جميع الحق من ماله إلى البائع عن نفسه وعنهما ليرجع عليهما بما ينو بهما منه.
[والثاني: أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالهما فوكالتنا إياه على ذلك] (١).
[والثالث] (٢): أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من ماله، وأموالنا إلى البائع؛ إذ كنا قد دفعنا إليه ما ينوبنا منه، ووكلناه على دفعه عنا.
والجواب عن الوجه الأول: وهو أن يصدق الشريكان والورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله عن نفسه، وعنهما، ليرجع عليهما بما ينوبهما منه.
فإن اليمين ترجع على البائع، فيحلف على تكذيب ما شهد به الشاهد، ويرجع بجميع حقه، فيأخذ ثلثيه من الشريكين، وثلثه من مال المتوفى، وليس للورثة أن يرجعوا على الشريكين بما ينوبهما عن المال الذي أن أقر مورثهم أَدَّاه على ما شهد به الشاهد، وإن كان قد صدقاه في [شهادته] (٣) بذلك؛ لأن الميت [قد] (٤) ضيع في تركه الإشهاد، فالمصيبة منه.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: إلا أن يكون الدَّفع بحضرتهما، فيكون [لهما] (٥) الرجوع بذلك عليهما على ما رواه أبو زيد عن ابن القاسم [وعلى الجملة] (٦) ففي المسألة قولان:
стр. 3432
أحدهما: أن [لهم] (١) الرجوع عليهما إذا كان الدفع بحضرتهما، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، واختيار الشيخ أبي محمد.
والثاني: أنه لا رجوع لهم عليهما، وإن كان الدفع بحضرتهما، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم قال في هذا الوجه في "الكتاب": "ولا يحلف الشريكان؛ لأنهما يغرمان".
فأما قوله: فإنهما لا يحلفان؛ فصواب لأن الشاهد لم يشهد لهما، وإنما شهد للورثة عليهما.
وأما قوله: "لأنهما يغرمان"؛ فتعليل فيه نظر؛ لأنه يوهم أنه [إنما] (٢) أراد أنهما لا يحلفان؛ لأنهما إن حلفا غرما للورثة، وإن لم يحلفا غرما للبائع؛ ولذلك لم يحلفا، فلو كان ذلك مراده لكان من حقهما أن يحلفا إن شاءا ليسقطا حق البائع عن أنفسهما لما قد [يرجوا] (٣) من تسامح الورثة في الاقتضاء.
ولا يصح أن يكون مراده ذلك؛ لما بيناه من أنه لا رجوع للورثة عليهما بما ينوبهما [مما] (٤) أَدَّى الميت عنهما من ماله، وإن صدقاه على الدَّفع إلا أن يقرأ أنه كان بحضرتهما على أحد القولين المذكورين، وإنما [كان] (٥) يجب أن يقول: ولا يحلف الشريكان، ويغرمان للبائع، فإن نكل البائع عن اليمين في هذا الوجه بعد نكول الورثة سقط حقه، ويرجع الورثة على الشريكين بما ينوبهما من الحق.
стр. 3433
والجواب عن الوجه الثاني: وهو أن يقولا: إنما دفع جميع ذلك من أموالنا بوكالتنا إياه على الدفع، ففي ذلك بين المتأخرين اختلاف في التأويل.
فذهب الشيخ أبو محمد: إلى أن الشريكين يحلفان: لقد دفع الميت [جميع] (١) ذلك من أموالهما، ويبرآن، ويرجع البائع على الورثة بما ينوبهم لنكولهم بعد يمينه أنه ما قبض من وليهم شيئًا.
وللشريكين أن يحلفا للورثة إن كانوا كبارًا: [أنهم لا] (٢) يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئًا، فإن نكلوا عق اليمين حلفا لقد دفعا جميع الحق إليه، ويرجعان عليهم بالثلث الذي ينوبهم منه.
وذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي [﵀] (٣): إلى أن البائع يحلف ويأخذا من جميعهم حقه، ويحلف الورثة للشريكين أنهم ما يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئًا، فإن نكلوا عن اليمين حلف الشريكان لقد دفعا ذلك إليه، ورجعا عليهم في التركة بما ينوب الميت من ذلك [قال] (٤): ولا يكون للشريكين أن يحلفا لقد دفع الميت ذلك من أموالهما؛ ويبرآن لأن ما في يد الميت على ملكه حتى يثبت الدَّفع إليه.
وذهب بعض الأندلسيين: إلى أن الشريكين يحلفان [لقد دفع الميت ذلك من أموالهما] (٥) ويبرآن من نصيبهما، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما منه إذا لم يحلفوا، فيتحصل في هذا الوجه ثلاثة أقوال:
стр. 3434
أحدها: أن الشريكين يحلفان ويبرآن من نصيبهما, ولا يرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثاني: أنهما يحلفان ويبرآن من نصيبهما، ويرجعان على الورثة بما ينوبهما.
والثالث: أنهما [يُمَّكنَانِ] (١) من اليمين.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو أن يقولا: إنما دفع ذلك إلى البائع من ماله وأموالنا.
ففي قول ابن أبي زيد: يحلف الشريكان ويبرآن ويحلف البائع، ويرجع على الورثة بما ينوبه من ذلك.
وعلى ما ذهب إليه الشيخ أبو إسحاق التونسي لا يمكَّن الشريكان من اليمين، ويحلف البائع، ويرجع على جميعهم بماله.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الميت معدمًا، فلا يخلو من الثلاثة الأوجه المذكورة.
فالجواب عن الوجه الأول منها: وهو أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع عنهما وعن نفسه؛ ليرجع عليهما بما ينوبهما منه.
فذهب ابن أبي زيد: إلى أن الشريكين يحلفان مع الشاهد ليبرآن من حمالة الثلث الذي [به الميت] (٢) عديم.
قال: فإذا حلفا غرما للورثة الثلثين، ويرجع البائع عليهم في ذلك بالثلث إذا حلف أنه لم يقبض من وليهم شيئًا.
стр. 3435
وذهب أبو إسحاق: إلى أن الشريكين إذا حلفا مع الشاهد ليبرآن من حمالة الثلث الذي [به الميت] (١) عديم لا يغرمان الثلثين للورثة، وإنما يغرمان ذلك للبائع بعد يمينه، وهو الصحيح على ما بَيَنَّاه من أنهما لا يلزمهما للورثة ما دفع الميت عنهما من ماله؛ لأنه أتلف ذلك عن نفسه بتضييعه إياه الإشهاد، وقد مضى القول على الوجه الثاني.
