← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

مردودة". والثاني: أنها نافذة للمساكين، وهذا قول عبد الملك. وسبب الخلاف: هل النظر إلى مقصود المُوصِي، فتنفُذ الوصية للمساكين أم النظر إلى لفظهِ، فترجعُ ميراثًا؟ وأمّا لفظُ الوقف: [فقد اختلف فيه متأخرو الأصحاب على قولين: أحدهما: أن لفظ الوقف يفيد التأبيد كان لمعين أو مجهول، أو محصور، وهذا القول حكاه البغداديون. والثاني: مساواة لفظ الوقف] (١) ولفظُ الحبس: ويدخل الخلاف في لفظ "الوقف" في [الوجه] (٢) الذي دخل ما في لفظ الحبس، وهذا القول حكاهُ المغارِبة من المالكية. وأما لفظ الصدقة: فلا يخلو من أن يجعلها لشخص معينٍ، أو لمجهولين غير محصورين، أو يجعلها في مجهولين محصورين، مما يُتوقع انقطاعهم: [فإن] (٣) جعلها لشخصٍ معينٍ كقولهِ [صدقةٌ] (٤) لِزيد. أو على مجهولين غير محصورين ممّا لا يُتوقع انقطاعهم، كقولهِ: للمساكين، فإنّ ذلك يكون ملكًا لهم، ويُقسّم عليهم إن كان مما ينقسم أو قيمتُهُ بعد البيع إن كان مما لا ينقسم بين [من حضر] (٥) من المجهولين.

стр. 3852

وكان الحاضر [وقت] (١) القِسمة في حُكم المُعين؛ إذ لا يلزم انتظار جمع جميع المساكين وعمومهم, وذلك غيرُ مقدورٍ عليه، ويُحمل على أنهُ مقصد المُتصدّق. وأمّا أن يتصدق بها على مجهولين محصورين مما يُتوقّع انقطاعهم، كقوله: على ولدِ فلان، أو على فلان وولده، فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حبسٌ مُؤبد، لا يُباع، ويرجع بعد انقراضهم إلى أقرب بالمحبس [حبسًا] (٢) وهو قول مالك في المدونّة، ونصُّ رجاله فيها، وسواءٌ [قال] (٣): ما عاشوا أم لا. والثاني: أنهُ يرجع إلى المُحبس عليهم مِلكًا، وهي رواية أشهب عن مالك. والثالث: أن حكمه حكم العُمرى، ويرجع بعد انقراضهم إلى أولى الناس بالمُتصدق ميراثًا أو إليه إن كان حيًا [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 3853

المسألة الثانية في الشيء المُحبَس إذا خيف عليه الدمار، هل يجوز [بيعه و] (١) استبداله أم لا؟ ولا يخلو الشيء المُحبس من وجهين: أحدهما: أن يكون رياعًا. والثاني: أن يكون عُروضًا أو حيوانًا. فإن كان رياعًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الحاجة [دعت إلى بيعه] (٢). والثاني: ألا تدعو [إلى بيعه] (٣) الضرورة. فأمّا إذا دعت الحاجة إلى بيعه، وألحت إلى بيعهِ، وألّحت عليه الضرورة إلى استبداله، مثل: أن يكون الريع المُحبس بجوار مسجدٍ ضاق بأهلهِ، فاحتاج أن يُضاف إليه ليُوسَّع بها، فجائزٌ أن يباع ويُشترى بثمنه ريعًا مثلهُ يكونُ حبسًا، وهو قول سحنون في "النوادر"، وحكاهُ أصحاب المذهب قال: "وقد أُدخل في مسجد النبي ﷺ دورًا [حبسها] (٤) كانت تليه،" وحكى ابن حبيب مثل ذلك عن مالك أنه: جائزٌ للمسجد، ولطُرقِ المسلمين، يتوسَّعُون بذلك فيها، وهو نفعٌ عام للمسلمين، وقال مطَرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم: أنّ ذلك في مِثل

стр. 3854

جوامع الأمصار، فأمّا مساجد القبائل فلا، والذي قالوهُ هو المذهب. وقال إبراهيم بن المُنذر: أول مَن زاد في مسجد النبي ﷺ في قِبلتِهِ، ومِن ناحية دار مروان عمر بن الخطاب ﵁، وزاد في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورًا مُحبسة وغير مُحبسة، ودفع أثمانها إلى أهلها، ثم زاد عثمان ﵁ فيهما بعدهُ، وفَعَلَ كما فَعَلَ عمر ﵁، فَأَبَوْا مِن أخذ الأثمان وصاحوا، فأوْقَعَهَا عُثمان لهم، وأمر بحبسهم، واحتجَّ بفعلِ عمر. وأمّا بيعها لغير حاجة، ولا دعتْ الضرورة إلى ذلك، فالبيع في ذلك ممنوع قولًا واحدًا في المذهب، سواءٌ خرب أو كان قائمًا في موضع العُمران، أو تحوّلت عنه العمارة. وإن خرب وصار عَرْصَة، قال ابن القاسم: قال مالك: ولقد كان [البيع] (١) أمثل. وروى ابن وهب في "موطئه": أن ربيعة رخّص في بيع ريع حبس دُثِر وتعطّل، ويُعاوضُ بِثمنهِ في ريعٍ نَحوه في عمارةٍ تكون حبسًا، وذكرهُ سحنون في "آثار المُدوّنة" في "كتاب الحبس". وأمّا الوجهُ الثاني: إذا كان الشيءُ المحبوس حيوانًا وعُروضًا، فضعفت الدواب والعبيد، حتى بطُل ما يُراد منها، من النفع في استعمالها في الجهاد، والوجه الذي حُبس له، وبُلِيت الثياب حتى صارت خلقًا، فهل يجوز بيعها أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدونة" في "كتاب الحبس": أحدهما: أنّ بيعها جائز، وهو قولُ ابن القاسم.

стр. 3855

والثاني: أن بيعها لا يجوز، وهو قول غيره. فعلى القول بجواز البيع: فإنَّهُ يُباع، ويُشترى بثمنه مِثلُهُ إنْ كان فرسًا اشترى بثمنه فرس، وإن كان ثوب اشترى بثمنه ثوب، فإن لم يبلُغ ثمنهُ [قيمةُ مِثله] (١)، هل يَعانُ به في ثمنِ غيره أم لا؟ فأمّا الخيلُ: إذا عجز ثمنُهُ عن قيمة الفرس، فإنّهُ يُعانُ به في ثمن الفرس. وأمّا الثياب: فإنّهُ يتخرج فيها في الكتاب قولان: أحدهما: أنّ الثيابُ والخيل على سواء، وأنَّ ما وقعَ في الكتاب، إنما هو بحسب السؤال، ولو سُئل عن الثياب لقال فيها بمثلِ قولهِ في الخيل، وهو تأويل بعضهم. والثاني: أن ثمن الثياب إذا عجز عن قيمة الثوب، تَصدَّقَ به في السبيل، ولا يُعان به في ثمنِ ثوب، بخلاف الخيل، وهو تأويل بعضهم أيضًا، وهو أسعد بظاهر "الكتاب". والفرقُ بينهما على هذا التأويل: أنّ الخيلَ المقصودُ منها المنفعة [بها] (٢) في الغزو، فينبغي أن تُجعل أثمانها في مِثلها مهما قَدَرْ، ليُحيى قصد المُحبس. وأمّا الثياب، فالمقصود بها الانتفاعُ بأعيانها [للغزاة] (٣) فإذا بليت، وعُدِمَ الانتفاع بنفسها، أعطيت لهم أثمان ما بيع من خلقها، فينتفعون بها عوضًا عنها، وهذا الفرق لا بأس به.

