← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومع وجود الإزار: الكراهة، والإجازة [بغير] (١) كراهة. و [الضرب] (٢) الثالث: التوشح المباح في الصلاة وغيرها؛ أن يأخذ ثوبه تحت يده اليمنى فوضعه على كتفه الأيسر، وأخذ الطرف الآخر من تحت يده اليسرى فوضعه على كتفه اليمنى. فهذه صفة التوشح [المباح] (٣)، وهو تفسير [القاضي] (٤) أبي الوليد الباجي [﵁] (٥). والجواب عن الوجه الثاني: [إن] (٦) لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؛ فإنه يصلي به ولا يصلي عريانًا مع وجوده. فإن وجد ثوبًا طاهرًا في الوقت، أو ما يغسله به، فإنه يعيد في الوقت. واختلف في حد الوقت على قولين: أحدهما: [أن آخر الوقت] (٧) الاصفرار [في الظهر والعصر] (٨) والمغرب، والعشاء: الليل كله؛ بمنزلة ما لو صلى به ناسيًا. وهو قوله في "المدونة".

стр. 352

والثاني: أن الوقت [فيه] (١) بغروب الشمس [في الظهر والعصر] (٢) والليل كله إلى طلوع الفجر في المغرب والعشاء. وهو قول ابن المواز في الغروب [ق/ ١٧ ب]. والفرق بين الليل [والنهار] (٣) أن الإعادة في الوقت استحبابًا، فأشبهت التنفل، فكما لا يجوز التنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد به ما وجب فيه إعادته. ولما جاز التنفل في الليل كله: جازت الإعادة [فيه] (٤) والله أعلم. و [أما] (٥) الجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يجد إلا ثوب حرير، هل يصلي به أم لا؟. فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلي [فيه] (٦) ولا يصلي عريانًا. وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٧)؛ لأنه قال: يصلي بالحرير [أحب إليَّ] (٨) مع وجود الثوب النجس. والثانى: أنه يصلي عريانًا ولا يصلي به.

стр. 353

وهو قول أشهب في "الموازية" (١)، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه. فوجه القول إنه يصلي عريانًا؛ بناء على أن وجوده كالعدم على سواء؛ لنهيه ﵇ [الذكور] (٢) عن لباس الحرير. ووجه [قول] (٣) من [ق/٢٦جـ]، جوز [الصلاة به] (٤): بناء على أن النهي لما كان للسرف؛ فإن من اضطر إليه غير قاصد إلى السَّرَف: فيجوز له لبسه. فكيف الصلاة فيه، وقد أجاز النبي ﷺ لباسه لعبد الرحمن بن عوف لأجل الحَكَّة التي كانت ["به" (٥)] (٦)؟. [واختلفوا] (٧) فيمن صلى فيه [مختارا] (٨) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن صلاته جائزة ولا يعيد، وهو قول ابن عبد الحكم. والثاني: أنه يعيد أبدًا، وهو قول ابن حبيب. والثالث: أنه يعيد في الوقت، وهو قول أشهب. وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (٩).

стр. 354

فمن رأى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، قال: يعيد أبدًا؛ لأنه ارتكب محظورًا في لبس ما حرم عليه لبسه، اتفاقًا في المذهب؛ فصار بمنزلة من صلى عريانًا مع [وجود] (١) القدرة على الثياب. ومن رأى أنه لا يدل على الفساد، قال: لا يعيد الصلاة؛ لأنه ليس كالعريان. والمرأة لو صَلّت فيه لجازت صلاتها، وإنما هو عَاصٍ في اللبس مُطِيعًا في الصلاة، كمن صلى بثوب مغصوب، فإن صلاته تجزئه. والجواب عن الفصل الرابع: إذا كان معه ثوبان؛ نجس وحرير [طاهر] (٢)، هل يصلى بالحرير أو بالنجس؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلي بالحرير ويعيد في الوقت إذا وجد ثوبًا طاهرًا أو ما يغسل به [النجس] (٣) وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤). والثاني: أنه يصلي بالنجس، ولا يصلي بالحرير، فإن صلى بالنجس: أعاد في الوقت، وإن صلى بالحرير فلا [يعيد أصلًا] (٥) وهو قول أصبغ

стр. 355

في "كتاب محمَّد" (١). وسبب الخلاف: تعارض العمومين، قوله ﷺ : "الحرير محرم على ذكور أمتي" (٢). [فظاهره] (٣) العموم في الصلاة وفي غيرها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. والثاني: عموم قوله تعالى: ﴿[يَا بَنِي آدَمَ] (٤) خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥). ويعضده الإجماع [على] (٦) أن ستر العورة واجب جملة في الصلاة، وفي غير الصلاة، وأن المساجد المرادة في الآية هي الصلاة. والإجماع أيضًا على أن من تعمد الصلاة بثوب نجس مع القدرة على ثوب طاهر يجوز [له] (٧) لبسه: لا تجوز [الصلاة فيه] (٨) [فنهى] (٩) النبي ﵇ عن لباس الحرير يقتضي ألا تجوز الصلاة به عمومًا أصلًا. وانعقاد الإجماع يقتضي أيضًا ألا يصلي بثوب نجس عامدًا عمومًا.

