منه بالثمن الذي بيعت منه، فهل لهم ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز لهم أن يأخذوها إلى أن يزيدوه زيادة يحطونها عن المفلس من دينهم.
وهو قول أشهب في "العتبية" و"الموازية"، و"الواضحة".
وعلى القول بأنهم يأخذونها بالثمن من غير زيادة عليه، هل يفتكونها بمال المفلس أو بأموالهم؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الثمن من مال الغريم، وضمانها منه إن هلكت.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن كنانة في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أن الثمن من مال الغريم، أو من أموالهم [فأيًا] (١) كان فإنه يجوز، وما كان فيها من وضيعة، أو هلكت بكليتها، فذلك من الغرماء، وضمانها منهم.
وهو قول ابن الماجشون في "العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة" وشبهها بعبد الرهن يجرح، فأبى سيده أن يفديه، ويسلمه فيفتكه المرتهن بأرش جنايته، ثم يموت: فضمان ما أفتكه به المترهن منه، ويتبع سيد العبد بالدين الأول، دون ما فدى به العبد.
والثالث: التفصيل بين أن يتقدم إليهم المفلس، أو لا يتقدم إليهم؛ فإن تقدم إلى الغرماء، فنقول لهم: إما أن تحبسوا السلعة كأنفسكم وتبروني
стр. 3292
منها، أو يكون ضمانها منكم، وإلا فدعوه يأخذه.
فإن قال لهم هذا، ثم حبسوها ودفعوا الثمن: فضمانها منهم، ولا شيء منها على المفلس، فما كان فيها من ربح، ونماء فهو للمفلس.
وإن لم يتقدم إليهم: فضمانه منه.
وهذه رواية يحيى بن يحيى عن ابن وهب في "العتبية".
وكذلك الحكم فيما إذا قبض بعض الثمن ويبقى البعض، في جميع ما ذكرناه وبيناه.
وكذلك الحكم فيما يشبه البيع من جميع المعاوضات؛ كالهبة للثواب وغيرها.
وأما الرد بالعيب إذا اشترى سلعة فوجد بها عيبا، ثم ردها على البائع وقد فلس: فلا يخلو من أن يكون التفليس قبل الرد، أو بعده.
فإن فلس البائع بعد أن ردت إليه السلعة وصارت في يده، ثم قام المشتري بالثمن، والسلعة قائمة بيد البائع، هل يكون أحق بها من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يكون أحق بها من الغرماء.
والثاني: أنه لا سبيل له إلى السلعة، وإنما يكون أحق بالثمن الذي دفع إن وجده بعينه في الموت والفلس، فإن لم يجده بعينه فهو أسوة الغرماء.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو نقض بيع، أو بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنه بيع مبتدأ: يكون أحق بها في الفلس دون الموت.
وعلى القول بأنه نقض بيع: فلا حق له في السلعة، وحقه في الثمن.
стр. 3293
فإن فلس البائع والسلعة في يد المشتري، والرد قد وجب هل يكون أحق بها من الغرماء حتى يستوفي الثمن أم لا؟
أما على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع: فلا خلاف في المذهب أنه أحق بها.
وأما على القول بأنه نقض بيع: فالمذهب يتخرج على قولين.
أما من اشترى سلعة شراء فاسدًا، ففلس البائع بعد أن رد المشتري السلعة: فإنه لا سبيل له إليها قولًا واحدًا، وإنما حقه في عين ثمنه إذا وجده.
فإن فلس بعد أن فسخ البيع، وقبل أن يرد المشتري السلعة، هل يكون أحق بالسلعة حتى يستوفي ثمنها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون أحق بها، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" من "كتاب الرهون" من مسألة: الرهن الفاسد.
والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز.
والثالث: أنه إن كان ابتاعها بنقد فهو أحق بها، وإن ابتاعها بدين فلا يكون أحق بها، وهو أسوة الغرماء، وهو قول ابن الماجشون.
ولا خلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعًا، وما ذكرنا أن صاحبه يكون أحق به إذا أدركه بعينه؛ فتعيينه يكون بأحد وجهين:
إما ببينة تقوم على أنه عين شيئه، وإما بإقرار المفلس به قبل التفليس.
واختلف إذا اعترق به بعد التفليس على ثلاثة أقوال:
стр. 3294
أحدها: أن قوله مقبول، قيل: مع يمين صاحب السلعة، وقيل: بغير يمين.
والثاني: أن قوله غير مقبول، ويحلف الغرماء أنهم لا يعلمون أنها سلعته.
والثالث: أنه إن كان على أصل المعاملة ببينة قبل قوله في تعيينها، وإلا لم يقبل.
وهي رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم في "ثمانيته".
وأما العين فهو أحق به في الموت والفلس ما كان بيده.
واختلف إذا دفعه إلى من بايعه به ثم فلس أو مات، وهو قائم يعرف بعينه، هل يكون أحق به أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق به في الفلس دون الموت كالعروض، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا سبيل له إليه، وهو أسوة الغرماء، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في العين، هل تصح الشهادة على عينه أم لا؟
فإذا لم يعرف بعينه: فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، قولًا واحدًا.
وأما العمل الذي لا يتعين؛ كالأجير على خدمة، أو على خياطة فتوق، أو صياغة، أو حياكة، وما أشبههم ممن لم يبع إلا العمل، وهؤلاء إذا وقع التفليس قبل استيفاء العمل: فإنهم أحق بما عليهم من بقية العمل في الموت والفلس.
فإن وقع التفليس بعد الفراغ من العمل: فلا يخلو من أن يسلم السلعة
стр. 3295
لصاحبها، أو يمسكها عنده.
فإن حبسها عنده، ولم يسلمها لربها: فإنه يكون أحق بها في الموت والفلس حتى يستوفي أجرته؛ لأنها في يده كالرهون، وهو مذهب المدونة.
فإن سلموها لأصحابها: فهم أسوة الغرماء في الموت والفلس، إلا أن يخرج من عنده شيئًا؛ كخياط أخرج من يده رقاعًا فرقع الثوب، أو صباغ صبغ الثوب، ولا شك أن هؤلاء أحق بما أخرجوه في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
واختلف في وجه العمل في ذلك، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق بما زاد في الثوب لأجل الرقاع والصباغ، وهو قول محمد بن المواز في الصباغ.
والثاني: أنهما يكونان شريكين بقدر قيمة ما أخرجاه، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
ويتخرج في المسألة قول ثالث: في عين الثوب، وما قارب أجرتهما في عملهما تحاصا به مع الغرماء.
واختلف في الأجير على سقي الزرع، وفي رب الأرض إذا أكرى أرضه، ثم فلس رب الزرع، هل يكون الأجير ورب الزرع أولى بالزرع من الغرماء أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه أحق بالزرع في الموت والفلس، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، وهو ظاهر قول أشهب، وابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"؛ لأنهم قالا فيه: أن رب الأرض أولى بالزرع حتى يأخذ جميع الكراء إلا أن أن يدفعوا إليه، وهو نص رواية أصبغ في أجير السقي.
والثاني: أنهما في الموت والفلس أسوة الغرماء، وهو اختيار القاضي
стр. 3296
أبي الوليد بن رشد.
