وأما الأصول الثابتة في الأرض كالنخيل وغيرها، فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهب الأصل دون الثمرة.
والثاني: أن يهب الثمرة دون الأصل.
والثالث: أن يهب النخل هبة مطلقة.
فإن وهب الأصل، واستثنى ثمره عشر سنين، فالهبة صحيحة، والثمرة للواهب كالبيع، وحوز الموهوب له قبض النخل، والسقي، والعلاج في مال الواهب، ويكون الموهوب له هو المتولي لذلك إما بنفسه، أو بأجير يستأجره.
ولو كان الواهب هو المتولي للسقي والعلاج حتى فلس أو مرض لبطلت الهبة، وسواء كان فيها [الثمرة] (١) في حين الهبة أم لا.
فإن وهب الثمرة دون الأصل في عام أو أعوام، فإن ذلك جائز من غير اعتبار بحال الثمرة إن كانت موجودة في حين الهبة أو غير موجودة؛ لأن [هبة] (٢) الغرر والمعدوم الذي يصح وجوده عندنا جائزة، وحوزها أن يقبض الأصول ويحوزها، ويمنع الواهب من التصرف فيها.
فإن وهب الأصول هبة مطلقة، وفيها ثمرة مأبورة أو غير مأبورة، فإن كانت مأبورة، فهي للواهب كالبيع، وإن كانت غير مأبورة أو لا ثمر فيها أصلًا، فهي للموهوب له بغير شرط.
فإن تصرف الموهوب له في الهبة قبل القبض بما لا يتصرف فيه إلا
стр. 3887
المالكون؛ مثل أن يبيعها [قبل أن] (١) يقبضها من الموهوب له، فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب، هل يكون [للبائع] (٢) حيازة، ويمكن المشتري من قبضها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع حوز، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
والثاني: أن البيع ليس بحوز، وهو قول أصبغ.
والأشبه أن ذلك حوز, لأن يد الموهوب له ارتفعت، وقابض الهبة هاهنا من الواهب إنما هو مشترٍ غير محتاج إلى حيازة.
ولو وهبها الموهوب له قبل القبض، ثم مات الواهب قبل أن يقبضها الموهوب الثاني، هل تكون الهبة حوز أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الهبة حوز، وهذا القول رواه ابن حبيب عن مالك.
والثاني: أنها لا تكون حوزًا، وهو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون، وهو الأظهر؛ لأن الهبة لا تستغني عن الحيازة في نفسها، فلم يعين غيرها من الهبات.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الهبة مما ينقل، ويتحول كالعبيد، والحيوان، وسائر العروض، فوجه الحيازة في ذلك أن يقبضه [الموهوب له] (٣) من يد الواهب، ويمنعه من استعماله، والانتفاع به، ويستبد الموهوب له بجميع منافعه، واستعماله، واستخدامه إن كان عبدًا، أو أمة، فمهما شاركه الواهب في الاستعمال بطل الحوز بلا خلاف إلا إذا تقررت الحيازة،
стр. 3888
واستمر الملك للموهوب له، فلا يضره خدمته للواهب كما قلنا في سكنى الدار، إلا في وجه واحد، فإن المذهب [اختلف] (١) فيه بالجواز، والكراهة؛ وهو رجل تصدق على زوجته بخادم، وهي معه في البيت يخدمها كخدمتها لحال ما كانت قبل الهبة، أو وهبت هي له خادمها أو متاعًا من البيت، فأقام ذلك على حاله بأيديهما: فروى ابن القاسم عن مالك أن ذلك جائز، وهو قوله في "العتبية" و"الموازية"، وروى عنه أشهب في الكتابين إذا أشهد لها بالخادم، فتكون عندهما على الصفة الأولى، أو أشهدت له بخادمها كذلك، فذلك جائز مع الكراهة في ذلك.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت [الهبة] (٢) غائبة، أو كان الواهب، والموهوب له غائبًا.
فإن كانت الهبة غائبة، فلم يقبضها الموهوب له حتى [مات] (٣) الواهب، فلا يخلو من أن يهب لابنه الصغير, أو الكبير، أو أجنبي.
فإن وهب للصغير، فالجواز اتفاقًا.
وإن وهب للكبير أو لأجنبي، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن الهبة باطلة فرط الموهوب له في الخروج أو لم يفرط، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية".
والثاني: أنه إذا خرج لقبضها، فالهبة جائزة له سواء فرط أو لم يفرط، قبضها بعد موت الواهب أو قبله، وهو ظاهر قول ابن عبد الحكم في
стр. 3889
العتبية؛ لأنه حكى عن مالك فيمن تصدق على ابنه البالغ [بدار] (١) في غير بلده، وأمر من يحوزها له، فمات الأب قبل أن تحاز أنها جائزة؛ بل ظاهر كلامه أن الهبة جائزة له إذا أمر له بحوزها، وإن مات قبل أن يخرج.
والثالث: التفصيل بين أن يفرط في الخروج، فلا تصح له الهبة، أو لا يفرط، يصح له قبضها قبل موت الواهب أو بعد أن علم بموته، أو لم يعلم، وهو على التفريط حتى يثبت أنه لم يفرط، وهو قول ابن الماجشون، وابن كنانة في "العتبية"، و"الواضحة"، وهو أحد قولي مالك.
والرابع: التفصيل بين أن يقبض، وقد علم بموت الواهب، وقد بادر بالخروج، ولم يفرط فتبطل الهبة، وإن قبضها بعد موت الواهب بأيام، ولم يعلم بموته إلا بعد القبض، فإن الهبة صحيحة جائزة له، وهو استحسان مطرف على ما حكاه عنه ابن حبيب.
فلو تصدق عليه بعبده الآبق، فخرج في طلبه، فلم يجده إلا بعد موت المتصدق كان فيه قولان:
أحدهما: أن الصدقة نافذة؛ لأنه لم يكن بيد المعطي، فالإشهاد فيه، وطلب المعطي إياه كالحوز، وكالدين، وهو قول عبد الملك في "الواضحة".
والثاني: أن الصدقة باطلة، وهو قول ابن القاسم في الأرض، والدار الغائبة.
فإن كان الموهوب له غائبًا، فمات الواهب قبل وصول الهبة إلى الموهوب له، فهل تنفذ له الهبة أم لا؟
فلا يخلو من أن يشهد على ذلك أو لم يشهد.
فإن شهد على ذلك، هل يصح للموهوب له أم لا؟
стр. 3890
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الهبة له نافذة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الذي بعثه لرجل، ثم مات الباعث قبل وصولها إلى المبعوث، وهو قوله فيما يشتري من الهدايا من الحج وغيره لأهله وأولاده.
