← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

واستقرأ ذلك من قول مالك في "المدونة" (١): وكان مالك يستحب إذا قرأها في غير [إبان] (٢) الصلاة ألا يدع سجودها. وسبب الخلاف: قول عمر [﵁] (٣) هل يقع [التخصيص به لعموم] (٤) فعله ﵇؟ أعني بعموم الفعل مداومة النبي ﷺ [على السجود] (٥) مع التمكن على الدوام، هل يكون قول عمر: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن [نشاء] (٦) بيانًا لفعل النبي ﷺ [أن المراد به الندب الذي لا يتأثم المكلف بتركه عمدًا، ولا يكون ذلك بيانًا؛ لأن ما فعل النبي ﷺ ] (٧) وداوم على فعله حتى توفي كانت سُنَّة مؤكدة؛ فمن تركها عامدًا أثم، وأن عمر ﵁ أراد أن يبين لهم أنها ليست بواجبة، وهذا ضعيف لأن الشريعة تقررت، والأقدام على الطريقة المستقيمة استمرت، وإن الدين قد كمل بحجة الوداع حيث قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ﴾ (٨). ومعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يشكون أن الشريعة التي شرعها النبي ﷺ كانت بوحي من الله تعالى؛ فرائضها، وفضائلها، وسننها. وسواء كان فيها قرآن يتلى أم لا، وسواء قلت إن النبي ﷺ كان يجتهد

стр. 387

في بعضِ الأمور أم لا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١). لأن [اجتهاده] (٢) كان بكتاب الله ، وهذا إذا [اعتبره] (٣) الناظر لا يكاد [يخالجه] (٤) فيه ريب إلا أن يكون ضعيف العقيدة، شاغر الحوصلة. [وقد] (٥) ثبت عند كل عاقل انقطاع الوحي بموت النبي ﷺ . وكيف يظن بعمر ﵁ أنه إنما ترك السجود ليريهم أنها ليست بواجبة [عليهم] (٦)، وهل [منهم] (٧) من يعتقد أن عمر يحدث شريعة، أو يزيد على ما مات النبي ﷺ عليه [بكلامه] (٨) من ذلك؟ وقد ثبت وتقرر أن عمر [﵁] (٩) ما [تركها] (١٠) مخافة الوجوب ولا [تركها] (١١) مع الاعتقاد أنها سنة مؤكدة أيضًا، وإنما تركها لمعنى آخر ينبغي للناظر أن يتفكر فيه، ولعله يعثر عليه، والله يهدي من يشاء إلى طريق الصواب [والحمد لله وحده] (١٢).

стр. 388

المسألة الثانية في معرفة من يجب عليه السجود ولا يخلو قارئ السجدة من ثلاثة أوجه: إما أن يكون في صلاة نفل أو فرض، أو يكون في [غير صلاة] (١). فإن كان في نفل: فلا خلاف أنه يسجدها إذا قرأها، فإن نسى أن يسجد لها: فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يذكر قبل أن يتطاول في القراءة بعدها. أو [ذكر] (٢) بعد أن أطال في القراءة بعدها. أو بعد أن ركع ولم يرفع. أو بعد الرفع من الركوع. فإن ذكرها بعد أن جاوزها بالآية والآيتين [يسجد] (٣) ولا يعد لقراءتها. فإن [ذكر] (٤) بعد أن أطال القراءة بعدها أعاد قراءتها وسجد، ولكن يعيد قراءة [الآية] (٥) التي فيها السجدة، ولا يقرأ السجدة وحدها. واختلف إذا ذكرها وهو راكع هل يرفع ويعيد قراءتها في الثانية، أو

стр. 389

يخر إلى السجود؟ قولان قائمان من "المدونة" (١): وسبب الخلاف: وضع اليدين على الركبتين، هل هو عقد الركعة أو الرفع منها؟ وأما إن ذكرها [ق/ ٢٩جـ]، بعد الرفع فلا خلاف أنه يتمادى على تلك الركعة، فإذا دخل في الركعة [الثانية] (٢) أعاد قراءتها و [سجد] (٣). واختلف المتأخرون هل يقدم قراءة أم القرآن، ثم يقرأ بعدها الآية التي فيها السجدة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه [يقرأ] (٤) أم القرآن، ثم يقرأ السجدة فيسجد، فإذا رفع رأسه [ق/ ٣٨ أ] منها قرأ السورة. وهو قول [الشيخ] (٥) أبي محمَّد بن أبي زيد. والثاني: أنه يبدأ بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم فيبتدئ قراءة أم القرآن، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن. فوجه القول الأول: أنه لا ينبغي أن يقدم على قراءة أم القرآن شيئًا؛ لأن ذلك [مخالف لمشروعية] (٦) القراءة في الصلاة. ووجه القول الثاني: أنه إنما يكره أن يقدم على أم القرآن ما ليس بقرآن

стр. 390

كالذكر والدعاء، وما أشبه ذلك، فإن نسي أيضًا حتى عقد الثانية، فإنه يتمادى فيها، ولا شيء عليها إلا أن يدخل في نافلة أخرى، فيستحب له أن يعيد قراءتها على ما وصفنا. فإن كان ذلك في صلاة فرض، فهل يقرأها [أم لا] (١)؟ [كيف يفعل إن كان فذًا] (٢)؟ فذلك يختلف باختلاف حالات المصلي؛ فإن كان في جماعة كبيرة [أو] (٣) في صلاة الجهر، أو في الجماعة اليسيرة في صلاة السر، فإنه يكره للإمام قراءة سورة فيها سجدة فإن فعل فإنه يستحب أن لا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن بقراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد؛ هكذا ذكره أبو الحسن اللخمي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر ويسمعنا الآية أحيانًا (٤). واختلف إذا كانت الجماعة قليلة، والقراءة جهرًا، أو كان فذًا على قولين: أحدهما: أنه لا يقرأ سورة فيها سجدة لئلَّا يخلط على الناس صلاتهم. وهو قول مالك، ثم قال أيضًا: وكذلك الفذ لا يقرأها، وهذا [قوله] (٥) في المدونة.