والثالث: أنهما أحق بالزرع في الفلس، وهما في الموت أسوة الغرماء، وهو نص المدونة فيهما جميعًا.
والرابع: الفرق بين أجير السقي، ورب الأرض؛ فرب الأرض أولى به في الموت والفلس، وأجير الأرض أولى به في الفلس وهو في الموت أسوة الغرماء، وهذا القول حكاه أبو إسحاق التونسي ﵀.
فوجه القول الأول: أن الأرض لربها، والأجير يده على ما أخرج لم يسلمه؛ بل هو باق في حرزه، وتحت يده، فأشبه الصانع إذا فلس رب المتاع قبل أن يخرجه من يده.
ووجه القول الثاني: أن الأرض غير قابضة على ربها، والزارع قد أخرج البذر والزرع عنه يكون ما أجرى الله عليه عادته، وأطرد به سنته بين عباده، ويده على الزرع والأجير على السقي ليس في يده من عمله شيء؛ لأنه في حكم المقبوض عنه، فأشبه المستأجر على رعاية غنم، أو إبل، أو رحلها الذي هو محل الاتفاق.
ووجه القول الثالث: أن الأرض هي المتمة للزرع، فكان ربها مخرجًا للزرع بما استأجر أرضه، فأشبه بائع الزرع إذا أخرجوه من يده، والأرض غير قابضة، وأجير السقي كذلك أيضًا كأن عمله خرج من يده، والزرع في ملك الزارع وتحت يده وفي حوزه، لا في حوز الأجير بجواز بيعه إياه لمن يحصده في الحال.
ووجه القول الرابع: بالتفصيل أنه جعل الأرض قابضة على ربها والأجير خرج عمله من يده، وحصل في حوزه غيره، فكان أحق به
стр. 3297
في الفلس مع قيامه خاصة.
وأما مكري الدابة أو مكتريها إذا فلس أحدهما: فإنهما أولى بما في أيديهما على تفصيل وتحصيل.
أما المكري إذا أكرى دوابه على حمل متاع إلى بلد، فأفلس المكتري: فلا يخلو من أن يكون سائرًا مع داوبه، أو تخلف عنها.
فإن سار معها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه أحق بما على ظهور دوابه في الموت، والفلس ما دام المتاع على ظهور دوابه أو سفينته.
فإن فارق ظهور دوابه وقبضه ربه، هل يكون المكري أحق به، أو يكون أسوة؟
فالمذهب على قولين متأولين على المدونة:
أحدهما: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهو قوله في "العتبية"، وهو ظاهر المدونة؛ حيث قال: وهو كالرهن، والرهن إنما يكون المرتهن، أحق به ما دام في حوزه، فإذا خرج من حوزه بطل حقه في الرهن.
والثاني: أنه يكون أحق به، وإن فارق ظهور دوابه، وقبضه المكتري وهو تأويل أحمد بن خالد على المدونة، وتعلق في ذلك بقوله في "الكتاب": ولأن على دوابه وصل إلى البلد.
فإن لم يكن معها المكري، وإنما سلم دوابه للمكتري، هل يكون الجمال أحق بها أم لا؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون أحق بالمتاع في الموت والفلس كما لو كان معها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
стр. 3298
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس؛ قياسًا على الصانع إذا سلم العمل من يده.
والثالث: أنه يكون أحق به في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء؛ قياسًا على مكري الأرض، وأجير السقي.
وسبب الخلاف: الأملاك هل هي قابضة على ملاكها أم لا؟ فمن قال أنها قابضة على ملاكها قال: إنه يكون أحق بالمتاع في الموت والفلس لأن ظهورها حوز لما عليها -كان معها صاحبها أم لا.
ومن رأى أنها غير قابضة قال: يكون أسوة الغرماء في الموت ولظهور الدواب هناك بعض التأثير، فأشبهت يد الساقي؛ لأن المتاع ينمو في ثمنه يسير الدواب كما أن الزرع ينمو بسقى الساقي، وأما المكتري فإنه أولى بالدواب والسفينة إذا فلس الجمال، ورب السفينة حتى يبلغ الغاية التي إليها اكترى في الموت والفلس؛ لأنه جائز بما معه من الجمال والسفينة.
وأما الدور والحوانيت إذا فلس أحد المتكاريين: فإذا فلس المكري: فإن المكتري أحق بها، قولًا واحدًا -سكن أو لم يسكن- لأنه شيء بعينه فلس صاحبه؛ كالسلعة المشتراه بعينها بفلس بائعها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الواضحة".
فإن فلس المكتري، هل يكون رب الدار والحانوت أولى بالمتاع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون أحق به، وهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهو مذهب "المدونة"، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أن رب الدار أحق بما فيها كالدابة، هو قول عبد الملك، على
стр. 3299
ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي، غير أنه لم يبين إن كان أحق به في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت.
وتلخيص القول في ذلك أن تقول: لا خلاف أن البائع أحق بما في يده في الموت والفلس، ولا خلاف أيضًا أنه أحق بما أسلمه، وأخرجه من يده فألقاه قائمًا أنه أحق به في الفلس، وفي الموت أسوة الغرماء.
ولا خلاف أيضًا فيما لم يكن بيده، ولا ألقاه عند مبتاعه قائمًا يعرف بعينه أنه فيه أسوة الغرماء في الموت والفلس.
وما يوجد من الخلاف في بعض المسائل فليس بخلاف لما أصلناه وحصلناه، وإنما وقع الخلاف بينهم فيه؛ لاختلافهم من أي قسم هو.
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 3300
كتاب المأذون له في التجارة
стр. 3301
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد.
كتاب المأذون له في التجارة
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في الفرق بين الذمة والرقبة حقيقة وحكمًا
فإن كان أكثر مسائل هذا الكتاب أحكامها جارية على ما يترتب في الذمة، أو يكون في الرقبة؛ فلأجل هذا يجب أن نبتدئ بها، ثم نتعقبها بمسائل الكتاب على الولاء إن شاء الله، فنقول -وبالله التوفيق: إن الفرق الحقيقي؛ وهو أن الرقبة عبارة عن شهامته، وهيكله، ودأبه؛ فإذا قيل في حكم من الأحكام هو في رقبة فلان، فالمراد أن يقضي منها عينًا، لا بدلًا.
وأما الذمة: فليست بعبارة عن ظرف ووعاء أثبتها الشرع لتكون محملًا للإلزام والالتزام شرعًا، لا وجود لها في الأعيان، وإنما وجودها في الأذهان؛ كالإنسانية في الإنسان، وكالحيوانية في الحيوان؛ وذلك أن الآدمي لما فارق سائر الحيوانات بخطاب الشرع فارقها بذمة تكون محملًا للالتزام في العقود والحقوق والتمليكات، وغير ذلك من أسباب الأحكام، وهو نوع كرامة لبني آدم لما أكرموا بالخطاب الملزم محقوق أكرموا بالمحل لذلك.
وأما الفرق الحكمي: فهو كل دين التزمه برضا من له الدين، فهو في ذمته، وسموا هذا بأنه دين معاملة.
وكل ما التزمه بغير رضاه فهو في رقبته، وسموا هذا دين جناية.