والثاني: أن ذلك باطل إذا مات الواهب قبل الحيازة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وإن شهد على ذلك.
وسبب الخلاف: الإشهاد، وعدم التفريط هل يقوم مقام الحوز مع تعذر الحوز أم لا؛ قال مالك في "العتبية" فيمن تصدق في سفره على امرأته وابنته، وليسوا معه بعبد، والعبد يخدمه، ومات السيد قبل أن يخدم، فإن أشهد على الإنفاذ من يعرف المرأة والابنة، فذلك نافذ، وإن أشهد هكذا من لا يعرفهما؛ فلا أدري ما [هكذا] (١) فانظر قوله من يعرفهما ما فائدته؟
فإن لم يشهد على ذلك، وإنما كان يذكر للعدول عند الشراء من غير أن يقول لهما: اشهدوا علي بذلك، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يرجع لورثة الواهب، ولا شيء فيه للموهوب له، وهي رواية أشهب عن مالك في "الموازية".
والثاني: أن الهبة نافذة للموهوب له، وهو قول ابن القاسم فيما حكاه عنه ابن عبد الحكم في "الموازية" في الذي قال: ادفعا ذلك إلى فلان؛ فإني وهبته ذلك فهي شهادة، وإن لم يقل: اشهدوا علي، وهو ظاهر المدونة من غير ما موضع.
стр. 3891
فإن مات الموهوب له قبل وصول الهبة إليه , هل يكون ميراثًا لورثة الواهب أو لورثته الموهوب له؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك يرجع إلى ورثة الواهب، وهو نص ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: [أنه] (١) يرجع إلى ورثة الموهوب له، وهو قوله في غير [المدونة من] (٢) غير ما موضع أن ورثة الموهوب له، والموصى له يقوم مقام [موروثه] (٣). وهو نص قوله في كتاب ابن المواز.
وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في تأويل ما وقع في المدونة، فمنهم من قال: إن ذلك اختلاف قول لخروجه [عن] (٤) القانون المستقر، والمنهاج المستمر.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال؛ مثل أن يقول الواهب: إنما تصدقت بها صلة للمبعوث إليه بعينه إن وجد حيًا فيصدق؛ إذ لا يلزمه إلا ما أقر به من معروفه.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف سؤال، وإن الفرق بين المسألتين أن الغائب في هذه المسألة لم [يحصل] (٥) منه قبول، فيخرج من هذا أن عدم القبول [يفسد] (٦) الهبة، ويبطلها، وإن كان الواهب حيًا.
стр. 3892
وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا وهبه ما في حوز الموهوب له: فلا يخلو ما في يده من أن يكون قبضه لمنفعة الواهب خصوصًا، أو لمنفعة القابض.
فإن قبضه لمنفعة الواهب خصوصًا كالوديعة، فلا يخلو من أن يقبل المودع الهبة أم لا.
فإن قال: قد قبلت، فالهبة نافذة اتفاقًا.
فإن لم يقل: قبلت، حتى مات الواهب، هل يكون قبضه حوزًا للهبة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يكون حوزًا إلا بمقارنة القبول نطقًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك حوز لها، وهو قول غيره.
والقولان في "المدونة" في "كتاب الهبة".
فعلى قول ابن القاسم أن الهبة تفتقر إلى المبادرة بالقبول على الفور، فإن افترقا قبل أن يقبل فلا قبول له بعد ذلك كالبيع الذي يفتقر إلى الإيجاب، والقبول [على] (١) الفور.
فإن قبضه لمنفعة نفسه خصوصًا كالمخدم، والعادية، فإن قبضه حوزًا له؛ لأنه يستخدم ومال الرقبة له.
واختلف في الإجارة على قولين:
وأما الوجه الرابع: إذا وهبه ما في ذمته أو ما في ذمة غيره من الديون، وأرش الجنايات، فما كان له ذكر حق، فحوزه قبض الذكر الحق، وما ليس فيه ذكر الحق، فحوزه القبول والإشهاد، وذلك غاية المقدور، ولا خلاف -أعلمه- في المذهب في هذا الوجه [والحمد لله وحده].
стр. 3893
المسألة الثانية في هبة الأب لابنه الصغير وحوزه له
ولا تخلو الهبة من أن تكون مما لا يحول ولا ينقل، أو تكون مما ينقل ويحول.
فإن كانت مما لا ينقل ولا يحول كالدور، والأرضين، فلا يخلو الأب من أن يتولى حوز ذلك لنفسه أو جعله بيد من يحوزه.
فإن تولى الأب حوزه لنفسه، فلا تخلو الهبة من أن تكون خالصة لابنه، أو تكون مشاعة.
فإن كانت مشاعة، فلا تخلو من أن تكون مشاعة بينه، وبين الأب، أو تكون مشاعة بينه، وبين الموهوب له آخر من أخ كبير، أو أجنبي.
فإن كانت الهبة مشاعة بينه وبين غيره من أخ كبير أو أجنبي، فلا تخلو من أن تحاز جميع الهبة عن الأب، أو بقيت في يده.
فإن حيزت عنه، وصارت في حوز الكبير من أخ أو أجنبي، فالهبة نافذة للصغير وغيره قولًا واحدًا.
وإن بقيت في يد الأب، فالحوز في حق الكبير باطل.
وهل يصح في [حق] (١) الابن الصغير أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الهبة باطلة في حق الصغير, والكبير، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
стр. 3894
والثاني: أن الهبة جائزة في حق الصغير بحوز الأب له، وباطلة في حق الكبير لعدم الحوز، وهي رواية عليّ بن زياد، وابن نافع عن مالك.
والقولان منصوصان في "كتاب الهبة" من "المدونة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في هبة الجزء المشاع؛ فمن جوزها قال بنفوذ سهم الصغير من الهبة؛ لكونه في حوز الأب، ويده على جميع الهبة، ومن منعها قال ببطلان الحوز في سهم الصغير؛ لكون سهم الصغير غير متميز حتى يصح فيه حوز.
وهل الحبس كالهبة [حوز] (١) سهم الصغير في أحد القولين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الحبس كالهبة في جريان الخلاف في سهم الصغير.
الثاني: أن الحبس بخلاف الهبة [وأن الخلاف لا يدخل في الحبس] (٢).
وينبني الخلاف فيه: على الخلاف في الحبس، هل تجوز فيه القسمة أم لا؛ فعلى القول بجواز قسمته صار كالهبة والصدقة، وعلى القول بأن الحبس لا يقسم خالف الهبة، والصدقة؛ لأن الهبة والصدقة مملوكة الرقبة للموهوب له، والحبس غير مملوك الرقبة، وإنما تقسم غلته على المحبس عليهم.