стр. 356

ولا شك [ولا خفاء] (١) أن الضرورة لها تسليط على [تخصيص] (٢) العمومين على البدل؛ إذ [يجوز] (٣) له [لباس] (٤) الحرير إذا اضطر إليه كما يصلي بالثوب النجس إذا اضطر إليه. [فكل ما] (٥) جاز لبسه على الضرورة جاز أن يصلي به؛ فإذا وجد ثوبًا نجسًا، وثوبًا حريرًا طاهرًا [هل يصلي بالنجس استصحابًا للحال أو يصلي بالحرير؛ لأنه ثوب طاهر حلال لبسه للذكران على وجه قياسًا على ما لو وجد ثوبًا طاهرًا] (٦) يباح له على كل الأحوال، [والحمد لله وحده] (٧). والجواب عن الوجه الخامس: إذا لم يجد المصلي ثوبًا أصلًا [ومن لم يجد ثوبًا يصلي به] (٨): فإنه يصلي عريانًا لا يسعه ترك الصلاة، بخلاف العادم للماء والتراب، ولا إعادة عليه إن وجد الثوب في الوقت. واختلف إن طلع عليه رجل بثوب [طاهر] (٩) وهو في الصلاة [هل يقطع أم لا] (١٠) على قولين:

стр. 357

أحدهما: أنه يقطع. وهو قول [سحنون] (١). والثاني: أنه يتمادى ويعيد في الوقت [بالثوب] (٢) وهو قول ابن القاسم. فجعله ابن القاسم كالمتيمم طلع عليه رجل بالماء وهو في الصلاة. وفرق سحنون بينهما، والفرق أظهر. وإن كان بعض المتأخرين استحسن قول ابن القاسم. والفرق بينهما -على قول [سحنون] (٣) - أن المتيمم دخل الصلاة بإحدى الطهارتين؛ فلذلك لا ينقض صلاته طروء الماء عليه، والعريان دخل في الصلاة بغير بدل ولا أصل، فكان ينبغي أن يقطع الصلاة إذا وجد ثيابًا بالمعنيين: أحدهما: عام، وهو ستر العورة. والثاني: خاص و [هو] (٤) الصلاة بثوب. فإن كانوا جماعة، فإنهم يصلون [أفذاذًا] (٥) قيامًا متباعدين حيث لا ينظر بعضهم إلى [عورة] (٦) بعض. فهل لهم أن يتجمعوا جماعة في إحدى صلاتي النهار؟ فالمذهب على قولين (٧):

стр. 358

أحدهما: [أنهم يصلون] (١) أفذاذًا ولا يجتمعون، وهو ظاهر [المدونة] (٢). والثاني: أنهم يجتمعون جماعة ويكونون صفًا واحدًا، وإمامهم في الصف. وهو قول عبد الملك [بن الماشجون] (٣) في كتاب ابن حبيب. [وإن] (٤) كانوا في ليل مظلم [فلا خلاف في المذهب] (٥) أن لهم أن يصلوا جماعة، ويتقدمهم [ق/ ٣٥ أ] إمامهم. ثم إن طلع عليهم القمر في أثناء الصلاة، فإن الإِمام يرجع إلى الصف، ويتم بهم [صلاتهم] (٦). وإن كانت مع أحدهم ثوب، فإنهم يصلون به أفذاذًا، وهو أولى من أن يؤمهم أحد؛ لأن ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية. وهو اختيار [القاضي أبي الحسن اللخمي] (٧)، وما قاله صحيح. فإن كان الثوب مِلكًا لأحدهم، فإنه لا يُجْبَر على أن يُعَرّى منه ليُصَلُّوا به. فإن كان الثوب فاضلًا: وجب أن يجبر على أن يمكنهم من الصلاة به؛ لأن ذلك من باب المواساة، وقد ورد الحديث في الأمر بالمواساة في أمر

стр. 359

الدنيا، وهو فيما يتعلق [بالدِّين] (١) أولى. والجواب عن القسم الثاني [من أصل التقسيم] (٢) في الإناث: [وقد قلنا: إن المصلين ينقسمون إلى ذكران وإناث، وتكلمنا على الذكران، والكلام هاهنا على الإناث] (٣). وهن ينقسمن على قسمين، حرائر، وإماء. والحرائر ينقسمن إلى قسمين: بوالغ وغير بوالغ. فالحرائر البوالغ: [لا] (٤) تصلي [امرأة منهن] (٥) إلا بدرع سابغ يستر جميع جسدها، وخمار تتقنع به، وذلك أدنى ما تجزئها به الصلاة؛ لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بدرع وخمار" (٦)، واختلف هل جميع ذلك منها عورة، ويكون ستره فرض أو بعضه فرض وبعضه سنة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها إن صلت عريانة أعادت أبدًا، وإن انكشف صدرها أو رأسها أو ظهور قدميها أعادت في الوقت، وهو قول مالك في "المدونة".

стр. 360

والثاني: أن جميع ذلك سنة، وإن صلت عريانة أعادت في الوقت، وهو قول أشهب في [الرجل] (١). والثالث: التفصيل بين السوأتين وغيرهما. والخلاف فيها كالخلاف في [الذكور] (٢) سواء؛ لأن المرأة مساوية للرجل في [ستر] (٣) السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أخفض رتبة في السوأة من سوأة الرجل. ولا تنتقب [في الصلاة] (٤) ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد. وهذا في الحرائر البوالغ. وأما الحرائر غير البوالغ: فلا تخلو من أن تكون مراهقة أو غير مراهقة. فإن كانت مراهقة فصلت بغير قناع، أو كان الصبي [فصلى] (٥) عريانًا، هل [عليهما] (٦) الإعادة في الوقت أم لا؟ قولان: أحدهما: أن عليهما الإعادة في الوقت، وهو قول أشهب. والثاني: ترك الإعادة، وهو قول سحنون. وأما من كان منهن دون حد الإرهاق كبنت ثمان سنين: فلا خلاف في المذهب بأنها تستر نفسها بما تستر الحرة البالغة. ولا إعادة عليها إن صلت مكشوفة الرأس أو بادية الصدر.

