء لانقطاع ذمة الميت، ولاسيما إذا كان الميت موصوفًا بالدين.
وأما في الفلس: فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: التعجيل فيقسم مال المفلس بعد الإشهار والإعلان، وهو المشهور؛ والدليل عليه قول عمر ﵁ في أسيفع جهينة حين قال: فإنَّا نقسم ماله بالغداة؛ فمن كان له عليه شيء فليأتنا.
والثاني: أن الحي والميت سواء، ويتأخر القضاء إذا كان معروفًا بالمزابنة، وهو قول غيره في "المدونة" في أول "كتاب التفليس"، والأول رواية ابن وهب في "الكتاب".
وإذا أمر القاضي بالنداء على غرماء المفلس ليجتمعوا على قسمة ماله، فحضر بعضهم ولم يحضر البعض، فقسم الحاضرون جميع ما عنده من المال، وتحاصوا فيه، وبقيتهم حاضرون في البلد بتفليس غريمهم، ويرون ماله يقسم، فهل لهم القيام على من أخذ حقه من الغرماء أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون لهم عذر، أو لا عذر لهم.
فإن كان لهم عذر ظاهر في الحضور على المحاصة: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن لهم الدخول معهم فيما أخذوه.
فإن لم يكن لهم عذر، فهل لهم الدخول معهم فيما أخذوه [أم لا؟ على قولين:
стр. 3275
أحدهما: أن لهم الدخول معهم فيما أخذوه] (١) ودينهم باق في الذمة؛ كما لو أعتق وغرماؤه سكوت: فلا رد لهم للعتق، لكن سكوتهم لا يبطل دينهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يوقف لهم حقوقهم كما توقف للغائب، وسكوتهم لا يبطل حقهم في المحاصة، إلا أن يتبين من الحاضر تركه لدينه في ذمة الغريم، ورضى بما قبض غيره، وهو قول غيره في "المدونة".
ولا أعلمهم يختلفون في الموت أن سكوتهم لا يبطل، ولا يعد ذلك منهم رضًا بترك المحاصة؛ لذهاب ذمة الميت، وبقاء ذمة المفلس، ويكون له اتباع الغرماء بعذر ما يصح له في المحاصة.
ومعرفة وجه التحاصص أن يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء؛ دنانير ودراهم إن كانت ديونهم دراهم، أو طعامًا إن كانت طعامًا على صفة واحدة.
فإن كانت ديونهم مختلفة؛ دنانير ودراهم، أو دنانير وعروضًا ودراهم وطعامًا، وما أشبه ذلك: صرف مال الغريم عينًا إما دنانير، وإما دراهم على الاجتهاد في ذلك إذا كان الصنفان جاريين في البلد، ويباع ماله من الديون، إلا أن يتفق الغرماء على تركها حتى تقبض عند حلولها، ثم تحصل جميع ديونهم إن كانت صفة واحدة، أو قيمتها إن كانت مختلفة إن كانت الديون كلها على الحلول بالاتفاق، وقبل الحلول على الاختلاف بين ابن القاسم وسحنون؛ فإن ابن القاسم يساوي بين ما حل منها، وما لم يحل في أن الاعتبار بعد الدين، لا بقيمة الدين المؤجل لأن التفليس معنى يفسد الذمة، فاقتضاء حلول الدين كالموت.
стр. 3276
وسحنون يقول: إن العرض المؤجل يقوم يوم التفليس على أن يقبض إلى أجله، وهذا بعيد؛ لأن المال لو كان فيه وفاء لعجل له حقه أجمع، وإذا قاله في العروض، فيلزمه مثله في العين المؤجل، وهذا لم يقله هو ولا غيره.
ثم ينظر ما يكون من ذلك من جميع مال المفلس، فإن كان النصف كان لكل واحد من الغرماء نصف دينه، وأتبع الغريم بالنصف الباقي وإن كان الثلث: كان له الثلث وأتبع الغريم بالثلثين، وإن كان الربع كان له الربع، وأتبع الغريم بالثلاثة الأرباع دينه.
فمن كان دينه منهم من صنف مال الغريم دنانير أو دراهم: دفع إليه ما وهب له منهم.