والقولان في قسمة الحبس في "كتاب الحبس" [و"الهبة"] (٣) من "المدونة"، وقد نص في "كتاب الهبة": أن الحبس لا يقسم، ولا يملك أصله.
стр. 3895
فإن كانت الهبة مشاعة بينه، وبين الأب مثل أن يهب له الأب نصف داره أو نصف عبده، فحاز ذلك الأب، وصار بيده حتى مات قبل أن يبلغ الصغير ويرشد أو جعل الباقي للسبيل، فهل ينفذ من ذلك حق الصغير أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الهبة نافذة في حق الصغير، وحوز الأب له حوز؛ لأن يده على الجميع، ولا يضره شياع ذلك مع غيره، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "الموازية"، و"العتبية".
والثاني: أن الهبة باطلة في حق الصغير, والسبيل وهو قول أصبغ.
ووجه القول الأول: أن قبض الأب لا يؤثر فيه المشاع، وأنه صحيح كصحته في الشيء المنفرد.
ووجه القول الثاني: أن قبضه الجزء المشاع لابنه وباقيه له، أو راجع إليه لا يصح؛ لأنه لا يتميز ما يقبض لابنه مما أبقاه على ملكه.
وحكى القولين القاضي أبو محمد عبد الوهاب في "المعونة".
فأما إن كانت الهبة خالصة للابن، مثل أن يهب له دارًا بعينها، فلا يخلو الأب من أن يكون ساكنًا فيها، أو في غيرها.
فإن كان ساكنًا في غيرها، فالهبة نافذة للابن بحوز الأب قولًا واحدًا في المذهب، ويكتفي في ذلك بالإشهاد على الهبة، والإعلان بها، وإن كان الأب يحرث [الأرض] (١) ويستعمل غيرها، وهو قول ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، كما قال عثمان بن عفان ﵁
стр. 3896
[حكاه عنه] (١) الحفيد في "كتاب النهاية".
ولا يحتاج إلى الإشهاد وعلى [إبراز] (٢) الغلة برسم الولد، فإن فعل ذلك فهو أحسن، وإن لم يفعل، فلا حرج.
ولا فرق في ذلك بين الدار وغيرها في جميع ما يصح فيه حوز الأب لابنه الصغير.
فإن كان الأب فيها ساكنًا حتى مات، فلا يخلو من أن تكون سكناه في جميع الهبة أو بعضها.
فإن سكن في جميع الدار وأشغل جميع أرجائها لحق نفسه، فالهبة باطلة قولًا واحدًا.
فإن سكن في بعضها، وحاز البعض للولد.
فإن سكن النصف، وحاز النصف بطل ما سكن، وصح ما لم يسكن، ولم أر في هذا الوجه نص خلاف.
وإن سكن الأكثر وحاز الأقل أو سكن الأقل وحاز الأكثر؛ فأما الأكثر فلا خلاف أنه يمضي إن حيز، ويبطل إذا لم يحز، واختلف في القليل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأقل تبع للأكثر في الحبس والصدقة، وهو قول ابن القاسم، وأشهب.
والثاني: أن الأقل له حكم نفسه؛ فيصح إن حيز، وإن قلّ ويبطل الباقي، وإن سكنه بطل، ويصح الأكثر المحاز، ولا فرق بين الصدقة والحبس.
стр. 3897
والثالث: التفصيل بين الصدقة والحبس، فالأقل تبع للأكثر في الحبس، وأما في الصدقة فالأقل معتبر في نفسه، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الأتباع هل تراعى أم لا تراعى؛ فمن راعاها أعطاها حكم نفسها، ومن لم يراعها أعطاها حكم المتبوع.
فأما إن جعل ذلك الأب بيد من يحوزه للولد إلى أن يبلغ مبلغًا يحوز فيه لنفسه، ورفع يده عن الهبة ومكنها من الحائز، فذلك جائز باتفاق المذهب، وهو الأحسن من كونها بيد الأب؛ لأن ذلك موافق للأثر الوارد عن عمر ﵁ في قوله: ما بال رجال ينحلون أولادهم -وفي رواية: أبناءهم- نحلًا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدًا, ولو مات هو قال: لأني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلته إياه.
فكان حمل هذا الأثر على عمومه أولى، إلا أنا خصصناه بخبر عثمان ﵁، وحملنا خبر عمر ﵁ على ما لا يعرف بعينه، ولا يتمكن فيه حيازة الأب كالدنانير والدراهم؛ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
فإن تصدق على أن يحوز ذلك غيره، فأبقاها الأب في يده إلى أن مات، فالهبة باطلة [لأنه لم يكل ذلك إلى حوزه ولا أخرجها من يده، فإن جعلها في يد غيره، ثم ارتجعها فلا يخلو من أن يشهد على ذلك أو لم يشهد، فإن لم يشهد فالهبة باطلة] (٢).
وإن أشهد أني إنما ارتجعتها لأحوز لابني، هل يجوز ذلك أم لا؟
стр. 3898
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك له.
والثاني: أنه ليس له ذلك إلا أن يظهر من الحائز ما يوجب إزالتها من يده.
وهذا الخلاف نقله التونسي.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الهبة مما يحول وينقل: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون مما يعرف بعد الغيبة.
والثاني: أن تكون مما لا يعرف بعد الغيبة عليه.
فأما ما يعرف بعد الغيبة عليه كالحيوان، والثياب، وسائر العروض، فلا يخلو من أن يتصدق عليه منها بشيء بعينه، أو يتصدق عليه منها بجزء أو بعدد غير معين.
فإن تصدق عليه بشيء بعينه؛ مثل أن يتصدق عليه بمائة شاة معينة من غنمه أو بعدد معين من جملة الثياب، والرقيق، وجميع الحيوان، والعروض، فالهبة في ذلك جائزة، والحوز فيها [كالحوز] (١) في الدور والأرضين بالإشهاد، والإعلان، ولا يستعمل الأب شيئًا من ذلك لنفسه، فإذا ركب الدواب، ولبس الثياب بطلت الهبة؛ لعدم الحوز لما ظهر أنه إنما يستعمل لنفسه؛ إذ المراد من الثياب لبسها، والدواب استعمال ظهورها.
فإن تصدق عليه بجزء مشاع أو بعدد غير معين؛ مثل أن يتصدق بربع غنمه أو ثيابه، أو رقيقه، أو بمائة غير معينة، هل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
стр. 3899
أحدهما: الجواز كالمعين.