والثالث: إذا كان الميت مَلِيًا [و] (٢) لا فرق فيهما بين أن يكون الميت مَلِيًا أو مُعْدَمًا إلا في اتباع ذمته مما يلزمه إن طرأ له مال [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3436
المسألة السابعة فيمن أَقَرَّ في مرضه أنه أعتق في صحته أو تصدق
أو قال: في مرضه: تكفلت في صحتي عن وارث، أو أجنبي، ونص المسألة في المدونة:
"أرأيت إن أقر في مرضه أنه تكفل في صحته عن رجل وارث أو غير وارث، فقال: إقراره لوارث بالدين في مرضه لا يجوز، وقال في الرجل يُقِرُ في مرضه فيقول: تصدقت على فلان بداري في صحتي أو بدابتى أو حبست كذا أو أعتقت عبدي في صحتي، لا يكون هذا في ثلث ولا غيره، فإقراره هذا باطل كله"، وهكذا جاء هذا الكلام في الكتاب.
واختلف المتأخرون في تأويله على أربعة أقوال:
أحدها: أن إقراره بالكفالة كإقراره بالعتق، والصدقة، وغير ذلك؛ لقوله في "الكتاب" فإقراره هذا كله باطل، ورد هذا الكلام على جميع ما تقدم، وهذا تأويل ابن أبي زيد، وابن أبي زمنين وغيرهما.
والثاني: أن الكفالة بخلاف ما ذكرناه من العتق، والصدقة؛ لأنها دين من الديون [ويلزمه] (١) إقراره بها في المرض كما [يلزمه] (٢) إقراره بها في الصحة، وهو تأويل الشيخ أبو عمران الفاسي، وابن لبابة وغيرهما.
وقالوا: إنما بطل ما كان منها لوارث، ومن لا يصح له إقراره في المرض، وإنما لغيره فيصح.
стр. 3437
وهناك تحت مسألة الإقرار بالكفالة مفرده ثم جاء بمسألة الصدقة، والحبس، والعتق.
والثالث: التفصيل بين أن يكون إقراره بالكفالة في مرضه أنه تكفل في صحته في أصل عقد بيع أو قرض أو أنه تكفل بعد العقد، فإن أقر أنه تكفل في أصل عقد بيع أو قرض، فهو دين يلزم، وليس بمعروف صنعه؛ لأنه أخرج بكفالته مالًا من يد مالكه.
وإن أقر بالكفالة بعد عقد البيع، فهو معروف صنعه كالعتق، والحبس، والصدقة.
وأما العتق فكما قال في "الكتاب": لا يلزم في ثلث ولا غره: كالصدقة، والحبس وغير ذلك؛ لأنه اعترف بفعل في الصحة، وهو في مرض لا يجوز فيه أفعاله إلا في الثلث.
والرابع: التفصيل بين العتق، والهبة، والصدقة، فإن العتق ينفذ في الثلث؛ إذ لو ثبت أنفذ من رأس المال بخلاف الصدقة، والحبس؛ إذ لو ثبت لم ينفذ؛ لعدم الجواز، وهي رواية عن مالك على ما ذكره ابن المواز.
وعلى القول: بأن ذلك كله باطل مردود في الكفالة، والعتق، والصدقة، هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن الوصايا لا تدخل في الجميع؛ لأن الموصي قد أخرج هذا القدر من ماله، وقصده إخراج الوصايا مما عداه.
والثاني: أنه تدخل في القدر الذي تكفل به دون العتق، والصدقة؛
стр. 3438
لأن الكفالة مال يرجع به على وجه، ولم يخرجها عن ماله بالكلية، والعتق والصدقة قد أخرجهما من جملة ماله بإقراره بكل حال دون عوض يرتقبه، وهذا القول أظهر في النظر. والحمد لله وحده.
стр. 3439
المسألة الثامنة في كفالة العبد بدين على سيده
فلا يخلو من أن يكون ذلك بتراضٍ منهما أو بإجبار السيد العبد، فإن كان ذلك بتراضٍ منهما، فإن ذلك جائز، ثم إن فلس السيد أو مات، فإن العبد يباع في الدين قولًا واحدًا.
فإن رضي الطالب أن يترك السيد ويتبع العبد، هل يمكن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين في المدونة:
أحدهما: أن ذلك له، وأنه إن شاء اتبع ذمة السيد، وباع العبد، وإن شاء اتبع ذمة العبد ولا يباع، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه لا يُمكَّن من ذلك، وإنما له ذمة السيد ولا يتبع العبد إلا بما عجز عنه مال السيد، وهو قول غيره في المدونة.
واختلف في قول ابن القاسم على ماذا بناه؟ فقيل: إنما بناه على أحد قولي مالك، أن للطالب اتباع الكفيل مع يسر [الغريم] (١) وليس هو اختيار ابن القاسم، وقيل: إنما قال ابن القاسم هذا في هذه المسألة؛ لأن العبد مع سيده بخلاف غيره، وذمته، وذمة السيد شيء واحد.
وقيل: إن ابن القاسم بني المسألة على أصله، ولعل السيد أفلس أو مات وخاف الغريم المخاصمة؛ فلذلك جَوَّزَ له اتباع ذمة العبد.
فإن كان ذلك بغير اختيار العبد مثل أن يجبره سيده على الكفالة، فهل [تلزمه] (٢) الكفالة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة.
стр. 3440
أحدهما: أن الكفالة غير لازمة للعبد إذا قال: لا أرضاها؛ لأني إن أُعتقت لزمتني هذه الكفالة وهو نص قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن ذلك لازم للعبد، وإن للسيد أن يجبره على الكفالة، وهو قول مالك على ظاهر استدلال ابن القاسم في الكتاب.
ويقول مالك في الذي يعتق عبده وعليه مائة دينار: إن ذلك لازم للعبد وإن كره، فأدخل سحنون هذه المسألة لينبه على الخلاف، وإن مذهب ابن القاسم مثله في المسألة خلاف قول مالك، وأنه يأتي على قول مالك الإجبار، وهو قول عبد الملك، ولابن القاسم مثله في رواية أبي زيد عنه، إلا أنه لا يلزم قياس الجَبْر على الكفالة على الجَبْر على المال بعد عتق؛ إذ لا ضرر على العبد في العتق على مال؛ لأن مَنْ عَجَّلَ عتق عبده على مال لا يحَاص السيد بذلك المال غرمًا العبد، فهو لو كان عبدًا لخارجة، ويأخذ منه هذا القدر، فلا حجة له في الامتناع من هذا بعد حريته، والجبر على الكفالة ليس فيه عتق لا متجر، ولا مترقب، وليس فيه إلا عمارة الذمة [من] (١) غير فائدة للعبد في ذلك.
ولأن السيد إن أعتقه يومًا كان في ذمته دينًا لأجنبي ليس ثمنًا لرقبته، فيجب أن يحاص به الغرماء، وقيل: إن سحنون أشار إلى التفريق بين العتق والكفالة؛ لحرمة العتق، لا أنه أشار إلى الخلاف [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 3441
المسألة التاسعة في قضاء ذات الزوج في مالها
اعلم أن محجورين عليهم عن التصرف في أموالهم ينقسمون إلى قسمين: قسم حجر عليه في ماله عن التصرف لحق نفسه، وقسم حجر عليه لحق غيره، فأما المحجور عليهم لحق أنفسهم [فهم] (١) ممنوعون عن التصرف [في أموالهم] (٢) جملة لا بالعوض ولا بغيره، كالصبيان، والسفهاء، فإنهم ممنوعون من التصرف في أموالهم جملة بلا تفصيل حتى يونس منهم الرشد على حسب ما قدمناه وبسطنا فيه الكلام في كتاب المأذون.