стр. 3302
ولا خلاف في أروش الجنايات أنها في الرقبة، ولا خلاف أيضًا فيما استدانه بغير إذن سيده أنه لا يعلق بالرقبة؛ بل هو في الذمة ما لم يفسخه السيد عنه، وبينهما أوساط مشكلة؛ وذلك أن ما استدانه بإذن السيد فيه للعلماء المتقدمين مذهبان:
فمن جعله في الرقبة قاسه على الجنايات، ومن جعله في الذمة قاسه على الدين، وبه نقول -نحن المالكية- والشافعية.
والفرق بينه وبين الجنايات: أن الخطاب في الجنايات للسيد لما كان قضاؤها من رقبة يملكها، وخطاب السادات في الذوات، والخطاب في الديون للعبد، وخطاب العبيد في الأموال لتصديهم للمعاملات تصدي الأحرار لها، بيد أنا نقول: تعلق الجناية بالرقبة خارج عن قياس الأصول، ومنهاج القواعد، فإشكال الجناية وارد على المذهبين، لازم للخصمين، فدفعه متعين على الفريقين، وفيه غموض، وإزاحته [محالة] (١) على فن الأصول، [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 3303
المسألة الثانية في إذن السيد لعبده في التجارة
ينبغي أن تعلم أن العبد -وإن قلنا نحن معاشر المالكية أنه يملك على الحقيقة- فإنه منزوع من التصرف في ماله؛ لعقد الرق الذي ارتكب فيه؛ إذ لا يصح للمالك التصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف:
البلوغ، والحرية، وكمال العقل، وبلوغ الرشد.
فأما اشتراط الحرية: فلأن العبد -وإن كان يملك- فإن ملكه غير مستقر؛ إذ للسيد انتزاعه منه، فهو محجور عليه فيه لحق السيد، فلا يجوز له فعل، ولا تصرف إلا بإذن سيده.
فإن أذن له السيد: فلا يخلو إذنه من أن يكون إذنًا مطلقًا، أو يكون إذنًا خاصًا.
فإن كان إذنًا عامًا: فتصرفه في جميع أنواع المعاوضات جائزة على اختلاف أنواعها وتباين صفاتها من المتأخر، ولا اعتراض عليه، وله أن يبيع بالدين أو يشتري به، ولا خلاف في ذلك.
فإن كان إذنه إذنًا خاصًا: فلا يخلو من أن يكون خاصًا بالصيغة، والإشهاد، أو خاصًا بالصيغة دون الإشهاد.
فإن كان إذنًا خاصًا بالصيغة والإشهاد، والإشهار على رؤوس الأشهاد؛ مثل أن يأذن له في نوع له من المتاجر، وأشهر ذلك وأعلنه: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه محجور عن التصرف فيما عدا ذلك النوع، وأنه فيه باق على المنع، وأن من عامله في غير ذلك النوع قد عرض ماله للتلف.
стр. 3304
وإن كان إذنًا خاصًا بالصيغة دون الإشهاد والإشهار؛ مثل أن يأذن له في نوع من المتاجر، ولم يشهر ذلك، هل يجوز له أن يتصرف في غير ذلك النوع، ويلزم السيد؟ وهل يجوز له أن يبيع بالدين أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لازم للسيد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، في أول "كتاب المأذون"؛ حيث قال: لأنه أقعد للناس، ولا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده، فيجوز له أن يبيع بالدين وغيره، وهو قول أصبغ في التحجير في الدين؛ إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة في الدين، أو يحجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع.
والثاني: أنه لا يجوز له أن يتجر في الدين إذا حجر عليه في التجارة به، وهو قول سحنون، وكذا يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من المتاجرة.
وأما الرشد: فإن الله تعالى جعل الأموال قوامًا للعيش، وسببًا للتجارة، وصلاحًا للدين والدنيا، ونهى عن إضاعتها وتبذيرها في غير وجوهها؛ نظرًا منه لعباده، ورأفة بهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية (٢).
وأمرنا أن لا نمكن منه السفهاء؛ حراسة لها من أن تبذر وتنفق في غير وجوهها؛ فقال ﵎: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣).
وأما اشتراط البلوغ: إذ لا يصح الرشد من صبي لضعف ميزه بوجوه
стр. 3305
منافعه، ولا من مجنون؛ لسقوط ميزه وذهاب رأيه.
فوجب الاحتياط للأموال، وقطع مادة النظر عنها بأن يمنع من التصرف فيها من ليس من أهل التصرف فيها، ويحجر عليه، ويحال بينه وبينها؛ خشية الإضاعة لها، امتثالًا لأمر الله فيها.
وأما البلوغ: فحده الاحتلام في الرجال، والحيض في النساء, أو يبلغ أحدهما من السن أقصى سن من يحتلم، وقد اختلف فيه عندنا من خمسة عشر إلى ثمانية عشر عامًا.
وأما العقل: فمحله القلب عند مالك، على مشهور مذهبه، وحده: علوم يتميز من اتصف بها عن البهيمة والمجنون؛ كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأن الجمل [لا يلج] (١) في سم الخياط.
فحد البلوغ وكمال العقل تدرك معرفتهما بأدنى حظ من النظر والاستدلال.
وأما الرشد حده في المال، فحبس النظر، ووضع التصرف فيها، واختلف هل من شرط كماله الصلاح في الدين أم لا، على قولين قائمين من كتاب الأيمان في الطلاق وغيره، وهو مما يخفى ولا تدرك معرفته إلا بطول الاختبار في المال والتجربة له فيه؛ ولهذا المعنى وقع الاختلاف بين أهل العلم في الحد الذي يحكم فيه للإنسان بالرشد، ويدفع إليه ماله، ويمكَّن من التصرف فيه، والاختلاف في هذا إنما هو على حسب الأحوال؛ وهي تنقسم على أربعة أقسام:
حال الأغلب من صاحبها السفه، فيحكم له فيها، بحكمه وإن ظهر رشده.
стр. 3306
وحال محتملة للرشد والسفه، والأظهر من صاحبها الرشد: فيحكم له به ما لم يظهر سفهه، على اختلاف كثير من أصحابنا في هذه الأقسام على ما سنبينه إن شاء الله.
والجواب عن الحال الأول: الذي يحكم له فيها بحكم السفه، وإن ظهر رشده؛ فمنها حال الصغير: فلا خلاف في المذهب أن الصغير -الذي لم يبلغ الحلم من الرجال، والتي لم تبلغ الحيض من النساء- لا يجوز له التصرف في ماله بالمعروف من هبة، ولا صدقة، ولا عتق، وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي إن كان ذا أب، أو وصي.
فإن باع أو اشترى، أو مغل ما يشبه البيع أو الشراء مما يخرج عن عوض، ولا يقصد فيه إلى معروف: كان موقوفًا على نظر وليه -إن كان له وليّ- فإن رآه سدادًا، أو غبطة: أجازه وأنفذه، وإن رآه خلاف ذلك: رده وأبطله.
وإن لم يكن له وليّ قدم له القاضي وليًا ينظر له، وإن غفل عن ذلك حتى يلي أمره: كان النظر إليه في إجازة ذلك أو رده.
واختلف إذا وافق فعله السداد، والنظر مما كان يلزم الوليّ فعله، هل له أن يرده، ولاسيما إن تغير ذلك بنماء أو نقصان؟ على قولين؛ ومشهور المذهب أن ذلك له.