стр. 391

و [القول] (١) الثاني: أنه يجوز [له قراءتها فذًا كان أو إمامًا] (٢) وهو قوله في "العتبية"، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٣) في "الواضحة". وسبب الخلاف: معارضة القياس بفعله ﵇. وقد ثبت عنه ﷺ من طريق أبي هريرة أنه قال: في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدة سجدتها خلف أبي القاسم. ولا يكون ذلك إلا في الصلاة، ويبينه قوله أيضًا: كان ﵇ يقرأ في الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ (٤)، في صلاة الصبح (٥). وما روى أيضًا عنه ﷺ أنه قرأ بسورة الفرقان في صلاة الصبح، ثم أسقط آية فقال: أفي المسجد أبي بن كعب، والفرقان [فيها] سجدة، والقياس يقتضي أن لا يقرأها؛ لأنه إن كان إمامًا خلط على من خلفه، وذلك في صلاة السر، والجهر سواء. وإن كان فذًا خلط على نفسه أيضًا؛ لأن ذلك سبيل للوسواس إن شك في سجوده هل هو للركعة، أو للتلاوة، أو للسهو، فيجعله لصلاته. ويتركب هذا الوجه فروع، وهو إذا قرأ سجدة فركع لها فلا يخلو من أن يكون قصد [إلى] (٦) الركوع، وترك السجود للسجدة [أو يسهو عن

стр. 392

السجدة فيركع، فإن قصد الركوع، وترك السجود للسجدة] (١) فلا إشكال أن الركعة تجزئه لفرضه ونفله إن كانت نفلًا، مع الكراهية في ترك [السجود] (٢) في محله، ويعيدها في الركعة [الثانية] (٣) على حسب ما تقدم. فإن سها عن السجود [فركع] (٤) فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن ينوى بانحطاطه من أوله الركوع، أو كانت نيته [للسجود] (٥) فلما أن انحنى غلب ذلك [عليه] (٦) فنسى السجدة فبقى راكعًا. فإن نوى الركوع بأول انحطاطه: فلا خلاف أيضًا أنه يتمادى على الركعة حتى يتمها [إن نوى الركوع] (٧). فإن كان نوى [بأول انحطاطه] (٨) السجدة، ثم نسى فركع: فقد اختلف قول ابن القاسم، وأشهب في ذلك. فابن القاسم يقول: إن ذكرها وهو راكع فليخر ساجدًا، ثم يقوم ويكبر ويبتدئ بالقراءة. قال ابن حبيب: ويسجد بعد السلام إذا أطال الركوع؛ قال ابن أبي زيد: يريد اطمأن في ركوعه، والله أعلم [ق/ ١٩ أ]. قال ابن القاسم: فإن لم يذكر حتى أتم الركعة ألغاها.

стр. 393

وروى أشهب عن مالك أنها تجزئه عن الركعة، وإن ركعها ساهيًا عن السجدة. وروى علي بن زياد أيضًا عن مالك في "المجموعة"، قال: ويقرأ السجدة فيما بقى من صلاته، ويسجد بعد السلام. وقال المغيرة: لا يسجد. وسبب الخلاف: هل يسجد في زيادة القرآن أم لا؟. وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا [فمن رأى أن الحركة إلى الأركان لازمة قال] (١) يعيد تلك الركعة ولا تجزئه؛ لأن الانحناء إنما كان للسجود، لا للركعة، والسجود نفل. ومن رأى أن الحركة ليست [بلازمة] (٢)، وإنما المقصود الإتيان بالركوع الذي هو ركن متفق عليه، وقد أتى به، فيقول بالإجزاء. وأما إذا قرأها في غير صلاة، فلا يخلو من أن يقرأها في غير إبَّان صلاة النافلة، أو في إبَّانها. فإن كان في إبَّان صلاة النافلة، وكان القارئ على [وضوء] (٣) فلا خلاف أن [السجود] (٤) يتوجه عليه في خاصة نفسه [على] (٥) الجملة، ونحن نبين ذلك إن شاء الله تفصيلًا. ثم لا يخلو القارئ من أحد وجهين:

стр. 394

إما أن [يكون] (١) يقرأ لنفسه، أو يقرأ لغيره. فإن كان يقرأ لنفسه: فالحكم كما قدمناه. وإن كان يقرأ لغيره: فلا يخلو من [وجهين إما] (٢) أن يكون قصد بقراءته الأجر والثواب، [أو يكون قصد بها] (٣) الرياء والسمعة. فإن قصد بها الرياء والسمعة مثل الذي يقعد في المساجد يوم الخميس فيقرأ، ويقصد إلى الحافل والجوامع، فيتعمد آية من القرآن يختارها موافقة لما يريد من الألحان، والتطريب، ويردد [قراءتها بحسن] (٤) الصدى والترنم. فلا خلاف في المذهب أن ذلك مكروه، وأمر مالك [﵁] (٥) أن [يقام] (٦) من هذه صفته [وعادته] (٧) ويترك ولا يجلس إليه أحد؛ لأن ذلك بدعة مذمومة. فإن قصد بجلوسه الأجر والثواب؛ مثل من يجلس لقراءة القرآن فيجلس إليه الناس، فهذا [الذي يجلس إليه] (٨) لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجلس قصدًا للتعليم. والثاني: أن يجلس إليه على معنى الاستماع للأجر [والثواب] (٩).

стр. 395

والثالث: أن يجلس إليه قصدًا للسجود خاصة. فإن جلس إليه على [سبيل] (١) التعليم، كالمعلم، والمتعلم: فلا خلاف في المذهب أنه لا يلزمهما أن يسجدا كلما مرا بسجدة؛ لأن ذلك من باب الحرج والمشقة. واختلف في السجدة الأولى هل يسجدانها أم لا؟. على قولين (٢): أحدهما: أنهما يسجدانها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنهما لا يسجدانها كالتي تأتي بعدها. وهو قول أصبغ وابن عبد الحكم، [والتوجيه] (٣) ظاهر. وأما إن جلس إليه على سبيل الأجر والثواب في استماع القرآن: فإن سجد القارئ فلا خلاف أن المستمع يؤمر بالسجود. فإن لم يسجد القارئ هل يسجد المستمع أم لا؟ [فالمذهب] (٤) على قولين (٥): وسبب الخلاف: تعارض الأخبار؛ من ذلك قوله ﷺ : "إنما السجدة على من استمعها" (٦).