стр. 3856

والفرق بين الرِّياع وغيرها من الحيوان والعُروض في: جواز بيع ما ضعفُ منها أن العروض والحيوان، لو لم يجز بيعها, لأدَّى ذلك إلى هلاكها، وانقراض أعيانها بالكُلية، وانقطاع مُراد المحبسِ منها، ما يحصُل له من الثواب؛ لأن الثواب إنما يُكتب لهُ مع دوام الانتفاع بها، فإذا عدم عينها، وانقطع الانتفاعُ المرادُ منها، فلا ثواب له، فبيعُهُ والشراءُ بثمنِهِ ما يُنتفع به في جنسهِ، والإعانة به في مثلهِ، يُحيي مراد المحبس. وأمّا الريع فإنّهُ وإن خرب واندرس، وصار قاعة، فلابد أن يقيِّض الله له مَنْ له رغبة في اكتساب الأجر، واقتراف الثواب في غالب الأحوال، فيبنيه ويحبسه حتى يُمكن الانتفاع به، ويعودُ إلى الحالةِ الأولى، ويكون أجرُهُ مُستدامًا لمُحبِسه ما دام الانتفاعُ به قائمًا، والحيوان والعروض بخلاف ذلك، مع ما في ذلك من السُنّة في إحباس السلف، وبقاؤها خراب دليلٌ على أنّ بيعها غير مستقيم [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3857

المسألة الثالثة في تفسير مسألة ولد الأعيان الواقعة في الكتاب واعلم أنها من المسائل التي يتَّسِع فيها المقال، ويتفرعُ فيها السؤال، ويدق فيها الفهم، ويتَّسع الوهم. وقد قال سحنون: إنها من [حِسانِ] (١) المسائل وقيل مَنْ يعرفُها، قال: وهي في أكثر الكُتب خطأ. وإنما قال ذلك [الدقة] (٢) معانيها، وغامض ما في تعريفها مِن خَفِيّ الفقه، ومِنْ حقّها وما بيَّن من ذلك ما حضرني، وبَلَغَتْهُ مَعْرِفتي، وبالله أستعينُ فيما أُحاولهُ مِنْ الشرح المُبين. فيمن حبس دينارًا في مَرَضه، على ولده وولدِ ولده، ولهُ أمٌ وزوجة، والثُلث يحملها، وترك من [البنين] (٣) ثلاثة، ومِن ولدِ الولد ثلاثة: فاعلم أنه لمّا حبسَ على ولده وولد وَلَده وأعْقَابَهُم، وكان الثلثُ يحمل ذلك، فكان في ذلك حبسٌ علىَ غير وارَثٍ، وهم ولد الولد، والعقِب وعلى الولد، وهم ورثة فنحن لا نقدر أن نبطل ما كان للولد من ذلك، وإن شاء ذلك بقية الوَرَثة؛ لأن [فيه] (٤) شرط لغيرِ وارثٍ من ولد الولد وما يتناسل من الأعقاب، فلم يكن لنا بُدٌ مِن إيقاف ذلك على معاني الإحباس، إلا أن ما صار من ذلك بيد ولد الأعيان قام فيه وَرَثةُ الميت من أُمٍ وزوجةٍ وغيرهم؛ إذ لا حُجة لورثةِ الميت على ولد الولد؛ إذْ ليسوا

стр. 3858

بوَرَثة، ولا لهم إبطال ما صار لهم من الحبس، ليكون موروثًا بمِلك يتمول ويُباع، لما فيه من حقّ الأعقاب، وهو خارج من الثُلث. وإنّما لهم الحُجّة على ولد الأعيان، في الدخول معهم، في الانتفاع بما في أيديهم؛ إذ ليس لوارثٍ أنْ ينتفع دونَ وارثٍ معهُ، وإذا لم يملكوا [الرقاب] (١)، ويملكون المنافع شاركوهم بالميراث في تلك المنافع حتى يزول ذلك عنهم إلى غير وارثٍ، فتنقطع حُجّة الورثة من الانتفاع. ويَصيرُ حَبسًا [صِرفًا] (٢) لولد الولد إن عاشوا أو [للعقب] (٣) إنْ ماتوا، والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في بيان فقهها، وغاية أقسامهِ. والثاني: في بيان حسابها، ونهاية أبوابه. فالجواب عن الفصل الأول: في بيان [فقهها] (٤)، وغاية أقسامهِ: اعلم أن الزوجة أمٌ لجميع الولد [وعلى أن كل واحد من أعيان الولد] (٥) ولدًا واحدًا، وهم الثلاثة المذكورون، وعلى أن ولدِ الأعيان ذكور، ولو كان بعضهم إناثًا لم يدخل أبناء الإناث في الحبس، كما قال الشاعر: بَنُونا بَنُو أَبنائِنا وبناتنا ... بنوهُنّ أبناء الرجال الأباعدِ فتجرى المسألة على هذا النسق [صردًا] (٦) لسؤال الكتاب، وإيضاحًا لما احتوت عليه بواطن الأبواب، ويكونُ ذلك أسرع لفهم ذوي الألباب من

стр. 3859

الطُلَّاب، إن شاءَ الله رَبُّ العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من أربعة أوجهُ: أحدها: أن يموت واحدٌ مِن ولد الأعيان. والثاني: أن يموت واحدٌ من ولد الولد. والثالث: أن يحدث ولد لبعض ولد الأعيان، أو لبعضِ ولد الولد. والرابع: أن يموت بعضُ الورثة مِمن يأخُذ بالميراث خاصةً. فالجواب عن الوجه الأول: إذا مات واحدٌ من ولد الأعيان عن سهمه من أصل المسألة، هل تنتقض القسمة في جميع المُحبس أو لا؟ فلا يخلو الحبس من وجهين: أحدهما: أن يكون مما تُقَسَّم غلتهُ على مَن وُجد [حيًا] (١) يومئذٍ. والثاني: أن يكون مما لا تُقسّمُ غلتهُ، كالدُور [تسكن] (٢) والأرضين تزرع، فإنْ كان مما تُقسّمُ غلتهُ: فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنَّ القِسمة لا تنتقض في جميع الحبس، وإنّما يُؤخذ سهمهُ من أصل الحبس، وذلك [سدس] (٣) جميعهِ؛ لأنَّا نأخُذ ما بِيدهِ مِنْ والدهِ، ونُعيد إليه من قبل الأم والزوجة ما أخذنا منه، وهو سُدس سهمهِ وثُمُنه، فيعود سُدسًا كاملًا، ويُقال لهما: قد كُنتما تحتجّان عليه, بأنهُ يستأثر بذلك دُونَكُما، وأنتما وارِثَان معهُ، فلما مات لمْ يَبْقَ لكمَا حُجَّةَ في بقاء ما أخذتُما منهُ بأيديكما لقيامِ ولدِ الولد فيهِ بمعنى الحبس، ولا حُجَّة لكما على ولد الولد؛ إذْ هُم غيرُ ورثة، فيُقسم ذلك السُدُس الذي كان

стр. 3860

حظُّ الميت، مِن ولد الأعيان مِن أصل الحبس، على خمسةِ أسهُم، فالثلاثةُ أسهم لولدِ الولد مُضافة إلى ما بأيديهم مِن جدِّهم، وسهمَان لولدي الأعيان تقوم فيهما أُم الميت وزوجتُهُ، فيأخُذان الثُمُن والسُدُس منهما، ثمّ يُقَسَّم ما بقى من هذين السَهمين على ثلاثةِ أسهُم، فلِكُل واحدٍ من الحيين من ولد الأعيان منهم سهم، وسهمٌ لورثة الهالك من ولد الأعيان؛ لأنه يحيا بالذكر بين ولده وبقية من يَرِثُهُ إن كان، فيصير بيد ولده هذا نصيب بمعنى من الحبس من جدِّه في القسم الأول، والثاني نصيب بمعنى الميراث عن أبيه هذا الميت الثاني، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم فَي "العُتبية"، و"الموازية"، وهو ظاهر قوله في "المُدونَّة". والثاني: أن القسمة تنتقض في جميع الحَبس، ويردُّ كلَّ واحدٍ من ولد [الولد وولد] (١) الأعيان، والأُم، والزوجة، جميعَ ما في أيديهم، فيُقسم أصل الحبس على خمسةِ أسهم: فثلاثة منها لولد الولد، وسهمان لولدي الأعيان الباقين، تأخُذ زوجة أبيهما ثمنهما، وأُمَّهُ سُدُسها، والباقي يُقسَّم على ثلاثة أسهم: فسهمان للحيين، وسهمٌ لورثةِ الميت من ولد الأعيان، وهي رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، وبه أخذ ابن الموّاز. والثالث: أن القسْم [لا] (٢) ينتقض في جميع الحبس، وإنما تنتقض فيما بين ولدي الأعيان، وزوجة الميت الأول، [وأمُّهُ] (٣)، فإذا قُسِّم السُدُس الذي هو للميت من ولد الأعيان على خمسة أسهم، كما قال في القول الأول، فيَصير لولدِ الولد ثلاثة أسهم، ولولدي الأعيان سهمان،