والثاني: المنع؛ لتعذر حوز ما تصدق به [لشيوعه] (١) في جملة ما لم تقع فيه الصدقة.
والقولان عن مالك في "العتبية"، و"الموازية".
فأما ما لا يعرف بعد الغيبة عليه كالدنانير، والدراهم، والمكيل، والموزون من المأكول، وسائر العروض؛ فأما الدنانير والدراهم، فإنه يخرجها من يده، ويجعلها على يدي غيره؛ فبذلك يصح حوزها، فإن لم يخرجها من يده، وتولى هو حوزها حتى مات، فلا يخلو من أن يختم عليها أو لا يختم.
فإن لم يختم عليها، فالهبة باطلة قولًا واحدًا، سواء عينها أم لا.
فإن ختم عليها بمحضر الشهود، أو ختموا عليها الشهود أنفسهم، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه باطل كما لو لم يختم عليها، وهو قول مالك في "العتبية"، وبه أخذ ابن القاسم، والمصريون من أصحابه.
والثاني: أن العطية نافذة، وبه أخذ مطرف، وابن الماجشون، والمدنيون من أصحاب مالك.
ووجه القول الأول: مراعاة أصلها كونها لا تتعين في العقود، فلا تصح فيها الحيازة مع بقائها بيد المعطي كالتي لم يختم عليها.
ووجه القول الثاني: أنها وإن لم تتعين بالعقد، فإذا تميزت بالختم عليها صحت الحيازة فيها، وهو الأظهر في النظر الصحيح.
стр. 3900
فإن استرجعها الأب من عند من وضعها على يده [فمات] (١) وهي في يده، فلا يخلو من أن يكون لعذر أو لغير عذر.
فإن كان لعذر كسفر أراده، فلا يخلو من أن يمضي لها مدة تكون في مثلها الحيازة أم لا.
فإن مضت مدة تكون في مثلها الحيازة، فقبض الأب جائز.
وهل يجوز له الانتفاع بها أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: [جواز] (٢) الانتفاع [بها] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "العتبية": "كالدار تُحاز ببينة مدة سنة"؛ فتشبيه ابن القاسم العين بالدار يفيد جواز الانتفاع بالعين بعد القبض، ولا يبطل ذلك الهبة إن مات الأب.
والثاني: أن ذلك يبطل الهبة، وهو ظاهر قول مالك في "الموازية" في الذي تصدق بمائة دينار على ابنه الصغير، وجعلها بيد غيره، ثم تسلفها الأب، فمات أن ذلك باطل. وهو ظاهر قول مالك أن بطلان الهبة لأجل الانتفاع بها لا لأجل الارتجاع بدليل الدين؛ لأنه قال فيما إذا وهب له دينًا في ذمة رجل ثم اقتضاه الأب أن ذلك لا يبطل الهبة.
فإن استرجعها قبل أن تمضي مدة تكون في مثلها الحيازة، فإن وضعها على [يد] (٤) غيره، فالهبة جائزة اتفاقًا، فإن حبسها عند نفسه، فإنه يتخرج على التفصيل، والخلاف الذي قدمناه بين أن يختم عليها، أو لا
стр. 3901
يختم.
فإن استرجعها لغير عذر، فلا يخلو من أن يسترجعها لينتفع بها أم لا.
فإن استرجعها ينتفع بها، وكان ذلك بعد مضي مدة تكون فيها حيازة، فإنه يتخرج على قولين:
فظاهر قول ابن القاسم الجواز.
وظاهر قول مالك المنع.
فإن استرجعها قبل مضي المدة، فالهبة باطلة بالاسترجاع، إذا مات وهي بيده قولًا واحدًا.
واختلف إذا وهب له دينًا في ذمة غيره ثم اقتضاه الأب، ولم ينتفع به، هل تبطل الهبة [أم لا] (١)؟ على قولين:
أحدهما: أن الهبة جائزة، ولا يبطلها قبضه؛ لأنه لم يشترط في أصل الهبة حوز من عليه دين، وهو قوله في "الموازية".
والثاني: أن قبضه يبطل الهبة، وهو قول أشهب، وابن وهب في "العتبية".
فأما المكيل والموزون من المأكول وغيره من سائر العروض، فلا يخلو من أن يضعها على يد غيره أو وضعها عنده.
فإن وضعها على يد غيره، فالهبة جائزة قولًا واحدًا.
وإن وضعها عند نفسه، فلا يخلو من أن يكون قد ختم عليه أم لا.
فإن لم يختم عليه، فلا خلاف في البطلان.
فإن ختم عليها ووضعها في موضع يمكن الإشهاد عليه؛ لتمييزه من
стр. 3902
غيره، فقد اختلف أصحابنا في ذلك على قولين:
أحدهما: أنها كالدنانير والدراهم، وأن الخلاف الجاري فيها يجري في المكيل والموزون.
والثاني: أن الخلاف لا يدخلها، وأنها بعد التمييز، والإشهاد عليها تكون كالعبد والثوب، وهو قول أبي بكر الأبهري، ويحتمل أن يكون الفرق بينهما على هذا القول أن الدنانير، والدراهم لا تتعين في العقود، والمكيل والموزون من الطعام وغيره، فلا يتعين بالعقد، لكونه مرادًا لعينه.
فإن باع الأب ما تصدق به من دار أو غيره، هل ينتقض فيه البيع أم لا؟
فلا يخلو من أن يبيعه قبل الحوز [أو بعده، فإن باعه قبل الحوز] (١) مثل أن تكون دارًا فباعها قبل أن يخرج منها، فلا يخلو من أن يبيعها باسمه، أو باسم ولده أو جهل الأمر.
فإن باعها باسمه، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك في حياته أو بعد مماته.
فإن عثر على ذلك في حياة الأب، فالبيع مردود.
وإن لم يعثر على ذلك حتى مات الأب، بطلت الهبة أو الصدقة.
فإن باعها باسم الابن أو جهل الأمر، فالصدقة جائزة والبيع نافذ، والثمن للابن سواء قبضه الأب أم لا. وهو قول أصبغ في "الواضحة".
والذي قاله فيه نظر؛ لأن الأب لا يخلو من أن يقبض الثمن أم لا.
فإن قبضه فكأنه تصدق بالعين، والأب لا يحوز العين على ما قدمناه من التفصيل، والتحصيل إلا على القول باعتبار الختم عليها
стр. 3903
بالإشهاد، ويقال: إنه لما باع صار كأنه تصدق بالدين الذي في الذِّمة، فلا يضره أن يقبضه بعد ذلك على أحد القولين، وقد قدمناهما.