стр. 396

ومنها: قوله ﷺ : "لو كنت إمامًا لو سجدت لسجدت معك". وهذا يسلك فيه [مسلك] (١) الترجيح، وهذا كله إذا كان القارئ ممن تجوز إمامته. فإن كان ممن لا تجوز إمامته كالصبي والفاسق والمرأة: فالمذهب [في ذلك] (٢) على قولين: أحدهما: أنه لا سجود على المستمع، وهو قوله في "المدونة" (٣). والثاني: أنه يسجد [وإن كان القارئ ممن لا تجوز إمامته] (٤)، و [هي رواية] (٥) ابن القاسم عن مالك حكاها الحفيد في [كتاب] (٦) "النهاية". وسبب الخلاف: ما قدمناه. فإن جلس إليه قصدًا للسجود خاصة [دون الأجر والتعليم] (٧): فقد قال في "المدونة" (٨): فإن علم أنه أراد قراءة السجدة خاصة: قام عنه، ولم يجلس معه. فظاهر هذا: أنه لا يسجد، سجد القارئ أم لا. وعلى هذا حمله حُذَّاق المتأخرين، وذهب [الشيخ] (٩) أبو الحسن

стр. 397

اللخمي إلى أنه يسجد معه [إن سجد] (١) وكذا وقع في بعض روايات "المدونة" أيضًا. وأما إذا قرأها في غير إبان صلاة؛ مثل أن يقرأها بعد العصر، أو بعد الصبح، فإذا قرأها بعد الاصفرار أو بعد الإسفار: فلا خلاف أنه لا يسجدها، بل يحظر فيها. واختلف إذا قرأها بعد العصر أو قبل الاصفرار، أو بعد الصبح وقبل الإسفار على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٢). أحدها: أنه لا يسجد بعد الصبح وبعد العصر أصلًا، وهو قوله في "المدونة" في صلاة النافلة. والثاني: أنه يسجد بعدها ما لم تصفر الشمس أو يسفر [الصبح] (٣). وهو قوله في "المدونة" قياسًا على صلاة الجنائز. والثالث: أنه يسجد بعد الصبح، ولا يسجد بعد العصر. وهو قول مُطَرِّف، وابن الماجشون. وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٤) في سجود التلاوة، هل هو من السنن أو من النوافل؟ والتفريق بين الصبح والعصر لا وجه له. وهل يكبر لها إذا سجدها، وإذا رفع منها؟ قولان عن مالك في "الكتاب".

стр. 398

ولا خلاف [ق/ ٣٩ أ] أنه لا يسلم منها، كما لا يحرم [لها] (١) [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 399

المسألة الثالثة في الجمع بين الصلاتين إما لمطر، أو لمرض، أو لسفر. [فأما المطر] (١): فالجمع مشروع عندنا بين الصلاتين المشتركتي الوقت من صلاة الليل بالاتفاق إذا كان مطر وطين وظلمة [أو مطر وطين، أو طين وظلمة] (٢). وهذا لا اختلاف فيه عندنا في مذهب مالك [﵁] (٣) إلا رواية شاذة [رويت] (٤) عن مالك أنه لا يجوز الجمع إلا في مسجد النبي ﷺ خاصة، وحكاها المازري ﵀. وظاهر "المدونة" (٥) على الرواية المشهورة: إذا كان مطر أو طين وظلمة [بإثبات الألف] (٦) وهذه الرواية التي اختصر عليها أبو محمَّد [وغيره] (٧): أن المطر بمجرده يجمع فيه، وإن كانت الليلة مُقمرة إذا كان مطر، وهو قول ابن حبيب في "كتاب النوادر" (٨). ولا خلاف فيه في المذهب إلا متأولًا. واختلف في الطين بانفراده على قولين:

стр. 400

أحدهما: أنه لا [يباح] (١) به الجمع، وهو ظاهر المدونة. والثاني: أنه يبيح الجمع، وهو [ظاهر] (٢) قول مالك في "العتبية" (٣) ولخصه بعض المتأخرين فقال: [يجمع في] (٤) المطر وحده، ولا يجمع في الظلمة بانفرادها. والذي قاله صحيح لا شك فيه؛ إذ لا خلاف أن الظلمة بانفرادها لا تبيح الجمع [إلا بانضمام وصف آخر إليها، إما مطر وإما طين أو ريح شديدة؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتخلف عن الجماعة إذا كانت الريح شديدة، والذي يبيح التخلف يبيح الجمع] (٥) ولا إشكال في ذلك. وقولنا: مشتركتي الوقت؛ احترازًا من الصلاتين اللتين ليس بينهما اشتراك كالعشاء والصبح. وقولنا: من صلاتي الليل؛ احترازًا من صلاتي النهار كالظهر، والعصر -على ما سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى. فإذا قلنا بجواز الجمع إذا حصلت الشروط المبيحة للجمع بين المغرب والعشاء، فمتى يجمع بينهما؟ ومن يجمع؟ فأما وقت الجمع: فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٦): أحدها: أنه يجمع بينهما عند الغروب؛ [فتصلى] (٧) المغرب في أول

стр. 401

[ق/ ٣٠ جـ]، وقتها، ويتقدم العشاء عن وقتها، ولاسيما على القول بأن المغرب ليس لها إلا وقت واحد، [وهو] (١) الفراغ منها كما قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في التلقين، فيؤذن للمغرب في أول وقتها على صفة الأذان المشروع في الجهر. فإذا فرغ من الأذان أقام الصلاة، وصلى بهم الإِمام المغرب، فإذا [سلم] (٢) منها أخذ المؤذن أيضًا في الأذان للعشاء الآخرة عند باب المسجد أو في صَحْنه أذان ليس بِعَالٍ، وإذا فرغ منه أقام الصلاة، ثم صلى بهم الإِمام، فإذا سلم انصرفوا، ولا يوتروا في المسجد [ويؤخر] (٣) حتى يغيب الشفق، ثم يوتروا في بيوتهم. وقولنا: أذانًا ليس بعالٍ، لئلَّا يؤدي إلى التلبيس والتخليط على من لم يحضر في المسجد ممن كان في بيته فظن أن الشفق قد غاب [فيصلي] (٤) العشاء قبل وقتها. وهذا قول [محمَّد] (٥) بن عبد الحكم، وهو قول مالك في "المدونة" في المريض إذا كان الجمع في أول الوقت أرفق به، فيجوز له الجمع أول الوقت؛ فكذلك الجمع ليلة المطر، فالجمع في أول الوقت أرفق بالقوم لينصرفوا قبل أن يأتي عليهم جل الظلام. [والقول الثاني: أنهم يؤخرون المغرب قليلًا ثم يجمعون وينصرفون وعليهم قليل، والأذان كما تقدم، وهو قول ابن القاسم في المدونة] (٦).