وأما المحجور عليهم لحق غيرهم، فمنهم من حجر عليه في التصرف في ماله جملة لا بعوض ولا بغير عوض كالقسم المتقدم كالعبيد، وسائر الأرقاء إلا أن تصرف ما ولاه مع الإذن من السادات سائغ نافذ في جميع أنواع التصرفات؛ لأن الحجر حق للسادات.
ومنهم من حجر عليه في التصرف [في المعارف] (٣) فيما قل منها أو جل أو أطلق يده في التصرف في المعاوضات، إلا أن يضرب على يده بالكلية عند إرادة التفليس والمديانون الذين استغرقت ذمتهم بديون الناس، ومنهم من أذن له في التصرف في المعاوضات في جميع ماله، ومنع من التصرف بالمعارف إلا في ثلث ماله حقًا للغير وهم المرضى، وذوات الأزواج
стр. 3442
[والرُّشَّد] (١) من النساء؛ لأن المريض مُنِعَ من التصرف في ماله بالمعروف إلا في ثلثه حقًا للورثة.
وذات الزوج منعت من التصرف بالمعروف في مالها إلا في الثلث إلا أن يأذن لها الزوج في ذلك، لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتصدق من مالها بأكثر من ذي بال".
فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في "شرح المسألة": وأجمع العلماء على أن ذا بال هو الثلث، وقال ﷺ : "تنكح المرأة لدينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك" (٢)، فبين النبي ﷺ أن المرأة تكثر الرغبة فيها، والتنافس في المغالاة في صداقها لأجل مالها، فإذا تغالى [الزوج] (٣) في الصداق لأجل كثرة مال المرأة أو رجاءً لما يتوقع لها من المال في ثاني حال.
إما لميراث يتوقع حصوله من أب، أو أم، أو أخ فيما قرب من الزمان [في] (٤) أغلب الأحوال.
فمن هذا الوجه أثبت الشرع حقًا للزوج في [رد] (٥) معارف الزوجة على ما يأتي بيانه مفصلًا.
فهذا على الجملة، ونحن نتكلم على التفصيل، فنقول وبالله التوفيق:
لا يخلو الزوج من أن يكون حُرًا أو عبدًا، فإن كان حُرًا فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة، فإن كانت حرة فلا تخلو من أن تكون
стр. 3443
محجورًا عليها أو غير محجور عليها، فإن كانت محجورًا عليها مضروبًا على يديها بولاية أب، أو وصي فقد تقدم الكلام عليها في مسألة مفردة بما لا مزيد عليها، فإن كانت غير محجور عليها؛ لكونها رشيدة مالكة أمر نفسها عارفة بجميع مصالح [أمورها] (١) فتصدقت بشيء من مالها أو أعتقت، فلا يخلو ذلك القدر من أن يكون [مثلث] (٢) ثلث مالها أو أقل أو أكثر، فإن كان بمثل مالها فأقل فلا يخلوا من أن تقصد بذلك البر والطاعات، أو تقصد به الضرر بالزوج، فإن قصدت بذلك البر والطاعات فلا تخلو من أن تكون في العتق أو في الصدقة، فإن كان ذلك في الصدقة، فلا خلاف في جواز فعلها ونفوذه، وإمضائه.
فإن كان ذلك في العتق، فلا يخلو من أن تعتق عبدًا كاملًا، أو تعتق ثلث عبد، فإن أعتقت عبدًا كاملًا فلا خلاف في الجواز والنفوذ، وإن أعتقت بعض عبد مثل أن تعتق ثلث عبد فلا يخلو من أن تعتق [ثلث عبد] (٣) تملك جميعه، ولا تملك غيره، أو ثلث عبد بينها وبين غيرها، فإن أعتقت ثلث عبد تملك جميعه، هل يجوز ذلك أو يرد؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن العتق نافذ، ولا مقال للزوج، وهو قول ابن القاسم في "الموازية"، وابن أبي حازم.
والثاني: أن للزوج أن يرد عتقها كأنها أعتقته كله بعتق عبده لإيجاب النبي ﷺ تتميم العتق على من أعتق شقصًا فكيف بمن يملك جميع العبد؟!! فلما منعها الزوج من ذلك رد جميعه، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، والمغيرة، وابن دينار، ورووه عن مالك ﵁.
стр. 3444
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (١) استتمام العتق على مبعضه فيما يملك جميعه، هل هو بالسراية أو بالحكم؟
فمن رأى أنه بالسراية قال: للزوج أن يرد عتقها؛ لأنه كأنها اعتقت جميعه إذا لم تملك غيره.
ومن رأى أن التكميل بالحكم قال: [عتقها] (٢) ماضٍ لا مقال فيه للزوج؛ لأن الاستكمال بشيء أوجبته الأحكام، فإن أعتقت ثلث عبد بينها وبين غيرها، فإن كانت لا تملك إلا ذلك القدر، وليس [لها] (٣) مال سواه، فإن للزوج أن يرد ذلك قولًا واحدًا، وإن كان لها مال سواه يكون القدر الذي أعتقت من العبد ثلثه، هل للزوج أن يرد عتقها أم لا؟ فالمذهب على قولين.
وسبب الخلاف: التقويم الواجب عليها في الشرع إذا اختارها الشريك، هل يراعى أو لا يراعى؟
وأما الصدقة إذا تصدقت: بثلث مالها، وقصدت بذلك البر والطاعات.
فلا خلاف في جواز ذلك ونفوذه، ولا مقال في ذلك للزوج، وأما إن قصدت بذلك الضرر بالزوج، وعلم ذلك وظهر، فهل للزوج أن يرد فعلها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك نافذ، ولا مقال فيه للزوج، وهو قول ابن القاسم
стр. 3445
في المدونة.
والثاني: أن للزوج أن يرد ذلك، ولا يجوز من فعلها ما قصدت به الضرر قَلَّ أو جَلَّ، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" وغيرها، وقاله أشهب عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: إذا زادت على الثلث ماله قدر وبال، فإنه يرد الجميع لقصدها الضرر.
فيستفاد من ذلك أنها مهما قصدت الضرر كان للزوج أن يرد فعلها.
وأما إذا تصدقت بأكثر من ثلث مالها، فلا يخلو الزائد على الثلث من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا كالدينار والدينارين، فإن صدقتها ماضية ولا مقال للزوج فيها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، واحتج عليها في "الكتاب" بقول مالك في التي أوصت بعتق جاريتها إن وسعها الثلث، فإن لم يحملها الثلث، فلا تعتق، فتزاد على قيمتها في الثلث دينار أو دينارين.
