لها خيار وتبقى تحته؛ لأن اختيارها [الطلاق] (١) يوجب سقوط عتقها.
[وسقوط عتقها] (٢) يوجب ألا يكون لها اختيار؛ فلأن تبقى حرة تحت عبد خير من إرقاقها الذي يؤدي إلى سقوط خيارها.
وهذا منه بناء على أن المرأة لا تملك الصداق إلا بالدخول، ويؤخذ من "المدونة" أنها تعتق ويتبع السيد بالصداق، ولا يرد فيه عتقها من قوله في السيد إذا أخذ مهر أمته [وأعتقها] (٣) ثم طلقها الزوج قبل البناء: أن العتق نافذ ولا يرد؛ لأنه دين حدث بعد الطلاق بناءً [منه على] (٤) أنها تملك جميع الصداق بالعقد، وقد [أشبعنا] (٥) الكلام في هذا المعنى في غير هذا الموضع.
وأما تصرفه في أمة الرهن [بالوطء] (٦): فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون بمباشرة من الراهن، أو بسبب منه.
فإن كان ذلك بمباشرة من الراهن؛ مثل أن يَطَأها الراهن، فحملت من وطئه، فإن كان ذلك قبل الحوز: فحكمه حكم العتق في جميع ما ذكرناه.
وإن كان ذلك بعد الحوز: فلا يخلو من أن يكون وطؤه بإذن المرتهن، أو بغير إذنه.
فإن كان ذلك بإذنه: كان ذلك خروجًا من الرهن، وتكون أُمّ
стр. 3397
ولد، ويبقى الدين في ذمته بلا رهن.
وإن كان بغير إذنه: فالمذهب على قولين:
أحدهما: التفصيل بين أن تكون الجارية تذهب وتجيء في حوائج المرتهن، ثم وطئها الراهن فحملت: فإن الرهن يبطل، ولم يعجل الحق ورجعت إلى الراهن أُمّ ولد.
أو تكون لا تذهب وتجيء، وإنما تَسَوَّر عليها الراهن: فإن ذلك لا يبطل الرهن، وهو قول ابن القاسم في المدونة (١).
والثاني: أن وطاه بغير إذن المرتهن لا يبطل الرهن، وإن كانت تذهب وتجيء، وهو كالتسور.
والقولان عن مالك، على ما رواه ابن القاسم في "المجموعة".
وعلى القتل [بأن ذلك] (٢) لا يبطل الرهن: فلا يخلو الراهن من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فلا يخلو الدين من أن يكون عينًا أو عرضًا.
فإن كان عينًا: فإن الدَّين يعجل قبل أجله، ويجبر المرتهن على قبضه، وكانت أُمُّ ولد للراهن.
وإن كان الدَّين عَرَضًا أو طعامًا من سَلَم: فالخيار للمرتهن إن شاء عَجَّل حقه، وسَلَّم الجارية، وإن شاء حبسها رهنًا، وأرجأ الطعام إلى أجله؛ لأن ذلك من حقه، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وقوله تفسير للمذهب وليس بخلاف.
فإن كان الراهن مُعْسِرًا: فإنها تباع، وهل تباع في الحال، أو بعد
стр. 3398
الأجل فقولان:
أحدهما: أنها تباع في الحال، ولا ينتظر بها الأجل.
والثاني: أنها لا تباع حتى يحل الأجل، فتباع بعد الوضع، وهو قول أشهب.
ثم ينظر، فإن كان الدَّين يستغرق جميع قيمتها: فإنها تباع جميعها قولًا واحدًا في المذهب، ولا يباع الولد معها؛ لأنه حر.
فإن كان بيع بعضها يفي بما عليه من الدَّين، هل تباع كلها أو يباع منها [بقدر] (١) الدين؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يباع منها بقدر الدَّين، ويعتق الباقي في الحال، وهو قول ابن القاسم في "كتاب أمهات الأولاد" في وطء [أحد] (٢) الشريكين أمة بينهما.
والثاني: أنها تباع جميعها، وما كان فيها من فضل، فإنه [يكون] (٣) للسيد؛ إذ لا يكون بعض [الأمة] (٤) أمّ ولد، وهو قول أشهب في "المجموعة".
فإن كان ذلك بسبب [من] (٥) الراهن مثل أن يزوجها بعد الرهن والحوز، فهل يجوز هذا النكاح أم لا؟
стр. 3399
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح فاسد، ويفسخ قبل البناء، فإن بني [بها] (١) بعلم المرتهن فسخ رهنه، فإن لم يعلم: فله أن يَحُول بينه وبينها ما دامت في الرهن، ولا يفسخ النكاح، ولها الأكثر من صداق المثل أو المسمى لها، وهو قوله أشهب في "المجموعة".
والثاني: أن النكاح جائز، ويعجل الراهن حقه للمرتهن بمنزلة أن لو أعتقها أو بتلها عمدًا، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
والثالث: أن النكاح موقوف على إجازة المرتهن ورده؛ لأن النكاح يعيب الرهن؛ فإن رضي به جاز النكاح، وإن لم يرض به فسخ النكاح -دخل أو لم يدخل- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في آخر "كتاب [الرهون] " (٢).
فإن بني [بها] (٣) بغير علم المرتهن فافتضها إن كانت بكرًا، فعلى الزوج صداق المثل يوقف معها في الرهن كالجناية عليها، وإن نقصها الافتضاض أكثر مما أخد السيد من الصداق غرم السيد الزائد، ويوقف مع الصداق رهنًا، وهو قول ابن عبد الحكم.
وتفصيل أشهب بين أن يعتق على ذلك قبل البناء أو بعده ضعيف من وجهين اثنين:
أحدهما: أن جواز النكاح يكر على الرهن بالبطلان؛ لأن ذلك مما ينقصه ويخرجه عن الحوز.
والثاني: أن إجازته تؤدي إلى إجازة النكاح حيث لا يحوز الوطئ؛ لأن الزوج قد دخل على ألا يطأها حتى تخرج [من
стр. 3400
الرهن] (١)، فصار كمن تزوج امرأة على ألا يطأها سَنَة: فقد نص مالك في "المدونة" على أن النكاح لا يجوز إلا أن يكون هناك عذر بيِّن؛ مثل أن تكون الزوجة صغيرة، ويكون زوجها غريبًا، فاشترطوا عليه ألا يبني بها سنة، وقد قال مالك في غير ما موضع من المدونة: أن النكاح لا يجوز إلا حيث يجوز الوطء، إلا في دم النفاس، والحيض، وما أشبههما.
ثم إنا بحثنا فوجدنا في المذهب مسائل كثيرة [جوزوا] (٢) النكاح [فيها] (٣) حيث لا يجوز الوطء؛ منها: مسألة نكاح المعتكفة، ومنها: مسألة من تزوج امرأة وتحته أختها، وكان يطؤها بملك يمينه على أحد قولي ابن القاسم.
