← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التمثيل صحيح للسلف الأول، وللخلف النظم. والحامل على وضع هذا الكتاب: حمية على طوائف من المبتدئين تركوا شمس الضحى [و] (١) اصطلاح المشايخ، وحاولوا الاستضائة بالصبح أول ما يتنفس. وقد كان للقدماء رحمة الله عليهم في تدريس المدونة اصطلاحان: [اصطلاح] (٢) عراقي، [واصطلاح] (٣) قروي. فالاصطلاح العراقي: جعلوا مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا [على] (٤) [الكتاب] (٥) بتصحيح الروايات، [ومناقشة] (٦) الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل [برسم] (٧) الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي: فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، والتحرز عما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكتاب من اضطراب الجوابات، واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع سياق الآثار, وترتيب أسانيد الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع -وافق ذلك عوامل الإعراب [أو] (٨) [خالفها] (٩).

стр. 37

فهذه سيرة القوم إلى أن [أدرجوا] (١) رضوان الله عليهم ثم نجم بعدهم [طوائف في أقصى المغرب] (٢) ضلوا عن جادة الطريق، وتنكبوا عن مسالك التحقيق، وهجموا على [أكبر يم] (٣) وركبوا [لجج] (٤) البحر دون سفين؛ [فوجدوا فلاة بغير دليل] (٥)، ولا اهتدوا بسلوك السبيل، فاقتحموا على [تدريس] (٦) المدونة بغير إجازة من شيخ، ولا تحقيق من شرح حتى أن من سلك منهم نذرًا حقيرًا، وقدرًا يسيرًا بفرض وانتصب، وتعب ونصب نفسه إلى معرفة أسرارها [واستخراج] (٧) مكنونها. وسبب ذلك: أن أبواب الدواعي مفتوحة للخائض [مفتوحة وسياط التحسب عن متعاطيها] (٨) مطروحة، فلله در القائل: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها ... ورخصت حتى رامها كل مفلس فهؤلاء القوم انقسموا في تدريسها على طوائف: فطائف أعرضت وفرطت وقصرت، وطائفة أوغلت وأسرفت، وأفرطت، وطائفة أعدلت [وقصدت] (٩) وتوسطت.

стр. 38

فأما الطائفة [المعرضة] (١) فقد أعرضت عن الكتاب، ولم تفهم [معنى] (٢) السؤال منه والجواب، بل اعتمدت على مطالعة كتب [المتأخرين] (٣) كتبصرة اللخمي، والجامع لابن يونس، وقدموا قراءة الشرح على المشروح، [فكفى] (٤) بهذا الوصف تبيانًا لفساد وضعهم في [السلوك] (٥) حتى أن [الجاهد] (٦) منهم، ومن يشار إليه [بالبنان] (٧) بالتبحر في الفقه، وفصاحة اللسان يساهر النجوم، ويساور الوجوم في مطالعة الأمهات يرتب وينسخ بعض كلامه على بعض، [ويذهب] (٨) ويزخرف ألفاظه، ويموه كلامه ويطول أنفاسه حتى [يذهب] (٩) عامة النهار في الدرس في الكلام الفارغ [منه] (١٠) ويسمع [النقل] (١١) من "العتبية" و"الموازية". ولا ذكر هناك لمعاني المدونة، وهم في درسها -على زعمهم- فإذا خرج آخرهم من الدرس انحل الترتيب [وانحل] (١٢) واختل ذلك التمويه حتى لا يعقل منها على رواية, فهذه عادته طول العمر يقطع المدونة طالعًا ونازلًا، والإشكال فيها كما كان، ولا جرم تلاميذهم كوادن وهم حشو

стр. 39

المدارس، ولا حسنة تزداد [ولا] (١) سيئة تمحى، فالعياذ بالله من الخذلان. فإذا كانت سيرة الفحول من هذه الطائفة على هذا النعت، فكيف حال الخصيان المتشبهين بالإناث ومن [بضاعته] (٢) في هذا الفن مزجاة فتعجب من ضلالة المسكين بعول على النقل من الأمهات والدرس للروايات، ولم يميز [منها] (٣) بين الضعيف والمتين، ولا [يفرق] (٤) بين الغيث والسمين، ويدعي أنه اقتفى [أثر] (٥) المشايخ المتقدمين، وهذه تصانيف [المحققين] (٦) [الموافقين تحقيق] (٧) ما أطلقه القدماء، وخصوص ما عممه العلماء [ككتاب الوجيز] (٨) لأبي القاسم بن محرز، [وكتاب] (٩) "التنبيه" لأبي الفضل [العياضي, وكتاب] (١٠) "الكشف عن أسرار المدونة" [لأبي محمد] (١١) عبد الحميد السوسي، [وكتاب "الشرح" لابن لبابة" (١٢) الصغير, [وأكثر تصانيف] (١٣) أبي عمران الفاسي قدَّسَ الله أرواحهم في الخوض على تصانيف المدونة، واستقراء الأحكام منها

стр. 40

ينادي على المعول على مجرد النقل بالويل والثبور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. وأما الطائفة المفرطة: فقد راغموا الدليل، وسدوا باب التأويل، واتبعوا ظواهر الكتاب، واقتنعوا بالقشور عن اللباب، وركنوا إلى الدعة والراحة، ولم يتعبوا الذهن والقريحة، وهم ظاهرية المذهب. وهذه الطائفة أبخس من الأولى، وأقل منها توفيقًا وأكثرها ماءً، وأقل دقيقًا؛ لأنهم خلطوا المذهب، وأفسدوا أذهان المتعلمين، وجمعوا بين مفترق وفرقوا بين [مجتمعين] (١) تحكما بغير بيان، وتعسفًا عريًا عن البرهان، وتخرصًا على صاحب الكتاب بأن ذلك مرامه بالخطاب، فباؤوا بإثم عظيم، واستحقوا بذلك العذاب الأليم، إلا أن يعفو الجواد الكريم، وأما الطائفة المتوسطة المعتدلة: فهي الطائفة الموفقة إلى ما ضلت عنه الطائفتان، [وعميت] (٢) عنه بصائر الفريقين، وهي أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا وأهلها على ما كان عليه قدماء الأصحاب من مغاربة المذهب، [فبصاعهم] (٣) كالوا، وعلى [منوالهم] (٤) نسجوا في استعمال ظواهر الكتاب وبواطنه، واستنباط الفوائد الكامنة في فرائد ألفاظه واستنزال الدر النفيس من أهدابه، واستنزال المعنى الرائق من مخزن أوعاره، وهذه الطائفة في المغرب الأقصى أقل وجودًا في هذا الزمان [من الغراب] (٥) الأعصم.