فقالا: لا يحرم العتق بمثل هذا، فبين أن تلك الزيادة لا تأثير لها في بطلان [العتق، ولا تأثير لها في بطلان] (١) الصدقة أيضًا، وإن كان قد اختلف في مسألة الوصية فيما زاد على الثلث من قيمة الجارية، على ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أن يعتق جميعها, ولا يرق منها شيء، ولا تغرم شيئًا, ولا تتبع بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أن الجارية تغرم الزائد على الثلث إن كان لها مال، ولا تتبع
стр. 3446
به دينًا، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثالث: أن يرق منها قدر ذلك، ويعتق ما بقى، وهذا هو الأظهر في النظر، والجاري على [أسباب] (١) الوصايا، فعلى هذا القول يرد من الصدقة ما زاد على الثلث، وإن قَلَّ، فإن كان الزائد على الثلث كثيرًا في فعل [الصدقة] فللزوج أن يرد ذلك إن شاء، ولا خلاف أن له أن يرد الزائد.
واختلف هل له أن يرد معه الثلث أم لا؟ على قولين منصوصين [في] (٢) "المدونة":
أحدهما: أن له أن يرد الجميع الثلث، وما زاد عليها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز من ذلك الثلث، ويرد الزائد خاصة، وهو قول المغيرة في "الكتاب".
وسبب الخلاف: ما يتوصل به إلى الشيء، هل هو مثل ذلك الشيء أم لا؟
ولا شك أنه قد توصل بالثلث إلى الزائد عليها [واختلفا إذا] (٣) لم يعلم الزوج بفعلها حتى مات أو طلق أو علم فرد، ولم يخرج ذلك [عن يدها] (٤).
فأما إذا لم يعلم الزوج بفعلها حتى تأيمت بموت أو طلاق، هل يحكم عليها بإنفاذ ذلك وإمضائه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
стр. 3447
أحدهما: أنه يحكم عليها بإمضاء ذلك جملة [بلا] (١) تفصيل بين الموت، والطلاق، والعتق، والصدقة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الواضحة" وغيرهما.
والثاني: أنه يحكم عليها بإمضائه في الطلاق دون الموت؛ لأنه بالطلاق قد سقط حق الزوج بالكلية، وزالت سلطته عن المرأة بخلاف الموت؛ لبقاء الميراث للزوج في مال زوجته، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
وأما ابن القاسم فقد أجرى المسألة على أصل مذهبه فيها، أن أفعال ذات الزوج على الجواز حتى يردها الزوج، فإذا طلق أو مات قبل الرد والبطلان، فالشيء على ما كان عليه.
وأما مطرف وعبد الملك، فقد قدمنا أصليهما، وذلك أنهما قالا: إن أفعالها على الرد حتى تجاز، فكيف يقولان: إن الإمضاء يلزمهما إذا طلقها، وكيف يمضي ما كان مردودًا إلا إذا أنشأت فيه حالًا آخر باختيارها.
وأما إذا رَدَّ الزوج ذلك، فلم تخرجه من يدها حتى مات أو طلق، هل يحكم عليها بإمضاء ذلك ونفوذه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يحكم عليها بالإمضاء والنفوذ جملة [بلا] (٢) تفصيل [والثاني: أنه لا يحكم عليها بذلك جملة أيضًا، وأن لها أن تتصرف فيها بما شاءت، وهو قول ابن القاسم في "الواضحة"، وفيها قول ثالث بالتفصيل] (٣) بين العتق وغيره، فيلزمها نفوذ العتق، دون ما عداه من الهبات، والصدقات، وهو ظاهر قول مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ
стр. 3448
في "الواضحة"، والأقوال الثلاثة قائمة من المدونة.
والمنصوص فيها في آخر "كتاب الحمالة": أنها إذا مات زوجها أو طلق أنها تعتقهم بغير قضاء.
وسبب الخلاف: اختلافهم في رَدّ الزوج، هل هو رد إبطال أو رَدّ إيقاف.
والتفصيل بين العتق وغيره ضرب من الاستحسان، وتعصيب للعتق لا غير ذلك، وبالله التوفيق.
وأما إن كانت زوجته أمة، فلا حجر له عليها؛ لأن مالها لسيدها، وهي لا تختلع إلا بإذنه، فكان القول في مالها للسيد دون الزوج.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الزوج عبدًا وتحته حُرَّة، فهل له أن يحجر عليها في التصرف في أكثر من ثلثها كما يكون للحُرِّ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه ليس له منعها، وأن لها أن تتصرف في جميع مالها [ما] (١) شاءت، وكيف شاءت، وهي رواية أصبغ عن ابن وهب في "العتبية"، فقيل له: فإنه يعتق، فقال: ما اتفق الناس في الحُر، فكيف [بالعبد] (٢).
الثاني: أن له ما للحُرّ وهو زوج، وهو حق له، فله أن يمنعها من التصرف في الثلثين بالمعروف كما للحُرّ أن يمنعها، وهو قول أشهب، وابن نافع عن مالك في "العتبية"، و"الموازية".
وسبب الخلاف: الطوارئ، هل تُراعى أو لا تُراعى؟ فمن اعتبرها
стр. 3449
قال: فإنه كالحُرّ لجواز أن يعتق قبل الموت، فيثبت له [من] (١) الميراث ما ثَبَتَ للحُرّ.
ومن لم يعتبرها قال: لا حق له في ذلك؛ لأن العتق قد يكون، وقد لا يكون.
وأما إن أعتقت رأسًا من رقيقها ثم رأسًا والزوج غائب ثم قدم، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتقارب ذلك جدًا.
وإما أن يتباعد جدًا.
وإما أن يتوسط.
فإن تقارب جدًا مثل أن يكون [بين] (٢) ذلك اليوم واليومين، وذلك أكثر من ثلثها، فللزوج أن يرد عتق جميعهم كما لو أعتقهم في كلمة واحدة.
فإن تباعد ما بين ذلك مثل أن يكون بين عتق وعتق ستة أشهر، فهو عتق مُؤتَنَفَ فيبتدأ لها فيه نظر الثلث في كل واحد [في] (٣) [الزمن] (٤) الذي أعتقته فيه، فإن حمله ثلث مالها نفذ عتقه، وهكذا يفعل بالذي يليه ثم الذي يليه إلى آخرهم.
وإن توسط الأمر في ذلك مثل أن يكون بين المعتقين مثل الشهر، والشهرين جاز الأول إن حمله الثلث ورد ما بعده، وإن حمله الثلث مع الأول؛ لأن مخرجه الضرر لتقاربه مع الأول قربًا تتمم في الثاني دون
стр. 3450
الأول، وهذا كله قول أصبغ في "الواضحة".