ومنها: مسألة التي [واجرت] (٤) نفسها للرضاع مدة معلومة: فقد نص في "المدونة" على أن زوجها يمنع من وطئها إذا واجرت نفسها برضاه، فعلى هذا لا يجوز نكاحها بعد الإجارة؛ لأن زوجها يمنع من الوطء، فيلزم على قول أشهب أن يجوز النكاح.
وسبب الخلاف: في مسألتنا: الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فرع: وأما إذا وطئها المرتهن، فلا تخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت بكرًا: فإن أكرهها، فعليه ما نقصها قولًا واحدًا.
стр. 3401
وفي [الطوع] (١) قولان:
أحدهما: أنه كالإكراه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا شيء عليه مما نقصها الوطء إذا طاوعته، وهو قول أشهب في غير المدونة.
فإن كانت ثيبًا وأكرهها: فعليه ما نقصها الوطء.
وإن طاوعته فقولان:
أحدهما: أنه لا شيء عليه [مما نقصها الوطء] (٢)، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ويلزم [في] (٣) المسألة قول آخر: أنه يغرم ما نقصها الوطء؛ لأن طوعها لا يسقط الحق الواجب للسيد على الواطئ.
والحد واجب على المرتهن في جميع ذلك، ولا يسقطه عنه طوع ولا إكراه، وتبقى الأمة رهنًا مع الولد إن ولدت من المرتهن في ذلك [كله] (٤)، ولا يلحق به الولد.
وقد قال في "المدونة": ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه ولدها؛ لأنه لم يثبت نسبه منها [تم الكتاب والحمد لله وحده] (٥).
стр. 3402
كتاب الحمالة
стр. 3403
كتاب [الحمالة] (١)
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع مسائل:
المسألة الأولى في اشتقاق الحمالة، وييان تقاسيمها
ومعناها: الحفظ، والحياطة، والتزام القيام بالشيء، وهي الضمان، ولها سبعة أسماء؛ وهي: زعيم، وكفي [وقبيل] (٢) وحميل، و [أذين] (٣)، وضامن، وصبير، وكلها موجودة في القرآن، والسنة، والآثار، والنثر، والأشعار، قال الله تعالى في الزعيم: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤) وقال جلَّ وعلا: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (٥)، وقال النبي ﷺ : "الزعيم غارم" (٦)، وقال: "لا تقوم الساعة حتى يكون زعيم القوم أرذلهم" (٧).
والزعيم: هو السيد، أي: من يحتمل الكلام عنهم، ويتقدم فيه دونهم، وينوب فيه منابهم، ومنه قول الشاعر:
стр. 3404
وإن زعيم القوم لا يقبل الرشا ... يكون إمام القوم في الحادثات
وقال عز من قائل: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١)، وقال ﷺ :
"تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما كان من أجر وغنيمة" (٢).
وقال سبحانه في القبيل: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ (٣).
والأذين: مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٤).
وقال تبارك اسمه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٥).
وأصله من الأذان، وهو الإعلام الذي لا يكون إلا بمعلوم متيقن حاصل، لا يصح أن يوجد بخلاف مخبره [إذ هو مأخوذ من العلم الذي هو معرفة المعلوم على ما هو به بخلاف الأخبار التي يصح أن توجد بخلاف مخبره] (٦) لما يدخله من الصدق والكذب؛ كأن يقول الرجل أنا أدين بما لفلان على فلان إيجابًا منه على نفسه [أدى المال] (٧)؛ إذ لا يستعمل ذلك اللفظ إلا في الواجب المتيقن الذي لا يصح أن يكون الأمر بخلافه.
وقال امرؤ القيس:
стр. 3405
وإني [زعيم] (١) إن رجعت مملكًا ... لسير ترى منه الفرانق أزورا
[على لا حب لا يهتدي بمناره ... إذا ساق العدد النباطي جرجرًا] (٢)
والحميل: [مأخوذ] (٣) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٤).
وفي بعض طرق الحديث: "الحميل غارم".
[والضامن] (٥): مأخوذ من الضمان، وهو الحرز، فمن ضمن شيئًا فقد أحرزه، وهو [كثير] (٦) في المعنى في عرف الاستعمال.
والصبير: مأخوذ من الصبر؛ وهو الثبات، فكأنه أثبت على نفسه حقًا وحبس نفسه لأدائه.
وهي -أعني الحمالة- على ثمانية أوجه:
حمالة مبهمة مطلقة؛ وهو أن يقول: أنا لك [حميل] (٧) أو زعيم، ونحوه:
وحمالة بالمال مطلقة وحمالة بالمال على أنه [لا] (٨) رجوع للتحمل على المتحمل عنه، وهو [الحمل] (٩)، وحمالة بنفس مطلقة، وحمالة بنفس مقيدة أي: ليست من المال في شيء، وحمالة مترقبة: لما ثبت على
стр. 3406
فلان، وبما يوجبه الحكم عليه، وحمالة بالجناية، وما لا يمكن استيفاؤه من الحميل.
وهذه الوجوه كلها لازمة على الجملة جائزة.
فأما الحمالة المبهمة المطلقة إذا عَرِبتْ من ذكر المال، أو دليل الحال، هل تحمل على المال أو على النفس؟ فبين المتأخرين قولان.
وأما الحمالة بالمال المطلق: فلازمة للحميل، وفيها الرجوع بالمال على المتحمل عنه بكل حال إلا في مسألة واحدة؛ وهي حمالة الصداق عند عقد النكاح: فإن المذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن الحميل يرجع على المتحمل عنه بما أدى كسائر الحمالات، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم.
والثاني: أنه على الحميل يحمل، ولا رجوع له عنه حتى يتبين أنه أراد الحمالة، وهو قوله في المدونة، وقول ابن حبيب في "الواضحة"، ورواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية".
وأما الحمالة بالمال على ألا يرجع: فهو الحمل، وقد اختلف فيه هل يفتقر إلى الحوز كالهبة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يفتقر إلى الحوز، وأنه يلزمه في الحياة، ويسقط عنه بعد الوفاة كالهبة إذا لم تقبض حتى مات الواهب، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، وقاله ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني: أنه لا يفتقر إلى الحوز، وأن ذلك لازم في الحياة، وبعد الممات، وهو قول ابن الماجشون في حمالة الواضحة؛ قال: لأنه ثمن لما ترك المحمول له من ذمة غريمه، ومن حقه عليه، فكأنه قال: له ابتداء عقد كذا وكذا من مالك، وهو لك عليّ، أو أعطه ثوبك وثمنه
стр. 3407
لك عليّ.