ومن لمن يكن دينه من صنف مال الغريم اشترى له ما وجب من العروض، أو الطعام بما ينوبه من العين في المحاصة، ولا تسلم إليه الدنانير.
فإن اشترى له بالعين أقل مما صار إليه في المحاصة لغلاء السعر، أو اشترى له أكثر لرخص السعر: فلا تراجع في ذلك بينه وبين الغرماء إلا أن يشتري له بتلك الدنانير أكثر من جميع حقه، فإنه يدفع الفضل إلى الغرماء، وإنما التحاسب في زيادة ذلك ونقصانه على ما خرج للغرماء في المحاصة من النصف أو الثلث بينه وبين الغريم، فيتبعه بما بقى -قلَّ لغلاء السعر أو كثر لرخصه.
فإن أراد الذي دينه عرضًا أو طعامًا أن يأخذ العين الذي خرج له في المحاصة، ولا يشتري له شيء: فلا يخلو دينه من أن يكون من سلم، أو من قرض.
стр. 3277
فإن كان من سلم: فلا يخلو من أن يكون طعامًا، أو عرضًا، فإن كان طعامًا: فلا يخلو العين الذي صار به في المحاصة من أن يكون مثل رأس ماله، أو أقل أو أكثر.
فإن كان مثل رأس ماله، فهل يجوز له الرضا بأخذ العين أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب السلم الثاني" وغيره:
أحدهما: أن ذلك جائز، وتكون إقالة.
والثاني: أنه لا يجوز.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الإقالة، هل تنعقد بغير لفظها أم لا؟
فإن كان أكثر من رأس ماله أو أقل: فإن ذلك لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، وهذا إذا طلب لمن يأخذه عوضًا عن جميع حقه.
فإن أراد أخذ العين عما وجب له في المحاصة، ويبقى الباقي في ذمة الغريم: فإنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه، مع ما في ذلك من بيع وسلف، وما بقى في الذمة فهو بيع.
وإن كان الذي له عرض من مسلم، فإن أخذه عوضًا عن جميع حقه، وكان مثل رأس ماله، أو أقل: فإن ذلك جائز؛ إذ لا يتهم أحد أن يدفع كثيرًا ليأخذ قليلًا فيما لا ضمان فيه.
وإن كان أكثر من رأس ماله: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف بزيادة.
فإن أخذه على أن يبقى الباقي في الذمة إلى يسره: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه بيع وسلف؛ ما استرجع فهو بيع وما بقى فهو سلف، وهو مذهب "المدونة".
стр. 3278
والثاني: أن ذلك جائز؛ لأن الحكم بالتفليس يرفع التهمة.
فإن كان دينه قرضًا: جاز -كان عرضًا أو طعامًا- ولا علة في ذلك، لا على وجه، ولا على حال.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا غاب المال والمديان جميعًا: فلا تخلو غيبته من أن تكون قريبة، أو بعيدة.
فإن كانت قريبة كالأيام اليسيرة: لم يفلس، ولكنه يكتب فيه ليكشف ملاه من عدمه.
فإن كانت بعيدة: فلا يخلو من أن يعرف ملاه من عدمه، أو جهل حاله، ولا يدري أين هو.
فإن عرف ملاه من غيبته، هل يفلس وتحل ما عليه من الديون المؤجلة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يفلس، والديون التي عليه تبقى إلى أجلها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثاني: أنه يفلس كما لو كان حاضرًا والمال غائبًا، وهو قول أشهب في "العتبية" وغيرها؛ لأنه إذا خيف ثواء ماله، وهلاكه وجب تفليسه فكذلك يفلس أيضًا إذا كان هو وماله غائبين، وقال أصبغ: ويكتب تفليسه حيث هو، فيستقم ذلك عليه في الموضع الذي هو فيه.
وعلى القول بأنه يفلس، وتحل ما عليه من الديون المؤجلة، فلو قدم بماله، وقد بقى للذين تحاصوا بقية، وللذين لم تحل ديونهم بقية، وقد كان له مال حاضر، فيتحاصوا فيه إلا أنه ليس فيه وفاء، فأراد الذين لم تحل ديونهم أن يأخذوا بقية ديونهم حالة، وآجالها لم تحل بعد، هل لهم أخذ ذلك على الحلول، أو تبقى إلى آجالها؟
стр. 3279
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ديونهم تبقى إلى أجلها، وحصاصهم إنما كانت للضرورة مخافة عدم الغريم، والآن قد انكشف الغيب إنه في حالة لا يجوز تفليسه.