واختلف في تَدْبيرِهَا، هل هو كالعتق أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن التَّدْبيرِ كالعتق سواء، وله منعها من التَّدْبير كما له منعها من العتق، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أنَّ التَّدْبِير بخلاف العتق، وليس له أن يمنعها منه؛ إذ لم يزل رقه من يدها، وإنما منعت نفسها [من] (١) بيعه، وقد كان [لها] (٢) أن ألا تبيعه بلا تَدْبير، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في كتاب المذكور.
واختلف أصحابنا المتأخرون: إذا أفادت الزوجة مالًا لم يدخل عليه الزوج، ولا كان يرتجيه، هل للزوج أن يمنعها من التصرف في ثلثي ذلك المال كما كان له أن يمنعها من مال دخل عليه، وتغالى في الصداق لأجله؟ على قولين متأولين على المدونة:
أحدهما: أنه ليس له أن يمنعها من ذلك، وهو ظاهر قوله في المدونة، حيث قال: "لأن الرجل إنما يتزوج المرأة لمالها، ويرفع في صداقها لأجله"، فَدَلَّ والحالة هذه أن ما كان من فائدة طرأت عليها من وجه لم يعلم به الزوج [ولا دخل عليه] (٣)، ولا حسب عليها أن الزوج لا يمنعها من التصرف في ثلثيه بما شاءت، وهو قول بعض المتأخرين.
والثاني: أن للزوج أن يمنعها عمومًا لا خصوصًا، وأنه لا فرق في ذلك بين مال علم به، ودخل عليه وبين مال لم يعلم به [ولم يدخل عليه] (٤) وهو ظاهر الكتاب لعموم الخبر الوارد في ذلك.
стр. 3451
فرع: وإذا تكفلت المرأة بزوجها ثم ادَّعَت الإكراه، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تكفل بزوجها، أو تكفَّلَت له، فإن تَكفَّلَت بزوجها بدَين له على غيره ثم ادَّعَت أن الزوج أكرهها، فإنه ينظر في ذلك، فإن كان الزوج ظاهر الإساءة إليها، وقلة [ورعه] (١) وقهره لها وتحمله عليها بما لا يحل، وأنها إن لم تفعل ركبها بما لا يحل، وذلك كله ثابت بالبينة العادلة, فإن الحمالة ساقطة [عنها] (٢) وتحلف، وإن كان غير ذلك حلف الزوج ما أكرهها ولا خَوَّفَهَا ولزمتها [الحمالة] (٣)، وهو قول أشهب في "كتاب محمد".
وأما إن تَكَفَّلَت لزوجها لرجل أجنبي، ثم ادَّعَت أنه أكرهها على ذلك، فإن الحمالة لازمة لها, ولا يقبل لها قول، وهو قول مالك في المدونة، وقال أشهب: إلا أن يكون الأجنبي صاحب الحق عالمًا بذلك.
قال محمد: أو تقوم بينة بأن زوجها أكرهها، فإن أنكر الأجنبي أن يكون عالمًا بذلك، فإنه ينظر إلى الأجنبي، فإن كان قريب الجواز ممن يظن به علم ما ادَّعَت، فإنه يحلف، فإن نَكَلَ حلفت المرأة لقد علم وبرئت.
وأما غير الجار [و] (٤) من لا يمكنه علم ذلك، فلا يمين عليه، وهو قول أشهب، ومحمد [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 3452
كتاب الحوالة
стр. 3453
كتاب الحوالة
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى في جواز الحوالة، وشروطها
وهي مأخوذة من التحول؛ لأن المال قد تحول من ذمة غريمه إلى ذمة [غيره] (١) وهي أصل في نفسها مستثناة من [بيع] (٢) الدَّين في الدَّين، فقال ﷺ : "مطل الغني ظلم، ومن اتبع على ملىء، فليتبع" (٣)، وهذا [القول] (٤) أمر، والأمر [هنا] (٥) المراد به الندب، والإرشاد، لا الوجوب والإلزام.
ومن أصحابنا المتأخرين من حمله على الإباحة؛ لأنها رخصة استخرجت من [بيع] (٦) الدين [في الدين] (٧)، ورخص في الحوالة، وأباحها, ولا خلاف بين العلماء أن المحال لا يجبر على التحول إلا [بإذنه ورضاه] (٨) [خلافًا لما] (٩) انتحلته الظاهرية.
стр. 3454
فإنهم حملوا الأمر على ظاهره، وزعموا أن المراد به الوجوب، واختلف الرواة في ضبط هذين الحرفين في قوله ﷺ : "ومن اتبع على ملىء فليتبع" (١)، فمنهم من قرأه في الحرفين بسكون التاء في قوله: "من اتبع"، وفي قوله: "فليتبع" يقال: أتبعت فلانًا بحقي، وأنا أتبعه بالتاء الساكنة، ولا يقال: اتبعه بفتح التاء وتشديدها إلا من المشي خلفه واتباع أثره [في] (٢) أمر من الأمور.
ومنهم من يقرأه بتشديد التاء، والأول أصوب.
ولجوازها شروط [ستة] (٣):
أولها: حُلول الدَّين المحال به.
والثاني: أن تكون الحوالة على أصل دَيْن.
والثالث: أن يكون [الدين] (٤) المُحال به عليه من نوع الدَّين المُحال قدرًا وصفةً.
والرابع: رضا المُحِيل والمُحَال بذلك.
والخامس: ألا يكون الدَّينان طعامًا من سَلَم أو أحدهما, ولم يحلَّا على خلاف [في ذلك] (٥).
والسادس: ألا يغيره [بتفليس] (٦) المُحَال عليه أو لِرَدّه على خلاف لنا في هذا الشرط مما سنبينه إن شاء الله.
стр. 3455
وقولنا: [أن] (١) يكون الدَّين المُحال به حَالًا احترازًا من أن يكون مؤجلًا.
ولا يخلو الدَّينان المُحَال به، والمَحَال عليه من أن يحلَّا، أو لم يحلَّا أو أحل أحدهما, ولم يحل الآخر.
فإن حلَّا جميعًا فلا إشكال في الجواز، وإن لم يحلَّا، فلا إشكال في المنع، وإن حَلَّ أحدهما, ولم يحل الآخر، وكان الحالّ هو المُحَالَ به، فلا خلاف في المذهب في جوازها من غير اعتبار بحلول المُحَال عليه.
وإن كان الحال هو الدَّين المُحَال عليه، فإن قبضه في الحال جاز، وإن تَوَانَى في قبضه؛ فلا يجوز لأن ذلك فسخ دَيْن في دَيْن.
وقولنا: أن تكون على أصل دين، معناه أن يحيله على من له عليه ذلك القدر احتراز من أن يحيله على غير دَيْن كان للمُحِيل على المُحَال عليه.
فلا يخلو المحال من أن يعلم بذلك أو لم يعلم، فإن لم يعلم فلا خلاف أن ذلك حمالة لا حوالة، وأحكامها معروفة مفروغ منها.
فإن علم بأنه لا دين له عليه، واشترط عليه المحيل براءة ذمته، وأنه لا يطالب بشيء، هل ذلك حمل [أم] (٢) حمالة.