وعلى القول بأن له أن يرده هل يستحب له إمضاء فعله أم لا؟
على قولين، كليهما متأول على المدونة:
أحدهما: أنه يستحب له الإمضاء في الجميع، وهو ظاهر قوله في "المدونة" لإطلاقه، وعله اختصر المختصرون، وألَّا فرق بين العتق، والصدقة، والبيع.
стр. 3307
والثاني: أنه يستحب ما لله فيه قربة أن يقضي دون ما بينه وبين العباد، وعليه تأول ما في المدونة، وهو قول أشهب في سماعه، ويلزم ما أفسد أو كسر مما لم يؤتمن عليه في حاله.
واختلف فيما أفسد أو كسر مما ائتمن عليه على قولين:
أحدهما: أنه لا يلزمه، وهو مذهب "المدونة" وعليه الجمهور.
والثاني: أنه يلزمه، وهو قول ابن كنانة.
ومنها حال البكر ذات الأب أو الوصي ما لم تتعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، أو ما لم تتزوج، ويدخل بها زوجة على مذهب من لا يعتبر تعنيسها.
ومنها حالة من ثبتت عليه ولاية من قبل الأب، أو سلطان حتى يطلق منها على قول مالك وجميع أصحابه إلا ابن القاسم قال: إن بيعه وشراءه جائز إذا كان سدادًا.
والجواب عن الحال الثاني: التي يحكم له فيها بحكم الرشد، وإن علم سفهه:
فمنها حال السفيه إذا كان لم تثبت عليه ولاية من قبل أب أو سلطان على اختلاف بين أصحاب مالك في ذلك، وقد اختلفوا فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أن بيعه وشراءه وقضاءه جائز حتى يولي عليه، وسواء خرج من الولاية بالبلوغ وإيناس الرشد منه، أو لم يخرج منها من يوم بلغ إلى وقته، وبه قال ابن كنانة، وابن نافع، وأكثر أصحاب مالك.
والثاني: أن بيعه وشراءه وقضاءه في ماله لا يجوز جملة بلا تفصيل؛ لأنه لم يزل في ولاية السلطان مذ كان، والسلطان وليّ من لا وليّ له،
стр. 3308
وليس ترك السلطان ما يلزمه من التولية عليه مما يخرجه من ولايته.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"المدونة".
والثالث: التفصيل بين أن يتقدم عليه الحجر والولاية ثم خرج برشد الحال، ثم حجر عليه ثانية، فتكون أفعاله نافذة ماضية، فإن لم يأت عليه حال رشده، وهو منذ بلغ سفيهًا: فأفعاله مردودة كما قال ابن القاسم لأنه لم يخرج من ولاية السلطان.
وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنه إن كان معروفًا بالسفه، معلنًا به.
فأفعاله له غير جائزة، وإلا فأفعاله جائزة جملة بلا تفصيل بين أن يتصل سفهه أم لا.
وهو قول أصبغ في "العتبية".
والجواب عن الحال: التي يحكم له فيها بحكم السفه ما لم يظهر رشده: فمنها حال الابن بعد بلوغه في حياة أبيه، على الخلاف بين أصحابنا في ذلك، وقد قدمناه في أول "كتاب النكاح الأول"، وقد كنا استقرأنا من "الكتاب" ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون رشيدًا بنفس البلوغ، ويخرج من ولاية الأب.
والثاني: أنه لا يخرجه من ولايته إلا الرشد، وصلاح الحال، وهو قوله في "كتاب الصدقة" وغيرها.
والثالث: التفصيل بين النفس والمال، وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد على "المدونة"، وهذا في المجهول الحال.
ومنها: حال البكر، أو اليتيمة التي لا وصي لها إذا تزوجت، ودخل بها زوجها من غير حد، ولا تفرقة بين ذات الأب واليتيمة، على رواية
стр. 3309
ابن القاسم عن مالك، خلافًا لمن حد في ذلك حدًا، أو فرق بين ذات الأب واليتيمة، على ما سنذكره بعد إن شاء الله.
والجواب عن الحال: التي يحكم له فيها بحكم الرشد ما لم يظهر سفهه:
فمنها حال البكر المعنس -على مذهب من يعتبر تعنيسها- وقد اختلف في حده.
أو التي دخل بها زوجها، ومضى لدخوله بها العام، أو العامان أو السبعة الأعوام، على الاختلاف في الحد المؤقت في ذلك بين من وقته.
ومنها: حال الابن ذي الأب بعد بلوغه، والابنة البكر بعد بلوغها على رواية زياد عن مالك.
ولا يخرج عن هذا التفصيل الذي فصلناه وقسمناه شيء من الخلاف الحاصل بين أصحابنا في هذا الباب، وأنا أذكر من ذلك ما حضر في حفظي بأقرب تلخيص، وأحسن تحصيل: أما الابن فهو في ولاية أبيه ما دام صغيرًا لا يجوز له فعل إلا بإذن أبيه، فإذا بلغ فلا يخلو أمره من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معلوم الرشد.
والثاني: أن يكون معلوم السفه.
والثالث: أن يكون مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه.
فإن كان معلومًا بالرشد: فأفعاله جائزة ليس للأب أن يرد منها شيئًا وإن لم يشهد على إطلاقه من الولاية، فقد خرج منها ببلوغه مع ما ظهر من رشده.
стр. 3310
وأما إن كان معلومًا بالسفه: فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه، وأفعاله كلها مردودة غير جائزة.
وأما إن كان مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه محمول على السفه حتى يثبت رشده، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصدقة"، و"الهبة"؛ حيث قال: ليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى يعرف حاله، ويشهد العدول على صلاح أمره، وهو ظاهر سائر الروايات عنه، وعن مالك في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنه محمول على الرشد حتى يثبت سفهه، وأنه بالاحتلام يخرج من ولاية أبيه إذا لم يعرف سفهه ولا رشده، روى ذلك زياد عن مالك، وهو ظاهر ما وقع في أول "كتاب النكاح الأول" من "المدونة".
والثالث: التفصيل بين النفس والمال؛ ويحمل على الرشد في نفسه، وعلى السفه في ماله، وهو تأويل أبي محمد على "المدونة" في قوله: وإذا احتلم الغلام، فله أن يذهب حيث شاء، إلا أن يخاف عليه من ناحية السفه، فللأب أن يمنعه، وقال الشيخ أبو محمد: يريد بنفسه لا بماله.
والرابع: أنه لا يخرج بالاحتلام من ولاية أبيه حتى يمر به العام ونحوه، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه.
ولا زلت قط أتأمل قوله في "كتاب النكاح الأول" أنه إذا احتلم يجوز أن يذهب حيث يشاء، فأباح له الأسفار والجولان في الأمصار بغير رضي الأب والاختيار.
ووقع في "العتبية" من رواية أشهب عن مالك أنه سأله رجل فقال: إن ابني تزوج امرأة، وهو يريد أن يذهب معها ويدعني وأنا شيخ كبير لا
стр. 3311
أقدر على نزع الشوكة من رجلي؟
فقال: إن كان قد بلغ، وليس بسفيه ولا ضعيف العقل، وهو يلي نفسه: فذلك جائز له، وهو رجل يخرج إن شاء إلى العراق، وإن كان لا يلي نفسه، وهو سفيه مأخوذ على يديه: فليس ذلك له.