والثاني: أنهم يأخذون بقية ديونهم على الحلول، وكأنه حكم قد مضى باجتهاد الحاكم، وهو ظاهر قول أصبغ.
فأمَّا إن جهل حاله أو عرف عدمه: فإنه يجوز تفليسه باتفاق المذهب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المال حاضرًا، أو الغريم غائبًا، فقام غرماؤه وطلبوا تفليسه: فإن السلطان يساعدهم على ذلك، فيفلسه لهم بغير تأني إن كان الغائب غير موصوف بالدين.
وفي التأني بتفليس المعروف بالدين، قولان:
أحدهما: أنه لا يستأني به؛ لأن ذمته باقية، وهي رواية مطرف، وابن وهب عن مالك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنه يفلس بعد الاستيناء، وهو ظاهر المدونة.
ولا خلاف فيمن عرف أنه ليس عليه دينًا أنه يحاصص به مع الحاضرين ويوقف به سهمه بيد أمين حتى يقدم إن كان غائبًا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان الغريم حاضرًا والمال غائبًا: فإنه يفلس، قولًا واحدًا؛ لأنه لا يدري ما حدث في ماله، وهو نص قول أشهب في "العتبية" فيمن كان حاضرًا بمصر، وله مال بالأندلس، فإنه يفلس [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3280
المسألة الثانية في الغريم إذا فلس ثم رد إليه بعض الغرماء ما وقع له في الحصاص، ثم فلس ثانية
فلا يخلو هذا المال بيد الغريم من أن يكن من ربح ما أبقى بعض الغرماء في يده من المال الأول، أو فائدة أفادها، أو من معاملة أحدثها بعد مع قوم آخرين.
فإن كان أصله فائدة أو ربح ما أبقاه بعض الغرماء في يده بعد التفليس: فإن الغرماء الأولين والآخرين يدخلون في ذلك، ولا حجة لبعضهم على بعض؛ لأنه ليس بعين مال واحد منهم بعد الاتفاق على أنه لا حق للغرماء الآخرين في عين ما أبقاه الأولون في يد الغريم في الفلس.
وفي الموت قولان: وهما متأولان على "المدونة":
وإلى التفريق بين الموت والتفليس، وأن الآخرين يدخلون أشار أبو إسحاق إلى هذا.
وأما قولهم: إن أرباح ما ترك بيد الغريم كالفوائد، فذلك من ابن القاسم تناقض؛ لأنه جعل ربح العين كأصله في "كتاب الزكاة"، وجعل أن الربح لم يزل كامنًا في المال قبل أن تظهره الحركة، وكيف يقول إنه كالفوائد، وأن الأولين والآخرين يدخلون فيه؟، وإنما يتمشى ذلك لأشهب الذي جعل الربح كالفائدة في باب الزكاة، بيد أنهم قالوا: إن الأرباح تابعة للأصول إلا في ثلاث مسائل؛ منها هذه. والثانية: مسألة الغاصب إذا غصب دنانير، فاتجر فيها ثم ربح، أنه يرد رأس المال دون الربح.
والثالثة: من اتجر بالوديعة فربح فيها، وفي ذلك كله نظر.
стр. 3281
فإذا قلنا: إنهم يتحاصون جميعًا في الربح والفائدة؛ فإن الغرماء الآخرين يضربون فيه بجميع ما عليهم من الدين والأولون يضربون فيه بقدر ما بقى لهم بعد الذي تركوا في أيديهم من المحاصة أولًا إن بقى ذلك في أيديهم إلى يوم المحاصة الثانية، فإن هلك قبل ذلك فإنهم يتحاصون بجميع دينهم -ما بقى لهم وما ردوه إلى يد الغريم- وهذا نص قوله في "المدونة".
وقد يعترض على هذا الكلام بأن يقال: لا يخلو المال الذي ردوه إلى يد الغريم من أن يكون على ملك الغرماء الذين أخذوه بالمحاصة، أو على ملك الغريم الذي ردوه إليه.