стр. 3861

فإنّهُ يأخذ ما بيدِ كلِ واحدٍ من ولدي الأعيان، والأُم والزوجة من القسم الأول، فيُضاف بعضهُ إلي بعض، ثم أخرج ثمنهُ للزوجة، وسدسه للأم، ثمّ أحيى الميت الثاني بالذكر، ويُقسَّم الباقي على ثلاثة أسهم: لولدي الأعيان، وسهمٌ لوَرَثَة الميت الثاني، وهذا تأويل أبي إسحاق التونسي على المسألة. والرابع: أن القسم لا ينتقض إلا فيما بين ولدي الأعيان خاصةً، بحقِّ وَرَثةِ الميت منهم [فإذا أخذ سهمين من سدس الميت منهم] (١)، وتأخذ الأُمُّ والزوجة السُدُس والثُمُن منهما، فإن الباقي يُضَمُّ إلى ما بأيديهما قديمًا من القِسم الأول، فيُقسَّم على ثلاثة أسهم: سهمان لهذين الحيين، وسهمٌ للميت، يدخُلُ فيه جميع من يرثُهُ، وهذا القول حكاهُ ابن عبدوس عن سحنون. وفائدة الخلاف وثمرته: اعتبار مساواة وَرَثة الهالك من ولد [الأعيان] (٢) للحييِّن منهم فيما يصحُّ لكلِ واحدٍ منهم، هلَ [يُعتبر] (٣) أم لا؟ فَمَنْ اعتبرهُ قال: بانتقاض القِسمة، إمّا من أصلها كما قال سحنون، وابن القاسم في رواية يحيى، وإمّا بانتقاضها فيما بين ولدي الأعيان والزوجة، والأُم أو فيما بين ولدي الأعيان أنفسهما. وَمنْ لم يعتبر ذلك قال: لا تنتقض القسمة بوجهٍ، كما هو ظاهر "المُدونة"، ورواية عيسى في "العُتبية"؛ لأنَها [إذا] (٤) انتقضت تساوى ورثة الهالك مع ولدي الأعيان فيما يصحَّ لكلِ واحدٍ منهم.

стр. 3862

فإن لم تنتقض كان الحيّان مِن ولد الأعيان، يأخُذان أكثر مما يأخذ ورثة الميت منهم، وفي "فصل الحساب" يتبيّن ذلك، ويتضّح إن شاء الله تعالى. وأمّا ما يُقسّم أَصلُهُ دون غلّتِهِ: كالدور تُسكن، والأرض تُزرع، فلابد من نقض القسْم فيه، وهو قول سحنون في "كتاب ابن عبدوس"، وما قالهُ صحيح؛ إذْ لا يُتصور قسمة نصيب الميت من أصل الحبس إلا بذلك. والجواب عن الوجه الثاني: إذا مات واحدِ مِن ولدِ الولد بعد ذلك، وقد مات قبلَهُ أبوهُ مِنْ ولد الأعيان، هل ينتقض القَسْم بموتهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القَسْم ينتقض، فيُؤخذ ما بيدِ كُلِ واحدٍ من ولدي الأعيان وولدي الولد بمعنى الحَبْس والميراث، وما بيدِ الأُم والزوجة، فيُقسم جميع الحَبس على أربعة أسهم: سهمان لولدي الأعيان، يدخُلُ فيهما الأُم والزوجة على [ما فسّرنا] (١)، وسهمان لولدي الولد بمعنى الحبس، وهو قول سحنون، وابن عبدوس. والثاني: أن القسم لا ينتقض، وهو قول ابن القاسم، ووجهُ العمل في القسمة على هذا القول: أن يُؤخذ ما كان بيدِ هذا الميت مِنْ ولدِ الولد، وهو الخُمس المأخوذ في قِسمة الحبس عندَ مَوْت جدِّهِ، وعند موت أبيه بسبب موت أبيه دون ما بيده بالميراث عن أبيه فيُقسَّم هذا الخُمس على أربعة أسهم: لكل واحدٍ من ولدي الولد سهم، وسهمان للحيين من ولد الأعيان، وهل تأخُذ فيهما أُمُّ الجد، وزوجتُهُ السُدُس والثُمُن أم لا؟

стр. 3863

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهما يأخذان فيهما [الثمن و] (١) السُدُس، كما يأخُذان في موت واحدٍ من ولد الأعيان، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنهما لا يدخُلان فيهما، وهما لولدي الأعيان خُصوصًا، وهو قول سحنون. وينبني الخلاف على الخلاف: في السهميْن الراجعيْن إلى ولدي الأعيان، مِن خمس مَن هلك مِن ولد الولد، هل رجع إليهما بمعنى الوصية أو بمعنى مرجع الأحباس؟ فمن رأى أنّ رُجوعهما إليهما بمعنى الوصية، قال: تدخُل فيهما الأُم والزوجة بالثُمُن والسُدُس؛ إذ "لا وصية لوارث" (٢) ولا يصح أنْ يكون بمعنى المرجع؛ لأنّ مرجعَ الأحباس لا يصح أن يرجع مع وجود المُحبس عليهم [لأن حكم المحبس عليهم] (٣) إذا كانوا جماعة إنما يأخذون ما مات عنه بعضهم بأصل التخيير لا بمعنى المرجع؛ لأنَّ الميت قصدَ أن يكون للآخر منهم، بدليل أن لو كان المحبس عليهم أجنبيين, فمات بعضهم، لكان بقيتهم أولى بالحبس دون عصبة الميت، ولو كان نصيب مَنْ مات إنما رجع إليهم بمرجع الحبس لَوَجَبَ أنْ يكون قرابة الميت أوْلى مِن بقية الأجنبيين. فمن رأى أن [رجوعه] (٤) إليهما بمعنى مرجع الأحباس قال: لا

стр. 3864

تدخُل فيهما الأُمُّ والزوجة، وهذا القول أضعف القولين، والذي قاله ابن القاسم أصح، وعليه أكثر الرواة. فعلى القول بدخُول الأُم والزوجة فيهما بالثُمن والسُدس، فإنّ الباقي يُقسَّم على ثلاثة أسهم: سهمان لولدي الأعيان الحيين، وسهمٌ لورثة أخيهما الميت يدخُل في ذلك كلُّ مَنْ يرثُهُ، والأُم والزوجة إن كانتا لهُ، والباقي لورثة ولده الذي مات بعدهُ، وإن لم يكن [له] (١) الآن ولد؛ لأنه إنّما قسّم ذلك على قسم ما ورَثَ عليه يوم مات لا اليوم. فإن كان لولدهِ الأم والزوجة: دخلتا فيه بالثلث والربع، وما بقي لعميْه؛ لأن ما قسم من هذه المسألة على معنى الميراث؛ فإنما يقسم على القسم الأول، ثم يكون لورثة ورثته أبدًا ما بقى [أحد] (٢) من ولد الأعيان. فإن مات بعد ذلك ولدٌ آخر من ولد الأعيان، فانظر إلى ما نَابَهُ في مُقاسمة ولد الولد مِن أصل الحبس في أصل هذه الأقسام: وذلك بالرُبع، فرُدَّ إليه كُل ما خرج منهُ لأُمِّ زوجه، ولزوجة أخيه ولوَرَثة وَرَثته؛ لأن ما يُؤقت مِن القسْم بموته، إنّما هو لحجة ولد الولد في إقامة قِسْم الحبس، ولا حُجَّة عليهم لوَرَثة الجد فيما [لهم] (٣) من توفير سهمهم على قسم الحبس بوصية الجد، فتجده أخذ من أبيه السُدس ثُمَّ عن أخيه خُمس السُدس، فصار ذلك خُمسًا. ثُمَّ أخذ رُبع الخُمس عن ابن أخيه، وصار لهُ الرُبع، ثُمَّ يُقسَّم هذا الرُبع بعد أن رُد إليه كُلما خرج منهُ مِن عند مَن دانَ إليه مِن وارث، ووارث وارثٌ على ثلاثة أسهم: فسهمان للباقين من ولد الولد، وسهمٌ للباقي من