стр. 361

وأما الإماء: فينقسمن إلى من لها حرمة الفراش ومن ليس لها تلك الحرمة. فأما من ليس لها تلك الحرمة، فهل حكمها حكم الرجل في الستر، أو حكم [الحرة] (١) في الستر؟. فالمذهب على قولين: أحدهما: أن لها حكم الحرائر، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المجموعة" قال: ولا تصلي المرأة في إزار وعمامة على عاتقها -يريد بالإزار: المئزر-. قال ابن القاسم (٢): وليكن على جسدها ثوب يسترها. و [القول] (٣) الثاني: أن الأمة تستر [في الصلاة] (٤) ما يستره الرجل. وهو قول أصبغ، غير أنه يقول: إن صلت الأمة مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت، وإن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد. وهذا [القول] (٥) الذي قاله مبني على الاحتياط. وأما من لها تلك الحرمة كأم الولد: فلا خلاف في المذهب أنها تؤمر بما تؤمر به الحرة البالغة من الاستتار، وأنها إن صلت بادية الصدر، أو مكشوفة الرأس: فإنها تعيد في الوقت.

стр. 362

غير أن إعادتها دون إعادة الحرة في الاستحباب؛ ولذلك قال في "المدونة" (١): ولا أوجبه عليها كوجوبه على الحرة. وأما الأمة تُعتق وهي الصلاة: فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تقطع ولا تتمادى، وهي مكشوفة الرأس، وهو قول سحنون. والثاني: أنها تتمادى، ولا تقطع، ولا تعيد، وهو قول أصبغ. والثالث: التفصيل بين أن تقدر على الاستتار في الصلاة فاستترت [وهي في الصلاة] (٢) فتجزئها صلاتها، [أو أمكنها الاستتار] (٣) فلم تفعل: أعادت في الوقت. وهو قول ابن القاسم: و [عبد الملك] (٤). وسبب الخلاف الحكم هل ينتقل بانتقال الحال أم [لا] (٥)؟ وهذا الأصل متداع في كثير من فروع الشريعة [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 363

المسألة الثانية عشر في قضاء المأموم ما سبقه به الإِمام ثم لا يخلو المدرك لصلاة الإِمام من وجهين: إما أن يدركه في موضع جلوس له: [والثاني: أن يدركه في غير موضع جلوس] (١) فإن أدركه في موضع جلوس له كدرك ركعتين من صلاة هي أربع، أو بدرك ركعتين من صلاة هي ثلاث كالمغرب، فإذا سلم الإِمام قام المأموم بالتكبير؛ إذ لو كان وحده لقام بالتكبير. فإن أدركه في غير موضع جلوس كمدرك ركعة واحدة من صلاة الرباعية وغيرها من سائر الصلوات، هل يقوم بتكبير أو بغير تكبير؟ فالمذهب على قولين قائمين في "المدونة" (٢): أحدهما: أنه يقوم بغير تكبير، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه يقوم بتكبير، وهو قول ابن نافع وعبد الملك في "النوادر" (٣). وفيه قول ابن القاسم أنه يقوم بغير تكبير؛ لأن ذلك زيادة التكبير عمدًا، والتكبير التي [يرفع] (٤) منها من السجود هي التي بجب عليه أن يقوم بها إلى القضاء، إلا أن الإِمام حَبَسَه في الجلوس موافقة له، وإن كان

стр. 364

ليس بموضع جلوس له؛ إذ لا يسوغ له القضاء إلا بعد [سلام] (١) الإمام. ووجه قول [من يقول: إنه يقوم بتكبير] (٢)؛ لأنه قام إلى ركن من أركان الصلاة، فيفتقر إلى التكبير. وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٣)؛ إذا أدرك الجلسة الآخرة من صلاة الإِمام حيث قال ابن القاسم: فإنه يقوم بتكبير؛ لأن السنة التكبير في كل خفض ورفع، وهذا من ذلك. فإذا قام إلى القضاء هل يكون ما أدرك هو أول صلاته أو هو آخرها؟ فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال (٤): أحدها: أن ما أدرك هو أول صلاته، وما فاته هو آخرها، وهو مذهب الشافعي (٥). والثاني: أن ما أدرك هو آخر صلاته، وما فاته هو أولها، وهو مذهب أبي حنيفة (٦). والقولان عن مالك. والقول الثالث: الفرق بين الأقوال والأفعال؛ فقال: يقضي في الأقوال -يعني القراءة- ويبنى في الأفعال [ق/ ٢٧ جـ]، يعني: الأداء-. وهذا القول الثالث هو قوله في "المدونة"، وهذا هو الصحيح عن

стр. 365

مالك، والقولان الآخران حكاهما أبو محمَّد عبد الوهاب [في المذهب] (١) عن مالك، [وفائدة الخلاف] (٢) هل حكم ما يأتي بعد سلام الإِمام حكم الأداء أو حكم القضاء؟. وسبب الخلاف: اختلاف طريق الحديث الوارد عنه ﷺ : "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣) والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته. وفي بعض طرق الحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (٤). [والقضاء يوجب] (٥) أن ما أدرك هو آخر صلاته. [فمن ذهب مذهب] (٦) الجمع جعل القضاء في الأقوال، والأداء في الأفعال، وهذا ضعيف [في النظر] (٧) أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء. قال القاضي أبو الوليد بن رشد [والحفيد] (٨): [مع اتفاقهم] (٩) على وجوب الترتيب في [أجزاء] (١٠) الصلاة، وعلى أن تكبيرة الإحرام