فإن كان على ملك الغرماء، فكيف يكون ضمانه من الغريم إن هلك بأمر سماوي؟ أو كيف يشتركون مع الآخرين في ربحه؟
فإن كان على ملك الغريم، فكيف يختص من كان رده إلى يد الغريم دون من شاركه في أصل ذلك الدين، وإن كان هو قد استوفى ما ينوبه في المحاصة أولًا، وليس بذلك ببدع، وقد قال في "كتاب العتق" في العبد بين الرجلين إذا انتزعا ماله ثم رد أحدهما نصيبه إلى يد العبد: أن المال مال العبد، لا الذي رده، وأنه إن بيع بماله: كان الثمن بينهما على قدر سهامهما في العبد، ولا يختص الذي رد المال إلى يد العبد بما زاد الثمن لأجل المال، والاعتراض ظاهر.
فأمَّا إذا كان المال الذي بيده من معاملة أحدثها مع قوم آخرين، هل يختص بذلك الآخرون؟
أما في الفلس: فلا خلاف في المذهب أن الآخرين أولى بذلك من الأولين؛ لأن ذلك من غير أموالهم، أو ما تولد منها؛ لأن معاملة
стр. 3282
الأولين قد انقطعت.
وأما في الموت: فالمذهب يتخرج فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأولين يدخلون مع الآخرين في ذلك؛ لانقطاع ذمة الغريم بالموت، وإليه أشار الشيخ أبو إسحاق التونسي.
والثاني: أنهم لا يدخلون معهم في ذلك في الموت كما لا يدخلون معهم في الفلس، وهو ظاهر "المدونة".
فانظر ما الفرق بين التفليس الثاني، والتفليس الأول؛ لأنه لا فرق في التفليس الثاني بين أن يكون المال الذي بيد الغريم أصله من فائدة، أو يكون أصله من معاملة حدثت، ولم يقل كذلك في التفليس الأول؛ بل قال: كل من له عليه دين، فإنه يضرب بين الغرماء بقدر دينه.
فذهب بعضهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وبعضهم يجعل ذلك اختلاف حال؛ وذلك أن أول التفليس قد طالت معاملة الغرماء للمديان وتناسل أصل معاملتهم حتى لا يدري أصل ما بيده من المال من معاملة أقوام معروفين لا يفردون بذلك كانفرادهم به في التفليس الثاني، وهذا الفرق لا بأس به، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3283
المسألة الثالثة في معرفة ما يتحاص به من الديون مما لا يتحاص به منها
فإن التحاصص لا يجب إلا بما تقرر في الذمة، لا بما كان معينًا؛ لأن من اشترى سلعة بعينها، ففلس البائع: فالمبتاع أحق بها من الغرماء، بإجماع من العلماء.
وأما الديون الثابتة المتقررة في الذمة: فإنها تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن تكون واجبة عن عوض.
والثاني: أن تكون واجبة عن غير عوض.
فأما ما وجب منها عن عوض يتمول ولا يتمول، فلا يخلو من أن يكون العوض مقبوضًا، أو لا يكون مقبوضًا.
فإن كان مقبوضًا كأثمان السلع المقبوضة، وأرش الجنايات، ونفقة الزوجات لما سلف من المدة، ومهور الزوجات المدخول بهن، وما خولعن عليه من شيء موصوف في الذمة: فإن المحاصة بذلك واجبة.
وأما ما كان منها من غير مقبوض: فإن دلك ينقسم على خمسة أقسام:
أحدها: ألا يمكنه دفع العوض بحال.
والثاني: أن لا يمكنه دفع العوض، ويمكنه دفع ما يستوفي فيه.
والثالث: أن يمكنه دفع العوض ويلزمه.
والرابع: أن يمكنه دفع العوض ولا يلزمه.
والخامس: أن لا يكون إليه تعجيل دفع العوض.
стр. 3284
فأمَّا ما لا يمكنه دفع العوض؛ كنفقة الزوجات لما يأتي من المدة: فلا محاصة في ذلك بوجه.
وأما ما لا يمكنه دفع العوض فيه، ويمكنه دفع ما يستوفي منه؛ مثل أن يكتري الرجل دارًا بالنقد، فيقاس المكتري قبل أن يقبض الدار، أو بعد أن قبض وسكن بعض السكنى: فلا خلاف أن المكري يحاص الغرماء بما مضى من المدة.