стр. 3865

ولد الأعيان: تأخُذ منهُ زوجة الجَدِّ ثُمُنه، وأُمُّهُ سُدسه، ثُمَّ يقسَّم بَقِيَّتهُ علىَ ثلاثة أسهم: [فسهم] (١) لهذا الحي من ولد الأعيان ولوَرَثة كُل واحدٍ من ولدي الأعيان الميتين سهم سهم، يدخُل ورثة كلِ واحدٍ منهما في سهمه على ما سبق من التفسير، والخلاف الذي قدّمناهُ في الوجه الأول في انتقاض القِسمة داخلٌ في هذا الوجه، فلا فائدة لتكراره. فإن مات بعد ذلك أحدٌ مِن ولد الولد، وهو ابن الميت الثاني قبلَهُ، من ولدِ الأعيان، فقد علمت أن بيده عند موت جدِّه السُدُس [و] (٢) عند موت عمِّه خُمس السدس، فصار ذلك الخُمسَ عند موت أخيه رُبع الخمس، فصار ذلك الرُبع، ثمّ عند موت ابنيه ثُلث الرُبع، فصار ذلك الثُلث: فيُقسَّم ذلك على سهمين: فسهمٌ للباقي مِن ولد الولد، وسهمٌ للباقي من ولدِ الأعيان، هل تدخلُ في الأُم والزوجة [أم لا] (٣)؟ فعلى الخلاف الذي قدّمناهُ بين ابن القاسم وسحنون، فعلى القول بدخولهما، فإن الباقي يُقسّم على ثلاثة أسهم: فسهمٌ لهذا الحي من ولد الأعيان، وسهمان لوَرَثةِ الميتيْن [من ولد الأعيان يرث كل واحد منهما سهم تدخل أمه، وزوجته أو ورثتهما إن ماتا، والباقي الذي يجب لولدي الميتين] (٤)، يأخَذهُ عَمُّهما؛ هذا إذ لا وارث لهما غيرهُ. وعلى القول بأن الأُم والزوجة، لا يدخلان فيما أخذ الباقي مِن ولدِ الأعيان مِنْ ولد الولد، فإنَّ ذلك [الثلث يقسم] (٥) على سهمين: سهمٌ

стр. 3866

للحي من ولد الأعيان، وسهمٌ للباقي من ولدِ الولد. وأمّا ما كان بيده بمعنى الميراث، مِن موت أبيه، فلا يدخلُ في هذا القسم على القولين جميعًا، ويبقى لوَرَثته سبيل الميراث ما بقي أحدٌ مِن ولد الأعيان، إلا على القول بانتقاض القسمة من أصلها. فإن مات بعد ذلك الباقي مِنْ ولد الأعيان، فإنَّهُ يأخذُ كُلَّ ما بيدهِ وكُلَّ ما بيدِ غيره من أهل الميراث مِن زوجة، وأم، وَوَرَثة ولدِ، وكُل مَن بيده شيءٌ من ذلك بميراثٍ، فيُدفع إلى ولد الولد الباقي، فيصير بيدهِ الحُبس بأسرِهِ. ثمّ إن مات ولد الولد -هذا- الباقي كان هذا الحبس، لأقرب الناس لمن حبسهُ حبسًا, ولا يدخُل فيه إلا مَن يدخُل في مراجع الأحباس. ولو مات أولاد ولد الولد الباقي، وبَقِيَ واحدٌ من ولدِ الأعيان، ولم يبق مِن أهل الحبس غيرهُ، أخذ هذا الباقي من ولد الأعيان كُلَّ ما بيد هذا الميت من الحبس، وهو النصف: فتأخُذ منهُ الأمُ والزوجة الثُمن والسُدُس على قولٍ، فيُقسّم الباقي على ثلاثة أسهم: فسهمٌ له، وسهمٌ لوَرَثةِ كُل واحدٍ مِن ورثة أخويه، وما كان بيد هذا الميت الذي هو ولدُ الولد، بسبب الميراث عن أبيه، فهو لِمن يرثُهُ عَلى سبيل الميراث، ما بقى مِن ولد الأعيان أحد. وعلى القول بأنّ ما مات عنه ولدُ الولد ممّا بيدهِ بمعنى الحبس، فإن مَرجِعَهُ إلى مَن بَقِي مِن ولد الأعيان مرجع الأحباس؛ فإنَّهُ لا يُقسَّم مع أحدٍ ثمَّ إن مات بعد ذلك، فإنَّهُ يُرجَع الحبس جميعُهُ إلى أقرب الناس بالمُحبِس حبسًا.

стр. 3867

والجواب عن الوجه الثالث: إذا حدث ولد لبعض ولد الأعيان أو لبعض ولد الولد، فإن القسم ينتقض قولًا واحدًا، أو يقسم أهل الحبس على سبعة أسهم؛ فما صار لولد الأعيان دخلت الزوجة والأم على ما تقدم، ثم يقسم الباقي على ثلاثة أسهم؛ لكل واحد [منهم] (١) سهم [سهم] (٢). والجواب عن الوجه الرابع: إذا مات بعض الورثة ممن بيده ذلك بمعنى الميراث خاصة، فلا ينتقض القسم بموته، ولا يؤتنف فيما ترك قسم بمعنى الحبس، ولكن [يقسم] (٣) بين ورثته على معنى [الميراث] (٤) أبدًا ما بقي أحد من ولد الأعيان، وإذا ماتت زوجة الجد، فورث ما بيدها ولد الأعيان، وهم بنوها؛ فلا حجة فيه عليهم لولد الولد؛ لأن الولد أخذه بالميراث بعد قسم الحبس على ما أوصى [المحبس] (٥)، ثم إن مات بعد ذلك واحد من ولد الأعيان، فإن ما دار إليه هاهنا عن أمه مما دار إليهما من سهمه يدخل في قسم الحبس، وإن أخذه بميراث؛ لأن بموته ينتقض كل ما كان خرج من سهمه لأم وزوجة حتى يكمل أصل ما نابه من الحبس فيقسم، بخلاف غيره في هذا من أهل الميراث. والجواب عن الفصل الثاني: في بيان حسابها: اعلم أن أرباب المذاهب اختلفوا في قسمة الحبس إذا نص المحبس الولد وولد الولد هل [يساوى] (٦) بينهم أو [يؤثر] (٧) الآباء على الأبناء على قولين قائمين من "المدونة":

стр. 3868

أحدهما: أنه يؤثر الآباء على الأبناء، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحبس". [والثاني: أنه يساوي بينهما، وهو قول المغيرة في الكتاب، وهو مذهب أشهب، وعليه يتفرع حساب هذه المسألة] (١). فنقول -وبالله التوفيق: وإذا حبس على ولده، وهم ثلاثة [وعلى ولد ولده وهم ثلاثة] (٢) في مرضه، والثلث- يحمله وله أم وزوجة فإن فريضتهم من ستة أسهم لكل واحد منهم سهم، ووجب للأم والزوجة أخذ الثمن والسدس من سهم كل واحد من ولد الأعيان، والسدس لا ثمن له؛ فالثمن والسدس من أربعة وعشرين لكل سهم ستة، والستة لها سدس ولا ثمن لها؛ فتضرب ستة في أربعة وعشرين؛ فيصير العدد مائة وأربعة وأربعين لكل سهم أربعة وعشرون للزوجة ثمن سهم كل واحد منهم وجملته تسعة أسهم، وللأم سدس سهم كل واحد منهم [وجملتها] (٣) اثنا عشر. ثم مات واحد من ولد الأعيان وبيده سبعة عشر وردت الأم ما أخذت -وهو أربعة- والزوجة ما أخذت من سهمه -وهو ثلاثة- فعاد السدس كما كان وهو أربعة وعشرون، وهي لا تنقسم على خمسة فتضرب خمسة في مائة وأربعة وأربعين، فتصير سبعمائة وعشرين، ثم تقسمه على ستة، فيصير لكل سهم مائة وعشرون؛ فيقسم سدس الميت -الذي هو مائة وعشرون -على خمسة أسهم- عدة [الولد] (٤) وولد الولد، وبقية ولد الأعيان، فيصير لكل سهم أربعة وعشرون؛ فتأخذ الأم والزوجة السدس،