فانظر كيف أباح له مالك الخروج إلى العراق إذا كان رشيدًا -شاء الأب أو أبى- ومنعه في مشهور مذهبه أن يخرج لحجة الفريضة إلا بإذن أبويه وهذا الذي لم أزل أتفكر فيه مع عموم الأزمان.
فإن كان في ولاية وصي: فلا يخلو من أن يكون وصيًا من قبل الأب، أو من قبل القاضي.
فإن كان وصيًا من قبل الأب، هل يخرج من الحجر بإطلاق الوصي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يخرج منه بإطلاق الوصي، وإن لم يعلم رشده إلا من قوله، وهو مصدق فيما يذكر من حسن حاله كالأب.
والثاني: أنه لا يجوز إطلاقه إلا أن يتبين رشده وحسن حاله، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن كان وصيًا من قبل القاضي -أعني: مقدمًا: فقد اختلف في إطلاقه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يطلقه من ولايته إلا بإذن القاضي الذي قدمه عليه.
وهو قول ابن زرب وغيره، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في وصي الأب، فكيف عند وصي المقدم من جهة القاضي.
والثاني: إن إطلاقه جائز دون إذن القاضي، وإن لم يعلم رشده إلا من قوله.
стр. 3312
والثالث: أنه إذا عرف بالرشد، واشتهر به جاز إطلاقه دون القاضي، وإذا لم يعرف إلا من قوله: فلا يطلقه إلا السلطان.
والثلاثة الأقوال حكاها بعض الشيوخ.
واختلف هل حكمه مع الوصي كحكمه مع الأب في الخروج من الحجر بنفس البلوغ على قولين:
أحدهما: أنه حاله مع الوصي كحاله مع الأب، وأنه يخرج من ولاية الوصي إذا علم رشده أو جهل حاله، على الخلاف المتقدم، وهو ظاهر ما وقع في "كتاب الهبة"، و"الصدقة" من "المدونة" من قوله: وقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ بالرشد، فكيف مع الآباء الذين [هم] (١) أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء.
ونحوه لابن الماجشون في "الواضحة" قال: إن البكر إذا عنست أو نكحت: جازت أفعالها -كانت ذات أب أو وصيّ-.
والثاني: أن أفعالها كلها مردودة، وإن علم رشدها ما لم تطلق من ثقاف الحجر الذي لزمه، وهذا هو المشهور الذي عليه أكثر أصحاب مالك.
وأما الابنة البكر: فلا خلاف في المذهب أن أفعالها مردودة غير جائزة ما لم تبلغ المحيض، فإذا بلغته فلا يخلو أمرها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون ذات أب.
والثاني: أن تكون يتيمة ذات وصي، وقد أوصى عليها الأب، أو قدم عليها السلطان.
والثالث: أن تكون يتيمة لا وصى لها من قبل أب، ولا مقدمًا من قبل السلطان.
فإذا مات الأب، فاختلف فيها المذهب على سبعة أقوال:
أحدها: رواية زياد عن مالك أنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، ومعنى
стр. 3313
ذلك -والله أعلم: إذا علم رشدها أو جهل حالها، وأما إن علم سفهها فهي باقية في ولايته.
والثاني: أنها باقية في ولاية أبيها حتى تبلغ ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها، ويشهد العدول على صلاح أمرها.
وهو قول مالك في "الموطأ"، و"المدونة"، و"الواضحة" من رواية مطرف عنه، فعلى هذا ما لم تنكح أو يدخل بها زوجها في الولاية أفعالها مردودة، وإن علم رشدها، فإذا دخل بها زوجها حُملت على السفه وردت أفعالها، فإذا ظهر صلاحها وعلم رشدها خرجت من ولاية أبيها وإن كان ذلك بقرب بناء زوجها بها.
والثالث: أنها في ولاية أبيها ما لم تعنس أو يدخل بها زوجها، ويعرف صلاح حالها، وهي رواية عن مالك في "كتاب الكفالات" أيضًا في اعتبار التعنيس محمولة على الرشد جائزة أفعالها ما لم يعلم سفهها.
والرابع: أنها في ولاية أبيها حتى تمر بها سنة بعد دخول زوجها بها وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
فعلى هذا القول تكون أفعالها قبل دخول زوجها مردودة، وإن علم رشدها، وبعد دخول زوجها ما بينها، وبين القضاء العام جائزة الأفعال ما لم يعلم سفهها.
والخامس: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها عامان، وهو قول ابن نافع في "العتبية".
والسادس: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سبعة أعوام، وهذا القول يعزى إلى ابن القاسم.
والسابع: أنها تخرج من ولاية أبيها إذا مضى لها في بيت زواجها من
стр. 3314
الستة الأعوام إلى السبعة ما لم يجدد عليها الأب السفه قبل ذلك، وهو اختيار ابن زمنين.
فعلى القول بتجديد السفه عليها بعد الدخول، وقبل انقضاء المدة التي حديث لجواز أفعالها، ثم تراخى الأمر إلى أن يبلغ ذلك الحد، ثم يموت الأب بعد ذلك، هل يلزمها حكم الولاية أم لا؟ فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أن إيصاء الأب عليها لازم لها كتجديد السفه عليها الذي لا تخرج منه إلا بثبات رشدها بالبينة العادلة.
والثاني: أن ذلك لا يلزمها بخلاف تجديد السفه عليها، بمنزلة الأب يولي على ابنته البكر ثم زوجها، فتقيم مع زوجها سبع سنين، أو أكثر فيموت: أن الإيصاء ساقط عنها.
وأما إن كانت يتيمة ذات وصي من قبل أب أو سلطان: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تخرج من الولاية، وإن عنست، أو تزوجت ودخل بها زوجها، وطال زمانها: لم تطلق من ثقاف الحجر الذي لزمها بما يصح إطلاقها منه، وهذا هو المشهور في المذهب.
والثاني: أن حالها مع الوصي كحالها مع الأب في خروجها من ولايته بالتعنيس أو النكاح مع طول المدة وتبين الرشد، وهي رواية مطرف، وابن عبد الحكم، وعبد الرحيم عن مالك.
وأما إن كانت يتيمة لم يولَّ عليها بأب ولا وصي: فقد اختلف فيها على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض، وهو قول سحنون في "العتبية"، وهو قول الغير في "كتاب النكاح الثاني" في باب نكاح
стр. 3315
التفويض إذا رضيت بأقل من صداق مثلها، وهي رواية زياد عن مالك.
والثاني: أن أفعالها مردودة ما لم تعنس، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الكفالات".
واختلف في حد تعنيسها على خمسة أقوال:
أحدها: ثلاثون سنة، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: من الثلاثين إلى دون الأربعين، وهو قول ابن نافع.
والثالث: أربعون، وهي رواية مطرف عن مالك، وأصبغ عن ابن القاسم.
والرابع: من الخمسين إلى الستين, وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
والخامس: أن حد تعنيسها أن تقعد عن المحيض، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" قال: لا تجوز أفعالها حتى تعنس، وتقعد عن المحيض، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها، وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد قبل انقضاء هذه المدة العام، وهو قول ابن الماجشون، وإليه ذهب ابن العطار.