واختلف في الحكم فيما بقى منها على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المكري بالخيار إن شاء سلم السكني ويحاص الغرماء بكراء ما بقى، وإن شاء أخذ بقية السكنى، ويكون أولى به من الغرماء.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"العتبية".
والثاني: أنه يحاص الغرماء بكراء ما مضى، ويأخذ داره، ولا يكون له أن يسلمها، ويحاص الغرماء بجميع الكراء، وهذا الذي يأتي على أصل قول ابن القاسم في "المدونة" في قبض الأوائل في الكراء هو كقبض الأواخر أم لا؟
وأما تخيير ابن القاسم المكتري بين أخذ بقية السكنى، أو تسليمه، أو يحاص بجميع الكراء إنما يأتي على قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء كقبض أواخره، وهو أحد قولي ابن القاسم.
ولو لم يشترط النقد في الكراء، ولا كان العرف فيه النقد لوجب على قول ابن القاسم الأول إذا حاص أن يوقف ما وجب له في المحاصة؛ فكما سكن شيئًا أخذ بقدره من ذلك.
وأما ما يمكنه دفع العوض، ويلزمه كرأس المال المفلس إذا أفلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال: فلا يخلو من أن يكون رأس المال عينًا، أو عرضًا.
стр. 3285
فإن كان رأس ماله عينًا، هل يكون أحق برأس ماله من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه أن يدفعه، ويحاص به الغرماء، ولا يكون أحق به، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر قول أشهب الذي يقول: لا سبيل له إلى العين، وهو فيه أسوة الغرماء، وهو نص قوله في "العتبية".
والثاني: أن له أن يمسكه، ولا يلزمه أن يدفعه ويحاص الغرماء؛ بل هو أحق برأس المال الذي بيده منه، وهو ظاهر قول ابن القاسم الذي يقول: إنه أحق بالعين في التفليس.
وينبني الخلاف: في العين الذي بيده هل هو كالرهن أم لا؟ والصحيح أنه كالرهن؛ لأن التفليس يحل على المفلس، فإذا حل بالتفليس كان للذي له السلم أن يحبس رأس ماله.
وللخلاف فيه مطلع بسبب آخر؛ وهو العين هل يتعين أو لا يتعين؟
فإن كان رأس المال عروضًا: كان له أن يمسكه، وهو أحق به من الغرماء، قولًا واحدًا؛ لأن سببه قائم بعينه.
وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه؛ كالسلعة إذا باعها، ففلس البائع قبل أن يدفعها إليه المبتاع، وهو بالخيار بين أن يمسك سلعته أو يسلمها، ويحاص الغرماء بثمنها، فلا خلاف في هذا الوجه، وهو ألا يكون إليه تعجيل بعض العوض؛ وذلك مثل أن يسلم الرجل إلى الرجل دنانير في عروض إلى أجل، فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال، وقبل أن يحل الأجل المسلم، فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض، ويحاص الغرماء برأس مال السلم: فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء، فإن أبى ذلك
стр. 3286
أحدهم حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد للغريم من مال، وفي العروض التي عليه إذا حلَّت، وإن شاؤوا أن يبيعوا بالنقد ويتحاصوا فيها الآن، فذلك لهم.
وهذا كله إنما يتخرج على القول بجواز تأخير رأس مال المسلم إن كان حيوانًا بلا كراهية، أو من العروض التي يغاب عليها مع كراهية لمالك في ذلك.
فأما إن فلس المسلم بعد حول المسلم على المسلم إليه، فهو برأس المال أسوة الغرماء فيما حل عليه من السلم.
وهل له أن يمسكه، فيكون أحق به من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين: وقد قدمناهما لابن القاسم، وأشهب، وبينَّا سبب الخلاف فيهما.
ولا يخرج عن هذا التقسيم الذي قسمنا إلا الحكم في مهور الزوجات؛ فإن المحاصة بها واجبة على الجملة، وإن لم يقبض العوض؛ مثل أن يفلس الزوج قبل الدخول، فهل للزوجة الخيار بين الحصاص أو الفراق أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له الخيار إن شاءت حاصت الغرماء، وتبقى زوجة، وإن شاءت تركت الحصاص وطلب الفراق، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" في المسعر بالصداق قبل البناء؛ حيث قال: يتلوم، فإن جاء بالصداق، وألَّا فرق بينهما.