стр. 41

فصل [فنحن] (١) بحمد الله في كتابنا [هذا] (٢) على سنن هذه الطائفة [أجرينا] (٣)، وفي ميدانها ركضنا، ومن مأخذهم [أخذنا] (٤)، وعلى أصولهم بنينا، ونزيد [عليهم] (٥) من حسن السياق، والترتيب وجوه التحرير والتهذيب في تحصيل المسائل، وتمهيد الدلائل، ونستنبط التأويل المقصود بالدليل المؤدي إلى أوضح السبيل على ما احتمل أن يكون اختلاف السؤال، أو يكون اختلاف الأقوال، أو اختلاف الأحوال، وفي هذه الثلاثة الأوجه يخطر الاحتمال إنما وقع في المدونة، أو الإجمال وتلفيق ما يمكن تلفيقه من الأقوال، وإزالة ما عسى أن يقع في بعض المسائل من الإشكال، وفتح [ق/ ٢أ] ما تغمم على بعض الأبواب من الأقفال، ويسفر الغطاء عما ظهر لنا من الأسرار من إظهار المحجوب من مفهومها من وراء السجوف والأستار بما لم تسبق إليه أقلام العلماء، ولا وطئت ساحته أقدام القدماء، ولا ولجت فيه أفهام الحكماء، ولا يلق في كتبه في تعاليق الفقهاء، ولاسيما ما حصل في أيدي الناس في هذا الزمان من الكتب المترجمة بشرح المدونة، وليست بشرح لها على الحقيقة، وإنما هو النقل من الأمهات، والإطناب في التعريفات، وتعطيل الأوراق بما هو مدون في الدواوين، وقد حكى عن أبي محمَّد عبد الله بن أبي زيد، قال: في المدونة آبار لا يعرفها إلا مؤلفها، فليت شعري كيف غفلوا, ولم يكشفوا الغطاء عن تلكم الآبار؟ هل للعجز والقصور عن إدراك حقائقها، والحلول

стр. 42

بساحة أوعارها، وكلال الفطنة عن استنباط فرات مياهها، أو لعوارض عائقة، وأعذار مانعة صدته عن بلوغ الغاية، واستيفاء النهاية، والظن بهم ﵃ أن الوقوف عن ذلك لعائق الأقدار، ومانع الأعذار، ولم يصل إلى هذا المغرب الأقصى في هذا الزمان كتاب في شرح المدونة يشفي العليل علته، ويروي الغليل غلته، إلا "كتاب التنبيه" لأبي الفضل العياضي، غير أنه تناهبته أيدي الطلبة، وقعدوا عليه حتى لا يقدر فيه على النسخة الصحيحة؛ بل تسلطت عليه أقلام من لا يعرف كيف يمسكها، فمسخوه وهو يتوهمون أنهم نسخوه حتى لا يوجد منه شيء يعول عليه إلا من له فطنة ذكية، ورواية زكية، فالبعسار يظفر منه بالمقصود إذا أمعن النظر في المدونة مع توفيق يعضده، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء، فها أنا أهذب المقصود وأقرب المطلوب في هذا الكتاب بتلخيص مسائل المدونة، وبيان محل الخلاف فيها، وتحصيل الأقوال المستقرأة من المدونة، وتنزيلها، وبيان مشكلاتها ومحتملاتها بدليل يشهد بصحتها، أو نصوص تقع في المذهب على وفقها، وكل استقراء خرج من موافقة الدليل، أو لم يكن في نص المذهب ما يوافقه، ويؤيده فهو استقراء ساقط عند أهل التحصيل والتأويل، وإنما اعتمد حذاق المذهب العمل بالاستقراء من المدونة، وقدموه على نص يخالفه في المذهب لصحة المدونة، وقوة إسنادها، وكثرة الاعتناء بها؛ [ولذلك] (١) قدمت على ما عداها. وقيدت منها مع ذلك المشكلات الشوارد، وعقلت فيها المعضلات الأوابد حتى غادرتها يسقى منها بالأكف، والسواعد بعد أن كانت شاغرة [المسالك] (٢) والموارد، ونشرف أثناء ذلك من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد ما لم يقع في

стр. 43

الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق ستر حتى [يستغني] (١) به الطالب عن جملة المصنفات، ويصول به على أصحاب الروايات، وأرباب الدرايات، ويكتفي به عن مطالعة الأمهات، إلا من أراد الاستغزار في الروايات عند تزاحم الأسئلة بالجوابات، أو من تصدى للقضاء والمحاكمات. ولعلنا لا نعدم غمرًا جاهلًا، أو حقودًا عن منهج [الحق] (٢) مائلًا يشحذ إلينا [حربة] (٣) الطعن، ويفرق نحونا [سهام] (٤) سوء الظن، ويدعي ألا تصنيف إلا ما صنفه القدماء، وأن كتب الماضيين بالاقتداء أولى، وما حدث من التصانيف بدعة، وما [ترك] (٥) الأوائل للأواخر شيئًا، وقد كان فلان وفلان مع [قوة] (٦) باعهم في العلم ما مدوا أفهامهم إلى التصنيف، ولا بروا أقلامهم على التأليف، [ويسرد] (٧) من هذا الهذيان كثير، أو يحجج على خطابه بحجج، ويكثر الكلام بغير فائدة، فهذا المسكين المجهول قد ضيق واسعًا، وتعرض لاكتساب الآثام طائعًا, ولم يدر أن باب التصنيف مفتوح، وهو لمن ساعده التوفيق من الله [مبذول] (٨) وممنوح، وللحق لسان صادع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد وباب لا يسد؛ فاعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال، فتتحير في متاهات الضلال.