стр. 402

والثالث: أنهم يؤخرون المغرب ثم يصلون، ثم يؤذن للعشاء، و [ينتظرون] (١) حتى يغيب الشفق، أو بعضه ثم يصلون العشاء. [هو قوله] (٢) في مختصر ابن عبد الحكم. وسبب الخلاف: الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، هل هو سنة أو رخصة؟ فمن رأى أنه سنة يقول كما قال ابن القاسم. ومن رأى أنه رخصة يقول كما قال ابن عبد الحكم وابن وهب. واختلف في الأذان هل يصليهما بأذانين وإقامتين، أو بأذان واحد، وإقامتين بلا أذان، [أو لا أذان ولا إقامة] (٣)؛ على أربعة أقوال؛ ثلاثة منصوصة منها في "كتاب الحج". وعلى القول بأنه يؤذن للعشاء بعد الفراغ من المغرب، هل يجوز التنفل بينهما أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يتنفل بينهما، وهو قول ابن حبيب. والثاني: أنه لا يتنفل بينهما، وهو قول مالك في "مختصر" ابن عبد الحكم. وأما من يباح له الجمع مع القوم، فهو كل من شاركهم في السبب المبيح للجمع، فإنه يجمع [معهم] (٤) اتفاقًا.

стр. 403

واختلف في المعتكف هل يجمع معهم [أم لا] (١)؟ فالمنصوص في المذهب أنه يجمع معهم ليجد من فضل الجماعة. ويؤخذ من المذهب قول آخر أنه لا يجمع معهم، وهو قول أبي عمران الفاسي فيمن كان جار المسجد ولا ضرر [عليه] (٢) فإنه لا يجمع معهم. وهكذا اختلفوا فيمن صلى المغرب في بيته ثم وجد الناس في العشاء [الآخرة] (٣)، وقد فرغوا من المغرب هل يصلي معهم العشاء أم لا؟. على قولين قائمين من "المدونة" (٤): أحدهما: أنه يجمع [معهم] (٥) وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه لا يجمع وينتظر غيبوبة الشفق، وهو قول مالك في "المختصر" وهو ظاهر "المدونة"، وعلى القول بأن الجمع رخصة. وأما إن وجدهم قد فرغوا من العشاء فلا خلاف أنه لا يصلي العشاء حتى يغيب الشفق. وهكذا اختلف المذهب أيضًا في القوم يصلون المغرب ثم يتنفلون لها، وقد وقع المطر هل يجمعون أم لا؟ فروى أصبغ عن ابن القاسم: أنهم لا يجمعون، وقال محمَّد بن أبي زيد زمنين: إن فعلوا فلا بأس بذلك. قال ابن أبي زيد في "النوادر" (٦): وأعرف فيها قولًا آخر لا

стр. 404

[أدرك] (١) قائله، ولم يبين [مقتضى] (٢) ذلك القول هل هو جواز تقديم العشاء ابتداء خلاف ما روى أصبغ، أو لا يجزئهم إن فعلوا ردًا على ابن أبي زمنين. فلأجل هذا الاحتمال نقلت المسألة على وجهها، ولم أحصل ما فيها من الأقوال. قال محمَّد بن يونس: [وينبغي] (٣) على قياس قول محمَّد بن عبد الحكم -الذي يرى الجمع في أول الوقت- أن يجمعوا إذا وقع المطر بعد صلاة المغرب. وسبب الخلاف: الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، هل هو عزيمة أو رخصة؟ فمن رأى أنه عزيمة قال: لا يجمع [معهم] (٤) المعتكف، ولا من صلى المغرب في بيته، ولا يعجل العشاء قبل وقتها إذا نزل المطر بعد الفراغ من المغرب، وهو قول [ابن] (٥) قسيط في "المدونة"، ونص مالك [فيها] (٦)، وقد جمع رسول الله ﷺ في المطر للرفق بالناس، وهي سنة من رسول الله ﷺ ، و [كذلك] (٧) قال مالك في "المختصر" أيضًا [هو سنة] (٨).

стр. 405

ومن رأى أنه رخصة من رسول الله ﷺ قال: يجمع هؤلاء كلهم رخصة لهم لإدراك فضيلة الجماعة، وهو ظاهر المدونة، ومشهور المذهب، وهو نص مالك في "كتاب محمَّد". وأما الجمع بين صلاتي النهار، الظهر، والعصر [في الحضر] (١) لأجل المطر: فاختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يجمع بينهما، وهو المشهورة لأن الناس ينصرفون حينئذ إلى أشغالهم في أمر دنياهم فكان سعيهم إلى المساجد لصلاتهم أولى. والثاني: أنه يجوز الجمع، وهو قول أشهب في "النوادر" (٢) أنه يجوز لهم الجمع في الظهر والعصر لغير عذر، فمع وجود العذر أولى [وأحرى] (٣). وهو نص قول عبد الملك [أنه] (٤) إذا صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها: جاز الجمع، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد". وسبب الخلاف: الرخصة هل تتعدى [بابها] (٥) أو لا تتعدى؟ فمن [رأى أنها] (٦) تتعدى قال بجواز الجمع بين صلاتي النهار. ومن رآها أنها لا تتعدى قال: لا يجوز الجمع، والرخصة مقصورة