والثاني: أن المقاصة واجبة، ولا خيار لها، وهو اختيار القاضي ابن رشد.
стр. 3287
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق هل هو عوض، أو نحلة فمن جعله عوضًا قال: لها الخيار، ومن جعله نحلة قال: لا خيار لها.
وعلى القول بأنها تحاص الغرماء على اختيارها، أو بغير اختيارها هل تحاص بجميع الصداق أو بنصفه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تحاص بجميع صداقها.
والثاني: أنها لا تحاص إلا بنصفه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة، هل تستوجب جميع الصداق بالعقد، أو إنما يجب لها النصف بالعقد، وجميعه بالموت؟
وعلى القول بأنها تحاص بجميع الصداق، فإن طلقها الزوج قبل البناء بها، وبعد الحصاص، ما الذي ترد مما قبضته؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها ترد الزائد على النصف إن صار لها في المحاصة أكثر من النصف، وهو قول ابن دينار.
والثاني: أنها يكون لها نصف ما صار لها بالمحاصة، وترد النصف لأنه قد تبين بالأحرى أن الحصاص إنما كان بنصف الصداق خاصة، وهو قول ابن القاسم.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهي الحقوق الواجبة في الذمة من غير عوض، فإنها تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن تكون واجبة بالشرع من غير أن تلتزم.
والثاني: أن تلتزم بالشرع إلا أن تلتزم.
فأما ما كان منها واجبًا بالشرع، وإن لم تلتزم؛ كنفقة الآباء،
стр. 3288
والأبناء، وما تحمله العاقلة من الدية، فاختلف فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المحاصة لا تجب بها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن المحاصة تجب بها إذا لزمت بحكم السلطان، وهو قول أشهب.
وأما ما لا تجب بالشرع إلا بأن تلتزم؛ كالهبات، والصدقات، والنحل التي لم تنعقد عليها الأنكحة، فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن المحاصة لا تجب بها؛ لأن الفلس يبطلها كما يبطلها الموت.
وأمَّا النحل التي تنعقد عليها الأنكحة، وحمل أثمان السلع في عقود البيع، وحمل الصدقات في عقود الأنكحة؛ ففي النحل التي تنعقد عليها الأنكحة قولان.
وأما حمل الصداق في عقد النكاح، وحمل الأثمان في عقود المعاوضات: فالمحاصة بها واجبة؛ لأنها لزمت عن عوض.
وفي حمل الثمن بعد العقد، والصداق بعد العقد قولان:
أحدهما: أن المحاصة بها واجبة؛ لأن الحميل له ترك اتباع ذمة غريمه من أجل ذلك، فأشبه العوض.
والثاني: أن المحاصة بها غير واجبة؛ لأنها خرجت عن غير عوض.
والقولان حكاهما بعض المتأخرين، ولم يسم قائلهما، [والحمد وحده] (١).
стр. 3289
المسألة الرابعة في معرفة ما يكون به الغريم أحق من الغرماء في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت مما لا يكون أحق به لا في الموت، ولا في الفلس
وتحصيله: أن الأشياء المبيعة بالدين تنقسم في التفليس على ثلاثة أقسام:
عرض يتعين، وعين اختلف فيه هل يتعين أم لا، وعين لا يتعين.
فأمَّا العرض: فلا يخلو من أن يكون باقيًا في يد بائعه، ولم يسلمه إلى المشتري، وإما أن يكون قد أسلمه إليه وقبضه منه.
فإن كان في يد بائعه لم يسلمه إلى المشتري حتى فلس، والبائع أحق به في الموت والفلس، ولا خلاف في ذلك.
وإن قبضه المشتري منه، وصار في حوزه، ثم أفلس المشترى والسلعة في يده: فقد اختلف فيه فقهاء الأمصار على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن يكون أحق بها في الموت والفلس جميعًا، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعًا، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أنه يكون أحق بها في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء وهو مذهب مالك، ﵃ أجمعين، وهو أقرب إلى الصواب.
وسبب الخلاف بين مالك والشافعي: تعارض الأخبار، وتجاذب الاعتبار.