وأما الحمالة بالنفس، أو الوجه المطلقة من غير أن يشترط المال على نفسه عند عجزه عن الإتيان بالغريم، وإحضاره، ولا التبرئة منه: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المال لازم للكفيل سواء أحضر الأصيل أو لم يحضره، وهو قول مالك في كتاب ابن الجهم.
والثاني: أنه لا [يلزمه] (١) المال في الوجهين -يعني: سواء أحضره أو لم يحضره- إلا إذا فرط في إحضاره حتى أعوزه، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والثالث: أنه إذا أحضره سقط عنه الغرم على أيّ وجه أحضره من اليسر والعسر، وإن لم يحضره لزمه الغرم، وهو مذهب المدونة وهو المشهور.
ثم لا يخلو المكفول بوجهه من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا: فإن [الكفيل] (٢) يبرأ إذا جمع بينه وبين غريمه في موضع يقدر على الانتصاف منه، فإن أمكنه في موضع لا يقدر الطالب على الانتصاف منه مثل أن يمكنه في مفازة، أو في العمران حيث لا سلطان: فإن ذلك لا يبرئه من الحمالة.
فإن لقيه الطالب بموضع يقدر فيه على الانتصاف منه من غير أن يكون الحميل هو الذي جاء به هل [يكون] (٣) ذلك براءة للحميل أم لا؟
стр. 3408
فلا يخلو من أن يشترط ذلك الحميل على الطالب، أو لم يشترطه.
فإن اشترط على الطالب إن لقيك غريمك، فتلك براءتي، فهي براءة للحميل، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وإن لم يشترط ذلك، فهل يكون [ذلك] (١) براءة للحميل أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك ليس ببراعة للحميل حتى يكون هو أو وكيله هو الذي مَكَّنه منه، ووصَّلَه إليه، وهو نص قوله في المدونة.
والثاني: أن ذلك براءة للحميل إذا لقيه بموضع يقدر على الانتصاف منه، وهو ظاهر قوله في المدونة: إذا حصل الغريم في الحبس، ولم يكن الحميل هو الذي حبسه حيث قال: فإن كان ذلك براءة للحميل إذا تخلص مما سجن فيه، ولا فرق بين أن يكون هو الذي مكنه من نفسه باختياره دون واسطة الحميل، أو يكون مقدورًا عليه في الحبس، ولم يكن الحميل حبسه، ففي كلتا المسألتين تمكن منه الطالب بغير سبب الحميل.
فأما إن كان الغريم غائبًا: فلا تخلو غيبته من أن تكون قريبة أو بعيدة.
فإن كانت قريبة: قال في "المدونة": "مثل اليوم وما أشبه"، وفي "الموازية": "اليوم واليومين"، وفي "العتبية": "أو الثلاثة"، هل يتلوم له أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الإمام يتلوم للحميل ليحضره [على] (٢) قدر ما يرى، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
стр. 3409
وقال بعض المتأخرين: إن كانت غيبته يومًا تلوم له ثلاثة أيام يوم خروجه، ويوم إقامته، ويوم مجيئه؛ إذ لا يتأتى له وجوده يوم وصوله.
وإذا كانت غيبته يومين [صار التلوم له خمسة أيام: يومين] (١) في سفره، ويومين في قدومه، ويوم إقامته فيكثر التلوم، وإذا كانت الغيبة ثلاثة أيام كان التلوم سبعة أيام.
والثاني: [أنه] (٢) لا يتلوم له، وأنه [يعطي] (٣) عليه بالغرم، ولا يضرب له أجلًا ليطلبه، وهو قول ابن وهب في "الموازية".
فإن كان بعد الغيبة، فلا يتلوم له قولًا واحدًا، وليغرم مكانه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية، ولا [مخالف] (٤) له في المذهب فيما علمت.
فإذا حكم على حميل الوجه بالغريم، فلم يغرم حتى قدم للغريم أو أتى به، فهل يبرأ مما حكم عليه به أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المال يلزمه غرمه بالحكم، فإذا حكم عليه الحاكم بالغرم فإنه يلزمه، وإن لم يدفع المال، ولا يسقط عنه إتيانه [بالغريم] (٥) على صفة الإيسار، والإعسار، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قوله في المدونة.
والثاني: أنه مهما أتى بالغريم قبل أن يدفع المال المحكوم عليه به برأ من
стр. 3410
الضمان -كان الغريم موسرًا أو معسرًا أتى به قبل الأجل أو بعده- وهو ظاهر المدونة أيضًا؛ لقوله في الكتاب: "متى أتى بالمضمون برئت ذمته ما لم يغرم المال"، ومثله في سماع [عيسى] (١) عن ابن القاسم، ونحوه عن سحنون، وهو تأويل ابن لبابة على المدونة، فحملوا الحكم المذكور في الكتاب على الغرم دون الإشهاد، والقول الأول أظهر في النظر أن يلزمه الغرم [بالحكم] (٢) وإن لم يدفع المال.
والثالث: التفصيل بين أن يأتي به [عند] (٣) [حلول] (٤) الأجل أو بعد حلوله؛ فإن أتى به [عند] (٥) الأجل: فإنه يبرأ ولا يغرم.
فإن حلَّ الأجل، ولم يأت به فإنه يغرم، ولا ينفعه أن يأتي بعد الأجل، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في "ثمانيته"، وظاهر كلامه: ألَّا فرق بين أن حكم عليه بالغرم قبل الأجل أم لا ما لم يغرم.
فإن مات الغريم قبل الأجل أو بعده، في البلد أو في غيبته، هل يبرأ الكفيل بذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن [الكفيل] (٦) يبرأ بموت المضمون مات في البلد أو في غيبته قبل الأجل أو بعده؛ لأن النفس المكفولة قد ذهبت، وإنما تنفع الكفالة بالنفس ما كان حيًا، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" إذا مات في البلد، وهو قول أشهب في "الموازية" أنه لا غرم عليه -مات في البلد
стр. 3411
أو في غيبته.
وظاهر "المدونة": أن لا فرق بين أن يموت في البلد أو في غيرها إذا ثبت موته قبل أن يغرم أو يحكم به عليه على القول بأن الحكم بالغرم على الحميل كالغرم، وأنه لو غرم ثم ثبت بالبينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء لرجع الحميل بما أدى على رب الدين.
والثاني: أن موته لا تبرأ به ذمة الحميل -مات في البلد أو في غيرها- وهو أحد قولي مالك في "كتاب محمد"؛ قال محمد عن ابن القاسم: قيل لمالك: فإن مات في البلد أيلزم الحميل شيء؟ قال: أرأيت إن غاب إلى سفر، ألم يكن عليه أن يعطيه حقه؟ قال مالك: والخروج [منها] (١) أبين، قال محمد: وهو المعروف من قول مالك وأصحابه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الدين حالًا، أو إلى أجل؛ فإن كان الدين حالًا: فإن الغريم يغرم -قربت الغيبة أو بعدت.