стр. 406

على صلاة الليل. وهذا [على] (١) القول بأن الجمع ليلة المطر رخصة. وللخلاف سبب آخر: [وهو اختلافهم في مفهوم] (٢) حديث ابن عباس ﵁ أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء في غير خوف ولا سفر (٣). وقال مالك: أراد ذلك في مطر. وزاد في حديث مسلم: ولا مطر. فمنهم من حمله على ظاهره، وجوز الجمع في الحضر لعذر ولغير عذر، وهو مذهب أهل الظاهر، وأشهب من [أهل] (٤) المذهب. ومنهم من قَيَّدَه بالعذر؛ وهو عذر المطر، وهو الشافعي ﵁. وأما مالك ﵁ فقد فرق بين صلاة الليل وصلاة النهار، وأخذ عليه الشافعي في ذلك؛ لأنه روى حديث ابن عباس ﵁ وخصصه بالقياس، وقال: أراد ذلك في مطر، فلم يأخذ بعموم الحديث، ولا بتأويله -أعني تخصيصه- بل رد بعضه، وتأول بعضه، وذلك شيء لا يجوز بالإجماع؛ وذلك أنه لم يأخذ بقوله في الحديث: "جمع بين الظهر والعصر" (٥) وأخذ بقوله: "و [بين] (٦) المغرب والعشاء" وتأوله.

стр. 407

قال القاضي أبو الوليد [ق/ ٤٠ أ] [وحفيده رحمهما الله] (١) وأحسب أن مالكًا ﵀ إنما رد بعض هذا الحديث لأنه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل؛ وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ما روى أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم. والكلام على عمل أهل المدينة هل يكون دليلًا، أو لا يكون دليلًا؟ وهذا محال على فن الأصول. وأما الجمع لأجل المرض: فلا يخلو هذا المريض من [أحد] (٢) وجهين: إما أن يخاف أن يغلب على عقله أم لا. فإن خاف أن يغلب على عقله هل يجمع بين الصلاتين في [أول] (٣) وقت الأولى منهما؛ كالزوال، أو الغروب، أو يؤخر؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (٤) من "المدونة" (٥): أحدهما: أنه يجمع بينهما في أول الوقت، وهو قوله في "الكتاب". والثاني: أنه لا يجمع بينهما ويصلي كل صلاة في وقتها، [وهي رواية] (٦) ابن نافع عن مالك (٧).

стр. 408

ووجه من قال يجمع [بينهما] (١) في أول الوقت: قال مخافة أن يغلب على عقله فلا يفيق إلا بعد خروج الوقت فتفوت الصلاة، فكان الإتيان بها في [أول] (٢) الوقت أولى. ووجه القول الثاني: أنه يصلى كل صلاة في وقتها بناء على أن الصلاة لا يجب على المكلف فعلها إلا بعد دخول وقتها، فإن [أغمى] (٣) عليه قبل دخول الوقت، فأفاق بعد خروج الوقت فلا شيء عليه؛ لا إثم ولا قضاء، وهو الذي يقتضيه النظر، والله أعلم. وسبب الخلاف: الظهر والعصر، هل بينهما اشتراك أم لا؟ وكذلك المغرب والعشاء. [فمن] (٤) قال بالاشتراك: جوز الجمع في أول الوقت. ومن نفى الاشتراك: منع الجمع، وقال [أيضًا] (٥): يصلي كل واحدة في وقتها إلا ما خصصه الدليل النظري أو السمعي كجمع المسافر في أول [الزوال] (٦) إذا ارتحل من المنهل، وذلك أن الضرر هناك لاحقه والمشقة كذلك بتكلف النزول والركوب، وربما يستضر بذلك، إما في بدنه؛ أو لأن النزول والركوب مرة بعد أخرى مما يشق على الراكب، ولاسيما بُعد السفر ومشقة المسافة. وإما بالدابة في إعيائها ليلحق بها القافلة، وما كان في معناه.

стр. 409

فعلى القول بأنه يجمع في أول الوقت إذا خاف أن يغلب على عقله، فإن جمع ولم [يغلب على] (١) عقله بعد ذلك، هل يعيد [العصر] (٢) في وقتها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٣): أحدهما: أنه يعيد، وهو قول عيسى بن دينار، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في [التيمم] (٤). والثاني: أنه لا يعيد. وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ وله سبب آخر، وهو الأمر إذا وقع موقع السداد، ثم انكشف عن الفساد. فإذا لم يخش أن يغلب على عقله، وكان الجمع أرفق [به] (٥) لشدة مرض أو بطن منخرق: فإنه يجوز له الجمع. واختلف في الوقت الذي يجوز [له] (٦) فيه الجمع على قولين قائمين من "المدونة" (٧). أحدهما: أنه يجمع بين الظهر والعصر في وسط [وقت الظهر] (٨)،

стр. 410

وهكذا وقع في بعض روايات "المدونة"، و [عليها] (١) اختصر أكثر المختصرين (٢). والثاني: أنه يجمع بينهما في آخر القامة [الأولى] (٣)، وهو [قوله] (٤) في "الكتاب" في المغرب والعشاء أنه يجمع بينهما عند غيبوبة الشفق، وهو مذهب سحنون؛ [لأنه] (٥) أمر بإسقاط الوسط من "المدونة" وطرحه. وعلى القول بأنه يجمع بينهما في وسط وقت الظهر، فقد اختلفوا في وسط وقت الظهر [ما هو] (٦) على أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بالوسط: وقت الاختيار، وهو نصف القامة، وهو تأويل بعض الشيوخ، وإليه ذهب ابن [أخي] (٧) هشام. والثاني: أنه ثلث القامة لبطء حركة الظل وزيادة أول الوقت وسرعة ذلك بعده. فالثلث عند هذا القائل في التقدير وسط، وهو قول ابن شعبان [القرطي] (٨). والثالث: أنه ربع القامة، وهو قول ابن حبيب. والرابع: أن الوسط هو آخر القامة، وهو اختيار أبي عمران الفاسي،

стр. 411

وهو مذهب سحنون، وهذا القول يرجع إلى الرواية بإسقاط [لفظ] (١) الوسط. واختلافهم في ذلك يرجع إلى ارتحال الشمس، ومعرفة منازلها. وليس هو [اختلاف] (٢) يرجع إلى [الدليل السمعي] (٣)، وهذا في الجمع بين صلاتي النهار. وأما المغرب والعشاء إذا كان الجمع أرفق به، فإنه يجمع بينهما عند غيبوبة الشفق [على المشهور في المذهب] (٤). ويتخرج في المذهب قول آخر: أنه يجمع [بينهما] (٥) أول وقت المغرب على القول بأن المغرب ليس لها إلا وقت واحد. وأما الجمع لأجل السفر: فمنه ما يتفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه. فأما المتفق عليه: فهو الجمع بين الظهر والعصر [بعرفة] (٦) والمغرب [ق/٣١جـ] والعشاء بمزدلفة، والاتفاق في [الجمع بين] (٧) الظهر والعصر عند الزوال. واختلف هل ذلك بأذانين وإقامتين [على حسب ما قدمناه أول المسألة] (٨).