стр. 3290
فأما الأخبار: فمنها ما خرَّجه مالك من مرسل ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء" (١).
ويعارضه ما رواه ابن أبي ذئب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ أيما رجل مات أو فلس، فصاحب المتاع أحق به (٢).
فسوَّى في هذه الرواية بين الموت والفلس.
وأما الاعتبار: فإن مالكًا فرق بين الموت والفلس بناء على أن ذمة الغريم في الفلس قائمة؛ فيتبعه غرماؤه بما بقى عليه، وذلك لا يتصور في الموت، وهذا قياس معنى.
وأما الشافعي: فإنه قال: هذا مال لا يتصرف فيه لمالكه إلا بعد أداء ما عليه، فأشبه مال المفلس، وهذا قياس.
وقياس مالك أولى من قياس الشافعي، ويرجح حديثه على حديث [ابن أبي ذئب] (٣) من جهة موافقة القياس له؛ وذلك أن ما وافق من الأحاديث المتعارضة قياس المعنى، فهو أقوى مما وافقه قياس الشبه.
ومن مثل ما خرَّج مالك خرَّجه عبد الرزاق.
فإذا قلنا: إنه في الفلس أولى بسلعته، فإن أراد الغرماء أن يفتكوها
стр. 3291
منه بالثمن الذي بيعت منه، فهل لهم ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز لهم أن يأخذوها إلى أن يزيدوه زيادة يحطونها عن المفلس من دينهم.
وهو قول أشهب في "العتبية" و"الموازية"، و"الواضحة".
وعلى القول بأنهم يأخذونها بالثمن من غير زيادة عليه، هل يفتكونها بمال المفلس أو بأموالهم؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الثمن من مال الغريم، وضمانها منه إن هلكت.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن كنانة في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أن الثمن من مال الغريم، أو من أموالهم [فأيًا] (١) كان فإنه يجوز، وما كان فيها من وضيعة، أو هلكت بكليتها، فذلك من الغرماء، وضمانها منهم.
وهو قول ابن الماجشون في "العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة" وشبهها بعبد الرهن يجرح، فأبى سيده أن يفديه، ويسلمه فيفتكه المرتهن بأرش جنايته، ثم يموت: فضمان ما أفتكه به المترهن منه، ويتبع سيد العبد بالدين الأول، دون ما فدى به العبد.
والثالث: التفصيل بين أن يتقدم إليهم المفلس، أو لا يتقدم إليهم؛ فإن تقدم إلى الغرماء، فنقول لهم: إما أن تحبسوا السلعة كأنفسكم وتبروني
стр. 3292
منها، أو يكون ضمانها منكم، وإلا فدعوه يأخذه.
فإن قال لهم هذا، ثم حبسوها ودفعوا الثمن: فضمانها منهم، ولا شيء منها على المفلس، فما كان فيها من ربح، ونماء فهو للمفلس.
وإن لم يتقدم إليهم: فضمانه منه.
وهذه رواية يحيى بن يحيى عن ابن وهب في "العتبية".
وكذلك الحكم فيما إذا قبض بعض الثمن ويبقى البعض، في جميع ما ذكرناه وبيناه.
وكذلك الحكم فيما يشبه البيع من جميع المعاوضات؛ كالهبة للثواب وغيرها.
وأما الرد بالعيب إذا اشترى سلعة فوجد بها عيبا، ثم ردها على البائع وقد فلس: فلا يخلو من أن يكون التفليس قبل الرد، أو بعده.
فإن فلس البائع بعد أن ردت إليه السلعة وصارت في يده، ثم قام المشتري بالثمن، والسلعة قائمة بيد البائع، هل يكون أحق بها من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يكون أحق بها من الغرماء.
والثاني: أنه لا سبيل له إلى السلعة، وإنما يكون أحق بالثمن الذي دفع إن وجده بعينه في الموت والفلس، فإن لم يجده بعينه فهو أسوة الغرماء.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو نقض بيع، أو بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنه بيع مبتدأ: يكون أحق بها في الفلس دون الموت.
وعلى القول بأنه نقض بيع: فلا حق له في السلعة، وحقه في الثمن.