فإن كان مؤجلًا ومات الغريم بعد حلول الأجل: ضمن الحميل -قربت غيبته أو بعدت.
فإن مات قبل حلول الأجل: فانظر فإن مات قبل حلول الأجل بأيام كثيرة لو خرج فيه الحميل لجاء به قبل الأجل، فلا شيء عليه.
وإن كان لو طلب فخرج، ولم يأت به إلا بعد الأجل: فهو ضامن، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و "الموازية"، وأما الحمالة بالنفس المقيدة، فإنها ليست من المال في شيء، فهذا لا يلزمه إلا إحضار الغريم خاصة، وعليه طلبه حتى يأتي مع القدرة عليه، ويلزمه طلبه فيما قرب من البلاد على مسيرة يوم أو يومين، أو ما لا ضرر فيه على الحميل.
стр. 3412
وأما طلبه في [البلاد] (١) النائية: فلا خلاف أنه لا يلزمه طلبه فيها.
واختلف فيما بين ذلك مما ليس ببعيد متفاحش مما جرت عادة الناس بالسفر إليه، هل يجب عليه الطلب فيه أم لا على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه الخروج بنفسه، أو يرسل أو يغرم، وهو قوله في كتاب ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يلزمه طلبه إلا في مسافة قريبة، كاليوم واليومين، وهو قول أصبغ، وهذا كله إذا عرف مكانه.
وأما إن جهل مكانه: فليس عليه طلبه، ولا الغرم عنه.
فإن ترك الطلب، أو قدر على إحضاره، فلم يفعل: فإنه يعاقب بالسجن بقدر ما يرى الإمام، ويأمره بإحضاره إن قدر عليه، وأما أن يضمنه المال: فلا، إلا أن يلقاه فيتركه، أو غيبه في بيته فلم يظهره.
وأما حمالة الطلب: فتصح في كل شيء، وتصح فيما يتعلق بالأبدان، وحقوق الآدميين، والقصاص، إذا رضي بذلك صاحب الحق يتركه على أن يحضره له الحميل متى شاء، ولا شيء على الحميل إن لم يحضره مما لزمه من إقامة الحد عليه، أو أخذ القصاص منه، إلا أن يعلم أنه يقره وأمكنه إحضاره حين طولب بإحضاره فتركه حتى أعوزه: فهذا يسجن حتى يحضره، ويعاقب بقدر [عوزه] (٢) وما أدخله على نفسه.
وأما الحمالة المترقبة: فلازمة بما ثبت ببينة؛ مثل أن يقول: داين فلانًا فما داينته به من شيء، فأنا له ضامن، أو يقول: ما دَانَ لك قبل فلان فأنا له ضامن، أو بايع فلانًا فما بايعته به فأنا له ضامن، وما أشبه ذلك
стр. 3413
مما يترقب أمره، وجهل قدره في الحال: فالكفالة [بذلك كله] (١) جائزة، وهي جائزة بما لم تعلم كميته ولا كيفيته؛ لأنها معروف، والمعروف يجوز فيه الغرور والمجهول، وهي لازمة -أعني: كفالة مترقبة- فيما ثبت ببينة، ولا خلاف في ذلك.
واختلف فيما ثبت بإقرار المدعى عليه هل [يلزم] (٢) الحميل أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يلزم الحميل إلا ما ثبت ببينة دون ما ثبت بالإقرار، وهو ظاهر قوله في المدونة فيمن ادعى قِبَل رجل حقًا، وهو منكر، فقال رجل للطالب: أنا به حميل إلى غد، فإن لم [أوفيك] (٣) به في غد، فأنا ضامن للمال، فمضى الغد ولم يأت [به] (٤)، فقال: لا يلزم الحميل شيء حتى يثبت الحق ببينة، وهو نص قوله في "كتاب محمد".
والثاني: أن ذلك لازم للكفيل، وأن ما ثبت بالإقرار بمنزلة ما ثبت بالبينة سواء، وهو ظاهر المدونة أيضًا من قوله في الذي قال: لي على فلان ألف درهم فقال له رجل: أنه به كفيل، فأتى فلان فأنكرها , لم يلزم الكفيل شيء حتى يقيم الطالب بَيَّنة؛ لأن الذي عليه الحق جحد، وظاهر اعتلاله أنه لو أقر لزم الحميل الغرم.
وأما الحمالة: بالجناية وما يتعلق بها من الحدود والقصاص، والعقوبات بالأبدان مما لا يصح فيه النيابة. فقد اختلف العلماء في لزومها وصحتها،
стр. 3414
فذهبت طائفة من العلماء أنها لا تصح ولا يلزم وهو مشهور، مذهب مالك ﵁، وذهب آخرون إلى جوازها، وصحتها، وجعلوا حكمها حكم الحمالة بالأوجه المفيدة، وأنه لا شيء عليه إن لم يأت به إلا عثمان البتي منهم، فإنه يلزم الحميل إن لم يأت به في القتل والجراح دية القاتل وأرش الجراح، ووقع لأصبغ من أصحابنا في واضحة ابن حبيب ما ينحو نحو مذهب البتي، فقال في الفاسق المتعسف على الناس بالقتل، وأخذ المال يؤخذ، فيعطى حميلاه فيتحملون [عنه] (١) كل ما اجترم من قتل وأخذ مال أن ذلك يلزمه، ويؤخذوا بكل ما يؤخذ به غير أنهم لا يقتلون، والحمد لله وحده.
стр. 3415
المسألة الثانية في اختلاف الحميل والطالب في: الألفّ] (١) المقبوض
مثل أن يكون عليه ألف من قرض، وألف من كفالة فدفع إليه ألفًا، فادعى الدافع أنها من القرض وقال القابض: هي من الكفالة، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتفقا على الإبهام، وأنهما لم يبينا شيئًا.
والثاني: أن يدعي أحدهما الإبهام [وادعى] (٢) الآخر البيان.
والثالث: أن يتفقا على البيان واختلفا في نوعه.
فأما الوجه الأول: [إذا] (٣) اتفقا على الإبهام، وأنهما لم يذكرا شيئًا ولا فسرا نوعًا، فلا يخلو الدينان من أن تتفق آجالهما أو تختلف، فإن اتفقت آجالهما، فالألف تقسم بين [الحقين] (٤) حلا أم لم يحلا؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
فإن اختلفت الآجال وحل أحدهما ولم يحل الآخر، فالقول قول من ادعى أنه من الحق الحال؛ إذ الغالب [أن] (٥) الناس إنما يقضون من الديون ما حل منها.