стр. 44

جعلنا الله وإياكم ممن اتضح له الحق فاقتفاه، وظهر له الباطل فنفاه، وإلى الله أرغب في الثواب الجزيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وبه اعتصمت عصمة [تقمع] (١) شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقًا يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها. وكان ابتدائي في تصنيف هذا الكتاب: شهر ذي الحجة [سنة] (٢) ثلاث وثلاثين وستمائة، بجبل الكستة، بجبال جزولة يحرسها الله. [فصل] (٣) يتضمن مقدمة [نخلتها] (٤) من كتب المشايخ، تصلح لاستفتاح المدونة عند ابتدائها على سياق عجيب، ورستاق غريب؛ يستملحها السامع عند سماعها، وتهتز بها أعطاف المستملي عند إيرادها؛ ليكون هذا الكتاب -مع صغر حجمه- ولطافة جرمه مفيدًا للطالب [حاويًا لجميع المطالب] (٥) بحمد الله وعونه. ...

стр. 45

[باب] (١): في فضل العلم وهذه الترجمة تحتوي على فضل العلم والتعلم [والتعليم] (٢). [وأما] (٣) فضيلة العلم: فالأصل فيه الكتاب، والسنة، والآثار. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ [وَأُولُو الْعِلْمِ] (٤) قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥). فانظر كيف بدأ الله تعالى بنفسه، وثنَّا [بالملائكة] (٦)، وثلَّث بالعلماء؛ فناهيك بذلك شرفًا وفضلًا وجلالًا و [نفلًا] (٧). وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٨)، قال ابن عباس: للعلماء [درجات] (٩) فوق المؤمنين بسبعمائة درجة, بين كل درجة ودرجة مسيرة خمسمائة عام. وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ (١٠)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١١)، وقال

стр. 46

سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال جلَّ من قائل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ [الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (٢)﴾ (٣)، [فرد] (٤) حكمه في الوقائع إلى استنباطهم، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء [في كشف حكم الله تعالى] (٥)، وقيل في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٦): يعني: العلم، و"ريشًا": يعني: اليقين، و"لباس التقوى": يعني الحياء. وأما الأخبار: فمنها ما رُوي أن رسول الله ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده" (٧)، وقال أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء" (٨)، ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا شرف فوق شرف

стр. 47

[الوراثة] (١) لتلك [الرتبة] (٢). وقال أيضًا: "يستغفر للعالم أربعة أشياء؛ الملائكة في السماء، والطير في الهواء، والدواب في القِفَار، والحيتان في البحار" (٣)، وأيُّ منصب [يزيد على] (٤) من تشتغل [ملائكة السماء] (٥) بالاستغفار له، وهو بنفسه مشتغل. وقال أيضًا: "العلم يزيد الشريف شريفًا، ويرفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك" (٦). وقال أيضًا: "أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن أُحتِيج إليه نفع، وإن استُغني عنه أغنى نفسه" (٧). وقال أيضًا: "الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وثمرته العلم" (٨). وقال أيضًا: "موت قبيلة أيسر من موت عالم" (٩).

стр. 48

وقال أيضًا: "الناس معادن؛ فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (١). [وقال أيضًا] (٢): "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء" (٣). وقال أيضًا: "أوحى الله إلى إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه يا إبراهيم: إني عليم أحب كل عليم". وقال أيضًا: "صنفان إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس؛ الأمراء والفقهاء". وقال أيضًا: "إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله؛ لا بورك لي [في] (٤) طلوع شمس ذلك اليوم" (٥). وقال ﵇: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" (٦).

стр. 49

وقال أيضًا: "ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم" (١). وقال أيضًا: "يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء: إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم؛ اذهبوا فقد غفرت لكم" (٢). [وأما الآثار فمنها ما] (٣) قال عليّ بن أبي طالب ﵁ لكميل ابن زياد: "العلم خير من المال [العلم] (٤) يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم فيه، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو مع الإنفاق". وقال أيضًا: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد؛ فإذا مات العالم ثُلم [في] (٥) الإسلام ثُلْمة لا يسدها إلا خلف منه، وقال ﵁ [شعرًا] (٦): ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلَّاء ووزن كل امرئ ما كان يُحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء وقال [﵁ نثرًا] (٧): قيمة كل امرئ ما كان [يحسنه] (٨)؛

стр. 50

فنظمه بعض الشعراء [شعرًا] (١). وقال علي بن أبي طالب ﵁ وهو الإمام العادل المتقن: "كل امرئ قيمته عندنا، وعند أهل الأرض ما يحسنه". وقال الآخر (٢): [كبيب] (٣) مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم عليَّ إن رحت [للعلم طالبًا] (٤) ... لأجمع من عند الرواة فنونه [وأعرف] (٥) أبكار [العلوم] (٦) وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه ويزعم أن العلم لا يجلب الغنا ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه [ق/ ٣ أ] وقال [أبو] (٧) الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك

стр. 51

حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. وقال ابن عباس ﵄: خُيِّر سليمان بين العلم، والمال، والملك، فاختار العلم؛ فأعطى المال، والملك، والحكمة. وسُئل ابن المبارك [ق/ ٢ ب] عن خبر الناس؛ قال: العلماء، فقيل له: ومن الملوك؟ فقال: الزهاد، فقيل له: ومن السّفَلَة؟ فقال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي تميز الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان لما هو شريف لأجله، وليس ذلك لقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، [ولا] (١) لعظمته، فإن الليل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع؛ بل لم يخلق إلا للعلم. وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدْرَكَ من فاته العلم، وأي شيء فات من أَدْرَكَ العلم. وقال فتح الموصلي ﵁: أليس المريض إذا مُنع الطعام، والشراب ثلاثة أيام يموت؟ قالوا: نعم، قال: [و] (٢) كذلك القلب؛ إذا مُنع العلم، والحكمة ثلاثة أيام يموت. ولقد صدق؛ فإن غذاء القلوب العلم والحكمة، وبه حياته كما أن غذاء الجسم الطعام والشراب، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم لا يشعر به؛ لانهماكه في الدنيا وبحبه إياها؛ بل بطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد يبطل إحساس ألم [الجراح] (٣) في الحال، وإن كان واقعًا، فإذا حَطَّ الموت عنه إعياء الدنيا أحس بهلاكه، وتحسر تحسرًا لا ينفعه كما أن الخائف والمغشى عليه إذا استفاق من غشيته أو من خوفه [أحس] (٤) بألم ما وقع

стр. 52

فيه من الجراح، فنعوذ بالله من [الفضيحة يومًا يكشف فيه الغطاء] (١). ولذلك قيل: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. وقال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعه: أن يُرفع روَاته؛ فوالذي نفسي بيده: ليودَّن رجال قُتلوا في سبيل الله [شهداء] (٢) أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم. وقال الأحنف بن قيس: كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكل عِز لم يؤكد بالعلم [: فالذل] (٣) مصيره. وقال سالم بن [أبي] الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم، و [أعتقني] (٤)، فقلت: بأي حرفة أحترف؟ فاحترفت [بالعلم، فما تمت عليَّ سنة إلا جاء [أمير المؤمنين] (٥) يزورني فلم آذن له. وقال الزبير بن [أبي المبارك] (٦): كتب إلى أبي بالعراق: عليك بالعلم؛ فإن افتقرت: كان لك مالًا، وإن استغنيت: كان لك جمالًا. ...

стр. 53

باب: في فضل [التعلم] (١) وأما فضيلة التعلم فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية (٢). وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأما الأخبار؛ فقوله ﷺ : "من سلك طريقًا يطلب فيه العلم: سلك الله به طريقًا إلى الجنة" (٤)، وقال ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" (٥). وقال أيضًا: "لأن تغدوا، فتتعلم بابًا من العلم: خير من أن تصلي مائة ركعة" (٦). وقال أيضًا: "باب من العلم يتعلمه الرجل خير [له] (٧) من الدنيا وما فيها" (٨). وقال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٩). وقال أيضًا: "العلم خزائن، ومفاتحه السؤال، فاسألوا فإنه يؤجر فيه

стр. 54

أربعة، السائل، والعالم، والمستمع لهم، والمستجيب لهم" (١). وفي حديث أبي ذر: "حضور مجلس العلم خير من صلاة ألف ركعة، ومن عيادة ألف مريض، وشهود ألف جنازة"، فقيل: يا رسول الله: [ومن] (٢) قراءه القرآن؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل [ينفع القرآن] (٣) إلا بالعلم". وقال ﷺ : "ومن جاءه الموت، وهو يطلب العلم: جاء يوم القيامة، وبينه وبين الأنبياء درجة واحدة" (٤). وأما الآثار؛ فقال ابن عباس ﵄: "ذللت طالبًا [فعززت] (٥) مطلوبًا" ولذك قال ابن أبي مليكة: "ما رأيت مثل ابن عباس؛ إذا رأيته: رأيت خير الناس وجهًا، فإذا تكلم: كان أعذب الناس لسانًا، فإذا أفتى: كان أكثر الناس علمًا". وقال ابن المبارك أيضًا: "عجبت لمن يطلب العلم كيف تدعوه نفسه [إلى مكرهة] (٦) ". وقال أبو الدرداء: "لأن أتعلم مسألة أحب إليّ من قيام [ليلة] (٧) ".

стр. 55

وقال أيضًا: "العالم والمتعلم شريكان، وسائر الناس همج [رعاع] (١) لا خير فيهم". وقال عطاء: "مجلس [خير] (٢) يكفر سبعين [مجلسًا من] (٣) مجالس اللهو". وأما فضيلة التعليم، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤)، والمراد به: الإرشاد والتعليم. وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [وَلَا تَكْتُمُونَهُ] (٥)﴾ (٦). ومن الأخبار: قوله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها" (٧). وقال ﷺ : "من تعلم بابًا من العلم [ليعلمه] (٨) الناس أعطى ثواب سبعين صديقًا" (٩). وقال [عيسى ﵇] (١٠) من عَلِمَ، وعمل وعلَّم، فذلك

стр. 56

[يُدعى عظيمًا يوم القيامة في ملكوت السماوَات] (١). وقال ﷺ : " [إن الله] (٢) لا ينزع العلم انتزاعًا من الناس بعد أن يؤتهم إياه، ولكن يذهب بذهاب العلماء؛ فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم [حتى إذا لم يبق عالم] (٣) اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؛ إن سُئلوا أفتوا بغير علم، فيضلون ويضلون" (٤). وقال ﷺ : "من سُئل عن علم علمه فكتمه: أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (٥). وخرج رسول الله ﷺ ذات يوم فرأى مجلسين؛ أحدهما يدعون [إلى] (٦) الله، [ويرجونه] (٧) ويرغبون إليه، والثاني: يعلمون الناس، فقال: "أما هؤلاء فيسألون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس، وإنما بعثت معلمًا، ثم عدل إليهم فجلس معهم" (٨). وقال النبي ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من العلم، والهدى كمثل الغيث الكثير، أصابت أرضًا، فكانت [منها] (٩) بقعة قبلت الماء، فأنبتت