وقيل: ثلاثة أعوام ونحوها.
وقيل: السنتين، والثلاثة، وهو اختيار محمد بن أبي زمنين، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3316
المسألة الثالثة في معرفة ما يلزم السفيه من إقراره وأفعاله
أما ما كان من حقوق الله تعالى التي أوجبها على عبادة في بدنه وماله، فإنه يلزمه ما وجب في بدنه من حد أو قصاص، ويلزمه الطلاق -كان بيمين حنث بها أو بغير يمين- وكذلك الظهار، وينظر له وليه فيه بوجه النظر؛ فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن رأى ألا يعتق عنه، وأزال ذلك الفراق بينهما كان ذلك له.
وهل له أن يكفر بالصيام رقبته؟ وهل منعه الولي العتق أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز أن يكفر بالصيام إذا كان له مال يحتمل رقبته وهذا هو المشهور.
والثاني: أنه يجوز له أن يكفر بالصيام إذا لم ير وليه أن يكفر عنه بالعتق، وهو قول ابن المواز.
والثالث: أن الوليّ يكفر عنه بالعتق -كان ذلك منه أول مرة، فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه؛ لأن المرة الواحدة تأتي على الكليم والسفيه وهو قول ابن كنانة.
وعلى القول بأنه لا يكفر عن بالعتق، هل يدخل عليه الإيلاء أم لا؟
فأمَّا على قول من ذهب أنه لا يجوز أن يكفر بالصيام، فإنه لا يدخل عليه إذا طلبت المرأة ذلك؛ لأنه لم يبق له أمر ترضى بالتربص، وهو قول أصبغ، ويحتمل أن يضرب له من أجل الإيلاء لعل الزوجة ترضى بالمقام معه بلا وطء، كما قال في "كتاب الظهار" و"كتاب
стр. 3317
الإيلاء" مع الاحتمال أن يرشد في باقي الأجل، ويملك التصرف في ماله، فيكفر بالعتق.
وأما على مذهب من يرى أن يكفر بالصيام: فإنه يضرب له أجل الإيلاء إذا تراخى عن الصيام، وطلب المرأة ذلك.
وأما الإيلاء فلا يخلو من أن يدخل عليه بسبب يمين الطلاق وهو فيها على حنث، أو حلف على ترك الوطء، فلا يخلو من أن يكون يمينه بعتق، أو صدقة، أو ما لا يجوز له فعله، ويحجر عليه في ذلك وليه لم يلزمه به الإيلاء.
وإن كانت بالله تعالى، فيلزمه الإيلاء إذا لم يكن له مال، وإن كان له مال، فقولان:
أحدهما: أنه لا يلزمه الإيلاء، وهو المشهور.
والثاني: أنه يلزمه، وهو قول ابن المواز.
وإن كانت يمينه بصلاة، أو صيام، أو ما أشبه ذلك مما يلزمه: لزمه به الإيلاء، ولا تلزمه هبة، ولا صدقة، ولا عتق، ولا شيء من المعروف في ماله، إلا أن يعتق أمَّ ولده، فقد اختلف في لزومه على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه عتقها؛ لأنها تشبه الزوجة التي ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يلزمه عتقها.
وهل يتبعها مالها أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبعها، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه.
والثاني: أنه لا يتبعها، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم.
والثالث: التفرقة بين أن يكون مالها قليلًا، أو كثيرًا؛ فيتبعها إذا كان
стр. 3318
قليلًا، ولا يتبعها إذا كان كثيرًا، وهو قول أصبغ: وأما ما كان من حقوق الآدميين على الخلوص؛ كبيعه وشرائه، ونكاحه، وما أشبه ذلك مما يخرج على عوض، ولا يقصد به المعروف: فإنه موقوف على نظر وليِّه إن كان له وليّ؛ فإن رأى أن يجيزه جوزه، وإن رأى أن يرده رده بوجه النظر له والاجتهاد.
فإن لم يكن له وليّ: قدم القاضي ناظرًا ينظر له في ذلك نظر الوصي.
وإن لم يفعل حتى ملك أمر نفسه: كان هو مخير في رد ذلك وإجازته.
فإن رد بيته وابتياعه، وكان أتلف الثمن الذي باع، أو السلعة التي ابتاعها: فلا يخلو من أن ينفق الثمن فيما لابد له منه، أو في غيره.
فإن أنفقه في غير واجبه مما هو عنه في غنى: فإنه لا يتبع بذلك، ولا يتقرر في ذمته.
وإن أنفقه فيما لابد له منه مما يلزمه إقامته من ماله، فهل يتبع بذلك في ماله أم لا؟
على قولين متأولين على "المدونة"، ولا خلاف أنه لا يتبع بذلك في ذمته.
فإن كان الذي اشترى المشتري منه أمة، فأولدها أو أعتقها، أو غنمًا فتناسلت، أو بقعة فبنى فيها، أو شيئًا له غلة فاغتلها: كان حكمه في جميع ذلك حكم من اشترى من مالك فيما يرى فاستحق من يده ما اشترى بعد أن أحدث فيها ترد إلى المولى عليه الأمة التي ولدت من المشتري وقيمة ولدها، على اختلاف قول مالك في ذلك.
стр. 3319
وإن كان الولد من غيره بتزويج: أخذه مع الأم، وكذلك يأخذ الغنم ونسلها، وكان عليه فيما بناه قيمة بنائه قائمًا، وكان الغلة التي اغتل له بالضمان، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
هذا كله إن لم يعلم بأنه مولى عليه لا يجوز بيعه.
وأما إن علم أنه مولى عليه: فهو متعد في البيع بغير إذن وليه لسفهه، فحكم المشتري حكم الغاصب يرد الغلة، على الخلاف المألوف فيه , ويكون له فيما بناه قيمته منقوضًا.
واختلف فيما فوت السفيه من ماله بالبيع، والهبة وغير ذلك، فلم يعلم به حتى مات، هل يرد بعد الموت أم لا؟ على قولين.
وكذلك اختلف إذا تزوج، ولم يعلم وليه بنكاحه حتى مات، هل ترثه المرأة، ويلزمه الصداق أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ميراث لها, ولا صداق إلا أن يدخل بها، فيكون لها قدر ما يستحل به فرجها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن لها الميراث وجميع الصداق، وهو أحد قولي مالك في "المدونة" في النكاح الذي لأحد الزوجين، أو لغيرهما إجازته أو رده، وهو اختيار ابن القاسم.
والثالث: أن لها الميراث، وينظر الولي في النكاح؛ فإن كان نكاح غبطة هل لو نظر فيه الولي في حياته لم يفسخه، وأجازه فلها الصداق مع الميراث دخل بها أم لا.
فإن كان نكاح غير غبطة مما لو نظر فيه الولي لم يجوزه: وجب لها الميراث، وردت الصداق دخل بها أم لا، ويترك لها في الدخول ربع دينار
стр. 3320
وهو قول أصبغ.
والقولان المتقدمان لابن القاسم.
وينبني الخلاف: على الخلاف في فعله، هل هو على الرد حتى يجاز، أو على الجواز حتى يرد؟
فإن كانت المرأة هي التي ماتت، وبقى المولى عليه فقولان أيضًا.