فإن لم يقبضه فيحمل على أنه تصدق عليه بدين في ذمة، والذمة حائزة [لما] (١) فيها، فإن باعها بعد الحوز، وخروجه منها، قال أصبغ: البيع مردود باع لنفسه أو لولده.
أما إذا باع لنفسه وباسمه، فالحق كما قال، وأما إذا باعها باسم الولد، فكيف يقول بانتقاض البيع، اللهم إلا أن يرى أن تصرف الأب في ماله ابنه الصغير كتصرف الوصي في تعقب نظر الحاكم فعليهما، وقد اختلف المذهب على قولين:
أحدهما: أن فعل الأب ماض وبيعه [لريع] (٢) ابنه الصغير جائز، ولا يتعقب فعله نظر، وهو المشهور من المذهب بخلاف الوصي.
والثاني: أن تصرفه فيما له بال من مال ولده بالبيع كبيعه ذلك من غير حاجة كتصرف الوصي يتعقبه النظر، وهو قول أصبغ في هذه المسألة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الأول" في وضع الأب من الصداق عند العقد وبعده [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 3904
المسألة الثالثة في اعتصار الهبة، ومن يجوز له أن يعتصر
ومعنى الاعتصار: الرجوع فيما وهب.
وقد اختلفوا في الجد والجدة، هل يعتصران أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن لهما الاعتصار كالأب، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في "الموازية".
والثاني: عدم الاعتصار لهما، وهو قوله في الكتاب، وهي رواية ابن وهب عن مالك في "الموازية".
ولا خلاف في جوازه للأب على شروط سنذكرها, لقوله ﷺ في حديث طاوس: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد" (١).
وهل يجوز قياس الأم على الأب أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأم تقاس على الأب؛ فيجوز له الاعتصار، وهو مشهور المذهب، وهو قوله في "المدونة".
والثانى: أنها لا تقاس على الأب، وأنها لا يجوز لها الاعتصار، وهي رواية عن مالك على ما نقله الحفيد في "كتاب النهاية".
فإذا ثبت ذلك، فلا تخلو الهبة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة، فللأب الاعتصار مع سلامة الابن في ذاته وذمته.
стр. 3905
فإن كان مشغول الذات [سليم] (١) الذمة مثل أن يكون مريضًا، فإن الأب يمنع من الاعتصار [لحق] (٢) من يرث معه، وكذلك إذا مرض الأب، فلا اعتصار له؛ لأنه إنما [يعتصر] (٣) لغيره كانتزاعه مال مدبره أو أمّ ولده.
فإن صح الأب أو الابن من ذلك المرض، هل يصح له الاعتصار؟ قولان:
أحدهما: أنه [لا] (٤) يصح له، وهو قوله في النكاح، والدين، وهو مذهب "المدونة"، وبه قال أصبغ، وابن حبيب.
والثاني: أن له أن يعتصر لزوال المانع، وهو قول قياسي، والأول نقلي، وهو قول ابن القاسم، والمغيرة، وابن دينار في "النوادر".
فإن كان الولد سليم الذات مشغول الذمة إما بالمداينة، وإما بوظيفة التزويج.
أما الابنة فلا اعتصار للأب فيما وهب لها إذا تزوجت قولًا واحدًا [لحجة] (٥) الزوج أن يقول: إنما تغاليت في صداقها لأجل مالها.
وأما الذكر ففيه قولان:
أحدهما: أن الأب يمنع من الاعتصار، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن له الاعتصار، ولا يمنعه التزويج بخلاف الأنثى؛ لقدرة
стр. 3906
الزوج على الخروج مما دخل فيه، وهذا نص قول ابن دينار في الواضحة، وما أدري ما وجه قوله؛ إذ لا يقدر على الخروج إلا بغرم؛ فأشبه ما لو تداين.
وأما مداينتهما، فإنها تمنع الأب الاعتصار قولًا واحدًا.
فإذا زال المانع، هل يعود الاعتصار إلى الأب؟
فالنقل أن الاعتصار لا يعود إليه، والقياس أن يعود إليه لزوال المانع.
وأما الأُم، فعلى القول بأنها تعتصر، فإنها كالأب في جميع ما ذكرناه في حياته.
وأما بعد مماته ففيه [تفصيل] (١) فإذا وهبته الأُم، ثم مات الأب قبل بلوغهم أو وهبتهم بعد موت الأب، فلا يخلو من أن يكونوا فقراء أو أغنياء.
فإن كانوا فقراء، فلا اعتصار لها قولًا واحدًا؛ لأن ذلك على معنى الصدقة [والصدقة] (٢) ليس للأم اعتصارها بوجه.
وإن كانوا أغنياء، ففيه قولان:
أحدهما: أن [ليس لها] (٣) الاعتصار كما لو كانوا فقراء، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن لها الاعتصار، وهو قول أشهب، وكأنه يرى أن ما كان على وجه الإرفاق، وهو الذي لا يعتصر.
فإن وهبتهم الأم في حياة الأب، ثم مات الأب بعد بلوغهم ورشدهم
стр. 3907
جاز لها أن تعتصر؛ لأنه لم يمر بهم وقت يمنعها العصرة [فيها] (١).
فإن كانت [الهبة] (٢) فلا يخلو [فواتها] (٣) من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون بحوالة سوق.
وإما بتغيير الذات بزيادة أو نقصان.
وإما بعتق أو وطءٍ إن كانت أمة.
فأما حوالة الأسواق، فلا تمنع العصرة قولًا واحدًا.
وأما الإيلاء، والتدبير، والعتق، فإنه يمنع العصرة قولًا واحدًا.
وفي الوطء قولان:
أحدهما: أنه يمنع الاعتصار، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يمنع الاعتصار، وتستبرأ؛ فإن كانت حائلًا أخذها الأب، وهو قول المخزومي في "الموازية".
وأما تغيير الذات بزيادة أو نقصان، هل يمنع الاعتصار أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يمنع الاعتصار، وهو قول مطرف، وعبد الملك.
والثاني: أنه [يمنعه] (٤)، وهو قول أصبغ، وهو ظاهر المدونة.
وأما الصدقة، فهل يجوز للأب اعتصارها من الابن أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
стр. 3908
أحدها: أن الرجوع فيها لا يجوز إلا من ضرورة مثل أن تكون أمة فيتبعها نفسه، أو يحتاج فيأخذ منها لحاجته، وهو ظاهر قوله في "المدونة"
والثاني: أن الرجوع فيها بالبيع، والهبة جائز له، وأن الاعتصار يجوز له، وهو قول مالك في سماع العتبية؛ لأنه أجاز أن يأكل مما تصدق به على ابنه الصغير, وذلك لا يكون إلا على معنى الاعتصار؛ لأن الصغير لا يصح منه إذن.