стр. 3869

والثمن من سهمي ولدي الأعيان وجملتها أربعة عشر سهمًا: للأم ثمانية أسهم، وللزوجة ستة، والباقي أربعة وثلاثون غير منقسمة على ثلاثة؛ لأن الميت يحيا بالذكر، فتضرب ثلاثة في جملة ما انتهت إليه الفريضة، وذلك سبعمائة وعشرين؛ فتصير ألفان ومائة وستون مقسوم على ستة؛ فالسدس لكل واحد ثلاثمائة وستون؛ فتأخذ الزوجة ثمن ما بيد كل واحد من ولد الأعيان؛ فيجتمع لها خمسة وثلاثون ومائة، وللأم السدس فيجتمع لها مائة وثمانون. فلما مات واحد من ولد الأعيان رد إلى ما بيده ما أخذت الزوجة منه؛ وذلك خمسة وأربعون، ومن عند الأم ستون؛ فيعود السدس كما كان ثلاثمائة وستون؛ فتقسم على خمسة، فخمسه: اثنان وسبعون لكل واحد من ولد الولد، وولدي الأعيان؛ فتأخذ الأم سدس ما بيد كل واحد من ولدي الأعيان؛ وذلك اثنا عشر، وتأخذ الزوجة تسعة من يد كل واحد منهم؛ يبقى بيد كل واحد منهم أحد وخمسون؛ فيجمع ذلك, فيكون مائة وسهمان؛ فيقسم على ثلاثة، فيصير لكل سهم أربعة وثلاثون ولورثة أخيهما سهم من ذلك أربعة وثلاثون؛ فيجمع بيد كل واحد من ولدي الأعيان تسعة وثمانون ومائتان، وبيد ورثة أخيهم أربعة وثلاثون، وبيد زوجة الأب ثمانية ومائة، وبيد أمه أربعة وأربعون ومائة، وبيد كل واحد من ولد الولد اثنان وثلاثون وأربعمائة. ثم إن مات واحد من ولد الولد وبيده اثنان وثلاثون وأربعمائة: فعلى القول بأن القسمة لا تنتقض فلا إشكال، وعلى القول بانتقاضها، فاقسم جميع الحبس على أربعة أسهم، فإن وقع الكسر في بعض الوجوه، فاضرب سهام من انكسرت عليه في ما انتهى بك العدد حتى ينتهي إلى عدد لا كسر فيه.

стр. 3870

ولا تكاد المسألة تسلم من الكسر إلا بمضاعفة العدد إلى مئين الألف، ولكن ذلك يتفاحش جدًا, ولو بسطنا فيها الحساب والضرب لخرج بنا إلى حد الإكثار الذي لا يجدي فائدة، وقد بينت لك وجه العمل في المسألة، فاهتد بهديه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [والحمد لله وحده] (١).

стр. 3871

المسألة الرابعة في موت بعض من حبس عليهم ثمر الحائط ولا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يموت قبل إبار الثمرة، وقبل القسمة. والثاني: أن يموت قبل الإبار وبعد القسمة. والثالث: أن يموت بعد الإبار، أو بعد الطيب، وقبل القسمة. فأما الوجه الأول: إذا مات قبل الإبار، وقبل القسمة، فلا حق لورثته في الثمرة اتفاقًا، إلا شيئًا ذكره أبو الحسن اللخمي أنها تكون غلة بالظهور. وأما الوجه الثاني: إذا مات قبل الإبار، وبعد القسمة فسهمه لورثته، ولا ينزع منهم اتفاقًا, ولا إشكال في هذين الوجهين. وأما الوجه الثالث: إذا مات بعد الإبار أو بعد الطيب، وقبل القسمة لمن تكون الثمرة؟ فقد اختلف فيه على أربعة أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أن الثمرة لبقية أصحابه كانوا يتولون العمل أم لا. وهذا [القول الذي رجع إليه مالك في "الكتاب". والثاني: أن سهم الميت يرجع إلى المحبس عليهم سواء كانوا يتولون العلم أم لا، وهذا] (١) يتخرج من "الكتاب" غير منصوص عليه فيه؛ وذلك أنه لمَّا لم يكن لورثته ميراث؛ لكونه مات قبل أن تكون الثمرة غلة -على قول- لم يصح فيه لورثته ميراث بعد، ولم يتعين لبقية الأصحاب

стр. 3872

وجه يستحقون به سهم الميت تعين رجوعه إلى المجلس. أصل ذلك: لو ماتوا جميعًا قبل أن تصير الثمرة غلة، فإن جميع الثمرة ترجع إلى المحبس بلا خلاف؛ لأنهم قوم معينون، وبه تصح مسألة الكتاب، وهذا ظاهر لا مراء فيه. والقول الثالث: التفصيل بين أن يتولوا العمل، فيكون سهم الميت لبقيتهم، أو لا يتولوا العمل، وإنما تقسم عليهم الغلة، فيرجع سهم الميت إلى المحبس، وهذا القول الذي رجع عنه مالك في [الكتاب] (١). والقول الرابع: أن سهم الميت لورثته موروث عنه؛ لأنه مات بعد ثبوته له واستحقاقه إياه، وهو قول الرواة آخر الباب، وظاهر ألَّا فرق بين أن يتولوا العمل أم لا. وسبب الخلاف: اختلافهم في الثمرة بماذا تكون غلة؛ وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: إنها تكون غلة بالإبار. وهو قول المدنيين في كتاب الشفعة من المدونة، وهو قول الرواة في كتاب الحبس. والثاني: إنها تكون غلة بالطيب، وهو قوله في كتاب الحبس من المدونة. والثالث: إنها لا تكون غلة إلا بالقسمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة": إذا حبس ثمرة [حائطه] (٢) على رجل وولده، فقال فيه: إذا حضرت الغلة إنما ذلك لمن حضر القسمة؛ [فقد

стр. 3873

بين] (١) أنها إنما تكون غلة بالقسمة، ومن مات قبل ذلك فلا شيء له، وإن مات بعد طيب الثمرة، فلا يورث عنه سهمه، ومن ولد قبل القسمة دخل فيها. ومثله لعبد الملك بن الماجشون في "واضحة ابن حبيب"، ولابن كنانة في "المجموعة"، وقد [نَبَّه] (٢) ابن أبي زمنين على هذا الظاهر قال: ويحتمل أيضًا أن يكون معنى قوله: "حضرت الغلة" أي: طابت، ونظر في قسمتها، وإنما تعاينت لبيان هذا الاستقراء؛ لأني رأيت أكثر شيوخ المتأخرين في كتبهم حكوا إجماع المذهب في هذا الفصل أنها تكون غلة بالطيب، وإن مات من المحبس عليهم [أحد] (٣) فسهمه موروث عنه بلا خلاف، وأين هم عما استخرجناه من "الكتاب"، واستشهدنا عليه بما هو مسطور في الأمهات، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء. وعلى القول بأنها لا تكون غلة بالإبار، أو الطيب إذا مات أحدهم -وقد تقدم- له فيها نفقة؛ فلا خلاف أن لورثة الميت الرجوع بالنفقة؛ لأن أصحابه قد انتفعوا بنفقته فيما عمل معهم. واختلف المتأخرون هل الرجوع بالأقل مما أنفق أو بما ينوبه من الثمرة أو إنما يرجع [عليهم] (٤) بقيمة النفقة نقدًا. وفائدة الخلاف وثمرته: إذا اجتيحت الثمرة هل تسقط المطالبة [أم لا؟ فمن قال: يرجع بالأقل قال تسقط المطالبة] (٥) وهو ظاهر "المدونة" في

стр. 3874

غير ما موضع فيمن سقى وعالج على وجه الشبهة؟ وعلى القول بأن ذلك على بقية الأصحاب [نقدًا] (١) فلا تسقط المطالبة، وهو ظاهر المدونة، ويكون ذلك دينًا لزمهم، وهو ضعيف. ولو كانت الثمرة محبسة عليهم حياة الحبس، فمات وفيها ثمرة، فهي للمحبس عليهم. وإن أبرت، فعلى الخلاف الذي قدمناه حرفًا حرفًا. تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على سيدنا محمَّد خير خلقه.