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك [حمل] (٣) لا حمالة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" حيث قال: وإذا أحاله على من لا دَيْن له عليه، وشرط المحيل
стр. 3456
براءة ذمته من ذلك [الدَّين] (١) فرضى المحال [عليه] (٢)، فإن ذلك يلزمه، ولا رجوع له على المحيل إذا علم أنه [لا] (٣) دَيْن له عليه، فإن لم يعلم فله الرجوع.
والثانى: أن ذلك حمالة بشرط التبرئة على [المحال عليه] (٤) حتى إذا عجز وتَبَيَّن عجزه، وفلسه رجع المحال [عليه على المحيل] (٥)، وهي رواية ابن وهب عن مالك في الكتاب، [واتبعه] (٦) في الذي قال لرجل: حرق صحيفتك التي لك بِدَيْن، واتبعني فيها من غير حوالة بِدَيْن كان له عليه، فأتبعه حتى فلس الضامن، أو مات ولا قاله أن للطالب الرجوع على الأول، وإنما يثبت من الحول ما أحيل به على أصل دَيْن.
وقولنا: أن يكون ذلك بتراضٍ من المحيل والمحال عليه؛ إذ لا يجبر على الحوالة من أباها منهما على ما قدمناه في صدر المسألة [من أن] (٧) قوله ﵇: "ومن اتبع على مليء فليتبع" (٨) أن المراد [به] (٩) الندب، والإرشاد دون الوجوب.
وقولنا: أن يكون الدَّين المُحَال عليه من نوع الدَّين المُحَال به قَدْرًا وصفة، احترازًا من أن يكون الدَّين المُحَال به أكثر من الدَّين المُحَال عليه، أو
стр. 3457
أقل، أو أجود صفة أو أدنى صفة؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر أو أجود أو أدنى صفة خرج عن الرُّخصة، وصار بيعًا، وذلك حرام، ولا يحل، ولا خفاء في توجيه ذلك.
وقولنا: وألا يكون الدَّيْنَان طعامًا من سَلَم أو أحدهما, ولم يحلَّا على ما سنذكره من الخلاف [في ذلك] (١) فإن كانا جميعًا [طعامًا] (٢) من سلم، فلا يجوز قبل حلولهما أو حلول أحدهما، قولًا واحدًا.
وإن حلا واختلفت رؤوس أموالهما [فكذلك أيضًا، وإن اتفقت رؤوس أموالهما] (٣) فالمذهب في الجواز على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجوز إن حلَّا جميعًا، وهو قول أشهب؛ لأنه تولية بغير لفظها كما قال في المقاصة.
فإن كان أحدهما من سَلَم، والآخر من قرض، فإن حلَّا جميعًا جاز من غير خلاف إلا متأولًا، وإن لم يحلَّا لم يجز، وإن حَلَّ المُحَال به، فالمذهب في الجواز على قولين:
أحدهما: الجواز، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن جماعة أصحاب مالك.
والثاني: المنع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، فإذا أثبت ذلك، فإنَّ المُحال يَتَنَزَّل في الدَّين الذي أُحِيل عليه منزلة من أحاله، ومنزلته في الدّين الذي أحيل به، فيما يزيد أن يأخذه به منه أو يبيعه به من غيره، فإن احتال بطعام كان له من قرض في طعام، فإن
стр. 3458
كان بسلم أو بطعام كان له من سلم في طعام من قرض لم يجز له أن يبيعه من غيره قبل استيفائه؛ لأنه إن كان احتال من القرض في السلم لم يجز له أن يبيعه قبل أن يقبضه لنزوله [فيه] (١) منزلة من أحاله.
وإن كان احتال من السلم في القرض لم يجز له أن يبيعه قبل أن يستوفيه؛ لنزوله فيه منزلته في الطعام الذي احتال به، ولا يجوز له أن يأخذ منه إلا الطعام الذي أحيل به أو مثل رأس مال السلم سواء، يصير بمنزلة الإقالة.
وإن كان جميعًا من قرض جاز له أن يبيعه قبل أن يقبضه منه، أو من غيره بكل ما يجوز أن يباع به طعام القرض؛ لأنه كان يجوز [له] (٢) أن يبيع الطعام الذي احتال به قبل أن يقبضه، وكان للذي أحاله أن يبيع الطعام الذي أحاله عليه قبل أن يقبضه لكونهما جميعًا من قرض.
وكذلك لو احتال بعرض كان له من قرض في عرض من قرض، فإن كانا جميعًا من سلم، وكان أحدهما سلم دنانير، والآخر سلم دراهم لم يجز له أن يبيع تلك العروض منه، قبل أن يستوفيها بدنانير، ولا بدراهم، لما قدمناه، وجاز له أن يبيعها منه بعروض تخالفها إن كان الأجل لم يحل، وبما شاء من العروض إن حَلَّ الأجل، وأما [بغيره] (٣) فيجوز له أن يبيعها بما شاء من الدنانير، والدراهم، والعروض المخالفة لها إذا تعجلها، ولا يجوز له أن يبيعها بعروض من صنفها أقل منها أو أكثر، وإن تعجلها إلا أن يعجلها هو أيضًا، فيكون ذلك يَدًا بِيَدّ مثل الصرف.
وإن كان يسلم كل واحد منهما في عرضه دنانير أو دراهم مثل ما سلم
стр. 3459
صاحبه، جاز له أن [يبيعه منه] (١) بمثل ذلك أو أقل، ولا يجوز بأكثر منه؛ لأنه يدخله سلم دنانير أو دراهم في أكثر منها إلى أجل.
وإن كان سلم أحدهما في عرضه أكثر مما أسلم الآخر في عرضه، لم يجز له أن يبيع العرض الذي أحيل عليه إلا بمثل الثمنين فأقل، ولا يجوز بأكثر من أحدهما، وإن كان [مثل] (٢) الآخر أو أقل منه، وإن كان أحدهما من قرض، والآخر من سلم فاحتال بأحدهما في الآخر لم يجز له أن يبيعه إلا بمثل رأس مال السلم، فأقل كان الذي احتال [به] (٣) عليه هو القرض أو السلم لما قدمناه من مراعاة الوجهين.
ولو كانت له دنانير من قرض، فاحتال بها على ثمن طعام، فلا يجوز له أن يأخذ من الذي أحيل عليه بها طعامًا؛ لأنه يتنزل منزلة من أحاله، فيدخله الاقتضاء من ثمن الطعام طعامًا.
وكذلك إن كان له دنانير من ثمن طعام باعه، فأحيل بها على دنانير من قرض لم يجز له أن يأخذ منه فيها طعامًا؛ لأنه يتنزل فيها منزلته فيما كان له على الذي أحاله، فكما لا يجوز له أن يأخذ من الذي أحاله طعامًا، فكذلك لا يجوز له أن يأخذ من هذا الذي أحيل عليه طعامًا؛ لأنه غريم غريمه.