والثالث: أن الرجوع فيها ممنوع من كل وجه.
والأقوال الثلاثة مروية عن مالك [﵀، والحمد لله وحده] (١).
стр. 3909
المسألة الرابعة فيمن تصدق بأرض، وبها بئر، أو عين لم يذكرها في حين الصدقة
ولا تخلو العين، أو البئر من وجهين:
أحدهما: أن تكون داخل الأرض أو خارجها.
فإن كانت داخل الأرض التي تصدق بها، فلا يخلو المتصدق من أن يكون قادرًا على سقي الأرض بمائه، ويسوقه إليها من موضعه، أو قدر على استخراج العين، أو حفر بئر يغنيه عن مال المتصدق، أو لا يقدر على شيء من ذلك.
فإن لم يقدر على شيء من ذلك، فالشرب داخل في الصدقة قولًا واحدًا، ولا يقبل للمتصدق [قول. وإن قدر على ذلك، وكان له غنى عن بئر المتصدق، أو عينه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المتصدق] (١) عليه أن الماء داخل في الصدقة مع الأرض إلا أن يتبين حين الصدقة، أنه لم يتصدق به، وهو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثانى: أنه إن كان له عنه غنى بوجه من الوجوه بماله فيها أو خارج عنها، فلا شيء للمتصدق عليه في [ماء] (٢) المتصدق, فإن لم يكن له غنى بوجه، ولا على كل حال، فالماء مع الأرض للمتصدق عليه، وهو قول أصبغ في "العتبية" و"الموازية".
стр. 3910
والقول الأول أظهر؛ لأنه كبناء فيها، وهو ظاهر "المدونة"، وإن كان الماء خارجًا عنها، فلا يخلو من أن يتصدق عليه بناحية من الأرض التي فيها البئر، والبئر في ناحية أخرى، أو يتصدق بالأرض، والبئر في أرض أخرى.
فإن تصدق عليه بناحية من الأرض، والبئر في ناحية أخرى منها قولان:
أحدهما: أن المتصدق يحلف، ويكون القول قوله، ولا يدخل الشرب في الصدقة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثاني: التفصيل بين أن يكون له عنه غنى، أو لا غنى له عنه، كما قدمناه عن أصبغ.
وقول أشهب في هذا الوجه أصوب.
فإن تصدق بأرض، والبئر في أرض أخرى، وهي خارجة عن الأرض المتصدق بها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المتصدق مع يمينه أن الماء غير داخلة في الصدقة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: على التفصيل المتقدم. وهو قول أصبغ.
فلو اشترى أرضًا ونصفها شائع، فادعى البائع مثل هذا، وقال: بعتها على أن يسقيها بماء من عنده، وكذبه المبتاع، فإن كان الماء في الأرض، فالمبتاع مصدق -كان له ماء، أو لم يكن.
فإن لم يكن الماء فيها، وإنما يأتيها الشرب من غيرها، فهو للمشتري أيضًا إلا أن يرى لدعوى البائع وجه، مثل أن يكون للمبتاع أرض تليها لها ماء يصرفه إليها، فيضم الأرض إلى الأرض، وتكون واحدة أو تكون مثلها
стр. 3911
تحفر فيها الآبار، وكان المشترى مشاعًا، فإنهما يتحالفان.
وما كان على غير هذا، فالماء للمشتري، وإن كان الماء [في] (١) غيرها تحالفا وتفاسخا، وهو قوله في "الموازية".
ولو تصدق عليه ببيت من داره، ولم يُسَم له مرفقًا، فليس للمتصدق أن يمنعه من مدخل، ومخرج، ومرفق من بئر ومرحاض، وإن لم يُسَمه في الصدقة، وليس له أن يقول: افتح بابك حيث شئت، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
ولو تصدق عليه بثلث داره، وفيها طوب وخشب موضوع، فطلب المعطي ثلثه، ومنعه الورثة فليس له في الطوب والخشب شيء، وهو قول ابن القاسم [والحمد لله وحده] (٢). تم الكتاب.
стр. 3912
كتاب الهبات
стр. 3913
كتاب الهبات
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى في جواز الهبة للثواب
والأصل في جوازها على الجملة قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ (١) الآية؛ وهو أن يعطي الرجل الرجل الشيء ليعطيه أكثر منه، فلما [أجزم] (٢) تعالى أن من أعطى [عطية] (٣) يبتغي بها النماء، والزيادة في ماله من مال المعطى له أن ذلك لا يربو عند الله تعالى [ولا يزكو لديه كل ذلك على أنه ليس بعطية إلا ما قصد به من الزيادة في ماله، أو الثواب من المعطي لا من الله تعالى] (٤) وأن ذلك جائز، فليس لمن أعطى عطية للثواب في عطيته أجر، ولا عليه فيها وزر، وهي من قبيل الجائز المباح لا من قبيل المندوب [والمرغوب] (٥) فيه، وهو مما أباحه الله تعالى لعباده وحرمه على نبيه ﷺ إكرامًا له وتنزيهًا، وترفيعًا لشأنه، فقال تعالى: ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)، أي: لا تعطي لتعطى أكثر منه؛ لأن ذلك تعريض للمسألة، والمسألة مكروهة مذمومة، وقال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره خيرًا له من يأتي رجلًا أعطاه الله
стр. 3914
من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه" (١).
فإذا ثبت ذلك، فلا تخلو الهبة للثواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهب على ثواب، فيسميه ويشترطه.
والثاني: أن يهب على ثواب يشترطه ولا يسميه.
والثالث: أن يهب على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اشترط الثواب، وسماه فهذا حكمه حكم البيوع؛ يحله ما يحل البيوع، ويحرمه ما يحرم البيع، ولا خلاف -أعلمه- في المذهب في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشترط الثواب، ولم يسمه هل له حكم البيع أو حكمه الهبة للثواب؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن حكمها حكم الهبة الصحيحة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن حكمها حكم البيع، ثم لا يجوز؛ لأن ذلك غرر، وخطر، وكأنه باع منه السلعة بقيمتها، وهو قول ابن الماجشون. والأول أظهر.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا وهبه على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتصادقا على أنه أراد الثواب.
والثاني: أن يكذبه الموهوب له.
فإن صدقه الموهوب له يخير في ذلك بين القبول والرد، فإن قبلها كان
стр. 3915
كنكاح التفويض عند ابن القاسم، ويخير الموهوب له ما دامت الهبة قائمة لم تفت بين أن ينيبه ما يكون فيه وفاءً بقيمة الهبة أو يردها [عليه] (١) ولا تجب عليه القيمة إلا بالفوت.