стр. 3875

كتاب الصدقة والهبة

стр. 3876

كتاب الصدقة والهبة تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل: المسألة الأولى في جواز الهبة، والصدقة، وافتقارها إلى الحوز أما الحوز: فلا خلاف بين العلماء في جواز الهبة، والصدقة [التي] (١) لغير ثواب، وإن اختلفوا في بعض أحكامهما. وأما افتقارهما إلى الحوز، فلا خلاف في مذهب مالك أنها تلزم بالقول، ومن تمامهما القبض، والحوز عنده من تمام الهبة لا من شروط صحتها. والحوز يختلف باختلاف الشيء المحاز؛ على ما سنفصله، ونحصله تحصيلًا لم يسبق إليه؛ فنقول -وبالله التوفيق: لا يخلو الواهب من أربعة أوجه: أحدها: أن يهب ما في حوز غيره. والثاني: أن يهب ما في ملكه وتحت يده. والثالث: أن يهب ما في حوز الموهوب له. والرابع: أن يهب له ما في ذمته، أو في ذمة غيره. فأما الوجه الأول: إذا وهبه ما في حوز غيره، فلا يخلو من أن يعلم ذلك الموهوب له، أو لم يعلم. فإن علم بذلك، فلا يخلو من هو في حوزه من أن يقبضه على معنى

стр. 3877

اقتطاع ملك مالكه، أو على غير اقتطاع الملك. فإن قبضه على معنى اقتطاع ملك الغاصب، هل يكون حوزه حوزًا للموهوب له أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن حوزه له حوز، وهو قول أشهب، واختيار ابن المواز. والثاني: أن حوزه لا يكون حوزًا للموهوب له، وهو قول ابن القاسم، ورواه ابن حبيب عن أصبغ أيضًا. ووجه قول أشهب: أن الغاصب لما كان ضامنًا لما غصبه بوضع يده عليه؛ فصار ذلك كَدَيْن [عليه] (١) فيجوز بالإشهاد؛ إذ هو غاية المقدور. ووجه قول ابن القاسم: أن يد الغاصب مانعة للشيء الموهوب، فلم تصح فيه الحيازة للموهوب له كما لو كان تحت يد الواهب. فإن كان قبضه إياه على غير اقتطاع الملك، فلا يخلو من أن يقبضه لمنفعة مالكه على الخصوص أو يقبضه لمنفعة يستوفيها منه. فإن قبضه لمنفعة مالكه على الخصوص كالوديعة، هل يكون حوز المودع حوزًا للموهوب له أم لا؟ فلا يخلو من أن يعلم [المودع] (٢) بذلك أو لم يعلم. فإن علم بالهبة، فحوزه حوز الموهوب له قولًا واحدًا في المذهب. وإن لم يعلم ففيه قولان:

стр. 3878

أحدهما: أن حوزه لا يكون حوزًا له، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن حوزه له حوز، وهو قول [الغير] (١). فإن قبضه لمنفعة يستوفيها منه، فلا يخلو من أن تكون مما يستوفيه من عينه أو تكون مما يستوفيه من منافعه. فإن كانت مما يستوفيه من عينه على وجه كالرهن، هل يكون حوز المرتهن حوزًا له أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أن حوزه له حوز. والثانى: أن حوزه لا يكون حوزًا له [جملة] (٢). والثالث: التفصيل بين أن يعلم بذلك المرتهن؛ فيكون حوزه حوزًا للموهوب له، أو لا يعلم؛ فلا يكون حوزه له حوزًا. والأقوال الثلاثة قائمة من "المدونة" من "كتاب الرهون"، و"كتاب الهبة". فإن كانت مما يستوفيها من منافعه مع بقاء عينه، فلا يخلو من أن يكون ذلك بِعِوَض أو بغير عِوَض. فإن كان ذلك بِعِوَض كالإجارة، فالمذهب فيها على قولين: أحدهما: أن حوز المستأجر لا يكون حوزًا للموهوب [له] (٣)، وهو قول ابن القاسم.

стр. 3879

والثاني: أن حوزه له حوز، وهو قول أشهب. وهذا كله إذا لم يهب له الإجارة مع الرقبة. وأما لو وهبها معها لكان كالعارية، وسيأتي الكلام عليها. ووجه قول ابن القاسم [أن الإجارة] (١) لما كان الواهب هو المستوفي لكراء المنافع، فكأن يده باقية على المنافع، فلم يجز ذلك الموهوب؛ لبقاء يد الواهب على المنافع التي هي المقصود من الأعيان. ووجه قول أشهب: أن يد الواهب لما ارتفعت عن الشئ الموهوب ملكًا وحوزًا كان حوز المستأجر حوزًا للموهوب له. فإن كان ذلك بغير عوض كالمخدم، والعارية، فالمذهب فيه على أربعة أقوال: أحدها: أن حيازة المخدم، والمستعير حوز للموهوب له جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن حوزه ليس بحوز له جملة. وهذا أحد الأقاويل في رهن فضلة الرهن. والثالث: التفصيل بين أن يعلم الحائز بالهبة، أو لا يعلم؛ فإن علم بذلك ورضى أن يجوز للموهوب له، [فحوزه له جائز] (٢)، وإن لم يعلم بالهبة، فلا يجوز حوزهما له، وهو قول ابن القاسم في المودع، وأحد القولين في رهن فضلة الرهن في "كتاب الرهون" من "المدونة". والرابع: التفصيل بين أن تقدم الخدمة، والعارية على الهبة ثم لا

стр. 3880

يكون حوزهما حوزًا له، فإن تأخرت الخدمة عن الهبة، أو كان ذلك كله في مرة واحدة، فحوزهما حوز للموهوب له، وهو قول ابن الماجشون. فإن لم يعلم الموهوب له بالهبة حتى مات الواهب هل يكون حوزه من ذلك الشيء بيده حوزًا أو لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه حوز، وهو قول أشهب. [والثاني: أنه لا يكون حوزه حوزًا، وهو قول ابن القاسم. وقول أشهب] (١) مثل قول مالك في "المدونة" في الذي وهب لغائب، وبعث ذلك إليه، وأشهد ثم مات الواهب قبل الوصول. وأما الوجه الثاني: إذا وهب له ما في ملكه، وتحت يده فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن [تكون] (٢) الهبة حاضرة مع الموهوب له، أو غائبة عنه. فإن كانت حاضرة، فلا يخلو من أن تكون مما لا ينقل، ولا يحول كالأرضين، والأصول الثابتة، أو يكون مما ينقل ويحول، كالعروض والحيوان، [فإن كانت مما لا ينقل، ولا يحول كالأرضين والأصول الثابتة، فأما الأرضون، فإنها على ضربين: أحدهما: أن تكون من الأرض التي لا عمل فيها. والثاني: أن تكون من أرض [الزراعة] (٣) والعمل.