стр. 3293
فإن فلس البائع والسلعة في يد المشتري، والرد قد وجب هل يكون أحق بها من الغرماء حتى يستوفي الثمن أم لا؟
أما على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع: فلا خلاف في المذهب أنه أحق بها.
وأما على القول بأنه نقض بيع: فالمذهب يتخرج على قولين.
أما من اشترى سلعة شراء فاسدًا، ففلس البائع بعد أن رد المشتري السلعة: فإنه لا سبيل له إليها قولًا واحدًا، وإنما حقه في عين ثمنه إذا وجده.
فإن فلس بعد أن فسخ البيع، وقبل أن يرد المشتري السلعة، هل يكون أحق بالسلعة حتى يستوفي ثمنها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون أحق بها، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" من "كتاب الرهون" من مسألة: الرهن الفاسد.
والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز.
والثالث: أنه إن كان ابتاعها بنقد فهو أحق بها، وإن ابتاعها بدين فلا يكون أحق بها، وهو أسوة الغرماء، وهو قول ابن الماجشون.
ولا خلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعًا، وما ذكرنا أن صاحبه يكون أحق به إذا أدركه بعينه؛ فتعيينه يكون بأحد وجهين:
إما ببينة تقوم على أنه عين شيئه، وإما بإقرار المفلس به قبل التفليس.
واختلف إذا اعترق به بعد التفليس على ثلاثة أقوال:
стр. 3294
أحدها: أن قوله مقبول، قيل: مع يمين صاحب السلعة، وقيل: بغير يمين.
والثاني: أن قوله غير مقبول، ويحلف الغرماء أنهم لا يعلمون أنها سلعته.
والثالث: أنه إن كان على أصل المعاملة ببينة قبل قوله في تعيينها، وإلا لم يقبل.
وهي رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم في "ثمانيته".
وأما العين فهو أحق به في الموت والفلس ما كان بيده.
واختلف إذا دفعه إلى من بايعه به ثم فلس أو مات، وهو قائم يعرف بعينه، هل يكون أحق به أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق به في الفلس دون الموت كالعروض، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا سبيل له إليه، وهو أسوة الغرماء، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في العين، هل تصح الشهادة على عينه أم لا؟
فإذا لم يعرف بعينه: فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، قولًا واحدًا.
وأما العمل الذي لا يتعين؛ كالأجير على خدمة، أو على خياطة فتوق، أو صياغة، أو حياكة، وما أشبههم ممن لم يبع إلا العمل، وهؤلاء إذا وقع التفليس قبل استيفاء العمل: فإنهم أحق بما عليهم من بقية العمل في الموت والفلس.
فإن وقع التفليس بعد الفراغ من العمل: فلا يخلو من أن يسلم السلعة
стр. 3295
لصاحبها، أو يمسكها عنده.
فإن حبسها عنده، ولم يسلمها لربها: فإنه يكون أحق بها في الموت والفلس حتى يستوفي أجرته؛ لأنها في يده كالرهون، وهو مذهب المدونة.
فإن سلموها لأصحابها: فهم أسوة الغرماء في الموت والفلس، إلا أن يخرج من عنده شيئًا؛ كخياط أخرج من يده رقاعًا فرقع الثوب، أو صباغ صبغ الثوب، ولا شك أن هؤلاء أحق بما أخرجوه في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
واختلف في وجه العمل في ذلك، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق بما زاد في الثوب لأجل الرقاع والصباغ، وهو قول محمد بن المواز في الصباغ.
والثاني: أنهما يكونان شريكين بقدر قيمة ما أخرجاه، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
ويتخرج في المسألة قول ثالث: في عين الثوب، وما قارب أجرتهما في عملهما تحاصا به مع الغرماء.
واختلف في الأجير على سقي الزرع، وفي رب الأرض إذا أكرى أرضه، ثم فلس رب الزرع، هل يكون الأجير ورب الزرع أولى بالزرع من الغرماء أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه أحق بالزرع في الموت والفلس، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، وهو ظاهر قول أشهب، وابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"؛ لأنهم قالا فيه: أن رب الأرض أولى بالزرع حتى يأخذ جميع الكراء إلا أن أن يدفعوا إليه، وهو نص رواية أصبغ في أجير السقي.
والثاني: أنهما في الموت والفلس أسوة الغرماء، وهو اختيار القاضي