وعلى قول مطرف [وروايته] (٢) عن مالك أنه لا يلزم الواهب الرضا بقيمة الهبة إلا بعد فواتها كقول ابن الماجشون في نكاح التحكم أنه لا يلزم المرأة الرضا بصداق المثل إذا حكم به [إلا بعد الدخول خلاف مذهب ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأصبغ في قولهم: إنها يلزمها الرضا بصداق المثل إذا فرض لها] (٣) كنكاح التفويض سواء.
واختلف في الفوات الذي يلزم به الموهوب له القيمة على أربعة أقوال:
أحدها: أن القبض فوت يوجب القيمة على الموهوب له، وهو قول مالك في رواية [ابن عبد الحكم] (٤)، وأنه ليس له أن يردها إلا عن تراضٍ منهما جميعًا عنده.
والثانى: أن حوالة الأسواق [فيها] (٥) فوت، وهو قول ابن القاسم في "الموازية"، وهو قول مالك في العوض في "كتاب الاستحقاق" من "المدونة": أنه يفيتها حوالة الأسواق، ولا فرق بين العوض والهبة.
والثالث: أنه لا يكون فيها فوت إلا الزيادة والنقصان. وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"العتبية".
والرابع: أنه لا يكون فيها فوت إلا النقصان، وأما الزيادة فليست
стр. 3916
بفوت، وهي إحدى روايتي عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
وهذا الخلاف فيما تجب به القيمة على الموهوب له.
واختلف فيما يجب على الواهب أخذ القيمة، ويلزمه قبوله من الموهوب له إذا أبدلها له، ولا يكون له أن [يسترد] (١) هبته إذا لم يرض منه على أربعة أقوال:
أحدها: أنه نفس الهبة وقبولها يوجب على الواهب قبض القيمة فيها من الموهوب إذا أبدلها له، وإن لم يقبض الهبة.
والثاني: أن القبض يوجب عليه قبض القيمة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثالث: أنه التغيير بزيادة أو نقصان، وهو قوله في "كتاب الشفعة" من "المدونة".
والرابع: أنه فوت عين الهبة جملة، إما بفوات حسي كالموت والاستهلاك، وإما بفوات معنوي كالعتق، والإيلاد.
أما القول الأول والثاني فاختلافهما ينبني على الخلاف في الواهب، هل يلزمه دفع الهبة قبل أن يدفع إليه العوض أم لا؟؛ فمن رأى أنه يلزمه أن يدفع إليه الهبة قبل أن يقبض الثواب، قال: يلزم الواهب قبل القيمة بنفس الهبة، ومن رأى أن له أن يحبس الهبة حتى يقبض الثواب، وهو نص قول ابن القاسم "كتاب الهبة" من "المدونة" قال: لا يلزمه إلا بعد قبض الهبة منه.
فعلى القول بأن الواهب يلزمه تسليم الهبة قبل أن يقبض الثواب كان ضمانها بعقد الهبة من الموهوب له على كل حال، ولا يدخل فيها من
стр. 3917
الخلاف ما يدخل في المحبوسة بالثمن، وتلزمه القيمة إن فات يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق المذهب.
وعلى القول بأنه لا يلزمه تسليم الهبة أولًا، وأن له أن يمسكها بالثواب، فالاختلاف في مصيبتها ممن تكون قبل القبض كالاختلاف في المحبوسة بالثمن، هل هي من البائع أو من المشتري، وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الضمان فيها من البائع على كل حال؛ لأن عليه [فيها] (١) حق التوفية.
والثاني: أنه من المشتري سواء كان مما يغلب عليه أم لا، وهو أحد قولي مالك في "كتاب العيوب" من "المدونة"، وعليه يأتي قول الغير في "كتاب الرواحل، والدواب" في دعوى البائع هلاك ما اشترط الانتفاع به في البيع: أنه مصدق، وإن كان بعضهم قد تأول أنه بناه على أن المستثنى مشترى فكأنهما انفصلا، وبأن المشتري بالسلعة ثم اكتراها منه البائع بعد ذلك؛ فوجب أن يصدق في دعوى تلف ما اكتراه.
وليس هذا بصحيح؛ لأنهما لو كانا قد انفصلا لجاز أن يشترط منفعته شهرًا أو أكثر، وهو لم يجز ذلك إلا فيما قلّ كاليوم واليومين.
والثالث: التفصيل بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب عليه، وهو قول ابن القاسم.
واختلف أيضًا على هذا القول متى تكون القيمة في الهبة إذا فاتت على قولين:
أحدهما: [أنها] (٢) تجب يوم الهبة، وهو قول مالك، وابن القاسم،
стр. 3918
وأصبغ في العتبية، ومثله في آثار "كتاب الحبس" من "المدونة".
والثاني: أنها تجب يوم القبض، وهو قول ملك في "موطئه" ومثله في "كتاب الشفعة" من "المدونة".
واختلف [في] (١) ما الذي يجبر الواهب على قبوله من الثواب إذا عوضه الموهوب له على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن للموهوب له أن يثيبه بما شاء من العروض مما فيه وفاء بقيمة الهبة، ويجبر الواهب على قبوله ما لم يكن من العروض التي يتعاطاها الناس فيما بينهم في الثواب كالحطب، والتبن، وما أشبه ذلك، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ولا فرق عنده بين أن يكون ذلك قبل الفوات أو بعده؛ إذ لم يفرق بين ذلك في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يعطيه في الثواب إلا الدنانير والدراهم، إلا أن يتراضيا على غير ذلك، وهو قول أشهب، ويلزم على قوله إذا تراضيا على غير الدنانير، والدراهم ألا يجوز على مذهبه إلا بعد معرفتها بالقيمة.
والثالث: أن له أن يثيبه بما شاء من العروض إن كان فيه وفاء بالقيمة، ولا فرق بين الحطب وغيره، وهو قول سحنون.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثالث: إذا كذب الموهوب له الواهب في أنه أراد بهبته الثواب، فلا يخلو [الأمر] (٢) إلا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يرى أنه إنما أراد بهبته الثواب.
والثاني: أن يرى لم يرد [بها] (٣) الثواب.
стр. 3919
والثالث: أن يجهل أمره، ولا يتبين مراده، هل كان للثواب أم لا.
فإن رأى أنه أراد به الثواب، فحكمه كحكم الهبة للثواب، وقد تقدم الكلام [فيه] (١).