стр. 366

هي افتتاح الصلاة، والسلام تحليلها دليل واضح أن ما أدرك هو أول صلاته. لكن تختلف نية الإِمام والمأموم في الترتيب [في أجزاء الصلاة] (١) فتأمل هذا. فيشبه أن يكن آخر ما راعاه من قال ما أدرك هو [آخر] (٢) صلاته، انتهى قوله. فإذا قلنا: إن الذي أدرك هو أول صلاته، فإنه إذا أدرك ركعتين من صلاة الإِمام، فإنه يقوم بتكبير؛ لأنه وسط صلاته، فجعل الذي أدرك أولها، ثم يأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن في كل ركعة [دون السورة] (٣) وهذا حكم البناء [وهكذا] (٤) في المغرب [أيضا] (٥) إذا أدرك منها ركعة، فإنه يقوم إذا سلم الإِمام يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يقوم بعد التشهد، فيأتي بالركعة الثانية بأم القرآن خاصة، ويجلس ويتشهد، ويسلم. وعلى القول بأن ما أدرك هو آخر صلاته، فإنه إذا سلم الإِمام يقوم ويأتي بركعتين بأم القرآن وبسورة في كل ركعة من غير أن يجلس بينهما، وهذا حكم القضاء. وعلى القول الثالث الذي يكون فيه بانيا في الأفعال قاضيًا في الأقوال، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فيجلس ثم يقوم إلى الركعة [الباقية] (٦) يقرأ فيها بأم القرآن وبسورة فيجلس. وهذا الحكم فيما أدرك ركعة واحدة من صلاة هي أربع؛ فقد قال في "الكتاب" (٧): يقوم ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم

стр. 367

ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم [ولا يجلس] (١) ويأتي بركعة يقرأ بأم القرآن خاصة، ويتشهد، ويسلم. وهذا يتخرج على القول بأن الذي أدرك هو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، كما نص في "المدونة" (٢)، وأما على القول بأن ما أدرك هو [آخر] (٣) صلاته فيبنى في الأقوال والأفعال، فإنه يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن، وسورة فيجلس ثم يقوم ويأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن خاصة في كل ركعة. فهذا فائدة قولهم: ما أدرك هو أول صلاته، أو هو آخر صلاته. وقد قال بعض المتأخرين: [إن] (٤) ذلك اختلاف في عبارة لا ترجع إلى معنى، وهو قول أبي إسحاق التونسي وغيره، حتى أن الشيخ أبا محمَّد عبد الله بن أبي زيد حكى إجماع أهل المذهب في كتاب "النوادر" (٥): أن القاضي إنما يفترق من الباني في القراءة [ق/ ٣٦ أ] فقط، لا في قيام أو جلوس، وإن كل فذ أو إمام فبانٍ، وكل مأموم فقاضٍ. فانظر ما حكاه [هذا] (٦) الشيخ، وانظر [إلى] (٧) الخلاف الذي [حكيناه] (٨) في المذهب، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا. وعلى هذا [اختلف] (٩) ابن القاسم وأشهب في الفَّذ يسقط سجدة من

стр. 368

أول ركعة أو من الثانية. قال ابن القاسم وغيره: يكون بانيًا، وفرق بينه وبن المأموم. وقال أشهب وابن وهب: يكون قاضيًا، ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام. وقد قدمنا مسائل البناء والقضاء في باب الرُّعاف [والحمد لله وحده] (١).

стр. 369

المسألة الثالثة عشر في صلاة الصبيان قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وللصبي فيما دون الاحتلام حالتان: [حال] (١) لا يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة. و [حال] (٢) يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة. فأما [الحال] (٣) التي لا يَعْقِل فيه مَعْنى القُربة: فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة، ولا مندوب [إلى فعل طاعة] (٤). وأما [الحال] (٥) التي يعقل فيه معنى القربة: فاختلف هل هو مندوب فيه إلى فعل الطاعة من الصلاة، والصيام، والصدقة، والوصية عند الممات، وما أشبه ذلك؟ فقيل: إنه مندوب إليه، وقيل: إنه ليس بمندوب إلى شيء من ذلك، وإن وليَّه هو المخاطب [بتدريبه] (٦) وتعليمه، والمأجور على ذلك. قال القاضي: والصواب عندي [أنهما جميعًا مندوبان إلى ذلك] (٧) [مأجوران] (٨) عليه، لقوله ﵇ للمرأة التي أخذت بعضد صبي

стр. 370

فرفعته من المِحَفَّةِ (١) إليه، ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٢) انتهى قوله. و [قال الشيخ] (٣): ولا خلاف في [مذهب مالك ﵁] (٤) أن الصبيان يؤمرون بالصلاة لسبع سنين -ذكرانًا وإناثًا- بدليل ما رواه ابن وهب أن النبي ﷺ قال: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٥). واختلف متى يفرق بينهم في المضاجع على قولين: أحدهما: أنه يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين. والثاني: أنه يفرق بينهم عند الإثغار، وهو قول ابن القاسم في "العتبية". وسبب الخلاف: اختلافهم في مفهوم قوله ﵇: "وفرقوا بينهم في المضاجع" (٦)، هل هو عائد على قوله: ["مُروا الصبيان