стр. 57

الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت [الماء] (١) فنفع الله به الناس؛ فشربوا [منها] (٢) وسقوا وزرعوا، وكانت [منها] (٣) طائفة قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ" (٤). فالأول ذكره مثلًا للمنتفع بعلمه، والثاني: مثلًا للنافع، والثالث: للمحروم [منه] (٥). وقال أيضًا: "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٦). وقال ﷺ : ["رحمة الله على خلفائي"]، (٧): قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذي يُحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله سبحانه" (٨). ومن الآثار: [ما قال] عمر (٩): من حدث بحديث فعُمل به، فله أجر ذلك العامل. وقال ابن عباس ﵁: مُعلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر.

стр. 58

وقد روى أن سفيان الثوري قدم عسقلان، فمكث فيها ثلاثة أيام لا يسأله [الناس] (١) فقال: [اكتروا] (٢) لي [لأخرج] (٣) من هذا البلد؛ هذا بلد يموت فيه العلم" (٤). وإنما قال ذلك حرصًا على فضيلة التعليم، واستبقاء للعلم به. وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب -وهو يبكي- فقلت [له] (٥): وما يبكيك؟ فقال: ليس أحد يسألني عن شيء. وقال [بعضهم] (٦): العلماء سراج الأزمنة، وكل واحد منهم سراج أهل زمانه؛ يستضىء [به أهل زمانه] (٧). وقال الحسن ﵁: لولا العلماء صار الناس مثل البهائم، أي: [فالتعليم يخرجه من حد البهيمية] (٨) إلى حد الإنسانية. وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمن، [قيل] (٩): وما هو؟ قال: أن تضعوه فيمن يحسن حمله، ولا يضيعه. وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، [والعلماء] (١٠) يحفظونهم من نار الآخرة.

стр. 59

وقيل: أول العلم الصمت, ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العلم، ثم نشره. وقال معاذ بن جبل [﵁] (١) في التعليم والتعلم -[وهو أيضًا مرفوع إلى النبي ﷺ ] (٢): تعلموا العلم؛ فإن تعلمه [لله] (٣) خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل [في] (٤) السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، [والقريب] (٥) عند [الغرباء] (٦) [ومنازل المحبة] (٧) يرفع الله [بها] (٨) أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة سادة يقتدى بهم؛ لأنهم أدلة في الخير، تقص آثارهم، وتُرمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، [وبأجنحتها] (٩) تمسحهم، كل رطب ويابس [لهم يستغفر] (١٠) حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع البر [وأنعامه] (١١) والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من [العدم] (١٢) ونور الأبصار من الظلام، وقوة

стр. 60

الأبدان من الضعف [يبلغ العبد المنازل] (١) والدرجات العلا، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يُطاع الله سبحانه، وبه يُعبد [به] (٢) ويُوحد، وبه يُتورع، وبه [توصل] (٣) الأرحام، وهو [الإمام] (٤) والعمل تابعه، يُلهَمه السعداء، ويُحرمه الأشقياء. فإذا ثبت ذلك، فطلب العلم [والتفقه في الدين] (٥) من فروض الكفاية؛ فمن قام به سقط [الفرض] (٦) عن الباقين، إلا ما لا يسع المكلف جهله من صفة وضوئه وصلاته وصيامه، وزكاته -إن كان ممن تجب عليه الزكاة- فإن ذلك واجب عليه تعلمه، ولا يُسقط فرضه فيه علمُ غيره. وقد سُئل مالك ﵁ عن طلب العلم أَوَاجب؟ قال: أما على كل الناس فلا. وروى عنه ابن وهب أنه كان جالسًا معه، فحضرت الصلاة فقام إليها، فقال: ما الذي قمت إليه بأوجب [من] (٧) الذي قمت عنه. وهذا الكلام فيه نظر؛ كيف يكون طلب العلم على أحد أوجب من الصلاة؟ فإن صحت الرواية فلا يعني بذلك [ق/ ٤ أ] أنه كان في أول الوقت، والصلاة أول الوقت إنما تجب وجوبًا موسعًا؛ فيكون الاشتغال بتقييد ما يُخشى فواته

стр. 61

من العلم آكد عليه من البدار ["إلى الصلاة في أول وقتها" (١)] (٢). [فصل] (٣) ولا يحصل العلم إلا [بالعناء] (٤) والتعب، والملازمة، والمباحثة، والنصب، والصبر على الطلب؛ كما حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ الآية (٥)، وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٦) أي: تعبًا. وقال ابن المسيب ﵀: كنت أرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام، والليالي؛ ولهذا كان سيد أهل عصره، وكان [يسمى] (٧) سيد التابعين. وقال مالك ﵀: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز، وأقيم عنده إلى صلاة الظهر مع ملازمتي لغيره؛ ولذلك فاق أهل عصره، ويسمى إمام دار الهجرة، وأقام ابن القاسم متغربًا عن بلده في رحلته إلى مالك عشرين سنة حتى مات مالك ﵀. ورحل سحنون إلى ابن القاسم، فكان مما قرأ عليه مسائل "المدونة" و"المختلطة" فدونها، فجعلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على غيرها من الدواوين بعد "موطأ مالك" ﵀. ويُروى أنه ما بعد كتاب الله أصح من "موطأ مالك" في الفقه، ولا