وأما الوجه الثاني: إذا ادعى أحدهما الإبهام، والآخر ادعى البيان، فالذي يأتي على مذهب ابن القاسم أن يكون من ادعى الإبهام قد [يعلم] (٦) القسمة، فيكون النصف قد ثبت لمدَّعِي البيان، والتعيين في
стр. 3416
القضاء، ثم يكون النصف الثاني مقسومًا بينهما بعد أيمانهما لتساوي دعواهما فيه، فيكون ثلاثة أرباع القصاص عن الحق الذي سَمَّاه أحدهما، والربع عن الآخر الذي ادّعَى الإبهام، وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين.
وأما الوجه الثالث: إذا اتفقا على البيان، واختلفا في نوعه مثل أن يدعي الدافع أن الألف الذي دفعت هي من القرض، وقال القابض: بل هي من الكفالة.
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أن الألف تقسم بين الحقين، فيكون نصفها من القرض ونصفها من الكفالة، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن القول قول المقتضي مع يمينه؛ لأنه مدعى عليه، وقد [ائتمنه] (١) الدافع حين دفع إليه، وهو قول الغير في الكتاب، ولا يخلو المكفول من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان معسرًا أو قال الذي له الدين: إنما أخذت الألف عن الكفالة كراهة [مني] (٢) في مطالبة من عليه الدَّين بالكفالة لعسره، ووجوب طلبه للكفيل على تلك الحال، وقال: أنا آخذ الكفيل بما عليه من قرض، ففي هذا الوجه يشبه أن يكون الحكم كما قال ابن القاسم.
وأما إن كان موسرًا فلا فائدة [لدعوى الطالب] (٣) أنها من الكفالة؛ لأنها إن كانت من القرض كما قال الدافع كان للذي له الدَّين اتباع ذمتين
стр. 3417
بالألف الباقية: ذمة الكفيل، والذي عليه الدَّين فهو خير له من اتباع ذمة واحدة.
لأن الكفيل لو كان موسرًا، والذي عليه الدَّين مُعْدَمًا لغرم الكفيل الألف الأخرى إما عن قرض، وإما عن كفالة، فلا فائدة هناك [لاختلافهما] (١) واختلافهما إنما يتخرج على أن الذي عليه الدَّين مُعْسِرًا أو على أحد القولين في تخيير الطالب في الطلب من الكفيل أو الأصيل في يُسْر الغريم.
وأما على القول بالتبرئة، وأن الكفيل لا يطالب إلا في عدم الغريم، فينبغي أن يكون القول قول الدافع؛ لأنه عن ذمته يقضي والغرم بالكفالة [لم يجب عليه بعد] (٢)، فتدبر هذا المعنى تجده صحيحًا إن شاء الله تعالى، وهو معنى ما في الكتاب [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3418
المسألة الثالثة في أحد الشريكين [في الدَّين] (١) يَغِيبُ أحدهما، ويقتضي الآخر حقه بإذن الإمام
ولا يخلو الغريم من أن يكون مليًا بحقهما جميعًا [أو بحق أحدهما فإن كان مُوسِرًا بحقهما جميعًا فإنّ] (٢) الحاكم [يحكم] (٣) للحاضر باقتضاء جميع حقه.
ثم قدم الغائب والغريم معسر، فقد قال في كتاب [الحمالات] (٤) من المدونة: إنه لا يدخل مع الحاضر فيما قبض من [غريمهما] (٥)؛ لأنه كان ملِيًا بحقهما جميعًا، والحاضر قد اقتضى حقه بحكم الحاكم.
وقد قال في كتاب "القطع في السرقة" في السارق يسرق من رجلين مالًا قطع فيه، وأحدهما غائب، والسارق موسر بقيمة سرقتهما جميعًا، فاقتضى الحاضر جميع حقه، ثم قدم الغائب والسارق عديم.
فقال ابن القاسم: إن له الدخول مع الحاضر فيما قبض، ويتبعان جميعًا ذِمَّة السَّارق.
والغريم مليٌ بحقهما جميعًا في الموضعين، فجعل له الدخول مع الحاضر في أحد الموضعين، ومنعه في الآخر.
стр. 3419
وقال بعض المتأخرين: وذلك اختلاف أسئلة، والفرق بينهما [أنه] (١) في مسألة الكفالة قد رضي بذمة الغريم حين معاملته إياه.
فإذا قضى القاضي للحاضر بأخذ حقه والغريم مليٌ بحق الغائب، فلا حجة له إذا قدم على أي حالة وجد الغريم، إن وجده موسرًا أخذ منه حقه، وإن وجده معسرًا اتبع [الذمة] (٢) التي رضي بها أولًا بخلاف مسألة السرقة، فإن الغائب لم يرض بذمة السارق، ولا عامل عليها, ولا [دخل] (٣) على اتباعها، فكأن الحاكم قد أخطأ في تمكين الحاضر من استيفاء حقه، وأبقى حق الغائب في ذمة لم يكن بها راضيًا, ولا عامل على اتباعها؛ فلذلك جاز له الدخول على الحاضر فيما قبض ثم يتبعان جميعًا الغريم بما بقى لهما.
فاختلف الجواب لاختلاف السؤال.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الغريم موسرًا بمقدار حق أحدهما ثم [أذن] (٤) الحاكم للحاضر، فقبض حقه فلا يخلو من أن يحكم له الحاكم بقبض جميع حقه، وحكم له بقبض القدر الذي ينوبه في المُحَاصَّة لو كان معه صاحبه [فإن قضى له بقدر جميع حقه، فقد أخطأ الإمام في قضائه، ويكون للعادم أن يدخل معه فيما قبض؛ لأنه كالمفْلِس، ولا خلاف في هذ الوجه.
وأما الخلاف إذا حكم له بقبض القدر الذي يُنوبه في المُحَاصَّة معه لو
стр. 3420
كان صاحبه معه] (١)، ثم قدم [الغائب] (٢) والغريم مُعْسِر هل يدخل معه فيما قبض أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه لا يدخل معه فيما قبض؛ لأنه كالتفليس، وذلك أن الغريم إذا أَفْلَس، وبعض غرمائه غائب، فإن الإمام يعزل له حقه، ويوقفه بيد من رأى.
فإن أراد أن يوقفه بيد الغريم جاز ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن القادم يدخل معه فيما قبض؛ لأنه كالتفليس، وهو قول غيره في المدونة، وكلاهما جعل التفليس أصلًا يقاس عليه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في حكم القاضي للحاضر بأخذ حقه من الغريم، هل ذلك مقاسمة أو تفليس؟
فإن قلنا: إن ذلك مقاسمة بين الحاضر، والغائب، فلم يفلسه كان كما قال ابن القاسم: إن القادم لا يدخل مع الحاضر فيما قبض، غير أنه [لا يلزم] (٣) على ما قال ابن القاسم في الحاضر إذا قبض جميع حقه، وهو جميع ما بيد الغريم ألا يدخل معه فيما قبض؛ لأن من أحاط الدين بماله يجوز له أن يقضي بعض غرمائه ما لم يحجر عليه على مشهور المذهب.