стр. 3881

فأما الضرب الأول: فإن الإشهاد فيه على قبول الموهوب له، ورضاه بهبته، والمشي إليها، والوقوف على حدودها يقوم مقام الحيازة، ويكتفي به كالدَّين على السواء، وذلك غاية المقدور عليه، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب". وأما الضرب الثاني: إذا كانت من أرض العمل، فلا يخلو من أن يكون ذلك في إبان العمل، أو قبل إبانه. فإن كانت الهبة في إبان العمل، فلا يخلو الموهوب له من أن يتمكن من عمله، أو لا يتمكن منه. فإن تمكن من عمله، وترك القبض والحوز حتى مرض الواهب، أو مات، أو فلس. فأما الموت والتفليس: فإن ذلك مما يبطل الهبة قولًا واحدًا في المذهب. وأما المرض، فهل يمنع الموهوب له من قبضها وحوزها أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن [المرض] (١) يمنعه من حوزها وقبضها، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن المرض لا يمنعه من قبضها إذا طلب ذلك، ويقضي له [بأخذها] (٢) من الثلث إذا حمله، وإلى هذا القول أشار ابن المواز في كتابه، ويظهر من قول أشهب أيضًا؛ لأنه قال: يقضي له الآن بثلثها، وهو القول الثالث، وقال: لا أرى قول من قال: يحوز كلها من الثلث,

стр. 3882

ولا قول من أبطل جميعها. واتفقوا على أنه إذا صح من مرضه أن الموهوب له يمكن من قبض هبته، ولا فرق بين أن يكون الموهوب [له] (١) وارثًا أو غير وارث. وسبب الخلاف: قوة التهمة وضعفها؛ فمن راعى قوة التهمة منع من القبض، كما يمنع منه في الموت والمرض من أسباب الموت؛ إذ لو جاز ذلك لو شاء أن ينتفع بماله حتى يمرض فيعريه عن وارثه، ويقول: تصدقت بكذا، أو وهبت كذا؛ فمنع ذلك سدًا للذريعة. ومن ضعف التهمة في ذلك قال بخروج جميع الهبة من الثلث، كما ولو وهب ساعتئذ؛ إذ له التصرف في ثلث ماله، وهو قول أشهب [ذهب إليه] (٢) استحسانًا، وتوسطًا بين القولين. فإن لم يتمكن من قبضها، والعمل فيها، فلا يخلو من أن يكون المانع من قبله أو من قبل الواهب. فإن كان المانع من قبله، فلا يخلو من أن يكون عجز عن الآلة الخدمة مع قدرته على أن يساقي غيره أو يكري منه، أو يعجز عن الآلة، والخدمة، وعن الكراء، والمساقاة. فإن كان عجزه عن العمل، وعن آلة الخدمة، أو كان قادرًا على العمل، وعجز عن الآلة، فإنه يكري أو يساقي، أو يرفق [غيره] (٣) ويتم له الحوز. فإن لم يفعل شيئًا من ذلك حتى مات الواهب أو فلس، فالهبة باطلة.

стр. 3883

فإن عجز عن العمل والآلة وعن جميع ما ذكرنا بكل وجه، فإن الهبة هاهنا ماضية، والإشهاد في ذلك يجزئ، ولو قامت أعوامًا كهبة الديون ما لم ينتفع بها الواهب، وهي رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، وبه قال أصبغ. فإن كان المنع من قبل الواهب، فلا يخلو الشيء الموهوب من أن يكون قائمًا بيده أو أخرجه من يده. فإن كان قائمًا بيده كان للموهوب له مخاصمته، ومطالبته، والسعى في التمكين، والقبض جهده. فإن أثبت على الواهب، هل يكون الحكم كالقبض والحوز أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه كالحوز، وللموهوب له قبضها بعد موت الواهب، وهو قول مطرف، وأصبغ. والثاني: أن الحكم لا يكون حوزًا، وأنه إن مات قبل أن يقبضها الموهوب له، فلا حق له فيها، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة". فإن أخرجها من يده، فلا يخلو من أن يخرجها بعوض أو بغير عِوَض. فإن كان ذلك بعوض مثل أن يبيعها، أو يخرجها بغير عوض مثل أن يهب للثاني أو يعتق إن كان عبدًا، فقد قدمنا الكلام عليه في مسألة مفردة في "كتاب العتق الثاني" بما لا مزيد عليه هاهنا. وأما الدُّور فلا يخلو الواهب من أن يكون فيها ساكن أو غير ساكن. فإن كان فيها ساكنًا، فإنه يؤمر بالخروج منها وتفريغها للموهوب له.

стр. 3884

فإن سكن البعض، وحوز البعض، فالهبة صحيحة فيما حازه اتفاقًا قليلًا كان أو كثيرًا، ويبطل فيما سكن، وسواء سكن فيها باكتراء أو [إرفاق] (١) أو إعمار وأيّ وجه كان، فإن ذلك يمنع الحيازة؛ إذ لا يصح فيها قبض، ولا حيازة مع سكنى الواهب لها إلا أن يكون الواهب زوجة الموهوب له، فتمادت على السكنى مع زوجها فيها، فإن ذلك لا يمنع صحة الحيازة؛ لأن السكنى على الزوج. فلو كان الزوج هو الواهب لزوجته دار سكناهما، فسكنها معها لمنع ذلك صحة الحوز؛ لبقاء يد الواهب على الهبة وانتفاعه بها. وهذا كله قول ابن القاسم في "العتبية"، فإن كان الواهب ساكنًا فيها، أو في غيرها ففرغها، ومكن الموهوب له من حوزها، فإن فعل فيها ما يدل على الحوز صحت له الهبة؛ مثل أن يسكن فيها أو يكريها من [غيره] (٢) أو يسكن فيها من شاء بأيّ وجه شاء، أو أخذ مفاتيحها، وأغلقها؛ فإن ذلك حيازة تصح بها الهبة للموهوب في حياة الواهب، وصحته، ولو لم يعمل فيها عملًا، ولا أذن إليها بوجه، وتركها مهملة غير مغلقة، ولا انتفع بها بوجه من الوجوه حتى مات الواهب أو مرض لكان حكمها حكم الأرض التي لم يزرعها في إبان زراعتها حتى مرض الواهب أو مات، فإن الهبة فيها باطلة. فإن حازها الموهوب له ثم رجع إليها الواهب، فسكنها حتى مات فيها، فذلك يختلف. فإن كان سكناه إياها على وجه الاستخفاء مثل أن يخاف من سلطان أو من غريمه، فيختفي عنده فمرض فيها، ومات، فإن ذلك لا يبطل الحيازة

стр. 3885

-قرب الزمان أو بعد- وإن كان بعد حيازة الموهوب له بيوم؛ لأن هذا ليس بسكنى على الحقيقة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة"، وقاله ابن المواز. فإن كان سكناه إياها على وجه السكنى [باكتراء] (١) أو إرفاق، فلا يخلو من أن يرجع إليها بعد المدة القريبة أو بعد طول مدة. فإن رجع إليها بعد قرب المدة، فالهبة باطلة باتفاق المذهب. فإن رجع إليها بعد طول المدة كالسنة، ونحوها وسكنها حتى مات فيها، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لا [يبطل] (٢) الهبة، وهذا القول رواه ابن المواز عن مالك في كتابه. والثاني: أن الهبة باطلة، وهي رواية ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة". ووجه قول ابن المواز: أن الموهوب له لما كان مالكًا أمره، وحاز لنفسه حيازة بينة مدة تنتفي فيها التهمة وصحت له الهبة؛ فلا يضره ما حدث بعد ذلك من سكنى الواهب بأمر الموهوب له كما لو أسكن فيها غيره. ووجه القول الثاني: أن رجوع الواهب فيها، وسكناه فيها حتى مات يبطل الحيازة. أصل ذلك إذا كان الموهوب له صغيرًا، أو حاز له أبوه ما وهب له، ثم رجع الأب إليها قبل بلوغ الصغير ورشده، فسكن فيها حتى مات [فإن] (٣) ذلك يبطل الهبة باتفاق المذهب.