стр. 412

وهكذا المغرب والعشاء أيضًا لا خلاف في جواز الجمع بينهما بالمزدلفة إذا وصلوها بعد مغيب الشفق. واختلف إذا جدوا وعجلوا السير، فوصلوها قبل مغيب الشفق، فهل يجمعون حينئذ [أم لا] (١)؟ على قولين [منصوصين في "المدونة" (٢)] (٣): [أحدهما] (٤): أنه يجوز لهم الجمع حينئذ، وإن فرغوا قبل مغيب الشفق، وهو قول أشهب. والثاني: أنهم لا يجمعون وينتظرون مغيب الشفق، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه سئل فيها عن الإِمام إذا عَجَّل [السير] (٥) من عَرَفة، ووصل مُزْدَلِفَة قبل مغيب الشفق؟ فقال: ما [أظن] (٦) ذلك [يكون] (٧)، فإن كان فلا يجمعوا حتى يغيب الشفق. وسبب الخلاف: الجمع بمزدلفة بعد مغيب الشفق هل هو سنة لا يجوز تقديمها قبل ذلك؟ أو إنما خرج مخرج الغالب لما كانت المسافة بعيدة -وهي ستة أميال- لا يقطعها الإنسان في الغالب إلا بعد مغيب الشفق، فركب الأمور على الغالب حتى لو اتفق أن تقطع قبل المغيب لكان الحكم الجمع حينئذ.

стр. 413

وأما المختلف فيه: فهو جمع المسافر في غير عرفة، والمزدلفة؛ فذهب مالك والشافعي إلى جواز الجمع على الجملة، ومنعه أبو حنيفة وأصحابه، ووافقه أشهب -من أصحاب مالك ﵀. وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل الآثار [التي رويت] (١) في الجمع، والاستدلال بها على وجه الجمع؛ لأنها كلها أفعال وليست أقوالًا. والأفعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرًا أكثر من تطرقه إلى اللفظ. وثانيًا: اختلافهم في تصحيح بعضها. وثالثًا: اختلافهم في جواز القياس في ذلك. فهذه الثلاثة الأسباب هي مثار الخلاف. أما الآثار التي اختلف في تأويلها، فمنها حديث أنس، الثابت بالاتفاق، خرجه البخاري [ق/ ٢٠ ب] ومسلم (٢)، قال: كان رسول الله ﷺ : إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل [فيجمع] (٣) بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر. ومنها حديث ابن عمر خرجه [الشيخان] (٤) أيضًا قال: رأيت رسول الله ﷺ : إذا عجل به السير [في السفر] (٥) يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء الآخرة (٦).

стр. 414

و [الحديث الثالث] (١): حديث ابن عباس، خرجه مالك ومسلم، قال: صلى النبي ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير [خوف ولا] (٢) سفر (٣). فذهب القائلون [بجواز] (٤) الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما. وذهب آخرون إلى أنه صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها؛ على ما جاء في إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﵇، قالوا: وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس ﵁، واحتجوا لتأويلهم أيضًا بحديث [ابن مسعود] (٥) قال: والذي لا إله غيره ما صلى النبي ﷺ الصلاة قط إلا في وقتها، إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة، وبين المغرب والعشاء فجمع -يعني بالمزدلفة: قالوا: وأيضًا فإن هذه الآثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن، أو على ما تأولتموه [أنتم] (٦)، وقد صح توقيت الصلاة وبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن ينتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل. وأما الآثار التي اختلفوا في تصحيحها: فما رواه مالك من حديث معاذ بن جبل: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر و [بين] (٧)

стр. 415

المغرب والعشاء، قال: [فَأخَّرَ] (١) الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى صلاة [الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى] (٢) المغرب والعشاء جميعًا (٣). وهذا الحديث لو صح (٤) لكان أظهر من جميع الأحاديث في جواز الجمع؛ لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب. وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات [في السفر] (٥) بصلاة عرفة ومزدلفة -أعني أنه يجوز الجمع [قياسًا على تلك المعاني: فيقال مثلًا: صلاة وجبت في سفر، فجاز أن يجمع وأصله الجمع] (٦) بعرفة والمزدلفة، لكن القياس في العبادات يضعف فحواه. قال سالم بن عبد الله: وهذا تمحيص الدليل فيما بيننا وبين المخالف. وأما حقيقة مذهب مالك في المسألة: فالذي يتحصل عندي ثلاثة أقوال [كلها منصوصة] (٧): أحدها: أنه يجوز بشرطين [ق: ٤١ أ] [أحدهما] (٨) أن يجد به السير، ويخاف فوات أمر. وهو قول مالك في "المدونة" [ومعنى جد السير] (٩) مبادرة ما يخاف فواته، والمسارعة إلى ما يهمه.