فإن قلنا: إن ذلك تفليس [كان] (٤) كما قال الغير؛ لأن الحاكم قد أخطأ في رَدّ نصيب الغائب إلى الغريم، وتركه في يده؛ لأن الواجب
стр. 3421
توقيف ذلك للغائب، فيجب أن يكون القضاء فاسدًا، فيرجع على صاحبه، فيقاسمه فيما قبض، فعلى هذا يكون قول الغير أوجه و [أليق] (١) بالقياس على التفليس، وقياس ابن القاسم عليها فاسد إلا من وجه أن الإمام يندب إلى الحَيْطَة لمال الغائب والنظر فيه إلى صونه، فكان تركه إياه في يد الغريم بعد المقاسمة من سوء نظر، فوجب فساد قسمته من ذلك، فأشبه التفليس [من هذا الوجه] (٢)، وربك أعلم، [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3422
المسألة الرابعة في تأخير الطالب الحميل أو الغريم بعد محل الحق
ولا يخلو تأخيره من أن يكون للحميل أو للأصيل، فإن كان تأخيره للحميل بعد محل الحق هل يكون تأخيره تأخيرًا للغريم أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن تأخيره للحميل لا يكون تأخيرًا للأصيل [بوجه ولا على حال أن ذمة الأصيل مشغولة على الحقيقة، وذمة الحميل مشغولة من طريق المجاز، لاحتمال قيام الشيء الواحد بالمحلين واتصافه به كما قدمنا الإشارة إليه في "كتاب السلم الثاني".
ولهذا لا يطالب الكفيل إلا بعد عجزٍ على أشهر الروايتين.
فإذا فهم هذا المعنى يتبين أن تأخير الحميل لا يفهم منه تأخري للأصيل] (١) إلا أن يحلف صاحب الحق ما كان ذلك مني تأخيرًا للغريم أصلًا فكما يجوز له ترك مطالبة الحميل والانتقال إلى مطالبة الأصيل، فكذلك يجوز له تأخيره، ثم لا يكون ذلك بتأخير للأصيل.
والثاني: أن تأخيره للحميل تأخري للأصيل إلا أن يحلف صاحب الحق ما كان ذلك مني تأخيرًا للغريم] (٢) فيكون له مطالبته.
فإن نكل لزمه تأخيره، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
فانظر، فإنه لم يجعل هاهنا أن اليمين ترد على الغريم، وهو من أدل
стр. 3423
الدلائل على أن يمين التهمة لا ترد، ولها شواهد كثيرة [في المدونة] (١) وفي المذهب قولان. وأما تأخيره للغريم، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا فأخره تأخيرًا بينًا، هل تسقط الحمالة عن الحميل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الحمالة ساقطة، وهو قول غيره في الكتاب.
والثاني: أن الحمالة ثابتة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
واتفقوا: أن تأخيره تأخير [للحميل] (٢)، وعلى القول بأنه إسقاط للحمالة فلا تفريع، وعلى القول بأنه تأخير لا إسقاط، فإن الطالب يحلف أنه لم يؤخره إسقاطًا للحمالة، فإن نكل عن اليمين سقطت [عنه] (٣) الحمالة، وإن حلف لزمته الحمالة.
ثم لا يخلو الحميل من أن يعلم بذلك أو لم يعلم.
فإن علم وأنكر عليه فيما فعل كان الخيار للطالب، فإما أبرأ الحميل من حمالته، ويصح التأخير وإلا لم يكن له ذلك إلا برضا الحميل خوفًا من إعدام الغريم.
فإن علم وسكت لزمته الحمالة، وإن لم يعلم الحميل حتى حل الأجل أجل التأخير حلف الطالب ما آخره ليبر الحميل، وثبت التأخير، وهذا كله قول ابن القاسم في الكتاب.
وأما إذا كان الذي عليه الدَّين مُعسرًا، فإن تأخيره لا يكون تأخيرًا للحميل، وله مطالبة الكفيل، أو تركه، وهو قول الغير في الكتاب ولا يخالفه ابن القاسم في ذلك؛ إذ له الإعراض عن الكفيل أو اتباع الغريم في
стр. 3424
اليُسر والعُسر.
والخلاف في أصل المسألة: مبني على الخلاف في طلب الطالب، هل هو على الترتيب أو على التخيير؟ وهذا الخلاف أيضًا ينبني على الخلاف في ذمة الحميل، هل هي كذمة الأصيل أم لا؟
فإذا قلنا: إن ذمة الحميل كذمة الأصيل كان تأخيره للحميل تأخيرًا للأصيل؛ لأن ما ثبت لأحد الذمتين ثبت للأخرى، ولاسيما أن الشرع سلط الطالب عليهما بمطالبة أيهما شاء ابتداءً بلا شرط ولا اشتراط.
فإن قلنا: إن ذمة الحميل ليست كذمة الأصيل، فلا يكون تأخيره تأخيرًا للأصيل بوجه، وإن كان بين الذمتين مضادات وبينهما بون بعيد.
وعلى القول بأن الغالب على الترتيب هو المشهور.
فإن اشترط الطالب على الحميل أنه إن شاء أخذ بجميع حقه، ويترك الغريم مع يسره وملائه هل يجوز [له] (١) ذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن ذلك جائز له حمله بلا تفصيل، وهو الأظهر من المدونة من مسألة [الثلاثة كفلاء] (٢) إذا اشترط عليهم أيكم شئت أخذته بجميع حقي حيث قال: إن ذلك جائز، ويأخذ جميع حقه ممن شاء منهم.
فقد جوز له في هذه المسألة مطالبة الحميل بجميع حقه مع قدرته على استيفائه من الغريم، وما ذلك إلا ليوفي له بعهدة شرطه، وهو قول غيره في مسألة الكفلاء الستة أيضًا، وبه قال أصبغ.
стр. 3425
والثاني: أن الشرط باطل، وهو شرط لا يوفى به، وهو قول أشهب، وابن كنانة، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب.
والثالث: التفصيل بين الملك وغيره، فإن كان الغريم قبيح المطالبة، أو ذا سلطان لا يقدر الطالب على الانتصاف [منه] (١) كما يريد، فالشرط جائز، ويجب أن يوفي له بمقتضاه.
وإن كان الغريم في الجانب سهل المعاملة، فالشرط باطل، ولا يوفى له بموجبه، وهو قول ابن القاسم أيضًا، والقولان لابن القاسم منصوصان في "الواضحة" وغيرها، وفي "المدونة" دليل على الأقوال كلها، والحمد لله وحده.