стр. 3886

وأما الأصول الثابتة في الأرض كالنخيل وغيرها، فلا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يهب الأصل دون الثمرة. والثاني: أن يهب الثمرة دون الأصل. والثالث: أن يهب النخل هبة مطلقة. فإن وهب الأصل، واستثنى ثمره عشر سنين، فالهبة صحيحة، والثمرة للواهب كالبيع، وحوز الموهوب له قبض النخل، والسقي، والعلاج في مال الواهب، ويكون الموهوب له هو المتولي لذلك إما بنفسه، أو بأجير يستأجره. ولو كان الواهب هو المتولي للسقي والعلاج حتى فلس أو مرض لبطلت الهبة، وسواء كان فيها [الثمرة] (١) في حين الهبة أم لا. فإن وهب الثمرة دون الأصل في عام أو أعوام، فإن ذلك جائز من غير اعتبار بحال الثمرة إن كانت موجودة في حين الهبة أو غير موجودة؛ لأن [هبة] (٢) الغرر والمعدوم الذي يصح وجوده عندنا جائزة، وحوزها أن يقبض الأصول ويحوزها، ويمنع الواهب من التصرف فيها. فإن وهب الأصول هبة مطلقة، وفيها ثمرة مأبورة أو غير مأبورة، فإن كانت مأبورة، فهي للواهب كالبيع، وإن كانت غير مأبورة أو لا ثمر فيها أصلًا، فهي للموهوب له بغير شرط. فإن تصرف الموهوب له في الهبة قبل القبض بما لا يتصرف فيه إلا

стр. 3887

المالكون؛ مثل أن يبيعها [قبل أن] (١) يقبضها من الموهوب له، فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب، هل يكون [للبائع] (٢) حيازة، ويمكن المشتري من قبضها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن البيع حوز، وهو قول مطرف، وابن الماجشون. والثاني: أن البيع ليس بحوز، وهو قول أصبغ. والأشبه أن ذلك حوز, لأن يد الموهوب له ارتفعت، وقابض الهبة هاهنا من الواهب إنما هو مشترٍ غير محتاج إلى حيازة. ولو وهبها الموهوب له قبل القبض، ثم مات الواهب قبل أن يقبضها الموهوب الثاني، هل تكون الهبة حوز أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الهبة حوز، وهذا القول رواه ابن حبيب عن مالك. والثاني: أنها لا تكون حوزًا، وهو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون، وهو الأظهر؛ لأن الهبة لا تستغني عن الحيازة في نفسها، فلم يعين غيرها من الهبات. وأما الوجه الثاني: إذا كانت الهبة مما ينقل، ويتحول كالعبيد، والحيوان، وسائر العروض، فوجه الحيازة في ذلك أن يقبضه [الموهوب له] (٣) من يد الواهب، ويمنعه من استعماله، والانتفاع به، ويستبد الموهوب له بجميع منافعه، واستعماله، واستخدامه إن كان عبدًا، أو أمة، فمهما شاركه الواهب في الاستعمال بطل الحوز بلا خلاف إلا إذا تقررت الحيازة،

стр. 3888

واستمر الملك للموهوب له، فلا يضره خدمته للواهب كما قلنا في سكنى الدار، إلا في وجه واحد، فإن المذهب [اختلف] (١) فيه بالجواز، والكراهة؛ وهو رجل تصدق على زوجته بخادم، وهي معه في البيت يخدمها كخدمتها لحال ما كانت قبل الهبة، أو وهبت هي له خادمها أو متاعًا من البيت، فأقام ذلك على حاله بأيديهما: فروى ابن القاسم عن مالك أن ذلك جائز، وهو قوله في "العتبية" و"الموازية"، وروى عنه أشهب في الكتابين إذا أشهد لها بالخادم، فتكون عندهما على الصفة الأولى، أو أشهدت له بخادمها كذلك، فذلك جائز مع الكراهة في ذلك. وأما الوجه الثاني: إذا كانت [الهبة] (٢) غائبة، أو كان الواهب، والموهوب له غائبًا. فإن كانت الهبة غائبة، فلم يقبضها الموهوب له حتى [مات] (٣) الواهب، فلا يخلو من أن يهب لابنه الصغير, أو الكبير، أو أجنبي. فإن وهب للصغير، فالجواز اتفاقًا. وإن وهب للكبير أو لأجنبي، فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن الهبة باطلة فرط الموهوب له في الخروج أو لم يفرط، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية". والثاني: أنه إذا خرج لقبضها، فالهبة جائزة له سواء فرط أو لم يفرط، قبضها بعد موت الواهب أو قبله، وهو ظاهر قول ابن عبد الحكم في

стр. 3889

العتبية؛ لأنه حكى عن مالك فيمن تصدق على ابنه البالغ [بدار] (١) في غير بلده، وأمر من يحوزها له، فمات الأب قبل أن تحاز أنها جائزة؛ بل ظاهر كلامه أن الهبة جائزة له إذا أمر له بحوزها، وإن مات قبل أن يخرج. والثالث: التفصيل بين أن يفرط في الخروج، فلا تصح له الهبة، أو لا يفرط، يصح له قبضها قبل موت الواهب أو بعد أن علم بموته، أو لم يعلم، وهو على التفريط حتى يثبت أنه لم يفرط، وهو قول ابن الماجشون، وابن كنانة في "العتبية"، و"الواضحة"، وهو أحد قولي مالك. والرابع: التفصيل بين أن يقبض، وقد علم بموت الواهب، وقد بادر بالخروج، ولم يفرط فتبطل الهبة، وإن قبضها بعد موت الواهب بأيام، ولم يعلم بموته إلا بعد القبض، فإن الهبة صحيحة جائزة له، وهو استحسان مطرف على ما حكاه عنه ابن حبيب. فلو تصدق عليه بعبده الآبق، فخرج في طلبه، فلم يجده إلا بعد موت المتصدق كان فيه قولان: أحدهما: أن الصدقة نافذة؛ لأنه لم يكن بيد المعطي، فالإشهاد فيه، وطلب المعطي إياه كالحوز، وكالدين، وهو قول عبد الملك في "الواضحة". والثاني: أن الصدقة باطلة، وهو قول ابن القاسم في الأرض، والدار الغائبة. فإن كان الموهوب له غائبًا، فمات الواهب قبل وصول الهبة إلى الموهوب له، فهل تنفذ له الهبة أم لا؟ فلا يخلو من أن يشهد على ذلك أو لم يشهد. فإن شهد على ذلك، هل يصح للموهوب له أم لا؟

стр. 3890

فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الهبة له نافذة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الذي بعثه لرجل، ثم مات الباعث قبل وصولها إلى المبعوث، وهو قوله فيما يشتري من الهدايا من الحج وغيره لأهله وأولاده. والثاني: أن ذلك باطل إذا مات الواهب قبل الحيازة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وإن شهد على ذلك. وسبب الخلاف: الإشهاد، وعدم التفريط هل يقوم مقام الحوز مع تعذر الحوز أم لا؛ قال مالك في "العتبية" فيمن تصدق في سفره على امرأته وابنته، وليسوا معه بعبد، والعبد يخدمه، ومات السيد قبل أن يخدم، فإن أشهد على الإنفاذ من يعرف المرأة والابنة، فذلك نافذ، وإن أشهد هكذا من لا يعرفهما؛ فلا أدري ما [هكذا] (١) فانظر قوله من يعرفهما ما فائدته؟ فإن لم يشهد على ذلك، وإنما كان يذكر للعدول عند الشراء من غير أن يقول لهما: اشهدوا علي بذلك، ففيه قولان: أحدهما: أنه يرجع لورثة الواهب، ولا شيء فيه للموهوب له، وهي رواية أشهب عن مالك في "الموازية". والثاني: أن الهبة نافذة للموهوب له، وهو قول ابن القاسم فيما حكاه عنه ابن عبد الحكم في "الموازية" في الذي قال: ادفعا ذلك إلى فلان؛ فإني وهبته ذلك فهي شهادة، وإن لم يقل: اشهدوا علي، وهو ظاهر المدونة من غير ما موضع.
следующие страницы →