стр. 416

والثاني: أنه [يجوز الجمع] (١) بشرط واحد؛ وهو جَدّ السير، وإن لم [يخش] (٢) فوات أمر، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٣) آخر الباب أيضًا. والثالث: أن الجمع يجوز في السفر، وإن لم يجد به السير، وهو قول أشهب (٤). وسبب الخلاف: السبب المبيح للجمع، هل هو مجرد السفر [أو السفر مع الجد بانفراده أو مع فوات أمر، وهل العلة ذات وصف واحد أو ذات أوصاف، فمن جعل العلة مجرد السفر خاصة] يقول: إنها ذات وصف واحد (٥). ومن جعل العلة مركبة قال: لابد من وصف [آخر] (٦) يضم إلى السفر، إما جد السير بانفراده -على قول-، وإما جد السير [مع] (٧) ما [يخشى] (٨) فواته من أمره. فإذا قلنا بجواز الجمع فإنه يجوز في كل سفر مباح -كانت مسافته تقصر [في مثلها] (٩) الصلاة أم لا- وهو قول أبي محمَّد عبد الوهاب (١٠).

стр. 417

ولست أعرف في المذهب [نص خلاف] (١) في ذلك. واختلف في السفر غير المباح، هل يجمع فيه على ما يأتي من تقاسيم السفر في باب قصر الصلاة [إن شاء الله تعالى] (٢)، وأما بيان الوقت الذي يجوز فيه [الجمع] (٣) للمسافر: فذلك يختلف باختلاف [حالاته] (٤)؛ وهي على أربعة أوجه: ["إما" (٥)]: أن يرتحل من المنهل قبل الزوال، وينزل بعد الغروب، أو [ينزل] (٦) قبل الغروب وبعد الاصفرار؛ فهذان وجهان. أو يرتحل من المنهل وينزل [بعد الغروب أو قبله] (٧) وبعد الاصفرار؛ فهذان وجهان آخران: فأما الوجه الأول: إذا ارتحل قبل الزوال، ويكون نزوله بعد الغروب: فهذا يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر؛ إذ لا يجوز تقديم الصلاة [عن] (٨) وقتها، ولا تأخيرها عن [الوقت] (٩) الكلي؛ كالغروب في صلاة النهار، ولا خلاف في هذا الوجه. وأما الوجه الثاني: إذا كان نزوله قبل الغروب، وبعد الاصفرار: فإنه يؤخرها إلى [آخر] (١٠) وقت العصر فيصليهما؛ لأن تأخير وقت الصلاة

стр. 418

عن وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار لا يجوز مع الاختيار. فإذا ارتحل قبل الزوال فقد ارتحل قبل وجوب الصلاة، [فإن] (١) زالت الشمس، فلا يكلف النزول لصلاة الظهر ساعتئذ؛ لأنه بين أحد أمرين؛ إما أن يجمع بينهما، أو يصلي الظهر بانفرادها. فإن جمع بينهما أول الزوال فقد قدم العصر عن وقتها، ولا يجوز له أن يقدمها [عن] (٢) وقتها إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا [تدعوه] (٣) إلى ذلك؛ لأنه على النزول في آخر وقت العصر عند الاصفرار فيجمع بينهما في تلك الساعة ولا إثم عليه في ذلك، كما كان يجوز له أن يقدم العصر [عن] (٤) وقتها ويجمع بينهما وبين الظهر في أول [الزوال] (٥) عند الرحيل من المنهل لأجل الضرورة، فكذلك [يجوز] (٦) تأخير الظهر إلى وقت العصر لأجل الضرورة. وأما أن يصلى الظهر [في وقتها] (٧) وحدها، ويؤخر العصر إلى وقتها، فقد حظر [عليه] (٨) الجمع الذي أباح له الشرع. وأما الوجه الثالث: إذا ارتحل من المنهل عند الزوال، وكان نزوله بعد الغروب: فإنه يجمع بينهما ساعتئذ، ثم يرتحل؛ وهذا كما فعله النبي ﷺ [في الجمع] (٩) بعرفة ومزدلفة.

стр. 419

فقد [أباح] (١) الجمع بعرفة بين الظهر والعصر [وهم نزال] (٢)؛ لأنهم إذا ركبوا تَلَبَّسُوا بأمر لا يفرغوا منه إلا بعد الغروب -وهو الوقوف- فكذلك المسافر إذا ارتحل تَلَبَّس بأمر لا يفرغ منه إلا بعد الغروب، وهو السّير. فإذا ركب المسافر قبل الزوال، ونيته ألا ينزل إلا بعد الاصفرار: فإنه يؤخر الجمع إلى وقت نزوله؛ لأن الشمس تزول وهو راكب فيمد إلى أقصى مرحلته، كما أن أهل عرفة تغرب عليهم الشمس، وهم ركبان فيصلون قبل ذهاب نصف الليل. وأما الوجه الرابع: إذا ارتحل من المنهل عند الزوال، فنزل عند الاصفرار، فهل يجمع بين الظهر والعصر عند الزوال؟ فالمذهب على القولين: أحدهما: أنه يجمع بينهما ثم يرتحل، وهو مذهب "المدونة" (٣). والثاني: أنه لا يجمع، وظاهر هذا القول أنه يصلي كل صلاة في وقتها، فيصلي الظهر على هذا القول في المنهل، فإذا نزل في المنزل صلى العصر. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار المروية عن النبي ﷺ في هذا الباب، فمنها: حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع [ذلك] (٤)، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب (٥).

стр. 420

[ظاهر] (١) هذا الحديث أنه يؤخر العصر، وهذا الحديث خرجه البخاري ومسلم. والثاني: حديث معاذ [بن جبل] (٢) قال: كان رسول الله ﷺ في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، [فإذا ارتحل قبل الغروب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء] (٣)، وإذا ارتحل بعد الغروب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب (٤). فمن أخذ بظاهر حديث أنس: يصلي الظهر وحدها، وإذا ارتحل عند الزوال ويؤخر العصر إلى وقتها. ومن أخذ بحديث معاذ قال: يجمع بينهما عند الزوال، و [هذا] (٥) مشهور المذهب. واسلك بصلاة الليل في الجمع إذا ارتحل قبل الغروب، وينزل بعد طلوع الفجر أو قبله هذا المسلك ونزله على هذه الوجوه الأربعة، ولا فائدة في التطويل [في ذكره] (٦) [مع وجود المندوح عنه] (٧)، والله يهدينا ويلهمنا رشدنا، ويجري الصواب على ألسنتنا [وهو] (٨) ولينا ومولانا [والحمد لله وحده] (٩).