стр. 3426
المسألة الخامسة في الكفالة الفاسدة
أن [يشتري] (١) من رجل سلعة ويعطيه كفيلًا بما أدركه فيها من درك.
فلا يخلو من أن يقصد بالكفالة تخليص الثمن ورده [إلى] (٢) المشتري إذا أدركه درك في السلعة أو إنما قصد إلى استخلاص السلعة وردها على المشتري.
فإن قصد بالكفالة استرجاع الثمن [وردها] (٣) إلى المشتري فلا يخلو البيع من أن يكون في نفسه صحيحًا أو فاسدًا.
فإن كان صحيحًا، فالكفالة جائزة لازمة قولًا واحدًا.
فإن كان البيع واقعًا على نعت الفساد إما لفساده في نفسه، وإما لشروط فاسدة اقترنت به، فهل تلزم فيه الكفالة بالقيمة إذا فات أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الكفالة ساقطة بكل حال، وهو قول أشهب، وابن القاسم في ["الموازية"] (٤)، ومثله لابن القاسم في "العتبية" أيضًا.
والثاني: أن الكفالة ثابتة على الكفيل إذا فات المبيع، ويكون عليه الأقل من قيمة السلعة، أو الثمن وهو قول مالك في "المبسوط".
والثالث: التفصيل بين علم الكفيل بفساد البيع، وعدم علمه، فإن
стр. 3427
علم بفساد البيع، فالكفالة لازمة له، وإن لم يعلم، فالكفالة ساقطة عنه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" أيضًا.
وأما إن قصد بالكفالة تخليص السلعة، واسترجاعها، وعقد البيع على المطالبة بذلك، والقيام به فالبيع فاسد قولًا واحدًا.
وهل تسقط الكفالة عن الكفيل بفساد البيع أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أن الكفالة ساقطة عن الكفيل، وهو قول ابن القاسم.
[والثاني: أن الكفالة لازمة للكفيل، وعليه أقل من قيمة السلعة يوم اشترى أو الثمن الذي] أعطى، وهو قول غيره في الكتاب.
ووجه قول ابن القاسم: أن المعاملة قد وقعت فاسدة بين المتبايعين، ودخلا فيها مدخلًا واحدًا، فلم تلزمه فيها الكفالة؛ لأن الفساد من قبلهما، والثمن الذي يحمل [له] (١) الحميل غير لازم، فبطل عنه لسقوطه في أصل الشراء.
ووجه القول الثاني: أن الحميل لما أخرج من يد البائع شيئًا، فللبائع حجة في أن يقول: لولا حمالته لم أرض بمبايعة المشتري، فيكون حميلًا بقيمة ما أخرج من يده إلا أن تكون أكثر من الثمن، فلا يكون حميلًا إلا بمثل الثمن لحجة الحميل، أن يقول: إنما دخلت على أن أحمل بالثمن الذي هو عشرة مثلًا، فإذا كان قيمة السلعة خمسة عشر لم أرض، فيكون حميلًا بالأقل كما قدمناه.
وقد اختلف أيضًا في هذا البيع: إذا لم يعقدوه على هذا الشرط، ولا
стр. 3428
على القيام، والمطالبة بمقتضاه، هل يفسخ أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة من اختلاف الروايات في ذلك:
أحدهما: أن البيع نافذ، ولا يؤثر ذلك الشرط في فساده؛ لأنهم لا يقصدون بذكر الدرك تخليص السلعة، وهو المشهور من الروايات، [وهي] (١) معنى قوله في الكتاب: "لولا أن الناس يشترطون هذه الشروط في البيع الأول على أنهم لا يريدون بذلك الخلاص، وإنما كتبوه على وجه التوثيق، والتشديد لنقضت به البيع" كذا في أكثر النسخ.
وعليه اختصر الشيخ أبو محمد وغيره وهو أبين الروايات؛ لأنهم لم يعقدوا بيعهم على القيام، والمطالبة [بها] (٢)، وإنما يكتبه الموثِّقُون تشديدًا في التوثيق؛ فلذلك لم ينقض به البيع.
ومعنى قوله في البيع الأول: حين العقد لا حين الوثيقة؛ لأنها كتبت في ثاني حال، فصار ذكرهم الدرك [في البيع] (٣) لم يقصدوا به القيام والمطالبة بخلاص عين المبيع إذا وقع الاستحقاق.
والقول الثاني: أن ذلك الشرط يؤثر في بطلان البيع، وفساده، وعليه تَدُل [الرواية] (٤) الواقعة في الباب بإسقاط "لا"؛ لأنه وقع في نسخ كثيرة، [ولولا] (٥) أن الناس اشترطوا، وأن ما [يكتب وما يعقد] (٦) عليه على سواء و [لا] (٧) على إسقاط لاختصر ابن أبي زمنين المسألة.
стр. 3429
ووقع في بعض الأمهات أيضًا: "ولو ما أن الناس"، وهي بمعنى الرواية الثانية التي [اختصرها] (١) ابن أبي زمنين، وما صلة الكلام زائدة، وعلى مقتضى هذه الرواية أن الشرط أفسد العقد، ولا يراعى فعلهما، وهذه الرواية أسعد بظاهر الكتاب؛ لقوله في البيع الأول: "يريد في نفس العقد" فاعتبر ما تقتضيه ظواهر هذه الألفاظ، ومدلولاتها يتبين لك ما أشرنا إليه من الخلاف، ويتضح لك [فائدة اختلاف] (٢) الروايات [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3430
المسألة السادسة في ثلاث رجال اشتروا سلعة من رجل
وتحمل بعضهم لبعض على أن يأخذ منهم من شاء بحقه، فمات أحدهم فادَّعى ورثته أنه قد يدفع [الثمن] (١) إلى بائع السلعة، وأقاموا شاهدًا واحدًا.
قال في "الكتاب": "يحلفون مع شاهدهم، ويبرؤون، ويجعلون على الشريكين الباقيين لما أدَّى صاحبهم عنهما".
قلت: فإن أبى الورثة أن يحلفوا [أخذ] (٢) الشريكين أن يحلفا قال: لا؛ لأنهما يغرمان.
[و] (٣) في جواب هذه المسألة إشكال يفتقر إلى بيان وإيضاح، وقد اضطربت آراء حُذَّاق المتأخرين في تأويله، وشرحه اضطرابًا يوجب صرف العناية إلى شرح المسألة شرحًا يزيل الإشكال، ويرفع الاحتمال إن شاء الله، وبه أستعين.
فنقول [وبالله التوفيق، وهو الموفق للصواب] (٤): إذا نكل الورثة عن اليمين مع شاهدهم، فإن الأمر لا يخلو من أن يكون الميت مليًا أو معدمًا.