وقولنا: وألا يغره بفلس المحال عليه [أو لدده] (٤) لأن ذلك عيب في ذمة المحال عليه.
فلا يخلو المحال من أن يكون عالمًا بحال المحال عليه، أو جاهلًا به.
стр. 3460
فإن كان عالمًا بحاله، وما هو عليه من خراب الذمة، فلا خلاف في المذهب أنه لا حجة له بعد ذلك.
فإن كان جاهلًا [به] (١) والمحيل عالم بحاله فغره بعدمه، فهل ذلك عيب يوجب الرجوع للمحال على ذمة [المحيل] (٢) أو لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك عيب يوجب [له] (٣) الرجوع على ذمة المحيل، وهو نص قوله في "المدونة" في "كتاب الحوالة".
والثاني: أن ذلك ليس بعيب، ولا يمكن من الرجوع عليه بشيء, وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من قول مالك في الذي يبيع سلعة من رجل فوجده [معدمًا] (٤) مفلسًا كتم ذلك عنه حيث قال: لم ينتقض البيع بذلك، ولم يكن لبائع السلعة حجة؛ إذ لا يمكن الكشف عن ذمة كل من يبيع منه شيئًا؛ لما يدرك الناس من المشقة.
والحوالة بيع، فينبغي ألا يمكن من الرجوع على المحيل أيضًا.
اللهم إلا أن يقال: إن بيع الدَّين أمر نادر، فلهذا لم يجز بيع الذمة إلا [بعد] (٥) العلم بعدم الغريم من [ملائه] (٦) وكان عيبًا في الحوالة إذا غَرَّه.
وعلى هذا يتخرج الخلاف فيما إذا أحاله عليه ثم أنكر المحال [عليه] (٧)
стр. 3461
أن يكون عليه للمحيل [دَيْن] (١) هل يكون ذلك عيبًا في الحوالة أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون المحال عليه حاضرًا في حين الحوالة أو كان غائبًا.
[فإن كان غائبًا] (٢) تم قدم، فأنكر أن يكون للمحيل عليه دين، فذلك عيب في الحوالة قولًا واحدًا، فإن كان حاضرًا لمجلس الحوالة، واعترف على نفسه بالدَّين ثم أنكر بعد ذلك ولا بَيَّنة على إقراره، هل يكون ذلك عيب في الحوالة أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب في الحوالة؛ لأن التفريط من جهة المحال حين ترك الإشهاد عليه وقت إقراره.
والثاني: أن ذلك عيب في الحوالة؛ لأن المحال يقول: لو علمت أن ليس عليه بَيَّنة ما قبلت الحوالة عليه.
والأول أظهر في النظر، وهو اختيار [الشيخ أبي إسحاق] (٣) التونسي [﵀، والحمد لله وحده] (٤).
стр. 3462
المسألة الثانية في الحوالة بالكتابة والحمالة بها
فأما الحمالة بالكتابة، فلا تجوز باتفاق المذهب؛ لأن الكتابة ليست [من الديون الثابتة] (١)، ولا يجب على الكفيل بالكفالة إلا ما ثبت من الدّين على المكفول.
وأما الحوالة بالكتابة: فلا يخلو من أن يحيله بها على ما ليس بِدَيْن ثابت، أو ما هو بدين.
مثل أن يحيله على مكاتب له آخر، فإن حَلَّت كتابة الأعلى، فهل تجوز الحوالة أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن الحوالة لا تجوز؛ لأن السيد [المحيل] (٢) لا يدري ما يصح له؛ إذ قد يعجز المحال عليه، فتكون رقبته للسيد المحال، وذلك بخلاف الأصل الذي تثبت عليه الحوالة، وهو أن يكون الدَّين المحال [عليه] (٣) من جنس دين المحال [له] (٤).
وإن كان ذلك موجودًا في بيع الكتابة على الجملة إلا أنَّ الأصول المستثناة من أصول فاسدة يكون التوقي، والتحري فيها آكد مما يمهد، وينشأ من ابتدائه [في الحال ثم الحكم يوجب ذلك بمهد وببعث] (٥) وعلى
стр. 3463
القول بجواز ذلك، هل من شرطه أن يثبت السيد عتق المكاتب المحيل في الحال، أم الحكم يوجب ذلك.
فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن من شرط جوازها أن يثبت السيد عتق مكاتبه في الحال، وهو قول مالك في "المدونة" في "كتاب الحوالة".
والثاني: أن الحوالة جائزة، والحكم يوجب ثبات عتق المكاتب، والتزامه بنفس تمام عقد الحوالة من غير تجديد عتق، كما لو أدَّى المكاتب كتابته، أو أعطى عوضًا لم يحتج إلى تجديد عتق؛ بل بنفس [قول] (١) سيده العوض وديعه للكتابة، هو العتق، فكان يجب على هذا إذا رضي السيد بالحوالة على مكاتب مكاتبه أن يكون حُرًا بنفس الحوالة؛ لأن الأصول موضوعه على أن اسم الحوالة براءة لذمة المحيل.
فلم يبق لقوه في الكتاب إلا أن يكون السيد قد أثبت عتقه معنى، ولا فائدة، وهو ظاهر قول الغير في كتاب الحوالة.
وأما إن أحاله على ما هو دَيْن ثابت، فلا تخلو الكتابة من أن تكون حَالَّة أو غير حَالَّة.
فإن حَلَّت الكتابة، فالحوالة جائزة إذا كان دين المحال عليه على صفة دين المحال به، ويعتق المكاتب مكانه.
فإن لم تحل الكتابة، فهل تجوز الحوالة بها أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في الكتاب:
أحدهما: أن الحوالة لا تجوز؛ لأنها ذمة بذمة وربًا بين السيد ومكاتبه، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
стр. 3464
والثاني: أن الحوالة جائزة، ويعتق العبد مكانه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت، فكأنه عجل عتقه على دراهم نقدًا أو مؤجلة، والكتابة دنانير لم تحل، وكمن قال [لعبده] (١): إن جئتني بألف درهم فأنت حُر ثم قال [له] (٢) إن جئتني بخمسمائة درهم أو بعشرة دنانير فأنت حُر، فإن جاء بها فهو حُر، ولم يكن بيع فضة بذهب، ولا فسخ الدَّين في أقل منه، وكأن لم يكن قبله إلا ما أدى، وهو قول الغير في الكتاب [أيضًا. والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3465
كتاب الغصب
стр. 3466
كتاب الغصب
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في معرفة حقيقة الغصب، وحقيقة التعدي لغةً وشرعًا
أما حقيقتهما في اللغة:
فإن الغصب والتعدي ينطلقان على أخذ كل ملك بغير رضا مالكه من جميع ما يتمول من مال أو أشخاص أو منافع، سرًا كان أو جهرًا، وسواء أخذه على وجه الغصب أو التَّعَدِّي، أو حرابةً، أو سرقة، أو اختلاسًا، أو خيانة، أو أخذه على وجه الجحد والاقتطاع.