стр. 62

بعد "موطأ مالك" [دواوين] (١) في الفقه أفيد من "المدونة"، وهي عند أهل العلم ككتاب سيبويه عند أهل الإعراب، وككتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه: موضع أم القرآن من الصلاة، وتجزئ عن غيرها, ولا يجزئ عنها غيرها، وكان مؤلفه على مذهب أهل العراق [فسلخ] (٢) أسد بن الفرات منها [الأسئلة] (٣) وقدم بها على مالك ﵀ المدينة يسأله عنها، ويسيرها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى أشهب يسأله عنها فسمعه يقول: أخطأ مالك في مسألة كذا، وأخطأ في مسألة كذا، فاستنقصه لذلك وعابه، ولم يرض قوله فيها، وقال: ما أشبه هذا إليّ إلا [كرجل] (٤) بال في جانب البحر، فقال: هذا بحر آخر. فدُل على ابن القاسم فأتاه يرغب إليه في ذلك، فأبى عليه، فلم يزل كذلك حتى شرح الله صدره لما سأله، فجعل يسأله عنها مسألة مسألة؛ فما كان عنده [من سماع] (٥) مالك، قال: نعم سمعت مالكًا يقول فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع عن مالك إلا بلاغ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وبلغني عنه أنه قال فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده فيه سماع، ولا بلاغ، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، والذي أرى فيه كذا وكذا حتى أتمها. فرجع بها إلى بلاده فطلبها منه سحنون، وكان معه في القيروان، فأبى

стр. 63

عليه، فتحيّل [عليه] (١) سحنون حتى [صارت النسخة] (٢) عنده فنسخها ثم [رحل] (٣) بها إلى ابن القاسم، فقرأها عليه فرجع فيها عن مسائل، وكتب إلى أسد أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون؛ فأَنِف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ابن القاسم، فدعا عليه ألا يبارك [له] (٤) فيها -وكان مستجاب الدعوة- فأجيبت دعوته، ولم يشتغل بكتابه، فما زال الناس في قراءة "المدونة" ونفع الله بها. [ومن أفضل] (٥) ما يستعان به على الطلب: تقوى الله العظيم؛ فإنه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (٦)، ويجب على طالب العلم أن يخلص نيته لله في طلبه؛ فإنه لا ينفع علم لا نية لطالبه؛ لقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" (٧)، وقال ﵇: "نية المؤمن أبلغ من عمله" (٨)، وقال أيضًا: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله" (٩) الحديث. ويجب عليه أيضًا ألا يريد بعلمه الرياء، والسمعة، ولا غرضًا من أغراض الدنيا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي

стр. 64

حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، الآية (١)، وقال عزّ من قائل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٢). وروى أن رهطًا من أهل العراق مرُّوا بأبي ذر، فسألوه فحدثهم، فقال: [لهم] (٣) أتعلمون أن هذه الأحاديث التي يُبتغى بها وجه الله إن تعلمها أحد يريد [بها] (٤) غرض الدنيا، لا يجد عرف الجنة [وعرفها: ريحها] (٥). وروى عن [شفي] (٦) الأصبحي أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع الناس إليه، فقال: من هذا؟ فقيل: أبو هريرة، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه -وهو يحدث الناس- فلما سكت [الرجل] (٧) قلت له: فبحق الله عليك إلا ما حدثتني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، عقلتَه وعلمتَه، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ [أنا] (٨) وهو في هذا البيت -عقلتهُ وعلمتهُ ما معنا أحد غيري، وغيره- ثم نشغ (٩) نشغة، ثم سكت ثم أفاق، فقال: أفعل، لأحدثنك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ -حتى فعل ذلك ثلاث مرات- فقال: حدثني رسول الله ﷺ : "أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهما، وكل أمة جاثية؛ فأول من يدعى به رجل جمع القرآن،

стр. 65

ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة، [فيقول] (١) للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: [ماذا عملت] (٢)؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل، وأطراف النهار؛ فيقول الله [تعالى له] (٣): كذبت، ثم يقول الله تعالى: أما أردت أن يُقال فلان قارئ [وقد] (٤) قيل ذلك. [ثم يؤتى] (٥) بصاحب المال [والصدقة] (٦)، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك أن تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ماذا عملت فيما أعطيتك؟ فيقول: كنت أصل [الرحم] (٧) وأتصدق، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، فيقول الله له: أردت أن يُقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك. [ثم] (٨) يؤتى بالرجل [الذي قُتل] (٩) في سبيل الله، فيقول الله له: فيم قُتلت؟ [فقال] (١٠) أُمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله له: كذبت، أردت أن يُقال فلان جرىء، فقد قيل ذلك"، ثم ضرب رسول الله ﷺ ركبتيه، فيقول: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول

стр. 66

خلق الله تُسعَّر لهم النار يوم القيامة" (١). ثم قال شقي: وحدثت معاوية بهذا الحديث، فقال: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقى من الناس، فبكى حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق فمسح الدموع عن وجهه [وقال] (٢): صدق الله ورسوله، ثم تلى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ .. إلى قوله: ﴿مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). وروى عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (٤): أنه الرياء، وهذا الوعيد -والله أعلم- فيمن كان أصل عمله الرياء، والسمعة، فأمَّا من كان أصل عمله لله، فلا يضره ذلك إن شاء الله كالخطرات التي في القلب [ولا يملك دفعها] (٥). ولقد سُئل مالك وربيعة [﵄] (٦) عن رجل يحب أن يلقى في طريق المسجد، ولا يجب أن يلقى في طريق السوق: فأما ربيعة: فكره ذلك، وأما مالك فقال: إذا كان أول ذلك لله، فلا بأس به إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٧). قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨). قال عمر بن الخطاب ﵁ لابنه: لأن تكون قلتها أحبَّ إليَّ