стр. 371

بالصلاة" أم على قوله:] (١) "واضربوهم عليها لعشر"؟. وأما الضرب فإنما يضربون عليها لعشر على مشهور المذهب. وقال أشهب: يؤدبوا عليها عند الإثغار. وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين، فلا يتجرد أحد بين أبويه وبين إخوته، ولا يجتمع [منهم] (٢) اثنان في ثوب [واحد] (٣) ذكرانًا كانوا أو إناثًا. و [اختلف] (٤) في الصيام، هل يؤمر به الصبيان قبل البلوغ كالصلاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم يؤمرون إذا أطاقوه وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٥). والثاني: أنهم لا يؤمرون بالصيام حتى يبلغوا، واتفقوا في الاحتلام في الذكران، والحيض أو الحمل في النسوان أنه حَدٌّ للتكليف. و [اختلف] (٦) في [الإنبات] (٧) هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ.

стр. 372

وهو قول مالك في "كتاب القطع" في السرقة، [في] (١) كتاب الرجم والقذف. قال ابن القاسم: وقد أصغى مالك إلى الاحتلام حين [كلمته في (٢)] (٣) الإنبات. والثاني: أنه يكون علامة للبلوغ. وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتب المذكورة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الجهاد" من "المدونة" أيضًا. والثالث: التفصيل بين ما كان لله تعالى، ولا خصم له فيه: فالمراعى فيه الاحتلام دون الإنبات. وما له فيه خصم ومطالب: فيراعى فيه الإنبات؛ [لأنه] (٤) [يتهم] (٥) في نفي البلوغ أن يكون ملاذا لحق الغير. وهذا قول يحيى بن عمر في "النوادر" وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القذف والرجم" على تأويل بعض المتأخرين [من أصحاب مالك] (٦). وسبب الخلاف: معارضة الأثر لظاهر كتاب الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُغ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٧)، فظاهر كتاب الله

стр. 373

تعالى: أن الإنبات لا يكون دليلًا على البلوغ، ثم إن النبي ﷺ نهى عن قتل ذراري المشركين، ثم أمر بقتل من جرت عليه المواسي [من الكفار] (١) إشارة إلى الإنبات -وكذلك قال أبو بصرة الغفاري، وعقبة بن [عامر] (٢) الجهني صاحب النبي ﷺ في الغلام [الذي] (٣) كادت الثائرة أن تكون بين الأنصار وبين ناس من قريش بسببه، ثم قالوا: تختلفون وفينا أصحاب رسول الله ﷺ فسألوهما، فقالا لهم: انظروا إليه فإن أنبت الشعر أسهم له، فنظروا إليه فإذا هو قد أنبت الشعر فأسهموا له. ولا يكون هذا إلا توقيفًا، فهل يخرج مخرج البيان لما ذكره الله تعالى في كتابه، أو [يخرج] (٤) مخرج التخصيص، [أو مخرج النسخ] (٥) فمن رأى أنه خرج مخرج البيان [ق/ ١٨ ب] وأن الله تعالى لم ينف أن يكون الإنبات علامة للبلوغ؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٦)، لا يقتضي الحصر، ولا يزيل ذكر الله تعالى بعض أمارات البلوغ. فبين النبي ﷺ أن الإنبات [علامة للحكم] (٧)، وأن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ أصلًا، وإنما اعتبر النبي ﷺ الإنبات فيمن يقتل من الكفار، أو يسهم له من المسلمين، لأن الإنبات فطنة لوجود القوة على القتال، فكان المعتبر هو القوة على المجاهدة والمسابقة، فمن وجد ذلك المعنى فيه

стр. 374

أنيط به الحكم، أنبت أو لم ينبت. وإنما قصد النبي ﷺ [الفصل] (١) بين ما تمحض لله تعالى على العبد وبين ما للعبد فيه حق. وأما النسخ فلم يصر إليه أحد من العلماء، وإنما ذكرناه في معرض [السبر] (٢). وكذلك إذا بلغ [سنًا] (٣) لا يبلغه أحد إلا احتلم، فلا خلاف أنه يحكم له حكم البلوغ، وإنما اختلف في حد ذلك السن، ما هو؟ فقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة سنة. والفرق بين الصلاة والصيام -على الشهود-: أن الصلاة اشتملت على أقوال وأفعال، وفرائض، وسنن، وفضائل يفتقر تعليمها إلى أمد [طويل] (٤)، فاحتاج إلى التدرب بها قبل إتيان البلوغ؛ ليأتي عليه البلوغ، وقد أنس [بها] (٥) وتمكن حبها في قلبه، وراض قلبه بفعلها، وعرف المراد بها ومكانها عند الله تعالى، وعرف فرائضها، ونوافلها. فلو [أهمل إلى بلوغ] (٦) حد التكليف لأدى ذلك إلى أن يضيع أكثر الصلوات؛ إما لنفوره عنها، والنفس عادتها النفور عما فيه نجاتها آجلًا،