وأما حقيقة الغصب في تعارف الفقه:
فهو أخذ الأعيان المتملكات بغير رضا أربابها على وجه القهر، والغلبة، والملك، والرقبة من ذي سلطان وقوة.
وأمَّا التَّعَدِّي: فإنما يستعمل عرفًا في أخذ المنافع والتصرف في استيفائها بغير إذن المالك ولا رضًا منه سواء كان ذلك [مستندًا] (١) إلى إذن المالك في استيفاء المنافع على وجه ما أو إلى زمن ما كالكراء و [العرية] (٢) أو مستندًا إلى إذن في التصرف في المال، إما لمنفعتهما جميعًا كالإقراض، واستئجار الصانع على صنعة ذلك الشيء كالصَّبَّاغ والخَيَّاطة.
وإما لمنفعة المالك وجده كالبضائع [والودائع] (٣) أو كان تعديه غير
стр. 3467
مستند إلى إذن كاستعمال العبد أو الدَّابة بغير إذن مالكهما، ويكون من يَدّ قاهرة أو غير قاهرة.
وفرق الفقهاء بين الغصب والتعدي بوجوه:
منها: أن الغاصب ضامن السلعة يوم الغصب قولًا واحدًا في المذهب؛ لأنه يوضع اليد صار ضامنًا بشرط الفوات على ما سنوضحه آنفًا إن شاء الله تعالى.
والمتعدي يضمن قيمتها، وإن جاء بها سالمة، وإن كان ابن شعبان قد حكى عن ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك: أن الغاصب إذا أمسكها عن أسواقها حتى انتقصت قيمتها، فهو ضامن كالمتعدي على ما سنشرحه في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الغاصب يضمن بالفساد اليسير والمتعدي لا يضمن إلا بالفساد الكثير.
ومنها: أن المتعدي يغرم كراء ما تعدى عليه استعمله أو عطله بكل حال، والغاصب لا إكراه عليه على أحد الأقوال في المذهب [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3468
المسألة الثانية في حكم التعدي على الخصوص
ومن تعدى على مال رجل، فجنى عليه جناية تفسده: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك الفساد [لا يبطل] (١) منه الغرض المقصود.
والثاني: أن يبطل منه الغرض المقصود.
فإن كان لا يبطل منه الغرض المقصود مثل أن يكون ثوبًا، فشقه شقًا قليلًا، أو عبدًا قطع له أصبعًا أو أصبعين، وهو من عبيد الخدمة أو عبيد التجارة، أو جرحه جرحًا لا يؤثر في فساده، ولا في ذهاب منافعه أو كانت دابة من ذوات الخدمة والسخرة، فقطع أذنها أو أذنيها أو فقأ عينها، وهي مما لا يُرَاد للركوب، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الجاني يغرم ما نقصته الجناية، وليس لرب السلعة المجني عليها أن يضمن الجاني قيمتها، فإن كان ثوبًا رفاه أو قصعة أصلحها وغرم ما نقص بعد الرفو، والإصلاح فألزمه الإصلاح؛ لأن صاحب الثوب، والقصعة، لا يقدر على استعمالها إلا بعد الإصلاح.
وقد رام بعض متفقهة الزمان أن تستقرأ من هذه المسألة: جواز القضاء بالمثل في العروض بناء منه على أن التوب المشقوق بعد الرفو إذا أخذه رب الثوب كأنه أخذ غير ثوبه، أو أنه أقام الرفو مقام ما قطع من الثوب؛ لكونه أخذ عوضًا عنه.
وذلك خيال؛ لأن الذي نقص من الثوب لا مثل له، والرفو الذي رفاه
стр. 3469
المتعدي لا يماثل ما قطع من الثوب ولا يقاربه.
وحقيقة المماثلة: مساواة العوض للمعوض عنه في المثلية، ولو كان الرفو مماثلًا لما نقص من الثوب ما غرم المتعدي النقص بعد الإصلاح؛ لأن من غرم مثل ما تعداه عليه لم يكن عليه غرم آخر.
فإذا فهمت ما ذكرناه تَبَيَّن لك اضمحلال ما خيل به من قصر ذهنه عن النظر في استقصاء المعاني.
فإن كان عبدًا أو دابة فإن الجاني يغرم ما نقصه القطع أو الجرح.
واختلف هل يغرم الجارح أجر الطبيب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه على الجارح كالرفو، ثم إن برئ الجرح على شين غرمه أيضًا.
والثاني: أن أجر الطبيب على [المالك] (١) دون الجارح بخلاف الرفو. وقد اختلف تأويل المتأخرين في ذلك:
- فمنهم من قال: أن ذلك اختلاف قول، وأنه يلزم في قطع الثوب ألا يلزم القاطع المتعدي الرفو.
- ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف سؤال، وإن الفرق بينهما أن الرفو في الثوب أمر معلوم قدره، ونهايته، وأن الناس فيه على بصيرة أنه بالرفو يمكن الاستمتاع بالثوب، والانتفاع به على حسب ما كان ينتفع به قبل القطع.
فلهذا أمر المتعدي بالرفو؛ لأنه كلف أمرًا معلوم قدره وعاقبته، ومداواة الجرح أمر غائب عَنَّا لا ندري هل ينجح فيه الدواء، فيبرأ أو يموت
стр. 3470
العبد أو الدابة قبل البُّرء، فيذهب مال الجاني [وعمله] (١) وعناؤه باطلًا.
[والمخدم له] (٢) لابد له إن مات بسبب الجرح أو برئ على شين، ولا فرق على هذا الوجه بين أن يكون الفساد يسيرًا أو كثيرًا، وإليه ذهب أبو الحسن اللخمي، وهو صحيح.
وأما الوجه الثاني: إذا ذهب منه الغرض المقصود مثل أن يكون الفساد في الثوب يؤثر حتى يكون لباسه بعد الرفو [تشويهًا] (٣) ومثلةً بين الخلق، أو كان عبدًا، أو دابة، فذهب بالجناية عليه الغرض المقصود منه.
فلا يخلو من أن يكون الفساد كثيرًا أو يسيرًا [فإن كان يسيرًا] (٤) كقطع يد العبد أو رجليه أو فقء عينه، أو كان دابة أو فرسًا ففقأ [عينها] (٥)، وقطع يدها، أو كانت بقرة، أو ناقة، أو شاة ففعل بها ذلك.
أما الثوب، وسائر الحيوان الصامت، فإن "مالك" اختلف فيها قوله، فمرة قال: إن المتعدي [يضمن] (٦) ما نقصه، ولم يفسر قليلة كانت جنايته أو كثيرة.
وليس لرب المال المجني عليه أن يضمنه قيمة شيئه، وهذا قوله الأول.
ومرة قال: إن الخيار في ذلك لرب الشيء إن شاء أخذه معيبًا، وإن شاء ضمنه قيمته يوم التعدي.
وهو الذي اختاره ابن القاسم من قول مالك، فعلى القول بأنه بالخيار.