فإن كان قائمًا وعطاؤه جار على المعهود، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن جرائر الجاني موقوفة عليهم، ولا تتعدى إلى غيرهم ممن ليس معهم في الديوان من قومه. وهو قول أصبغ في "المدونة"، ورواية أشهب في "العتبية".
والثاني: أنهم إذا اضطروا إلى من ليس معهم في الديوان من قومهم أعانوهم، وهو قول مالك في المجموعة، قال: وقد تأخر العطاء وقيل الديوان حتى ضاعت العقول.
فإن كان الديوان قد انقطع، فالدية على عاقلته من قومه، وقد تعاقل الناس قبل الديوان، وما كان الديوان إلا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
فأما الوجه الثاني: إذا كان الجاني من القبائل المنقطعين فإن الدية على فخذه إن كان فيهم محمل الدية، وإلا ضم إليهم أقرب القبائل، فإن لم يحملوا أيضًا ضم أقرب القبائل إليهم هكذا أبدًا حتى يحملوا بضم الأقرب فالأقرب، والقرب المعتبر [القرب] (١) بالقرابة لا بالجوار، وهو قوله في "النوادر".
فإن ضاقوا عن تحملها ذرعًا , ولم يقووا عليها [إلا بضم] (٢) غيرهم إليهم مثل أن يكون الجانى من أهل القرار، وعجز قومه [الذين] (٣) بالقرار عن تحملها, وله عصبة بالبادية، هل [يستعين] (٤) بهم أهل القرار على تحمل الجناية أم لا؟.
стр. 4167
فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون جميع قومه وعشيرته أهل حاضرة واحدة.
والثاني: أن يكونوا أهل حواضر.
والثالث: أن يكونوا أهل بادية وحاضرة.
فإن كانوا أهل حاضرة واحدة، وليس لهم في غيرها قرابة، ولا عشيرة، فلا خلاف أن الدية مقصورة عليهم بسقوطها على قدر حالهم.
وكذلك الحكم أيضًا إذا كانوا أهل بادية وليس لهم في الحاضرة قرابة، ولا عشيرة.
فإن كانوا أهل حواضر، فهل يقتصر بالدية على من تواضع الجاني في الحاضرة التي فيها مثواه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الدية قاصرة على قبيلة الذي ثوى معهم في حاضرته، ولا يتعدى بها إلى غيرهم ممن يسكن حاضرة أخرى من عشيرته.
فإن لم يكن بها من قومه من يحملها لقلتهم ضم إليهم أقرب القبائل إليهم ممن [هو] (١) ساكن [بتلك] (٢) [الحاضرة] (٣) وهي رواية أصبغ عن أشهب في الدية وجبت على قبيل بالفسطاط أنه لا يدخل فيها إلا من ثوى بالفسطاط من قريب، ومعلوم أن بأنظار الفسطاط من القرى والحواضر ما لا يحصى كثرة، وحكمها كلها حكم الفسطاط في جنس المالية.
والثاني: أن الدية يتعدى تحملها إلى قوم الجاني، وإن كان سكناهم
стр. 4168
بحاضرة أخرى إذا ضعف عن تحملها من سكن [مع] (١) الجاني بحاضرته من قومه، وهو قول أشهب أيضًا في [مدونته] (٢) على ما حكاه عنه أصبغ، وهو قول ابن القاسم في "الموّازية"، وهو الصحيح؛ لأن العاقلة إذا كانت أهل الحواضر فقد تجانس المال وسلم من أن يؤدي في دية واحدة إبلا وعينًا, ولا أدري لقول أشهب وجهًا في المنع.
فإن كانوا أهل حاضرة وبادية، هل يضم بعضهم إلى بعض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضم بعضهم إلى بعض، ولا يعقل البدوي مع الحضري كان الجاني في الحاضرة أو البادية؛ إذ لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يعاقل البدوي مع الحضري، وهو قول أشهب، وعبد الملك في "كتاب ابن الموّاز"، ورواه ابن وهب عن مالك في "كتاب ابن سحنون".
ووجه القول الأولى: أن الدية مبنية على جنس واحد؛ ولذلك جعل على أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق، وعلى أهل الإبل الإبل، ولو جاز تبعيضها لأدَّى كل إنسان مما عنده و [لرجع] (٣) في ذلك إلى القيمة.
ووجه القول الثاني: أن [الدية] (٤) مبنية على المشاركة والمعاونة والمواصلة، وقد يضاف إلى القبيل من ليس منهم مع تباعدهم إذا كانوا في
стр. 4169
مصر واحد؛ فبأن يضاف إلى أهل الحاضرة من أهل البادية [من هو] (١) ومن عصبة الجاني وإخوته أولى وأحرى، ولا مضرة على المجني [عليه] (٢) في تبعيض أصناف الدية كما لو قتل رجلًا رجلان: أحدهما من أهل البادية وهم أهل البادية، والآخر من أهل العين لكان على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية على حسب ما هو عليه.
وعلى القول بأن البدوي يعقل مع الحضري فلا يخلو من أن يكونا متناصفين أو يكون أحدهما أكثر من الآخر.
فإن كانا متناصفين فالدية عليهما أنصافًا يحمل كل فريق من ذلك ما هم أهله، وهو قول أشهب وعبد الملك في "كتاب ابن سحنون"، فإن كان أحد الصنفين أكثر من الآخر هل يكون الأقل تبعًا للأكثر أو يؤدي كل صنف مما هو [ماليتهم] (٣).
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأقل تبع للأكثر؛ فإن كان أهل العمود أكثر كانت الدية كلها إبلًا يؤدي معهم [منها] (٤) أهل القرى ما عليهم إبلًا، وإن كان أهل القرار أكثر، فالدية عين [كلها] (٥) يؤدي أهل العمود ما يلزمهم منها عينًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أن الأقل مستقل بحكمه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هم أهله كما أن الأكثر مستقل بنفسه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هو أهله، وهو
стр. 4170
قول قياسي كأحد أقاويل المذهب في الزرع إذا كان سقيه جاء بالسيح والنضح.
واختلف في الجاني هل يؤدي مع [العاقلة] (١) أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يؤدي معهم وهو كرجل منهم، وهو قول مالك في "الموازية" و"المجموعة" , وهو أحد أقواله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يؤدي معهم شيئًا، وهو قول بعض أصحابنا على ما نقله [القاضي] (٢) أبو الوليد الباجي، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضًا من "كتاب الصلح".
وسبب الخلاف: هل الدِّية على العاقلة في الخطأ بالأصالة، أو إنما هي على القاتل، ثم انتقلت إلى العاقلة بحكم، وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف الواقع في "كتاب الصلح" في الدِّية، هل تحملها العاقلة باعتراف القاتل أو لا؟
فإذا ثبت ذلك فالعاقلة على [قسمين] (٣): ذكور وإناث؛ فالإناث لا مدخل لهن في تحمل الدية بوجه، وهو نص قول مالك في "المجموعة"، وغيرها؛ لأنهن لسن من أهل التعصيب والنصرة.
والذكور على وجهين: بوالغ، وغير بوالغ؛ فغير البوالغ كالإناث فلا مدخل لهم في العاقلة حتى يبلغوا. والبوالغ على وجهين: عقلاء ومجانين؛ فالمجانين كالصبيان والإناث، والعقلاء على وجهين: الموالي وغير الموالي؛ فالموالي على وجهين: موالي الأعلى، وموالي الأسفل؛ فالمولى الأعلى يعقل عن مولى الأسفل بلا خلاف؛ لأنه عصبته، ومولى
стр. 4171
الأسفل اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه يعقل عن مولاه كما يعقل هو عنه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يعقل عنه، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
وغير الموالي على وجهين: مديان، وغير مديان.
فالمديان كالمعدم لا يؤدي مع العاقلة لحق الغرماء، وغير المديان الملي الموسر هو الذي وجب عليه تحمل الدية كان رشيدًا أو سفيهًا بالغًا. وهو قول ابن القاسم وابن نافع في السَّفيه في "العتبية".
وإذا جنى قروي ثم انتقل إلى البادية [رفضًا] (١) لسكنى القرار أو بالعكس على القول بأن البدوي لا يعقل مع الحضري، أو انتقل المصري إلى الشام أو العراق، أو انتقل العراقي أو الشامي، فأوطن مصرًا: فلا يخلو المنتقل من أن يكون الجاني نفسه أو أحد من أهل عاقلته؛ فإن كان المنتقل هو الجاني نفسه، فإن الدية على أهل بلده الذي انتقل منها -انتقل قبل القيام عليه أو بعد القيام عليه- وهو نص قول مالك في "المجموعة"، و"الموَّازية".
فإن كان المنتقل بعض أهل عاقلته، فلا يخلو انتقالهم من أن يكون قبل التوظيف أو بعد التوظيف.
فإن انتقل قبل التوظيف فإنه لا شيء عليه إذا رفض سكنى بلده، وإنما الدية على من حضر التوظيف.
ولا شيد على من مات قبل ذلك، أو انتقل، إلا أن ينتقل فرارًا من الدية، فإنه [يلحقه] (٢) حكمها حيث كان، ولا ينظر إلى يوم ثبت الدم
стр. 4172
ويحكم بثبوته، وإنما النظر إلى يوم توظيفه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وإن انتقل وارتحل بعد التوظيف فقد [لزمته] (١) ولا تزول عنه بالانتقال، ولا يلزم من قدم من غيبته، أو احتلم، أو استغنى بعد التوظيف.