أحدهما: أن النظر لوليه قائم، فإن رأى إجازة ذلك خير له وغرم الصداق لما يأخذ من الميراث أجازه، وإلا رده، وهو الذي على قول مطرف، وابن الماجشون، وأحد قولي ابن القاسم إذا مات الزوج.
والثاني: أنه جائز، ويكون لها الصداق، ويرثها الزوج، وهو قول ابن القاسم؛ لأن موضع النظر قد فات ومضى.
واختلف هل يجيزه الولي على النكاح، أم لا كما يجيز الصغير على قولين قائمين من المدونة، وقد بيناهما في "كتاب النكاح الأول"، وهما منصوصان في "الواضحة".
وكذلك اختلف أيضًا هل يخالع عنه بغير إذنه أم لا؟ على قولين:
فله في "المدونة": أنه لا يخالع عنه إلا بإذنه، وله في "العتبية" من رواية عيسى عنه أنه يخالع عنه بغير إذنه كالصبي، وهو قائم من "المدونة" على القول بأن الخلع حكمه حكم المعاوضة المحضة، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3321
المسألة الرابعة في الإذن في التجارة، هل يتناول الإجارة ؟
اعلم أن أرباب المذهب اختلفوا في الإذن في التجارة هل ينتظم الإذن في الإجارة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يتناوله وينتظمه، وهو مذهب ابن القاسم، ومن تابعه على ذلك؛ لأنه أباح للمأذون له في التجارة أخذ القراض، وذلك محض الإجارة.
والثاني: أنه لا ينتظمه ولا يقتضيه، وهو مذهب أشهب وسحنون ومن تابعهما؛ ولأجل ذلك منعا المأذون له في التجارة من أخذ القراض ورأياه من باب الإجارة.
وشبهة ابن القاسم: أن الإجارة عنه مقصوده حصول المالية على أي وجه كان، وقد تحصل ذلك بالإجارة حصوله بالتجارة؛ لأنه عوَض في مقابلة معوض، والإجارة في تحصيل مقصوده الذي هو استجلاب المال، واكتسابه كالتجارة، فوجب أن يفهم الإذن بها إذنًا الإجارة؛ إذ لا مضادة بينهما في باب المقصود.
وشبهة سحنون وأشهب: أن التجارة لا يستفاد من الإذن بها إذن في الإجارة؛ لأن الإجارة سبب لرفع التجارة، وتعطيل حركتها؛ لأن التجارة إنما تحصل بانتهاز الفرص، وتجرع الغصص، وطلب الغرة والتماس الغفلة، ومخالطة التجار، ومجالستهم، والتصرف معهم وبينهم، وارتصاد الأوقات، والتصرف في الحالات التي تحصل الأرباح فيها، وهذا الاستعداد يبطل بكونه أجر نفسه، كما يبطله بيعه لرقبته؛ لأن منفعته ملك من أملاك السيد؛ فبالطريق الذي به يمنع له بيع رقبته يمنع به بيع منافعه له؛ ولأنه متصرف بالإذن فلا يتعدى تصرفه محل الإذن.
وما قاله ابن القاسم أظهر؛ لأنه أذن له في طلب الكسب.
стр. 3322
كتاب الرهون
стр. 3323
كتاب الرهون
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها اثنتا عشرة مسألة.
المسألة الأولى في الرهن المشاع
أصل الرهن معناه (١): اللزوم، وكل شيء ملزوم، فهو [رهين] (٢)، يقال: هذا مرهون لك أي: محبوس دائم لك، وكل شيء ثبت [لك] (٣) ودام فهو رهن، يقال: أرهنتك، فأنا راهن، وأنت مرتهن بكسر الهاء، ولا يقال إرتهنت، وأما المرتهن -بفتح الهاء: فالشيء المرهون، ويسمى رهنًا بالمصدر.
وقد ينطلق المرتهن -بفتح الهاء- على آخذ الرهن؛ لأنه وضع عنده الرهن، وينطلق على الرهن؛ لأنه سبب للرهن، فإذا ثبت ذلك، فرهن المشاع جائز عندنا، خلافًا لأبي حنيفة.
ثم لا يخلو ذلك المشاع من وجهين:
أحدهما: أن يكون مشاعًا يملك الراهن جميعه، أو يكون مشاعًا بينه وبين غيره.
فإن كان مشاعًا يملك جميعه، فلا يخلو من أن تكون يده باقية على ما لم يرهنه، أو رفع يده عنه.
فإن رفع يده، وقبض المرتهن جميع المشاع، وحازه: فلا خلاف في المذهب في الجواز.
стр. 3324
وإن بقيت يد الراهن مع المرتهن: فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، ولا يصح فيه [الحوز] (٢) للمرتهن مع بقاء يد الراهن عليه؛ لأن القدر الذي حازه المرتهن مجهول غير معلوم وهو قول ابن القاسم في أول كتاب الرهون.
والثاني: أنه يجوز، وتكون يد الراهن [والمرتهن] (٣) [متساويين] (٤) في الرهن [في] (٥) التصرف فيه، وبذلك يكون المرتهن أحق من الغرماء، وهذا القول قائم من المدونة من كتاب الرهون من مسألة الذي رهن رهنًا من رجلين، فقضى لأحدهما ما له عليه من الدين، فإن له أخذ حصته من الرهن، فهذا نص قوله في المدونة (٦).
فإذا رجع نصف الرهن إلى يد الراهن، فقد عاد الرهن مشاعًا بين الراهن والمرتهن.
والقولان منصوصان في المذهب.
فإن كان مشاعًا بينه وبين غيره، فرهن الراهن حصته من المشاع، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون [الرهن] (٧) مما [يتحول] (٨) ويزول، [أو مما لا يتحول
стр. 3325
ولا يزول] (١).
فإن كان مما [يتحول به] (٢) ويزول؛ كالعبد والدَّابة، والثوب: فلا يخول من أن يكون على يد المرتهن وحده، أو يكون تحت يده، ويد الشريك.
فإن كان على يد المرتهن وحده أو على يد غيرهما: فلا خلاف في الجواز.
وإن كان على يديهما جميعًا -يد المرتهن والشريك- فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه رهن جائز محوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه لا يكون حوزًا, ولا ينتفع به المرتهن ما دامت عليه يد الشريك، وهو قول أشهب.
ولو كان العبد أو الثوب عند الشريك وتحت يده: فلا يخلو من أن يكون حائز للمرتهن، أو غير حائز له.
وإن رضي الشريك أن يكون حائزًا للمرتهن، وكان بإذنه: فلا خلاف في الجواز، ويكون رهنًا محوزًا.
وإن كان بغير إذن [المرتهن] (٣): فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة (٤):
أحدهما: أن ذلك حوز.
стр. 3326
والثاني: أن ذلك ليس بحوز.
وينبني الخلاف: على الخلاف في حوز الغير، هل هو حوز، وإن لم يأذن المحوز له في ذلك؟ وهو قائم من مسألة رهن فضلة الرهن، ومسألة من وهب خدمة عبده لرجل سنة، ثم رقبته لآخر.
فإن كان غير جائز له، ولا رضي بذلك: فالرهن غير محوز، قولًا واحدًا.