стр. 375

والركون إلى ما فيه منفعتها عاجلًا، وإما لكون النفس منقادة إلى أن التعليم يصعب عليها لبُعد [فهمها] (١)، فيؤدى ذلك إلى أن يمضي أكثر الأوقات لم [يقم] (٢) فيها صلاته، ولا برئت بها ذمته، فيكون عاصيًا لله بتضييع تلك الصلوات. والصيام بخلاف ذلك من باب الترك، وأوصاف منحصرة لا يتعذر معرفتها، ولا [ينبو] (٣) [الفاهم] (٤) عن تفهمها؛ لأنه يؤمر باعتقاد النية أول الليل، أو حيث [تيسر] (٥) عليه في أجزاء الليل بأن يترك الأكل [والشرب] (٦) [والجماع] (٧) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك يفهمه كل أعجمي، وإن كان كما جلب [من غاية] (٨) فكيف من كان بين أظهر المسلمين، وهو بعد ذلك [يعلم] (٩) فيما بينه وبين الله تعالى، إن قال -صمت وهو مفطر، وليس علينا مراقبته، ولهذا كان الصيام من السرائر التي تُبلى يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم ممن كانت سريرته أفضل من علانيته. ولأجل [ق/ ٢٨ جـ] هذا [حث] (١٠) الشارع على الصيام،

стр. 376

[وقال: يقول الله] (١): "كل عمل ابن آدم فهو له إلا الصيام فهو لي" (٢). على ما سنبينه في "كتاب الصيام" بيانًا شافيًا، إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 377

المسألة الرابعة عشر [فيما] (١) إذا سلم المصلي قبل تمام صلاته [وذلك لا] (٢) يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يسلم ساهيًا. والثاني: أن يسلم شاكًا. والثالث: أن يسلم متعمدًا. فالجواب عن الوجه الأول: إذا سَلَّم ساهيًا ولم يتعمد [إلى] (٣) السلام: فلا خلاف في المذهب أن ذلك السلام لا يخرجه من صلاته، وأنه ينبني على صلاته من غير تكبير. كان سَلَّم شَاكًا في [كمال] (٤) الصلاة، و [لا] (٥) يتيقن بالنقصان ولا بالتمام، [فهذا الذي] (٦) لا ينبغي أن يسلم. فإن فعل وسلم فصلاته [فاسدة] (٧) مع تمادي الشك بالاتفاق. [فإن سلم على شك، ثم تبين له أنه قد] (٨) أتم صلاته فهل تجزئه أم لا؟

стр. 378

فالمذهب على قولين: أحدهما: جواز الصلاة وهو مذهب ابن حبيب. والثاني: أنها فاسدة وهو المشهور. وسبب الخلاف: الأمر إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد وهو يستصحب معه حالة الابتداء أو يستصحب حالة الانتهاء؟ فمن رأى أن صلاته جائزة قال باستصحاب حالة النهاية، ومن قال بفسادها قال باستصحاب حالة البداية. وأما إذا سلم متعمدًا فلا يخلو من أن يتعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم بعد أو سلم على ما يغلب على ظنه أن صلاته قد تمت، فإن تعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم فإن صلاته باطلة باتفاق، وإن تعمد السلام لما يغلب على ظنه من تمام الصلاة، فهذا الذي يرجع إلى صلاته إن كان قريبًا، وإن تباعدا ابتدأ، وإن انتقض وضوءه على الاتفاق، وإن لم ينتقض فعلى الخلاف عن قول مالك على ما نقله اللخمي ثم لا يخلو هذا الباني من وجهين: إما أن يذكر وهو جالس في موضعه أو ذكره وهو واقف أو انصرف، فإن ذكره وهو جالس في موضعه، فهل يرجع بتكبير أو بغير تكبير؟ فالمذهب على قولين (١): أحدهما: أنه يرجع بتكبير، وهو مذهب سحنون. والثاني: أنه يرجع بغير تكبير، وهو مذهب [أشهب] (٢). وسبب الخلاف: اختلافهم في السلام على طريق السهو هل يخرجه من الصلاة أم لا؟

стр. 379

فمن رأى أنه يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بالتكبير. ومن رأى أن السلام على طريق السهو لا يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بغير تكبير. فإن ذكر وهو قائم، أو بعد الانصراف ولم يتباعد: فإنه يرجع ويبنى على ما صلى. واختلف هل يرجع إلى الجلوس أو يكبر وهو قائم فيدخل في صلاته؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس. والثاني: أنه يشرع في صلاته، ولا يرجع إلى الجلوس، والقولان قائمان من "المدونة" (١). وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟ فمن رأى أن الحركة لازمة [إلى الأركان] (٢) قال: يرجع إلى الجلوس ليأتي بالحركة الواجبة عليه؛ وهي النهضة من الجلوس إلى القيام. ومن رأى أن [ق/ ٣٧ أ] الحركة غير واجبة، وإنما الواجب [عليه] (٣) الإتيان بالقيام كيف تمكن له قال: يدخل في صلاته ولا يرجع إلى الجلوس؛ لأن القيام قد وجد، والرجوع إلى الجلوس زيادة مستغنى عنها في نفس الصلاة. وقد قال مالك ﵀ فيمن فاته بعض صلاة الإِمام، فَظَنَّ أن الإِمام

стр. 380

[قد] (١) سَلَّم فقام يقضى ثم سَلَّم عليه [الإِمام] (٢) وهو قائم: أنه لا يرجع جالسًا، بل [يبتدئ القضاء] (٣) قائمًا حين سلم الإِمام، ولا يَعْتّد بما [صلى أو قرأ] (٤) قبل سلام الإِمام. فإذا فرغ من القضاء هل يسجد أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يسجد، وهو مذهب "المدونة". والثاني: أنه لا يسجد. وعلى القول بأنه يسجد هل [يسجد] (٥) قبل أو بعد؟ [قولان أيضًا] (٦): أحدهما: قبل، وهو نص "الكتاب". والثاني: بعد، وهو في غير "المدونة". والقول بأنه لا سجود عليه [أظهر] (٧) لأن سهوه في حكم الإِمام يحمله عنه؛ ولأنه لو رجع إلى الجلوس قبل أن يسلم الإِمام لحمله عنه. ثم إليه من قال يسجد قبل السلام؛ لأنه [نهض] (٨) النهضة التي وجبت عليه [بعد سلام الإِمام] (٩). وأضعف الأقوال قول من قال يسجد بعد [السلام] (١٠).