стр. 67

من أن يكون لي كذا وكذا. إذا كان [أخبره] (١) بما كان في نفسه من الشجرة التي مثَّلها رسول الله ﷺ بالرجل المؤمن، وسأل أصحابه عنها؛ فوقعوا في شجر البوادي، فقال عبد الله بن عمر: [فوقع] (٢) في نفسي أنها النخلة، ثم قال ﵇: "أنها النخلة" (٣). فقال مالك: أي شيء إلا مراء، وإنما هو أمر يكون في القلب لا يملك؛ فهذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه، فمن وجد ذلك فلا يكسله عن التمادي في الخير، ولا ييئسه من الأجر، وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع [ويجدد] (٤) النية لله تعالى. وقد روى عن بعض المتقدمين أنه قال: طلبنا العلم لغير الله، فردَّنا العلم إلى الله. [وفي خبر] (٥) عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله ﷺ : ليس من بني سلمة إلا مقاتل؛ فمنهم مَنْ القتال طبيعته، ومنهم مَنْ يقاتل رياء، ومنهم مَنْ يقاتل احتسابًا، فأيّ هؤلاء من الشهداء من أهل الجنة؟ [فقال لمعاذ بن جبل] (٦): "مَنْ قاتل على شيء من هذه الخصال، وأصل أمره أن تكون كلمة الله العليا، فقُتل: فهو شهيد من أهل الجنة" (٧). وروى أن رجلًا قال: يا رسول الله من يعمل العمل فيخفيه، فيطَّلع

стр. 68

عليه الناس فيسره، [فقال] (١): "له أجر السر وأجر العلانية" (٢)، ويجب على من تعلم العلم: أن يعمل [به] (٣) لله؛ فإنه إن لم يعمل به كان عليه حجة يوم القيامة، وحسرة، وندامة. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ما منكم من أحد إلا ويخلو به ربه يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا بن آدم: ما غرك [بي، يا ابن آدم] (٤): ماذا عملت فيما علمت؟ بماذا أجبت المرسلين؟ " (٥). وروى عن أبي الدرداء [أنه قال] (٦): من أشر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. وقال ﵇: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به مثل الأترجة؛ طعمها طيب، وريحها طيب، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به: مثل [الحنظل] (٧) طعمها مر وريحها مر، ومثل الذي يقرأ القرآن

стр. 69

ولا يعمل به مثل الريحانة؛ ريحها طيب وطعمُها مُر، ومثل الذي [ق/ ٥ أ] لا يقرأ القرآن ويعمل به: مثل التمرة؛ طعمها طيب، ولا ريح لها" (١). [وكان] (٢) العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود الضأن، وصارت مفاتيحه في صدور الرجال؛ فلابد لطالب العلم من مُعَلِّم يتقى الله [ويَفْتَحُ] عليه ويطرق له، ويتخذه قدوة في دينه، ويرتضيه بأن يكون حاجزًا بينه، وبين النار. وقد قال النبي ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفونا [عنه] (٣) تحريف الجاهلين، وتأويل الغالين، وانتحال المبطلين" (٤). وقد قال النبي ﷺ : "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه عنه" (٥). وأحق من أُخذ العلم عنه، واقتُبس منه، واتخذ فيه إمامًا متبعًا، وقدوة مطاعًا، من كان معروفًا بالعلم والديانة، موصوفًا بالثقة والأمانة، مشهورًا بحسن الاتباع، وتجنب الابتداع، عارفًا بطرق الأخبار، وعلل الآثار، عالمًا بتصحيح الروايات من سقيمها، بصيرًا بذوي الثقة، والضعف من رواتها، صحيح النقل والرواية, مكين المعرفة والدراية،

стр. 70

حافظًا لدينه بالتِّقى والورع، صائنًا لعلمه بالتّنزه عن الطمع، مؤديًا لما يلزمه له من حق غير هائب فيه سطوة ذي ولاية، قد زانه أحسن الأعمال، ولم يَشِنْه بالإهمال والإغفال؛ كأبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المديني ﵁، فقيه مصره، وشيخ علماء عصره، والمجتمع على فضله ونبله، والمتأول سادات العلماء فيه أنه العالم الذي بَشَّرَ به رسول الله ﷺ ، وأعلمَ أنه أعلم أهل زمانه، والبائن بهذه الفضيلة دون كافة شركائه، وأقرانه، مع طرائقه المرضية الحميدة، وسيرته في العلم القويمة السعيدة، وتفضيل الأئمة له بما تغني شهرته عن الإطالة باقتصاصه. فإن قال قائل: لسنا ننازعكم في فضله ونُبله، وعلو قدره، ومنزلته، ولكن لم صرتم إلى مذهبه دون مذهب غيره [ق/٣ ب]، وتدينتم بقوله، وأمرتم المبتدئ بالتفقه بدرسه، واعتقاده مع قولكم بصحة النظر ووجوبه، وبطلان التقليد وفساده. وإن كونه من حيازته الفضائل، والمراتب، وكثرة الشمائل، والمناقب بحيث وصفتم غير كاف فيما ادعيتم؛ لأن هذه الأمور قد [شاركه] (١) فيها من لم تصيروا إلى مذهبه، ولم تحكموا بتصويب طريقته؟ فالجواب عن ذلك من وجهين [اثنين] (٢): أحدهما: من طريق الأثر، والثاني: من طريق النظر. فأما من طريق الأثر: فما رواه سفيان بن عيينة عن [أبي] (٣) جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 71

"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل [في طلب العلم] (١) فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" (٢). قال سفيان بن عيينة: وكانوا يرونه مالك بن أنس. وروى عبد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعرى قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج طالب العلم من المشرق [والمغرب] (٣) فلا يجد عالمًا أعلم من عالم المدينة". ومعلوم أن هذا القول منه ﷺ إخبار بأن عالم المدينة أعلم من تُشَد إليه الرِّحَال، وتُطوى لديه المراحل، وتُضْرب إليه أكباد الإبل. وقد علمنا أنه لم يرد بذلك عصره [ولا عصر الصحابة من بعده] (٤) إنما أراد بذلك [الأعصار] (٥) بعده، وليس أحدا بعد عصره وعصر الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين ثبت له إطلاق هذا الاسم، وضربت إليه أكباد الإبل إلا مالك ﵁؛ فوجب بذلك ما قلناه من تقديمه على غيره؛ لأنه هو الذي انتهى إليه علم السلف الصالح من أهل المدينة، وضُربت إليه أكباد الإبل من الفجاج العميقة، والأقطار البعيدة.

стр. 72

وسُمِّي فقيه المدينة، وعالم المدينة، وإمام دار الهجرة، كما سُمِّي غيره عالم العراق والشام، حتى أن مخالفيه يسمونه، وينسبونه إليه، ويقولون: قال مالك -فقيه المدينة، وعالم المدينة، وقال [ابن] (١) المدني- فيكتفون بذلك في تعريفه. [وقد] (٢) روى عن ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي أنهم كانوا يرونه مالك بن أنس. ومما حكى عن سفيان [إن يكن] (٣) مَنْ هذه صفته: فأبو عبد الرحمن -يعني المقري- فقد رجع عن ذلك، فقال: العالم من يخشى. وأما من طريق النظر: فلأن المدينة لما كانت مستقر التنزيل، ومعدن التأويل، ودار الهجرة, ومستقر النبوة، وعرصة الوحي، وكان النبي ﵇ بين [ظهراني] (٤) أهلها قاطنًا مطمئنًا قد اتخذها مسكنًا، ووطنًا، يشرِّع ويَسن ويوضح، ويبين؛ كان أهلها أعلم من غيرهم؛ فمن تابعهم لما ثبت لهم من مزية الشهادة، وفضل القرب والمعاينة، وقد شاهدوا الأحكام [ق/ ١ جـ]، ومعرفة تفاصيل الحلال والحرام على حسب ما نزل به الروح الأمين على النبي ﷺ . وبهذا الاعتبار رجع مخالفوهم [إلى قولهم] (٥) في الأحباس، والأوقاف، والمُد، والصَّاع، وغير ذلك. [وبهذه الطريقة] (٦) رجح أصحابنا إجماع أهل المدينة من طريق

стр. 73

الاجتهاد؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي، والتنزيل، [وشاهدوا] (١) الأحكام التي [نزل] (٢) بها الأمين جبريل، وعرفوا الأغراض، والمقاصد، وميزوا بين المصادر، والموارد؛ فكان استخراجهم واستنباطهم أقرب إلى الحق والصواب، وكان مالك [﵃] (٣) [هو] (٤) الآخر منهم، والوارث لعلومهم، وإليه انتهت علومهم، وعليه اجتمعت فضائلهم، وعلى أصولهم بني وأسس [وَوَلَّد وفَرَّع] (٥) ومنها استنبط، واستخرج، وقاس، واعتبر، ووجب بذلك تقديمه على غيره، وكون مذهبه أولى [بأن] (٦) يصار إليه، ويؤخذ به. هذا على أنا لم نذكر شيئًا من فضائله المشهورة. وتفصيل أئمة العلم، وإخبارهم بصواب رأيه، ووفور علمه، وعقله , ودينه، وفضله، وزهده، وورعه، وتوقيره للعلم، وإعظامه محله , وما رؤى له من المبشرات، والرؤى الصالحات، وما مضى له [مع] (٧) أصحاب الولايات من كثرة المراجعات والمقالات، [في] (٨) الذَّب عن الدِّين، والمنع عن [إعطاء الدنية] (٩) والرضا فيه من التبعية، وما أصابه في ذلك من المِحَن التي لم يزده الصبر عليها، والتجريع لغُصصها إلا رتبة، ونبلًا، ومحلًا، وفضلًا.

стр. 74

ولا ذكرنا شيئًا من فضائل أصحابه [المتأدبين] (١) بآدابه المتمسكين بمذهبه كعبد الرحمن بن القاسم الذي هو شيخ مذهبه، والقائم به، والموثوق بروايته، وقياسه، والمعول على استنباطه، واستخراجه مع [محله] (٢)، وفضله، ودينه، وكسحنون، واسمه: عبد السلام بن سعيد الذي هو أمين المذهب، وحامل رايته، وناشره في مشارق الأرض ومغاربها، الذي اشتهرت [إمامته] (٣) وظهرت [مفاخره] (٤)، وثبتت فضائله في كل ناد، وثبتت عند كل حاضر، وباد ﵃. [فصل في بيان أحكام الشريعة] (٥) [وأقسام] (٦) الشريعة [تنقسم] (٧) على خمسة أقسام؛ واجب ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه. فالواجب: ما حرم تركه، وله خمسة أسماء؛ واجب وحتم، ومفروض، ولازم، ومكتوب، وكلها قائمة من القرآن. [وهو ينقسم] (٨) على ثلاثة أقسام؛ واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب بالإجماع، [وهي] (٩) كلها سواء في لحوق الإثم. والمندوب: ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب؛

стр. 75

كالعتق [المبتدأ] (١) والكتابة. والمباح: ما استوى طرفاه. والمحظور: ضد الواجب في لحوق الإثم بالمتلبس به. والمكروه: ضد المستحب في كونه [ثواب] (٢) على الترك. فإذا ثبت ذلك؛ فالمندوب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ سنن، ورغائب، ونوافل. والسنن: ما أمر النبي ﷺ بفعله، وقرن بأمره ما يدل [على] (٣) أن المراد به [غير] (٤) الندب، ولم تقترن به قرينة على مذهب من [يرى] (٥) الأوامر على الندب ما لم تقترن به قرينة (٦)، أو ما داوم النبي ﷺ على فعله بغير صفة النوافل. والرغائب: ما داوم النبي ﷺ على فعله، ورغب؛ فيقول من فعل كذا وكذا فله كذا. والنوافل: ما قَدَّرَ الشرع [أن] (٧) في فعله ثوابًا من غير أن يأمر النبي
следующие страницы →