ولا خلاف عندنا أن الحوز مشروط في الرهن، خلافًا للشافعي الذي يقول [إنه] (١) بنفس الرهن صار مقبوضًا محوزًا، والدليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢)؛ فوصفه الله بصفة زائدة على تسميته رهنًا.
فإذا ثبت ذلك، فحوز كل شيء على حسبه.
فإن كان الرهن مما يبان كالثوب والعبد وسائر العروض لم يصح الحوز إلا بمعاينة البينة لقبض المرتهن، أو من وضع على يده.
وأما ما لا [يتحول] (٣) ولا ينقل؛ كالدور والأرضين، وما لا يمكن البينونة به؛ كالسفن والأعدال فيجزئ في ذلك الإقرار والتسليم ويكون المرتهن رقيبًا ومانعًا للراهن أن يضع يده على تلك الأشياء المرهونة.
وكذلك الأرضون والشجر والبساتين: فالإقرار بالتسليم والمرتهن يمنع الراهن في المستقبل من التصرف فيه، على حسب ما هو مذكور في الأمهات، فلا نطول في إيراده [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 3327
[المسألة الثانية] (١) في تعدي أحد المتراهنين في بيع الرهن
ولا يخلو بيعه من أن يكون بتعدي الراهن، أو بتعدي المرتهن.
فإن كان بتعدي الراهن فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل قبض الرهن، أو بعده.
فإن كان ذلك قبل قبضه فلا يخلو من أن يبيعه مبادرة أو بعد التراخي.
فإن باعه مبادره دون توان من المرتهن في القبض، فإن لم يعلم المرتهن بالبيع فله نقض البيع، واسترجاع الرهن قولًا واحدًا، إلا أن يرضى الراهن بتعجيل الحق وكان مما له تعجيله، ويجبر المرتهن على قبضه كالعين وعروض [العوض] (٢)، وفي رد البيع إن علم قولان:
أحدهما: أن البيع في الرهن ماض، ويكون الثمن رهنًا، وهو تأويل أبي محمد على المدونة من قوله لأن تركك إياه حتى باعه، وقد أمكنك أخذه يدل أنه إن لم يتراخ في القبض لم يبطل الرهن ومضى البيع، وكان ثمنه رهنًا.
والثاني: أن البيع لا يجوز ويرد، ويبقى رهنًا.
وإن باعه بعد توان المرتهن وتراخيه عن القبض، فهل له رد البيع أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن البيع ماض ولا يرد، وهو قول مالك وابن القاسم في
стр. 3328
المدونة في مسألة ميمون (١) أن البيع ماض، وليس له أخذه برهن غيره، قال: لأن تركك إياه حتى باعه، وقد أمكنك منه كتسليمك بذلك، وبيعك الأول غير منتقض، وهو قوله في بعض روايات كتاب محمد، وهو قائم من المدونة من كتاب الصدقة [والهبات] (٢) في الواهب إذا باع الهبة قبل القبض، وهو قول أشهب في "النوادر" (٣).
والثاني: أن للمرتهن أن يرد البيع وينقضه، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة، فيمكن من ذلك، وهو أحد قولي مالك في كتاب محمد أيضًا، وعليه اختصر أبو محمد في المختصر، وعليها نقل في "النوادر" أيضًا قال: "وليوضع له رهنًا إلى أجله"، وعليها نقل ابن أبي زمنين من كتاب محمد أيضًا، وهو قول عبد الملك فيمن غر برهن ثم استحق، فهو في التعدي على الرهن بعد صحته أبين.
والثالث: التفصيل بين أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان الراهن موسرًا نقد البيع، وعجل للطالب حقه.
وإن كان معسرًا، لم [ينفذ] (٤) البيع في الرهن والرهن على حاله، والبيع مردود، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والرابع: التفصيل بين أن يكون الرهن مشروطًا في عقد البيع أو القرض، أو تبرع به بعد العقد.
فإن كان مشروطًا في أصل العقد فللمرتهن نقض البيع، واسترجاع الرهن مع القيام، إلا أن يأتيه برهن ثقة.
стр. 3329
وإن تبرع به بعد العقد: فلا مقال للمرتهن في نقض البيع، ولا الرجوع في عين شيئه، وهذا القول لبعض المتأخرين.
وعلى القول بأنه لا مقال له في نقض البيع، هل له في الثمن مقال أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا مقال له في الثمن، وأنه للراهن، ولا يعجل له الحق، ولا يوضع له رهن آخر، ولا ينتقض ما بينهما من بيع أو قرض، وهو قول مالك، وابن القاسم في كتاب محمد، وهو قول أشهب في الهبة في أول كتاب الصدقة من المدونة.
والثاني: أن له في الثمن مقالًا؛ لأنه عوض رهنه، فيوقف له رهن، ويطبع عليه، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة فيأخده، وهو قول ابن الماجشون في الغرور بالرهن، وهو قول ابن القاسم في مسألة الهبة في كتاب الصدقة من المدونة.
وذلك بيمين المرتهن أنه ما رضي ببيع الرهن [ما لا] (١) ليكون الثمن رهنًا ثقة لحقه، أو بغير يمين؟
فإنه يتخرج على قولين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في السكوت هل يعد كالرضا أم لا، وهو أصل [ينبني] (٢) عليه كثير من فروع المذهب [وبالله التوفيق] (٣).
وأما الوجه الثاني في الوجه الأول: إذا باع الراهن بعد قبض المرتهن،
стр. 3330
وحوزه إياه فلا يخلو من [أن] (١) يبيعه بإذن المرتهن، أو بغير إذنه.
فإن باعه بإذنه: فلا يخلو من أن يسلم له الرهن، أو يبيع وهو في يده.
فإن سلمه المرتهن للراهن، وخرج من يده، فباعه الراهن فقد خرج من الراهن، ولا حق له في الثمن ولا في المثمون، وهو قوله في المدونة، وقيل: إنه يحلف ويكون أولى بالثمن من الغرماء إذا أسلمه، وهو قول أشهب في "الموازية".
فإن باعه الرهن وهو في يد المرتهن، ولم يسلمه في يده [إلى] (٢) المبتاع: فإنه يأخذ منه الثمن بعد أن يحلف أنه ما أذن له في البيع إلا لإحياء الراهن لا ليأخذ الراهن الثمن، ويقال للراهن: إما أن تأتي برهن ثقة، وتأخذ الثمن، وإلا بقى الثمن رهنًا مطبوعًا عليه.
فإن باعه [بغير] (*) إذن المرتهن: فلا يخلو من أن يبيعه بجنس الدين، أو بغير جنسه.
فإن باعه بجنسه قدرًا وصفة: فلا يخلو من أن يكون الدين مما يقدر على تعجيله، أو مما لا يقدر على تعجيله، وكان مما يجبر الطالب على قبوله كالعين وعروض القرض فالبيع نافذ، ولا مقال في ذلك للمرتهن، ويجبر على قبول حقه إذا دفعه إليه الراهن.
فإن كان الدين مما لا يقدر على تعجيله كعروض البيع، أو طعامه، أو كان مما يملك تعجيله إلا أن الراهن لم يرض بتعجيله لم يجز البيع، وللمرتهن رده وفسخه.