стр. 381

وهكذا اختلفوا في مسألتنا إذا رجع إلى الجلوس على قول من [قال] (١) لا يرجع، وهو قول ابن نافع. هل تفسد صلاته؛ لأنه زاد في صلاته عامدًا، وهو قول أشهب فيما إذا قام من اثنتين ثم استوى قائمًا، ثم يرجع جالسًا أو تصح صلاته، فيسجد قبل على قول ابن القاسم، أو بعد على قول غيره. وعلى القول بأنه يرجع جالسًا، هل يكبر تكبيرة الرجوع قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فإذا استوى قائمًا كبر تكبيرة القيام إن كان سلامه في موضع جلوس، أو لا يكبر حتى يجلس ثم يكبر تكبيرة ينوي بها الرجوع إلى صلاته؟، على قولين. وسبب الخلاف: اختلافهم في [التكبيرة] (٢) التي يرجع بها [إلى صلاته] (٣) هل هي بمنزلة الإحرام، ثم يكون محلها القيام كتكبيرة الافتتاح، أو هي سنة على حالها فيرجع إلى حيث وقع السلام فيوقع فيها التكبير، ثم [يرجع] (٤) بعدها [إلى] (٥) القيام. على الجملة، فإن مشروعية التكبير للبناء ضعيف لم يثبت عن النبي ﷺ في أحاديث البناء، وسحنون يقول: إن النبي ﷺ بني على ما صلى بتكبير، والحمد لله وحده [تم كتاب الصلاة الأول بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمَّد] (٦).

стр. 382

كتاب الصلاة الثاني

стр. 383

كتاب الصلاة الثاني [في] (١) تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها [أربع] (٢) عشرة مسألة: المسألة الأولى سجود [التلاوة] (٣) ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن إحدى عشرة [سجدة] (٤) من العزائم. واختلف المذهب في سجدة "والنجم"، "وإذا السماء انشقت"، "واقرأ باسم ربك" هل هي من العزائم أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من العزائم، ومن ترك السجود لها يلزمه ما يلزم من ترك السجود في محل الاتفاق، وهي رواية ذكرها أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك (٥). والثاني: أنها ليست من العزائم، وأن القارئ لا ينبغي له السجود ميها، وهو المشهور عن مالك، ومذهبه في"المدونة" (٦).

стр. 384

والثالث: أن القارئ بالخيار؛ إن شاء سجد، وإن شاء ترك (١). وهذا القول وقع لمالك في المبسوط، وهو اختيار الشيخ أبي بكر الأبهري. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار والأخبار في سجوده ﵇ في الثلاثة مواضع لاتفاق كل مخالف ومؤالف أن النبي ﵇ سجد في بعضها بمكة؛ فروى عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: لم يسجد النبي ﵇ في المفصل منذ تحول إلى المدينة (٢). وروى عن زيد بن ثابت أنه قال [أيضًا] (٣): قرأت على النبي ﷺ سورة والنجم فلم يسجد (٤). ويعارضه ما روى عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (٥) أنه قال: سجد النبي ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦). وزاد في حديث مسلم أنه قال: في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٧)، سجدة سجدتها خلف أبي القاسم، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (٨).

стр. 385

فمن رجح حديث ابن عباس، وزيد بن ثابت قال: ليست من العزائم. ومن رجح حديث أبي هريرة فيرى أنها من العزائم، وهو الأظهر؛ لأن أبا هريرة متأخر الإِسلام، وحديثه بعد حديث ابن عباس. ومحمل [حديث] (١) زيد بن ثابت أنه قرأ على النبي ﷺ سجدة والنجم، فلم يسجد؛ فيحتمل أن يكون في غير إبان النافلة، أو [أن] (٢) النبي ﷺ على غير وضوء، أو أنه ترك ذلك ﵇ عمدًا بيانًا أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء (٣). وكان مالك [﵁] (٤) لا يوجبها، وأخذ في ذلك بقول عمر ﵁. واختلف المذهب عندنا في سجود [التلاوة] (٥) على قولين: أحدهما: أنه سنة مؤكدة، وإلى هذا ذهب [أبو] (٦) القاسم بن محرز، واستقرأ ذلك من قوله في "المدونة" (٧): إن قارئها يسجد بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر كصلاة الجنائز. والثاني: أنه مستحب، وإليه ذهب [أبو القاسم] (٨) بن الكاتب،