وإن رأى أنه لم يرد به الثواب، فلا ثواب له [فيها] (٢).
فإن لم يتبين مراده فيها، فالقول قوله أنه أراد [بها] (٣) الثواب؛ قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 3920
المسألة الثانية فيما يجوز أن يعاوض به في هبة الثواب
ولا تخلو الهبة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كان قائمة، فلا يخلو ما عوضه به من أن يكون من جنس الهبة، أو من غير جنسها.
فإن كان من جنسها، فلا يخلو من أن تكون الهبة ذهبًا، أو فضة، أو تكون عروضًا.
فإن كانت ذهبًا أو فضة، فلا تخلو من أربعة أوجه:
إما أن يثيبه مسكوكًا عن مسكوك، أو متبورًا عن متبور، أو مصوغًا عن مسكوك، أو مسكوكًا عن مصوغ.
أما ثواب العين عن العين، فإن كان مثله عددًا أو وزنًا وصفة، فذلك جائز قولًا واحدًا، ويكون سلفًا، وفي الأكثر لا يجوز قولًا واحدًا، وفي الأقل قولان:
إن كان يدًا بيد كانت فضة بفضة غير متماثلة.
وإن كان بعد التفرق دخله ربا التفاضل، وربا النسيئة مع ما في ذلك من ضمان يجعل على القول بأن للعين فيه ضمان يجعل.
وكذلك الحكم في المتبور عن المتبور، وأما إذا عاوضه مصوغًا عن مسكوك، فقد اختلف المذهب في جواز هبة الدنانير والدراهم على عوض، على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو الأظهر؛ لأن القيمة إنما تكون
стр. 3921
بالعين التي هي أصل في الأثمان، وقيمة للمتلفات، فإذا عادت الهبة عينًا، فإنما تكون قيمتها من أصناف العروض، فتثبت في الذمة غير مؤجلة، ولا موصوفة؛ وذلك يمنع صحة البيع، وما كان في معناه [مما يفتقر] (١) إلى العوض؛ فكأن الدنانير والدراهم بيعت بما لا يعرف من أصناف العروض.
وهو قول مالك، وابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في الموازية، وهو ظاهر قول مالك في المختصر حيث قال: لا ثواب في الدنانير والدراهم إلا أن يكون لذلك وجه.
فعلى القول بالجواز، فما الذي يجوز أن يعاوض به عنه؟
أما العروض: فلا إشكال في جوازها على اختلاف أصنافها، وتباين صفاتها.
أما الحلي المصوغ، فهل تجوز المعاوضة به عن العين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول أشهب.
والثاني: المنع، وهو قول ابن المواز.
والقولان منصوصان في "كتاب محمَّد" في [أخذ] (٢) العين عن هبة الحلي، وهو الوجه الرابع والذي يقول: إنه يجوز أن يعاوض عن الذهب ورقًا، وعن الورق ذهبًا إذا كان يدًا بيد، فإن كان بعد التفرق، فهذا الذي ينبغي أن يكون فيه الخلاف لما كانت الهبة مكارمة، فيجوز على قول؛ لأنهما لم يقصدا إلى المكايسة، فإن كانت الهبة عروضًا، وعاوضه من
стр. 3922
جنسها، فلا يخلو من أن يكون مما فيه الربا، أو مما لا ربا فيه.
فإن كان مما فيه الربا: أما ربا التفاضل، فيجوز فيه المثل، والأقل قبل التفرق، ولا يجوز الأكثر، وأما ربا [النسيئة] (١) فيجوز فيه المثل، والأقل، والأكثر قبل التفرق قولًا واحدًا، وبعد التفرق قولان؛ لأن الطعام المكيل، والموزون والمعدود يسمى عروضًا.
وأما ما لا ربا فيه، فإنه يجوز كيف ما قدر وصور في الأقل والأكثر قبل الافتراق وبعده؛ إذ لا علة [تتقي] (٢) مع قيام الهبة.
وكذلك الحكم إذا كان العوض من غير جنسها.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا [فاتته] (٣) الهبة ووجبت قيمتها على الموهوب له، فلا يخلو ما عاوضه به من أن يكون معينًا أو يكون ثابتًا في الذمة.
فإن كان شيئًا معينًا، فلا يخلو من أن يكون مما يتعجل قبضه أم لا.
فإن كان مما يتعجل قبضه في الحال [فالجواز] (٤) اتفاقًا.
فإن كان مما لا يتعجل قبضه في الحال كخدمة عبد أو سكنى دار، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
الجواز لأشهب.
والمنع لابن القاسم.
والتفصيل بين أن يشرع في السكنى، فيجوز أو يتراخى، فلا يجوز،
стр. 3923
وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحوالة" أيضًا.
فإن كان ثابتًا في الذمة؛ مثل أن يعاوضه دينًا له على رجل حاضر مَلِي، فإن حَلّ الدَّين، وكان مما تقوم به الهبة، وقبضه في الحال جاز قولًا واحدًا.
وإن تراخى القبض أو لم يحل الدين، فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز"؛ لأنه من باب الحوالة إذا كان الدَّين مثل القيمة التي وجبت له أو أقل، فإن كان أكثر كان سلفًا بزيادة.
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه دين بدين، وهو قول ابن القاسم وأشهب في "الموازية".
وأكثر هذه المعاني تقدم ذكرها في "كتاب البيوع".
تم الكتاب بحمد الله تعالى يتلوه "كتاب الوصايا الأول".
стр. 3924
كتاب الوصايا الأول
стр. 3925
كتاب الوصايا الأول
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشر مسائل:
المسألة الأولى فيمن أوصى ببيع عبده أو شراء عبد غيره
فأما وصيته ببيع عبده، ففيه ستة أسئلة:
الأول: أن يقول: بيعوا عبدي من فلان.
والثاني: أن يقول: بيعوا عبدي ممن يعتقه.
والثالث: أن يقول: بيعوا عبدي، ويسكت.
والرابع: أن يقول: بيعوا عبدي ممن [أحب] (١).
والخامس: أن يقول: بيعوا عبدي ممن أحب للعتق.
والسادس: أن يقول: بيعوا عبدي لفلان للعتق.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال: بيعوا عبدي من فلان، فإنه يعرض عليه بقيمته، فإن لم يرض، فإنه يوضع له من الثمن إلى مبلغ ثلث قيمته.
فإن امتنع من شرائه بعد وضيعة الثلث، فلا يخلو من أن يطلب الحطيطة من الثلثين الباقيين أم لا.
فإن طلب الوضيعة من الثلثين، فهل يساعد بمطلوبه أم لا؟
فالمذهب على قولين: