فإن كانت وصيته بالعتق، فهل يُبَدَّى بالعتق على الوصية للعبد بالثلث أم يتحاصان؟ فعلى قولين:
أحدهما: أن العتق يُبَدَّى؛ لأنه من السيد مباشرة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهما يتحاصان؛ بناء على أن العتق في الوجهين من السيد، وهو قول المغيرة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أوصى لعبده بجزء من ماله دون الثلث؛ مثل أن يوصى لعبده بسدس ماله، وبثوب بعينه أو بعبد آخر وهو كفاف الثلث، فالعبد قد ملك من نفسه السدس، فالحكم في التقويم على ما بيناه في الوجه الأول فلا تكرار.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أوصى له بدنانير، أو بشيء معين، فلا يخلو من أن يحمل الثلث وصيته أو لا يحمل.
فإن حملها الثلث، فلا يعتق من العبد شيئًا اتفاقًا؛ لأن العبد لم يملك من نفسه شيئًا.
وإن لم يحمله الثلث، فالخيار في ذلك للورثة؛ إن أجازوا وصيته، فلا يعتق من العبد شيء أيضًا، وإن لم يجيزوها قطعوا للعبد بثلث جميع مال الميت إما في ذلك الشيء بعينه [على قول] (١) ثم لا يعتق منه شيء أيضًا، أو في جميع مال الميت شائعًا، والعبد من حملة المال، وقد ملك من نفسه شيئًا؛ فيجري الحكم فيه على ما قدمناه في الوجه الأول حرفًا حرفًا. والحمد لله وحده.
стр. 3957
المسألة السادسة في وصية المحجور عليه
والمحجور عليه ضربان: محجور عليه لعارض الطفولية، ومحجور عليه لعارض السَّفَه، وعدم التمييز بين مصلحة المال ومفسدته.
فأمَّا المحجور عليه لعارض الطفولية، فله حالتان: حالة لا يعقل فيها معنى القربة، وحالة يعقل فيها معنى القربة.
فأما الحالة التي لا يعقل فيها معنى القربة، فهو فيها كالبهيمة لا يتوجه [عليه] (١) [فيها] (٢) الخطاب في أمر من الأمور إلا فيما أفسد أو كسر إذا كان يعقل الأثر جاز، وإلا بكفاف إذا نهى على ما أشار إليه ابن المواز.
والزكاة وإن كانت تؤخذ من ماله، وإنما خوطب بها الأولياء على ما هو مبسوط في أمهات المذهب.
وأما الحالة التي يعقل فيها القربة كابن سبع سنين فما فوقها فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في جواز وصيته؛ لأنه قصد [بها] (٣) القربة لنفسه لكونه مندوبًا إلى فعل الطاعات في تلك الحال كالصلاة، وقد قال النبي ﷺ للتي رفعت ابنها من المحفة، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك أجره" (٤).
فإن كان ثابت الذهن، ولم يكن في وصيته اختلاط، وأصاب وجه الوصية، فوصيته نافذة باتفاق المذهب، خلافًا للحنفي، والشافعي في
стр. 3958
أحد قوليه.
فإذا ثبت ذلك، فإن أوصى إلى غيره وصية أن يفرق ثلثه في وجوهها، فلم يجز وصيه له ذلك، فذلك للوصي ألا يلي غيره تفرقة ثلثه؛ لأن ذلك من حقه، وهو من باب التصرف في مال الصغير بغير إذن وَلِيه.
واتفق المذهب -فيما علمت- أن تدبير الصبي لعبده لا يجوز، وإن حمله الثلث بخلاف الوصية.
فإن كان التدبير قربة تخرج من الثلث بعد الموت كالوصية، إلا أن جواز وصيته على خلاف الأصل، وإنما اتبع فيها أثر عمر ﵁ عنه وبقي ما عداها على الأصل.
وأما المحجور عليه لعارض السَّفَه، وعدم التمييز بين مصلحة المال، ومفسدته، فوصيته جائزة قولًا واحدًا في المذهب، وفي تدبيره لعبده أربعة أقوال:
أحدها: أنها جائزة في الصحة، والمرض كالوصية، وهو قول ابن كنانة في "المجموعة"؛ لأن الوصية والتدبير لا يقعان عليه إلا بعد الموت؛ لأنه إنما يمنع في حياته من التصرف في ماله إلى رشد، فإذا جاء الموت لم يمنع من خير يفعله في ثلثه، ولو منع لكان توفيرًا على [الورثة] (١) وهو أحق من الوارث بالثلث.
والثاني: أنه لا يجوز تدبيره أصلًا، ويبطل، وإن بقى العبد بيده حتى يلي أمر نفسه لم يلزمه، وهو قول أشهب في "المجموعة"، و"الموازية".
والثالث: أنه يجوز في المرض، فإذا صح من مرضه بطل، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
стр. 3959
والرابع: التفصيل بين أن يكون العبد المدبر غالي الثمن، فلا يجوز تدبيره، وبين أن يكون قليل الثمن، فيجوز تدبيره، وهو قول عبد الملك في "الموازية".
واتفقوا على وصية المجنون والمغلوب [على عقله] (١) قبل إفاقته أنها باطلة، وبعد الإفاقة جائزة.
وأما المرتد فإن قتل على ردته أو مات فوصاياه باطلة، وإن رجع إلى الإِسلام ثم مات، فإن كانت تلك الوصايا مكتوبة جازت كلها، وإن كان لفظها بغير كتاب فهي باطل، وكذلك لو أوصى بها في حال الردة، وهو قول أصبغ في "الواضحة" [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 3960
المسألة السابعة في الوصية للقاتل
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يوصي له بعد أن قتله.
والثاني: أن يوصي له قبل أن يقتله.
فإن أوصى له بعد أن قتله؛ مثل أن يضربه فأنفذ مقاتله ثم أوصى له: فلا يخلو من أن يكون قتله عمدًا أو خطأ.
فإن كان عمدًا فلا يخلو من أن يعلم الموصي بأن الموصى له هو الذي ضربه أو لا يعلم.
فإن علم بأنه الذي ضربه، فالوصية في ماله اتفاقًا.
وهل [تدخل] (١) في الدِّية إذا قبلت أم لا؟ قولان:
مذهب "المدونة" أنها لا تدخل فيها، وهو المشهور.
والثاني: أنها تدخل فيها بناء على أن الوصية تدخل فيما علم به الموصي، وفيما لم يعلم.
فإن لم يعلم بذلك هل تبطل الوصية أم لا؟
فالمذهب على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أن الوصية جائزة في المال دون الدِّية، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وهو تأويل ابن أبي زيد على المدونة، وهو نص قول ابن المواز، وهو قول أشهب، وإليه نحا ابن أبي زمنين، وما وقع لابن القاسم
стр. 3961
في "كتاب الهبات" يقوى هذا التأويل حيث قال: لأنه طلب تعجيل الوصية، فإذا كانت الوصية بعد الضرب فقد انتفت التهمة؛ لأنه لم يقصد إلى تعجيل شيء.
والثاني: أنه متى لم يعلم أنه قاتله، فلا وصية له في مال ولا دية، وعليه حمل قوله في "الكتاب": إلا أن يكون علم أنه قاتله عمدًا، فأوصى له بعد علمه، [وهذا] (١) نص قوله في "كتاب الوصايا الأول"، وإليه نحا اللخمي.
فإن قتله خطأ، فالوصية تدخل في المال مع العلم قولًا واحدًا، وفي عدم العلم قولان على ما قدمناه في العمد.
وهل تدخل في الدِّية أو لا تدخل؟ على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أنها تدخل فيها؛ لأنه مال علم به، وهو نص قوله في "كتاب الوصايا الأول"؛ ولأنه جوز له في "الكتاب" أيضًا أن يوصى له بما عليه من الدِّية، وإسقاطها عنها.
والثاني: أن الوصية لا تدخل فيها إلا بالنص عليها؛ لأن القاتل [ممن] (٢) يؤدي فيها، وعنه تؤدي؛ فصار كأنه لم يؤد شيئًا، وهو قول ابن المواز إذا تقدمت الوصية على الضرب، وعاش بعد ذلك.
والثالث: التفصيل بين أن يعلم الموصي بذلك، أو لا يعلم؛ فإن علم كان في المال والدِّية، وإن لم يعلم كان في المال دون الدِّية، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا الأول" في "المدونة" في آخر الباب حيث قال: جاز له كل ما أوصى له في المال، والدية إذا علم ذلك منه في الخطأ.
стр. 3962
وإن كان المتأخرون قد اختلفوا في تأويل قوله في بعض الروايات، ونص قوله: إذا كانت الوصية بعد الضرب عمدًا كان أو خطأ جاز له كل ما أوصى له به في المال والدية جميعًا إذا علم منه ذلك في الخطأ، وهي كلمة فيها إشكال.
وقال بعض المتأخرين: بيان ذلك أن قوله: "جاز له كل ما أوصى له به في المال" تمام الكلام وعائد كله على العمد والخطأ، ثم استأنف الكلام في مسألة الخطأ خاصة، فقال: "وفي الدِّية جميعًا إذا علم بذلك في الخطأ"، وخص ذكر الدِّية في الخطأ فقط، وعلى هذا المعنى فسرها سحنون، واختصرها عليه ابن أبي زمنين، واختصرها بعض المختصرين على خلاف هذا، وهو خطأ.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: لا يحمل كلامه أنه أراد دخوله في ديته في العمد، وإنما يعني ذلك الخطأ خاصة.
وقوله هنا إذا علم تصحيح تأويل من ادعى العلم على مذهب الكتاب.
وأما الوجه الثاني: إذا قتله بعد الوصية، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت بفور ما ضربه.
والثاني: أن يعيش بعد ذلك أيامًا.
فإن مات بفور ما ضربه، فإن كان القتل عمدًا، فالوصية باطلة، ولا تكون لا في المال، ولا في الدية؛ لأنه قد استعجل ما أجله الله تعالى، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن كان القتل خطأ، فالوصية ثابتة في المال قولًا واحدًا، وهل تدخل في الدية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تدخل في الدية أصلًا، وهو نص المدونة، وهو
стр. 3963
مشهور المذهب.
والثاني: أنها تدخل في الدِّية كما تدخل في المال.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصايا، هل تدخل فيما علم به الموصي من المال، وفيما لم يعلم، أو لا تدخل إلا فيما علم خاصة، فمن رأى أنها تدخل فيما علم، وفيما لم يعلم قال: تدخل في الدِّية، وهذا القول حكاه اللخمي في المذهب، وذكر القاضي الحفيد في كتاب "النهاية" [أنه] (١) أحد قولي مالك، وأنه مذهب الشافعي.
ومن رأى أنها لا تدخل إلا فيما علم قال: لا تدخل في الدية؛ لأنه مال لم يعلم به.
فإن عاش بعد ضربه أيامًا ثم مات فلا يخلو من أن يكون قتله عمدًا أو خطأ.
فإن كان عمدًا وعاش بعد ذلك، وعلم ما هو فيه، فلم يبطل الوصية، ولا غيرها حتى مات، هل تبطل الوصية أم لا؟
فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الوصية باطلة بكل حال حتى يجددها له بعد الضرب، وهو قوله في المُدَبَّر إذا قتل سيده عمدًا ثم حيى بعد ضربه إياه ثم مات أن تدبيره باطل حتى يجدد له الوصية بالتَّدْبِير.
والثاني: أن الوصية ثابتة كما كانت، وتكون في المال؛ لأن سكوته عنها بعد علمه كالمجيز [لها] (٢) وهو ظاهر قوله في "كتاب الديات" من "المدونة" حيث قال: إذا عاش وعرف ما هو فيه [ولم] (٣) يغير
стр. 3964
الوصية، فإن الوصية جائزة له، وتدخل في الدِّية إن كان خطأ، وهو تأويل بعض الصقليين على المدونة.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الوصية بلفظ أو كتاب؛ فإن كانت بلفظ فهي باطلة حتى يجددها، وإن كانت بكتابة فهي نافذة حتى يغيرها أو يرجع فيها.
وسبب الخلاف: الاستدامة هل هي كالإنشاء أم لا؟
فمن رأى أن استدامة الشيء كإنشائه قال: الوصية نافذة حتى ينص على الرجوع فيها؛ لأن سكوته عن تغييرها كالمجيز لها.
ومن رأى أن الاستدامة ليست كالإنشاء قال ببطلان الوصية؛ لأن الموصى له قد أحدث ما يبطل وصيته، وهي في الجناية الصادرة منه على معنى العمد، فيعمل بمقتضى الجناية حتى يجددها الموصى مرة أخرى.
فإن كان قتله خطأ، فالوصية تدخل في المال قولًا واحدًا.
وهل تدخل في الدِّية أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة" منصوصين في المذهب:
أحدهما: أن الوصية تدخل في المال، والدِّية؛ لأنه مال علم به، وهو قول مالك في "كتاب الديات" من "المدونة".
والثاني: أنها لا تدخل في الدية أصلًا، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز"، وهو أضعف الأقوال؛ ووجهه عندهم أن الموصى له هو الغارم مع العاقلة، فمتى دخلت فيها وصيته، فكأن بعض الدِّية قد بطل، وهذا الكلام ضعيف؛ لجواز وصية المقتول للقاتل بديته.
стр. 3965
فرع
فإن كان القتل عمدًا، فقال المقتول: إن قبل أوليائي الدِّية، فالوصية فيها، فهل تدخل [فيها] (١) الوصايا أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أن الوصايا لا تدخل فيه؛ لأنه مال غير محقق، والميت لم يعلم به، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أن الوصايا تدخل فيه؛ [لأن الميت أوصى أن تدخل فيه] (٢) إن [قبلوا] (٣).
وهما قولان قياسيان.
وأما إذا عدا ابن الموصى له على الموصي، فقتله فإن الوصية نافذة كان القتل عمدًا أو خطأ؛ إذ لا تهمة في ذلك، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
وإن [وهبه] (٤) في مرضه هبة، فعدا الموهوب له فقتل الواهب [بعد] (٥) أن قبض الهبة أو لم يقبضها، فإن الهبة له جائزة في الثلث كان القتل عمدًا أو خطأ إذا كانت هبة بتل لا يمكنه الرجوع فيها، ولا تهمة في ذلك؛ لأن قتله قد أضر به؛ إذ لو عاش كانت من رأس المال، وهي الآن من الثلث [والحمد لله وحده] (٦).
стр. 3966
المسألة الثامنة فيمن أوصى لوارث ثم صار قبل [أن يموت] (١) غير وارث أو كان غير وارث ثم صار وارثًا، أو أقر له بدين على هذا
فإن أوصى لوارث ثم صار قبل موت الموصى غير وارث كامرأة أوصت لزوجها ثم طلقها البتة ثم ماتت، أو أوصى لأخيه وهو يرى أنه وارثه ثم مات فظهر له حمل إما بزوجة أو أم ولده. فهل تصح الوصية للموصى له أو لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الوصية له نافذة، سواء علم الموصى بحدوث الولد والحمل، أو لم يعلم، وسواء علمت الزوجة بالطلاق أو لم تعلم، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "العتبية"، و"المجموعة"، وهو قول أشهب في "المدونة" في "كتاب الوصايا الأول".
والثاني: أن الوصية باطلة، إلا أن تعلم المرأة بالطلاق، أو لم يعلم الميت بالولد، فتجوز وتنفذ، وهو أحد قولي ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأمر إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد، هل تستصحب معه حالة الابتداء، أو يستصحب معه حالة الانتهاء؟
فمن رأى أنه يستصحب معه حالة الابتداء قال: الوصية باطلة؛ لوقوعها على الفساد.
ومن رأى أنه يستصحب معه حالة الانتهاء قال بنفوذ الوصية؛ لأنه
стр. 3967
انكشف الأمر في العاقبة أنها وصية لغير وارث.
وأما القول بالتفصيل بين العلم وعدمه [وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الوصايا الأول"] (١) فمبني على اعتبار استدامة الشيء أنه كالإنشاء [لأنه] (٢) إذا علم صار كالمبتديء [للوصية] (٣) من ساعته.
فإن أوصى لغير وارث ثم صار وارثًا؛ مثل أن يوصي لامرأة ثم تزوجها، أو أوصى لأخ له ولد ولد يحجبه عن الميراث ثم مات الولد، وعاد الأخ وارثًا، فالوصية باطلة [قولًا واحدًا] (٤)؛ لقول النبي ﷺ : "إن الله أعطى لكل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث" (٥).
والنظر في الوصية إلى يوم الموت لا إلى يوم الوصية.
وكذلك لو أوصى لابنه، وهو عبد أو نصراني فلم يمت حتى عتق أو أسلم بطلت الوصية قولًا واحدًا.
ولو أقر بدين في مرضه لغير وارث ثم صار وارثًا، فذلك لازم له؛ لأن كونه غير وارث في حين إقراره له كإقراره في صحته، ولا رجوع عن ذلك، والوصية إذا صار الموصى له وارثًا كان له الرجوع عنها؛ فصار كأنه إذا نفذها بعد أن صار الموصى له وارثًا؛ لأن له الرجوع عنها [والحمد لله وحده] (٦).
стр. 3968
المسألة التاسعة في معرفة ما تدخل فيه الوصايا من مال الموصي مما لا تدخل فيه
ولا يخلو حال الموصي من وجهين:
أحدهما: أن يكون عالمًا بأصله.
والثاني: أن يكون غير عالم بأصله.
فإن كان عالمًا بأصله، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يملك التصرف فيه في الحال، وفي ثاني حال.
والثاني: ألا يملك التصرف فيه في الحال، ويملكها في ثاني حال لتعلق حق الغير به كالعمرى أو الحبس الذي إليه مرجعه، فأما ما يملك التصرف فيه في الحال والمآل، فلا يخلو من أن يكون حاضرًا معه أو غائبًا [عنه] (١).
فإن كان حاضرًا معه، فلا يخلو من أن يعمل فيه عملًا يدل على أنه لم يرد دخول الوصايا فيه، أو لم يعمل.
فإن عمل فيه عملًا يدل على أنه لم يرد دخول الوصايا فيه مثل أن يوصي لوارث أو أجنبي، فإن الوصايا لا تدخل في حق الوارث، ويتحاصان به الورثة مع أهل الوصايا، فما صار للوارث رجع ميراثًا إن لم يجيزوا له بقية الورثة.
فإن لم يعمل فيها عملًا، فإن الوصايا تدخل فيه قولًا واحدًا.
فإن كان عنه غائبًا كعبد آبق، أو بعير شارد أو مال سفره في سفينة،
стр. 3969
فلا يخلو من أن ينقطع عنه خبر ما غاب عنه، وجهل حاله، أو بلغه الخبر بأن سفينته قد غرقت، وأن العبد قد هلك.
فإن انقطع عنه خبر ذلك وجهل حاله، فإن الوصايا تدخل فيه إذا رجع العبد إليه، والبعير الشارد، ووصلت السفينة بسلامتها، ولو كان إيابهم بعد الإياس، ولو بعد عشرين سنة، وهو قول مالك، وابن القاسم في "الموازية"، و"المجموعة".
فإن بلغه الخبر أن السفينة قد غرقت، وأن العبد قد هلك، ثم ظهر سلامة ذلك بعد موت الموصي، هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الوصايا لا تدخل فيه جملة.
والثاني: أن الوصايا تدخل فيه.
والقولان رواهما أشهب عن مالك في "العتبية" وغيرها.
والثالث: التفصيل بين أن تشهد بذلك عنده بينة أو لا؛ فإن شهدت عنده بينة بغرق السفينة، وموت العبد أو بلغه الخبر، فطال زمان ذلك، وآيس منه ثم مات فلا تدخل فيه الوصايا.
وإن كان بلغه بلاغًا ثم مات بقرب ذلك، ولم يشهد بذلك عنده أحد، فإن الوصايا تدخل فيه، وهي رواية عيسى، وأصبغ عن ابن القاسم في "المجموعة".
وأما أن كان ذلك المال مما لا يملك التصرف فيه في الحال ويملكه هو أو وارثه في ثاني حال؛ لتعلق حق الغير به كالعمرى أو الحبس الذي مرجعه إليه، فإن الوصايا تدخل فيه، وهو قول مالك في "الموازية"، و"المجموعة".
стр. 3970
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الموصي غير عالم بأصله كمال ورثه ببلد بعيد، ولم يعلم به حتى مات، أو دية العمد قبلت بعد موته. هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه تدخل فيه جميع الوصايا كمالٍ علم به، وهذا القول حكاه الحفيد عن مالك في كتاب "النهاية".
والثاني: أنه لا يدخل فيه إلا المدبر في الصحة خاصة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثالث: أنه لا يدخل فيه إلا المُدَبَّر في الصحة والمرض خاصة، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" وغيرها.
فوجه قول من قال: إن جميع الوصايا تدخل فيه كمالٍ علم به [لحق] (١) الموصى له؛ لأنه مال للوصي داخل في ملكه وتحت ولايته، وأنه يورث عنه كمال علم به وجهله لا يؤثر؛ لأنه قال: ثلث مالي لزيد، والغائب من حمله ماله بلا خلاف.
ووجه القول الثاني أنه لا يدخل فيه إلا المُدَبَّر في الصحة بناء على أن قصد الموصي بالوصية ما علم به من المال دون ما لم يعلم، والمدبر في الصحة ماله إلى الثلث بعد الموت، والمال الذي يخرج من ثلثه مجهول العين؛ إذ لا يدري سيده هل يخرج من هذا المال الذي بينه الآن أو يفنى هذا المال وينفد، ويستفيد مالًا آخر يخرج من ثلثه؛ ولهذا قال: يخرج المدبر في الصحة مما علم، ومما لم يعلم بخلاف المُدَّبر في المرض؛ لأن المرض من أسباب الموت، والمال الذي بيده معين، فكأنه قصد إلى خروجه
стр. 3971
من ثلثه كالوصية بمال.
ووجه القول أن المدبر في المرض لما كانت له المزية بالتبدية على ما دونه من الوصايا وجب أن يكون له المزية عليها أيضًا في دخولها فيما علم به، وفيما لم يعلم كالمدبر في الصحة فيما لم يعلم به الموصى ما قدمناه، وهذا معنى معدوم في المدَبَّر في المرض [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3972
المسألة العاشرة في ترتيب الوصايا وتبدية بعضها على بعض في الثلث
ولا يخلو ثلث الموصى من أن يكون [فيه محمل] (١) لجميع الوصايا، أو ضاق عن بعضها.
فإن كان فيه محل لجميع الوصايا، فلا إشكال.
وإن ضاق عن بعضها، فهذا محل الكلام في اعتبار تبدية الأقوى على الأضعف، ونحن نبين ذلك على أحسن سياق، وأبلغ نظام إن شاء الله فنقول -وبالله التوفيق: لا يخلو الموصي من وجهين:
أحدهما: أن يصرد وصاياه من غير أن ينص على تقدمة بعضها على بعض.
والثاني: أن ينص على تقدمة الأضعف على الأقوى.
فإن صرد وصاياه، ولم ينص على تقدمة بعضها على بعض، فإنه يبدي الآكد، فالآكد تقدم باللفظ أو تأخر.
وإن نص على تبدية الأضعف على الأقوى، فإنه يبدأ بالذي نص على تبديته؛ اتباعًا لوصيته وما يقرضه.
وقولنا: إنه يُبَدّى الآكد، فالآكد لا الأقدم فالأقدم، قال عبد الملك ابن الماجشون، قال عبد الملك بن الماجشون في "الواضحة": وذلك ما لم يكن الأقدم مما لا يجوز له الرجوع عنه كالمبتل في المرض، والمُدَبَّر فيه، والعطية البتل فيه، فإنه يبدأ بالأقدم فيه على الآخر.
стр. 3973
فإذا ثبت ذلك فأول ما يخرج من الثلث المدبر في الصحة، وصداق [المريض] (١) إذا دخل في مرضه، وقد اختلف فيهما على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يبدأ بالمُدَبَّر في الصحة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصيام" من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بصداق المريض، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني"، و"كتاب الأيمان بالطلاق" من "المدونة".
والثالث: أنهما يتحاصان.
والأقوال الثلاثة لابن القاسم.
ووجه القول بتقديم المُدَبَّر في الصحة؛ لأنه أمر لزم في الصحة، فكان مقدمًا على ما يلزم في المرض كما يقدم على العتق المبتل في المرض.
ووجه القول بتبدية الصداق؛ لأنه مختلف في كونه من رأس المال، أو من الثلث؛ ولكونه إن صح من هذا المرض، صار كالدين يتعلق بالذمة، ويكون من رأس المال باتفاق المذهب.
ووجه القول بالمحاصاة مساواتهما في المرتبة والقوة، وعدم الترجيح.
ولا خلاف في المذهب في تقديم هذين الاثنين على ما عداهما من الوصايا إلا ما قاله أشهب في "المجموعة"؛ فإنه قال: إذا كان التدبير مع الزكاة والكفارة في لفظ واحد، وكان التَّدْبِير بعد ذلك، فالزكاة والكفارة مقدمة عليه.
ووجه قول الجمهور أنّ التَّدْبِير أمر لازم حال الصحة مختص بالعتق، وللعتق تأثير في التقديم.
стр. 3974
ووجه قول أشهب: أن هذه حقوق لازمة مقدمة بالشرع، فكانت مقدمة على ما يلزمه المرء نفسه؛ ولذلك قدمت على سائر الوصايا، ثم بعد ذلك على مذهب ابن القاسم ما فَرَّط فيه من زكاة الحرث، والعين، والماشية، ثم ما فرَّط فيه من زكاة الفطر، خلاف ما ذهب إليه ابن الماجشون على ما سنبينه آخرًا إن شاء الله، ثم العتق في الظهار، وقتل النفس في الخطأ.
ولا يخلو من أن يكون في الثلث رقبة، وإطعام ستين مسكينًا، أو لم يكن فيها إلا الرقبة [فإن كان الثلث الرقبة والإطعام، فإن الرقبة تعتق عن القتل، ويطعم عن الظهار، وإن لم يكن فيه إلا الرقبة وبعض الإطعام] (١)؛ فقد اختلف فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بكفارة قتل النفس.
والثاني: أنه يبدأ بكفارة الظهار، فإن بقى شيء أشرك به في كفارة القتل.
والثالث: أنهما يتحاصان فما صار للظهار أطعم به، وما صار للقتل أعين به في رقبة.
والرابع: أنه يقرع بينهما.
والخامس: أن الورثة يخيرون، ويعتقدون على أيّ الكفارتين شاؤوا.
وأوجه تبدية الزكاة على العتق في الظهار، وقتل النفس أن الزكاة واجبة بالشرع على معنى التزكية، والتطهير للمكلف، ولا بدل لها؛ فوجب تقديمها، والعتق في الظهار، وقتل النفس، وإن كان وجوبهما بالشرع المنقول، فإن لهما بدلًا -وهو الصيام في القتل والصيام أو الإطعام
стр. 3975
في الظهار، وأيضًا فإن سبب وجوبهما جناية المكلف؛ فكانت الكفارة عقوبة عليه، والزكاة تطهير للنفس من داء البخل، وشكر لمالك الكل.
واختلف فيما بينهما في الترتيب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه [يليهما] (١) في الترتيب كفارة اليمين، ثم كفارة الفطر في رمضان متعمدًا، ثم كفارة التفريط في قضاء رمضان.
والثاني: أن الإطعام لقضاء رمضان يبدى على كفارة اليمين عند ابن القاسم.
والثالث: أن المبتل في المرض، والمدبر في المرض مقدمان على كفارة اليمين، وكفارة رمضان، والأول أصح.
وعلى القول بتبدية الكفارة على المبتل في المرض، هل يبدأ بكفارة اليمين على كفارة رمضان أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبدأ بكفارة اليمين، وهو [ظاهر] (٢) قول مالك في "كتاب الصيام" من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بكفارة رمضان.
والأول أظهر وأصح. ووجهه أن كفارة اليمين بالله تعالى ثابتة بنص القرآن، وكفارة الفطر في رمضان متعمدًا ثابتة بأخبار الآحاد، وكفارة قضاء رمضان ثابتة بالاجتهاد.
ثم النذر على قول ابن أبي زيد إذا أوصى به وعند غيره، ثم العتق المبتل في المرض، والمُدَبَّر فيه، وهو الصحيح.
ولا يخلو من أن يكونا في فور واحد، أو كان أحدهما قبل الآخر.
стр. 3976
فإن كان أحدهما قبل الآخر، فيبدأ بالأول منهما.
وإن كانا في فور واحد، فاختلف في أيهما يبدي على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المبتل في المرض يبدي على المدبر فيه.
والثاني: أن المدبر في المرض يبدي على المبتل فيه.
والثالث: أنهما يتحاصان في الثلث.
ثم بعدهما الموصي بعتقه بعينه، والموصي أن يشترى فيعتق، والموصي بعتقه على مال إذا عَجَّل المال، والموصي بكتابته إذا عَجَّل الكتابة، والموصى بعتقه إلى شهر، فقيل: إنهم يتحاصون جميعهم في الثلث، ولا يُبَدّى بعضهم على بعض.
وقيل: إن الذي أوصى بعتقه بعينه يُبَدَّى على الموصي بشرائه للعتق.
ثم بعد هذه الخمسة الموصى بعتقه إلى شهر، والموصى بكتابه، فقيل: إنهما يتحاصان، وقيل: إن الموصي بعتقه إلى سنة كالموصي بعتقه إلى سنتين.
وقال غير الشيخ محمَّد بن أبي زيد: ثم النذر، وهو بعيد لتبدية الموصى بعتقه عليه؛ لأن الوصية بالعتق يصح الرجوع فيها، والنذر لازم لا رجوع فيه؛ فهو إذا أوصى به آكد منه.
وقول ابن أبي زيد أصح.
ثم الوصية بالعتق بغير عينه، وبالمال، وبالحج، وقد اختلف في ذلك على قولين:
أحدهما: أنها كلها سواء، ويتحاصون في الثلث، وهو أحد قولي مالك في "المدونة".
стр. 3977
والثاني: أنه يبدي بالعتق على الحج [ويتحاصان] (١) مع المال، وهو قوله الثاني فيها، ووجه هذا القول أن العتق عنده آكد ثم يليه المال، ثم يليه الحج؛ فيتحاص العتق مع المال، ولا يبدي أحدهما على صاحبه؛ لقرب ما بينهما في التأكيد، ويبدي العتق على الحج؛ لبعد ما بينهما على ما رتبناه.
ووجه العمل فيه أن يتحاص العتق، والمال، والحج، فما ناب العتق، والحج بديء فيه العتق على الحج، ولم يكن للحج من ذلك إلا ما فضل عن العتق.
وقيل: يبدأ بالحج، ثم يتحاص في المال، والعتق.
وقيل: يُبَدّى العتق، ويتحاص في المال والحج.
وسواء كانت الوصية بالمال جزء أو عدد.
فإن اجتمعا جميعًا -الوصية بالعدد والوصية بالجزء- فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالجزء.
والثاني: أنه يبدأ بالعدد.
والثالث: أنهما يتحاصان.
وهذا الاختلاف موجود لمالك، وابن القاسم، ومعناه في الضرورة.
وأما في حجة التطوع، فلم يختلف [قولهما] (٢) في أن العتق مبدى عليهما، ولا في أن الحج لا يبدى على المال.
стр. 3978
واختلف [قول ابن القاسم] (١) في "العتبية" هل يبدى المال على الحج أو يتحاصان على قولين:
أحدهما: أنهما يتحاصان، وهو قوله في "العتبية".
والثاني: أن الوصية بالمال تُبَدَّى.
فهذا ترتيب الوصايا على مذهب ابن القاسم.
وأما على مذهب ابن الماجشون، فإن المُدَبَّر في الصحة يبدى عنده على المبتل في المرض، والمبتل في المرض يبدى على العطية المبتلة في المرض، والعطية المبتلة في المرض تُبَدّى على التَّدْبير في المرض، [والتَّدْبير في المرض يُبَدَّى] (٢) على الزكاة التي فَرَّط فيها، والزكاة التي فَرَّط فيَها تُبَدّى على عتق كفارة الخطأ، وعتق كفارة الخطأ يُبَدّى على عتق كفارة الظهار.
قال: وكل ما نعت لك من هذا، فسواء كان في فَوْر واحد أو في فَوْر بعد فَوْر؛ إنما يُبَدَّى الأوجب، فالأوجب، والأثبت، فالأثبت على [حال] (٣) ما فسرت لك.
وقال بعض المتأخرين: والذي ذهب إليه عبد الملك أقوى في الحجة مما ذهب إليه ابن القاسم؛ وذلك أن للموصى أن يرجع فيما أوصى به من الزكاة، ولا يجوز له أن يرجع عما بتله أو دبره في المرض، وما لا يجوز له الرجوع فيه آكد مما له الرجوع فيه، وأيضًا فإنه يتهم على أنه أراد أن يرجع فيما بتله أو دَبَّره، فأوصى بزكاة [ليس] (٤) عليه، وحكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في "المعونة" أن الوصية
стр. 3979
بالعتق المعين تُبَدّى على الزكاة، وهو بعيد في القياس، ووجهه اتباع ظاهر الحديث روى عنه ﷺ أنه أمر بتبدية العتق على الوصايا؛ فعم ولم يخص.
وحكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية بالحج تُبَدَّى على كل شيء؛ المُدَبَّر وغيره.
وكان أبو عمرو الاسبياني بدأ بتبدية ما أوصى به في فداء أسير على جميع الوصايا؛ المُدَبَّر في الصحة وغيره، ويحتج بما روى عن مالك أنه قال: لا يحل لأحد أن يقتني مالًا ما دام أحد من أسارى المسلمين في أيدي العدو، وحكى ذلك عنه ابن عتاب، وقال: إن الشيوخ أجمعوا على ذلك. تم [كتاب الوصايا الأول] (١) بحمد الله وعونه.
стр. 3980
مناهج التحصيل
ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحل مشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدمياطي
أحمد بن عليّ
الجُزءُ العاشر
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
стр. 3981
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حُقُوق الطَّبْع مَحفُوظَةٌ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
٧ - ٤٣١ - ٨١ - ٩٩٥٣ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
стр. 3982
كتاب الوصايا الثاني
стр. 3983
كتاب الوصايا الثاني
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في شهادة الوارثين أن أباهما أعتق هذا العبد والعبد هو الثلث
وإذا شهد وارثان أن أباهما أعتق هذا العبد في مرضه والعبد هو الثلث.
فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون [معهما] (١) ورثة نساء أو وصية بثلث المال لأجنبي.
وإما أن يكون الورثة كلهم ذكورًا، والميت لم يوص بشيء غير عتق ذلك العبد في المرض.
فإن لم يكن معهما وارث من النساء، ولا أوصى الميت بوصية فشادتهما على العتق جائزة، ويعتق العبد اتفاقًا.
وإن كان معهما من الورثة نساء، أو كان الميت قد أوصى بثلث ماله لأجنبي، فلا يخلو العبد من أن يكون ما يتهمان في جر ولائه أو لا.
فإن كان العبد من دناة الرقيق مما لا يتهم في جر ولائه فشهادتهما على العتق جائزة، ويُبَدّى من الثلث.
وإن كان ممن يرغب في ولائه، ويتهمان على إبطال الوصية، والاستبداد بالولاء دون الإناث [فهل يتهمان أم لا؟ فالمذهب على قولين:
стр. 3984
أحدهما: أن التهمة تلحقهما، والظنة ترمقهما] (١) إذا كان معهما نساء أو وصية؛ لأن الرجال يحوزون الولاء دون النساء، والنساء لا يرثن من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن، ويتهمون في الوصية أيضًا أن يقولوا: إن الوصية لا يرجع إلينا منها شيء إذا لم تكن عتقًا.
وإذا كانت عتقًا، والمعتق يرغب في ولائه، وإخراجه خير لهم من إخراج الثلث؛ إذ أداء الثلث لا انتفاع لهم فيه، والولاء ينتفعون به، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنهم لا يتهمون بهذا؛ بدليل أن الميت جاز له أن يعتق في مرضه، والولاء للرجال دون النساء، فلم يكن عتقه محاباة للذكور لمصير الولاء لهم دون النساء؛ فعلى قول ابن القاسم أنهما لا يتهمان في العتق، فينفذ الثلث شهادة الأجنبيين، والعبد هو الثلث، هل يعتق كله على الشاهدين الوارثين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعتق جميعه على الوارثين، وهو قول ابن القاسم.
ووجهه أنهما يقولان: إنه حر؛ لأن الثلث الذي ظلمنا فيه، وجعل الثلث الخارج بشهادة البينة كأنه باق بأيديهما، ولم يجعله كما لو غصب من المال شيء أو ضاع.
والثاني: أنه لا يعتق من العبد إلا ثلثاه، وهو قول أشهب.
ووجهه أن الثلث الذي أخذه الموصى له به كجائحة أتت على المال، فلم
стр. 3985
تُبق من المال إلا ثلثاه؛ فيعتق ثلثا العبد؛ لأنه ثلث ما بقى، وهذا هو الأشبه في النظر، [والحمد لله وحده] (١).
стр. 3986
المسألة الثانية في الوصية بخدمة العبد
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تصير رقبته بعد الخدمة إلى ملك.
والثاني: أن تصير إلى حرية.
فإن صارت إلى ملك؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا ثم هو لفلان: فلا يخلو من أن يضرب للخدمة أجلًا، أو لا يضرب لها أجلًا.
فإن ضرب لها أجلًا مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا سنة، أو قال: حياته: فلا يخلو من أن يوصي مع ذلك بوصايا لقوم آخرين، أو لم يوص بشيء.
فإن أوصى مع ذلك بوصايا لقوم آخرين مثل أن يوصي مع ذلك بثلث ماله لرجل آخر أو أوصى له بمائة دينار: فلا يخلو من أن يحمل الثلث جميع الوصايا أو ضاق عنها.
فإن حمل الثلث جميع الوصايا فلا إشكال، وإن ضاق عنها، فالورثة مخيرون بين أن يجيزوا وصية الميت أو يبروا من ثلث الميت لأهل الوصايا.
فإن باروا لهم من الثلث، فإنه يتحاص فيه الموصى له بالمائة أو بالثلث، والموصى له بالخدمة، والموصى له بالرقبة، ولا يضرب [له] (١) الموصى له بالخدمة، والموصى له بالرقبة إلا بقيمة العبد؛ لأن وصيتهما واحدة فيما صار لهما من الثلث؛ بَدّي فيه صاحب الخدمة على صاحب الرقبة.
стр. 3987
فإذا انقضى الأجل، أو مات صاحب الخدمة -إن كانت الخدمة حياته- صار لصاحب الرقبة ما صار لهما في محاصتهما في العبد؛ إن كان نصفًا فنصفًا، وإن كان ثلثًا فثلثًا، ويكون صاحب الثلث والمائة شريكًا للورثة بمقدار ما صار له في المحاصة في جميع مال الميت، وفيما بقي من العبد في يد الورثة مما لم يحمله الثلث، ولا تغيير في هذا الوجه، والموصى له بالثلث يتحاصى مع أهل الوصايا بجميع الثلث في ثلث الميت.
فإن لم يوص مع ذلك بشيء، مثل أن يقول: عبدي يخدم فلانًا سنة أو حياته، ثم هو لفلان: فإن حمله الثلث خدم صاحب الخدمة أمد الخدمة، فإذا تمت الخدمة صار لفلان، وإن لم يحمله الثلث، فإنه يقطع لهما من العبد بقدر [محمل] (١) الثلث؛ فيخدم الذي جعلت له الخدمة إن كان ما حمل [الثلث منه] (٢) النصف خدم الورثة يومًا، وخدم الموصى له بالخدمة يومًا، حتى إذا انقضى أمد الخدمة كان نصفه للموصى له بالرقبة بَتْلًا.
فإن لم يضرب للخدمة أجلًا؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا، ولم يقل حياته، ولم يؤقت من السنين شيئًا، وأوصى أن رقبته لفلان -رجل آخر-[ولم يقل] (٣) من بعده، هل هي وصية واحدة أو وصيتان؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنهما وصيتان، فتقوم الخدمة على غررهما حياة الذي أخدم، وتقوم [الرقبة] (٤) ثم يتحاصان في رقبة العبد بقدر ذلك.
стр. 3988
وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنها وصية واحدة، والخدمة حياة فلان، فإذا مات فلان رجع العبد إلى صاحب الرقبة ملكًا له.
وهو قول أشهب في "المدونة" أيضًا.
وعلى القول بالتحاصص، هل يتحاصص صاحب الرقبة بقيمة الرقبة على أنها لا خدمة فيها [أم لا] (١)؟ قولان متأولان على "المدونة":
أحدهما: أنه يحاص بقيمة الرقبة على أنها لا خدمة فيها، وهو ظاهر قول ابن القاسم عند بعضهم.
والثاني: أنه يحاص بمرجع الرقبة، وهو قول ابن المواز، وحكاه عن ابن القاسم، يقال: ما تسوى هذه الرقبة بشرط أن تخدم هذه سنة، ثم يكون مرجعها لمن أوصى له بها.
فإن كان مرجعها بعد الخدمة إلى حرية أو إلى ورثة الموصى؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا سنة ثم هو حر، أو قال: ثم يرجع إلى ورثتي، وأوصى مع ذلك بوصايا: فلا يخلو من أن يحمل الثلث جميع الوصايا أو ضاق عنها.
فإن حمل الثلث جميع الوصايا أخذ كل واحد [من] وصيته.
فإن ضاق عنها فلا يخلو العبد من أن يكون كفاف الثلث، أو أكثر منها.
فإن كانت قيمته كفاف الثلث [فإنه] (٢) يعمر العبد أو الموصى له بالخدمة أيهما كان أقصرهما عمرًا على قدر ما يرى الناس، فينظر كم ذلك
стр. 3989
فتقوم تلك السنين ذهبًا على غررها على الرَّجاء والخوف يقال: بكم يتكارى هذا العبد إلى أقصى عمره، أو عمر الموصى له -أيهما أقصر عمرًا على ما قدمناه- على أنه إن عاش إلى ذلك الأمَد، فهو من حق المستأجر وإن مات قبل ذلك فقد بطل حقه، ولا يرجع في بقية ذكر المدة؛ فيتحاص مع أهل الوصايا بأقل العمرين على ما فسرناه في خدمة العبد.
فإذا هلك الموصى له بالخدمة فالعبد حر، ولا يُبَدّى في هذا الوجه بالعتق على الخدمة؛ لأن المعتق إلى أجل، ولا يعتق العبد إلا إلى الأجل الذي جعل عتقه إليه، وهو قبل الأجل عليه الخدمة؛ فتكون تلك الخدمة بين الموصى له بها، وبين الموصى له بالمائة.
فإن انكشف [الغيب] (١) في التعمير خلاف ما عمر؛ مثل أن يزيد عمره على ما عمر أو قصر عن ذلك، هل يعمل على ما انكشف عنه الغيب أو يعمل على ما حكم به ابتداء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعمل على ما مضى عليه الحكم ابتداء، ويرد ما بقي بعد انقضاء عمره على أهل الوصايا يتحاصون فيه، وما بقي بعد تمام الوصايا يرجع إلى الورثة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه يعمل على ما انكشف عنه الغيب، ويؤتنف له التعمير، ويرجع [على] (٢) أهل الوصايا، وهو قول أشهب، وهو القياس.
والقولان حكاهما الباجي [في المنتقى] (٣).
стр. 3990
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر [باجتهاده] (١) أم لا؟
فإن كان الثلث لا يحمل جميع العبد، وأبَى الورثة أن يجيزوا وصية الميت، هل تسقط الخدمة، ويبدأ بالعتق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الخدمة ساقطة، ويبدأ بالحرية، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"المجموعة".
والثاني: أنه يبدأ بالخدمة، فيخدم ثلثه فلانًا سنة، ثم هو حر؛ كما يفعل إذا كان للعبد ثلث الميت، وهو قول أشهب، وأحد قولي مالك.
ووجه القول الأول: أن العبد لو أعتق جميعه لزمته الخدمة [فإذا أعتق بعض كان أولى أن يخدم، فإذا لم تسقط الخدمة] (٢) بعتق جميعه، فبأن لا تسقط بعتق بعضه أولى.
ووجه القول الثاني: أن الثلث إذا ضاق عن الوصايا قدم العتق المعين، فتقديمه يقضي بإبطال الوصية.
وإذا لم يعتق من العبد إلا ثلثه، ومنع ضيق الثلث من نفوذ جميع الوصية، وذلك يوجب إنفاذ عتق ما حمل الثلث منه، ولا يصح ذلك إلا بإبطال الخدمة، والحمد لله وحده.
стр. 3991
المسألة الثالثة إذا أوصى بعبده لرجل، وأوصى بسدس ماله لآخر
فقد قال مالك في "الكتاب": ينظر إلى قيمة العبد، فإن كان العبد هو ثلث مال الميت كان للموصى له بالعبد ثلث الثلث في العبد، وكان للموصى له بالسدس ثلث الثلث فيما بقى من العبد، ومن جميع مال الميت يكون شريكًا مع الورثة في ذلك التسع، أو بالسبع على اختلاف الروايات.
قلت: أرأيت إن كانت قيمة العبد الذي أوصى به نصف الثلث، وقد أوصى لآخر بالسدس، قال: يكون للموصى له بالعبد جميع العبد، ويأخذ الموصى له بالسدس وصيته فيما بقى يكون شريكًا للورثة بالخمس، وهذا قول مالك؛ فهذا نص ما في المدونة.
وهو كلام يحتاج إلى تفسير؛ لأن المسألة حسابية.
وصورتها أن يترك الميت العبد، وأربعمائة دينار، وقيمة العبد مائتان، فالعبد هو الثلث، فيقطع لمن أوصى له بالعبد، فيأخذ ثلثيه؛ لأن وصيته سهمان ووصية صاحب السدس سهم؛ لأنه وصى له بالسدس، فيكون شريكًا بثلث الثلث، ولا يقوم ذلك إلا من تسعة؛ فثلث التسعة ثلاثة؛ فسهمان [منها] (١) للموصى له بالعبد، وسهم للذي أوصى له بالسدس؛ وهو سبع ما بقي بعد السهمين، وهو تسع جميع المال.
وعلى هذا يتخرج ما في "الكتاب".
وإن كان العبد هو نصف الثلث، وهو السدس، فعلى قول مالك في "الكتاب" يأخذ العبد صاحبه من ستة، وبقيت خمسمائة يأخذ الموصى له
стр. 3992
بالسدس مائة، فاستكملا الثلث.
وعلى قول ابن القاسم في العتبية إذا كان العبد يساوي مائة وترك خمسمائة، فأوصى بالعبد لرجل وبالسدس لرجل آخر أن صاحب العبد يأخذ خمس أسداسه؛ لأنه انفرد بذلك [ويأخذ الموصى له بالسدس سدس الخمسمائة؛ لأنه انفرد بذلك] (١)، ويبقى سدس العبد وصى به لهذا، فيجب أن يقسم ذلك بينهما نصفين.
فهذه صورة المسألة وتفسيرها، والحمد لله وحده.
стр. 3993
المسألة الرابعة في الوصية بالحج
واتفق المذهب عندنا أن الوصية بالحج مكروهة في الابتداء.
واختلف بعد وقوعها في وجوب تنفيذها على قولين:
أحدهما: وجوب تنفيذها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يجب تنفيذها على الورثة إلا أن يشاؤوا، وهو قول ابن كنانة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تصويب المجتهدين؛ وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد؟
فعلى القول بوجوب تنفيذها، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يوصي بذلك إلى مجهول.
والثاني: أن يوصي بذلك إلى معين معقول.
فإن أوصى بذلك إلى مجهول؛ مثل أن يوصى أن يحج عنه بثلث ماله: فعلى الورثة أو الوصي أن يختاروا لذلك رجلًا حرًّا بالغًا مكلفًا، فيدفعوا له المال ليحج به عن الميت، ويختار لذلك من قد حج أحب إلى مالك، فإن دفع لمن لم يحج أجزأهم، وإن دفعوه إلى عبد أو صبي، أو من هو غير مخاطب بالحج، فلا يخلو من أن يكون ذلك منهم على معنى العمد، أو على معنى الخطأ والجهل.
فإن فعلوه على معنى العمد، فلا خلاف في وجوب الضمان على من دفع.
стр. 3994
وإن كان على معنى الخطأ، والجهل، فهل يضمنوا أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: سقوط الضمان عنهم؛ فإنهم بجهلهم معذورون.
وهو قول ابن القاسم في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة".
والثاني: وجوب الضمان على من دفع، وهو نص قول الغير في "كتاب الوصايا [الثاني] (١) " من "المدونة"، ويؤخذ من قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة الأول" من "المدونة" في المخطيء في الزكاة يدفعها إلى نصراني، أو غني، وهو لا يعلم حيث قال: إن الدافع يضمن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
ثم لا يخلو قابض المال ليحج به عن الميت من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يأخذه على البلاغ] (٢).
والثاني: أن يأخذه على الإجارة.
والثالث: أن يأخذه على الضمان.
فإن أخذه على البلاغ؛ فإنه يرجع بالنقصان، ويرد الزائد، مثل أن يقول [له] (٣): خذ هذه الدنانير، فحج بها عن فلان، فإن فرغت قبل تمام الحج كان علينا التمام، وإن فضلت منها فضلة بعد الإياب كانت الفضلة لنا، فهذا معنى البلاغ.
فإن ترك شيئًا من مناسك الحج مما يجب فيه الدم، فإن أخذ المال على
стр. 3995
معنى الإجارة، فالدم عليه في ماله -تركه عامدًا أو ناسيًا- وإن أخذه على معنى البلاغ، فالدم في ماله إن تركه عمدًا، وفي مال الميت إن تركه ناسيًا.
فإن أخذه على معنى البلاغ، وسقطت عنه النفقة في طريقه، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الإحرام، أو بعد الإحرام.
فإن ضاع قبل الإحرام، فإنه يرجع من موضع سقطت منه، ونفقته في رجوعه من مال الميت، فإن تمادى ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء له عليهم في ذهابه.
فإن ضاع بعد الإحرام، فليمض في حجه، فإنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، ويَتَسَلَّق ما ينفق في ذهابه ورجوعه، ويرجع بذلك على الذي دفع إليه المال.
ولو أخذه على الإجارة، فسقط لكان ضامنًا للحج أحرم، أو لم يحرم.
وهذا كله نص قول مالك في "كتاب الحج الثاني" من "المختلطة".
فإن أخذه على الإجارة؛ مثل أن يستأجره بكذا، وكذا دينار على أن يحج [عن] (١) الميت، فهذه الإجارة له ما زاد، وعليه ما نقص.
وإن أخذه على معنى الضمان، فهو بمعنى الجعل.
فإن مات قبل تمام الحج، فلا شيء له على سنة الجعل، وعلى هذا تأول ابن لبابة ما وقع له في "المدونة" في آخر الباب حيث قال: والناس يعرفون كيف يأخذون، إن أخذوا على البلاغ، فهو على البلاغ، وإن أخذوا على أنهم ضمنوا الحج، فقد ضمنوا.
وخالفه في ذلك جماعة من المتأخرين، وقالوا: معنى الضمان أن