стр. 386

واستقرأ ذلك من قول مالك في "المدونة" (١): وكان مالك يستحب إذا قرأها في غير [إبان] (٢) الصلاة ألا يدع سجودها. وسبب الخلاف: قول عمر [﵁] (٣) هل يقع [التخصيص به لعموم] (٤) فعله ﵇؟ أعني بعموم الفعل مداومة النبي ﷺ [على السجود] (٥) مع التمكن على الدوام، هل يكون قول عمر: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن [نشاء] (٦) بيانًا لفعل النبي ﷺ [أن المراد به الندب الذي لا يتأثم المكلف بتركه عمدًا، ولا يكون ذلك بيانًا؛ لأن ما فعل النبي ﷺ ] (٧) وداوم على فعله حتى توفي كانت سُنَّة مؤكدة؛ فمن تركها عامدًا أثم، وأن عمر ﵁ أراد أن يبين لهم أنها ليست بواجبة، وهذا ضعيف لأن الشريعة تقررت، والأقدام على الطريقة المستقيمة استمرت، وإن الدين قد كمل بحجة الوداع حيث قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ﴾ (٨). ومعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يشكون أن الشريعة التي شرعها النبي ﷺ كانت بوحي من الله تعالى؛ فرائضها، وفضائلها، وسننها. وسواء كان فيها قرآن يتلى أم لا، وسواء قلت إن النبي ﷺ كان يجتهد

стр. 387

في بعضِ الأمور أم لا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١). لأن [اجتهاده] (٢) كان بكتاب الله ، وهذا إذا [اعتبره] (٣) الناظر لا يكاد [يخالجه] (٤) فيه ريب إلا أن يكون ضعيف العقيدة، شاغر الحوصلة. [وقد] (٥) ثبت عند كل عاقل انقطاع الوحي بموت النبي ﷺ . وكيف يظن بعمر ﵁ أنه إنما ترك السجود ليريهم أنها ليست بواجبة [عليهم] (٦)، وهل [منهم] (٧) من يعتقد أن عمر يحدث شريعة، أو يزيد على ما مات النبي ﷺ عليه [بكلامه] (٨) من ذلك؟ وقد ثبت وتقرر أن عمر [﵁] (٩) ما [تركها] (١٠) مخافة الوجوب ولا [تركها] (١١) مع الاعتقاد أنها سنة مؤكدة أيضًا، وإنما تركها لمعنى آخر ينبغي للناظر أن يتفكر فيه، ولعله يعثر عليه، والله يهدي من يشاء إلى طريق الصواب [والحمد لله وحده] (١٢).

стр. 388

المسألة الثانية في معرفة من يجب عليه السجود ولا يخلو قارئ السجدة من ثلاثة أوجه: إما أن يكون في صلاة نفل أو فرض، أو يكون في [غير صلاة] (١). فإن كان في نفل: فلا خلاف أنه يسجدها إذا قرأها، فإن نسى أن يسجد لها: فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يذكر قبل أن يتطاول في القراءة بعدها. أو [ذكر] (٢) بعد أن أطال في القراءة بعدها. أو بعد أن ركع ولم يرفع. أو بعد الرفع من الركوع. فإن ذكرها بعد أن جاوزها بالآية والآيتين [يسجد] (٣) ولا يعد لقراءتها. فإن [ذكر] (٤) بعد أن أطال القراءة بعدها أعاد قراءتها وسجد، ولكن يعيد قراءة [الآية] (٥) التي فيها السجدة، ولا يقرأ السجدة وحدها. واختلف إذا ذكرها وهو راكع هل يرفع ويعيد قراءتها في الثانية، أو

стр. 389

يخر إلى السجود؟ قولان قائمان من "المدونة" (١): وسبب الخلاف: وضع اليدين على الركبتين، هل هو عقد الركعة أو الرفع منها؟ وأما إن ذكرها [ق/ ٢٩جـ]، بعد الرفع فلا خلاف أنه يتمادى على تلك الركعة، فإذا دخل في الركعة [الثانية] (٢) أعاد قراءتها و [سجد] (٣). واختلف المتأخرون هل يقدم قراءة أم القرآن، ثم يقرأ بعدها الآية التي فيها السجدة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه [يقرأ] (٤) أم القرآن، ثم يقرأ السجدة فيسجد، فإذا رفع رأسه [ق/ ٣٨ أ] منها قرأ السورة. وهو قول [الشيخ] (٥) أبي محمَّد بن أبي زيد. والثاني: أنه يبدأ بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم فيبتدئ قراءة أم القرآن، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن. فوجه القول الأول: أنه لا ينبغي أن يقدم على قراءة أم القرآن شيئًا؛ لأن ذلك [مخالف لمشروعية] (٦) القراءة في الصلاة. ووجه القول الثاني: أنه إنما يكره أن يقدم على أم القرآن ما ليس بقرآن

стр. 390

كالذكر والدعاء، وما أشبه ذلك، فإن نسي أيضًا حتى عقد الثانية، فإنه يتمادى فيها، ولا شيء عليها إلا أن يدخل في نافلة أخرى، فيستحب له أن يعيد قراءتها على ما وصفنا. فإن كان ذلك في صلاة فرض، فهل يقرأها [أم لا] (١)؟ [كيف يفعل إن كان فذًا] (٢)؟ فذلك يختلف باختلاف حالات المصلي؛ فإن كان في جماعة كبيرة [أو] (٣) في صلاة الجهر، أو في الجماعة اليسيرة في صلاة السر، فإنه يكره للإمام قراءة سورة فيها سجدة فإن فعل فإنه يستحب أن لا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن بقراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد؛ هكذا ذكره أبو الحسن اللخمي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر ويسمعنا الآية أحيانًا (٤). واختلف إذا كانت الجماعة قليلة، والقراءة جهرًا، أو كان فذًا على قولين: أحدهما: أنه لا يقرأ سورة فيها سجدة لئلَّا يخلط على الناس صلاتهم. وهو قول مالك، ثم قال أيضًا: وكذلك الفذ لا يقرأها، وهذا [قوله] (٥) في المدونة.
следующие страницы →