стр. 421

المسألة الرابعة [في] (١) قصر الصلاة في السفر والكلام في هذه المسألة [ينحصر] (٢) [في] (٣) خمسة فصول: أحدها: في حكم القصر. والثاني: في السفر [الذي] (٤) يجوز فيه القصر. والثالث: في حد المسافة التي يجب فيها القصر. والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه المسافر [بالقصر] (٥). والخامس: في تقدير [الزمان] (٦) الذي يجوز فيه للمسافر إذا أقام [في] (٧) موضع أن يقصر الصلاة. فالجواب عن الفصل الأول: وهو حكم القصر هل هو فرض أو سنة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال (٨): أحدها: أنه فرض، وهو مذهب سحنون، ومال إليه ابن المواز، ولم يقدم عليه لما رأى [أن] (٩) مالكًا وأصحابه لم يختلفوا أن من أتم في السفر

стр. 422

أنه يعيد في الوقت. والثاني: أنه سنة وهي رواية أبي مصعب عن مالك. والثالث: أنه رخصة وتوسعة [ق/ ٣٢ جـ] [وهي رواية أبي جعفر الأبهري عن الشيخ أبي بكر الأبهري] (١). واختلف الذين ذهبوا إلى أنه رخصة وتوسعة في الأفضل على ثلاثة أقوال: أحدها: أن القصر أفضل، وهي رواية ابن وهب عن مالك. والثانى: أن الإتمام أفضل. والثالث: [التخيير] (٢) بين القصر والإتمام، من غير ترجيح. ووجه قول من قال: إن القصر فرض؛ استدلالًا بظاهر قول عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى (٣). فإن قيل: فلو كان فرضه ركعتان لما جاز أن يتم خلف المقيم. قلنا: الجواب أن هذا لا يمنع أن يكون فرضه ركعتين، ثم إذا صلى خلف مقيم فيصير فرضه فرض المقيم كالعبد والمرأة فرضهما أربعًا؛ ثم إذا صليا الجمعة خلف الإِمام فصار ذلك فرضهما. وإن كان الأبهري رد هذا الجواب.

стр. 423

ووجه قول من قال: إنه سنة: أن النبي ﷺ قصر [الصلاة] (١) في جميع أسفاره. ووجه [قول] (٢) من قال أنه رخصة وتوسعة: قوله ﷺ : "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣). فمن رأى أن القصر أفضل فقال: هذا أمر، والمراد به الندب، والأمر في قوله: "فاقبلوا صدقته" ولا يحمل على الوجوب في هذا الموضع بالإجماع؛ لأن [المتصدق] عليه لا يجبر على قبول الصدقة، غير أنه يحمل على الندب لا على الإباحة؛ لنفرق بين صدقة الله علينا، وصدقة واحد منا؛ لأن رد الصدقة على المتصدق يشعر بالاستغناء، وما يخشى أن يلحق المتصدق عليه من المن والأذى، وذلك لا يتصور في حق الله تعالى؛ لأنه غني ونحن الفقراء، ونحن العبيد وهو المولى. [فمن] (٤) رأى أن الإتمام أفضل فقال: الإتمام عزيمة، والقصر رخصة. ولا شك أن من حمل المشقة على نفسه، وأتى بالعزيمة على وجهها أفضل. ومن رأى أنه مخير: اعتمد ظاهر قوله ﵇ "صدقة" فيقول لا شك ولا خفاء أن المتصدق عليه مخير في الشاهد بين الرد والقبول، فيطرد ذلك [غالبًا] (٥).

стр. 424

وسبب الخلاف: في [أصل] (١) المسألة اختلافهم في كيفية فرض الصلاة؛ فمن ذهب إلى حديث عائشة ﵂: إن الصلاة فرضت ركعتين [ركعتين] (٢) وزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة (٣)، يقول: إن القصر [فرض] (٤) وهو مذهب إسماعيل القاضي و [هو قول] (٥) أشهب في روايته عن مالك، ومحمد ابن سحنون. ومن ذهب إلى فعل النبي ﷺ [وقوله] (٦) يقول: إنه سنة، وهو مشهور المذهب. والاستدلال بحديث عائشة ﵂ ضعيف من ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره الطحاوي (٧) في "شرح معاني [الأخبار] (٨) " عن عائشة ﵂ قالت: قصر رسول الله ﷺ في السفر وأتم (٩). وهذا [ق/ ٤٢ أ] الذي روته من فعل النبي ﷺ مخالف لحديثها: إن الصلاة فرضت ركعتين، [ولو] (١٠) صح لما أتم النبي ﷺ .

стр. 425

والوجه الثاني: بكون أكثر الصحابة رضوان الله عليهم على خلاف حديثها، [وأنهم] (١) كانوا ويقصرون، بعضهم يتم فلم [ينكر] (٢) بعضهم على بعض، ولو كان الفرض في البداية كما قالت عائشة ﵂ ما خفى ذلك عن جماهير الصحابة، ولا اشتهر ذلك [عنهم] (٣)، ولنقل نقلًا شائعًا دائمًا؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، والناس ملجؤون إلى الأسفار تارة للعبادات، وتارة للعادات، فكيف تنفرد عائشة ﵂ بهذا الأمر العظيم، والخطب الجسيم. والوجه الثالث: مخالفتها للحديث؛ لأنه روى عنها أنها كانت تتم في السفر. وقد اختلف الأصوليون في الراوي إذا روى الحديث ثم خالفه هل يكون ذلك وهنًا في الحديث؟ فبعضهم يقول: إن ذلك وهن في الحديث، ويبطل العمل بمقتضاه؛ إذ لا يمكن أن يروي الراوي الحديث ثم يترك العمل به إلا وقد علم [فيه] (٤) النسخ؛ إذ لو تركه وهو لا يعلم أنه منسوخ لكان ذلك جرحة فيه. وبعضهم يقول: لا يكون ترك الراوي العمل بمقتضى [حديثه] (٥) دليلًا على بطلانه. و [هذا] (٦) هو الصحيح لاحتمال أن يكون تركه لتأويل تأوله [فيه] (٧) فلا يلزم غيره من العلماء اتباعه فيه؛ كتقديم القياس الجلي على أخبار
следующие страницы →