فإن كان مليًا فلا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من [أن] (٥) الميت دفع
стр. 3431
جميع الحق من ماله إلى البائع عن نفسه وعنهما ليرجع عليهما بما ينو بهما منه.
[والثاني: أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالهما فوكالتنا إياه على ذلك] (١).
[والثالث] (٢): أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من ماله، وأموالنا إلى البائع؛ إذ كنا قد دفعنا إليه ما ينوبنا منه، ووكلناه على دفعه عنا.
والجواب عن الوجه الأول: وهو أن يصدق الشريكان والورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله عن نفسه، وعنهما، ليرجع عليهما بما ينوبهما منه.
فإن اليمين ترجع على البائع، فيحلف على تكذيب ما شهد به الشاهد، ويرجع بجميع حقه، فيأخذ ثلثيه من الشريكين، وثلثه من مال المتوفى، وليس للورثة أن يرجعوا على الشريكين بما ينوبهما عن المال الذي أن أقر مورثهم أَدَّاه على ما شهد به الشاهد، وإن كان قد صدقاه في [شهادته] (٣) بذلك؛ لأن الميت [قد] (٤) ضيع في تركه الإشهاد، فالمصيبة منه.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: إلا أن يكون الدَّفع بحضرتهما، فيكون [لهما] (٥) الرجوع بذلك عليهما على ما رواه أبو زيد عن ابن القاسم [وعلى الجملة] (٦) ففي المسألة قولان:
стр. 3432
أحدهما: أن [لهم] (١) الرجوع عليهما إذا كان الدفع بحضرتهما، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، واختيار الشيخ أبي محمد.
والثاني: أنه لا رجوع لهم عليهما، وإن كان الدفع بحضرتهما، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم قال في هذا الوجه في "الكتاب": "ولا يحلف الشريكان؛ لأنهما يغرمان".
فأما قوله: فإنهما لا يحلفان؛ فصواب لأن الشاهد لم يشهد لهما، وإنما شهد للورثة عليهما.
وأما قوله: "لأنهما يغرمان"؛ فتعليل فيه نظر؛ لأنه يوهم أنه [إنما] (٢) أراد أنهما لا يحلفان؛ لأنهما إن حلفا غرما للورثة، وإن لم يحلفا غرما للبائع؛ ولذلك لم يحلفا، فلو كان ذلك مراده لكان من حقهما أن يحلفا إن شاءا ليسقطا حق البائع عن أنفسهما لما قد [يرجوا] (٣) من تسامح الورثة في الاقتضاء.
ولا يصح أن يكون مراده ذلك؛ لما بيناه من أنه لا رجوع للورثة عليهما بما ينوبهما [مما] (٤) أَدَّى الميت عنهما من ماله، وإن صدقاه على الدَّفع إلا أن يقرأ أنه كان بحضرتهما على أحد القولين المذكورين، وإنما [كان] (٥) يجب أن يقول: ولا يحلف الشريكان، ويغرمان للبائع، فإن نكل البائع عن اليمين في هذا الوجه بعد نكول الورثة سقط حقه، ويرجع الورثة على الشريكين بما ينوبهما من الحق.
стр. 3433
والجواب عن الوجه الثاني: وهو أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالنا بوكالتنا إياه على الدفع، ففي ذلك بين المتأخرين اختلاف في التأويل.
فذهب الشيخ أبو محمد: إلى أن الشريكين يحلفان: لقد دفع الميت [جميع] (١) ذلك من أموالهما، ويبرآن، ويرجع البائع على الورثة بما ينوبهم لنكولهم بعد يمينه أنه ما قبض من وليهم شيئًا.
وللشريكين أن يحلفا للورثة إن كانوا كبارًا: [أنهم لا] (٢) يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئًا، فإن نكلوا عق اليمين حلفا لقد دفعا جميع الحق إليه، ويرجعان عليهم بالثلث الذي ينوبهم منه.
وذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي [﵀] (٣): إلى أن البائع يحلف ويأخذا من جميعهم حقه، ويحلف الورثة للشريكين أنهم ما يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئًا، فإن نكلوا عن اليمين حلف الشريكان لقد دفعا ذلك إليه، ورجعا عليهم في التركة بما ينوب الميت من ذلك [قال] (٤): ولا يكون للشريكين أن يحلفا لقد دفع الميت ذلك من أموالهما؛ ويبرآن لأن ما في يد الميت على ملكه حتى يثبت الدَّفع إليه.
وذهب بعض الأندلسيين: إلى أن الشريكين يحلفان [لقد دفع الميت ذلك من أموالهما] (٥) ويبرآن من نصيبهما، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما منه إذا لم يحلفوا، فيتحصل في هذا الوجه ثلاثة أقوال:
стр. 3434
أحدها: أن الشريكين يحلفان ويبرآن من نصيبهما, ولا يرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثاني: أنهما يحلفان ويبرآن من نصيبهما، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثالث: أنهما [يُمَّكنَانِ] (١) من اليمين.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو أن يقولا: إنما دفع ذلك إلى البائع من ماله وأموالنا.
ففي قول ابن أبي زيد: يحلف الشريكان ويبرآن ويحلف البائع، ويرجع على الورثة بما ينوبه من ذلك.
وعلى ما ذهب إليه الشيخ أبو إسحاق التونسي لا يمكَّن الشريكان من اليمين، ويحلف البائع، ويرجع على جميعهم بماله.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الميت معدمًا، فلا يخلو من الثلاثة الأوجه المذكورة.
فالجواب عن الوجه الأول منها: وهو أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع عنهما وعن نفسه؛ ليرجع عليهما بما ينوبهما منه.
فذهب ابن أبي زيد: إلى أن الشريكين يحلفان مع الشاهد ليبرآن من حمالة الثلث الذي [به الميت] (٢) عديم.
قال: فإذا حلفا غرما للورثة الثلثين، ويرجع البائع عليهم في ذلك بالثلث إذا حلف أنه لم يقبض من وليهم شيئًا.
стр. 3435
وذهب أبو إسحاق: إلى أن الشريكين إذا حلفا مع الشاهد ليبرآن من حمالة الثلث الذي [به الميت] (١) عديم لا يغرمان الثلثين للورثة، وإنما يغرمان ذلك للبائع بعد يمينه، وهو الصحيح على ما بَيَنَّاه من أنهما لا يلزمهما للورثة ما دفع الميت عنهما من ماله؛ لأنه أتلف ذلك عن نفسه بتضييعه إياه الإشهاد، وقد مضى القول على الوجه الثاني.
والثالث: إذا كان الميت مَلِيًا [و] (٢) لا فرق فيهما بين أن يكون الميت مَلِيًا أو مُعْدَمًا إلا في اتباع ذمته مما يلزمه إن طرأ له مال [والحمد لله وحده] (٣).