واختلف فيمن مات بعد أن [وظفت] (٢) على قولين:
أحدهما: أنها في ماله كدين ثابت، ويحاص به الغرماء، وهو قول سحنون في "العتبية"، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
والثاني: أنه لا يحاص بها الغرماء، والغرماء مبدون على طلب الدية، وإن مات ممن وظفت عليهم رجعت إلى بقية العاقلة، ولا تكون في ماله، ولا على ورثته. وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في "العتبية"، وبه قال أصبغ.
وأما الفصل الثاني: في معرفة من تحمل عنه العاقلة جريرته: ولا تخلو جناية الجاني من وجهين: إما أن تكون عمدًا، وإما أن تكون خطأ.
فإن كانت عمدًا فلا تخلو من أن تكون في النفس، أو فيما دون النفس.
فإن كانت في النفس، فإن الواجب فيها القصاص، فإن اصطلحوا على الدية المبهمة في من مال القاتل، ولا تحمل العاقلة منها شيئًا، قال ابن شهاب: إلا أن تطيب النفس.
قال أشهب: وعلى هذا جميع العلماء إلا من خالف من أهل العراق.
стр. 4173
فإن كانت فيما دون النفس كالجراح والشجاج، فلا يخلو من أن يكون مما يمكن فيه القصاص أو مما لا يمكن فيه [القصاص] (١).
فإن كان مما يمكن فيه القصاص، فهو كالقتل على سواء.
فإن كان مما لا يمكن فيه القصاص مما هو متلف كالجائفة والمأمومة، وما لا يستفاد لخوفه كالفخذ، والصدر، وعظم العنق مما يبلغ ثلث الدية، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" في "كتاب [الديات] (٢) ":
أحدها: أنها في مال الجاني جملة، وهو قوله في "كتاب الديات" حيث قال: ثم رجع فجعلها على العاقلة بضعف، وقال لي آخر ما كلمته ما هو بالأمر البين أن تكون على العاقلة.
والثاني: أنها على العاقلة جملة.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون له مال، فتكون في ماله أو لا مال له، فتكون على العاقلة لئلَّا يبطل الدم.
والأقوال الثلاثة لمالك ﵀.
فإن كانت الجناية خطأ، فالمذهب عندنا على أن العاقلة لا تحمل من دية الخطأ إلا الثلث فصاعدًا, ولا أعلم في المذهب نص خلاف قال مالك ﵀: الأمر المجتمع عليه عندنا ألا تحمل العاقلة من جراح الخطأ إلا قدر ثلث الدية فصاعدًا [وقال ربيعة مضت السنة أن العاقلة لا تحمل إلا الثلث فصاعدًا] (٣) وقد عاقل النبي ﷺ بين قريش والأنصار، فجعل العقل ينتهي إلى ثلث الدِّية، وقضى به عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد
стр. 4174
العزيز ﵄، وقاله ابن المسيب، وسليمان، وعروة، وكثير من التابعين.
وهذا كله مذكور في الجراحات، وإنما كررته هنا لزيادة بيان.
ولا فرق بين أن يكون الجاني عاقلًا بالغًا، أو مجنونًا في حال جنايته، أو صبيًا صغيرًا ممن يفهم، ويقع منه بعض التمييز؛ فإن العاقلة تحمل ما بلغ الثلث فصاعدًا [من جنايته] (١).
فأمَّا السكران والسفيه فعليهما القود في القتل والجراح إلا أن ينتهي حال السكران إلى حد لا يميز فيه بين الذرة والفيل؛ فيلتحق حينئذ بالمجنون، وتحمل العاقلة جريرته.
واختلف العلماء فيمن جنى على نفسه خطأ، هل يهدر دمه أو تحمله العاقلة؟
فذهب مالك ﵀ إلى أن دمه هدر، ولا تحمله العاقلة، قال في الموطأ: ولا تعقل العاقلة أحدًا أصاب نفسه عمدًا أو خطأ بشيء، وعلى ذلك رأى أهل الفقه عندنا.
قال: ولم أسمع أحدًا ضمن العاقلة من دية العمد شيئًا.
قال: ومما يعرف [به] (٢) ذلك أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ (٣).
فذهب الأوزاعي وابن حنبل إلى أن الجاني على نفسه خطأ أن ديته على عاقلته تدفع إليه إن كان حيًا وإلى ورثته إن مات.
ويشبه أن يقال في توجيه ما ذكراه أن الدية على أحد القولين واجبة
стр. 4175
على العاقلة بطريق [الأصالة] (١) بعلة الجناية الواقعة على وجه الخطأ، فيستوي في ذلك من قتل نفسه، ومن قتل غيره.
وأمَّا الآية التي استدل بها مالك ﵀ على أن العاقلة لا تحمل من دية العمد شيئًا، فقد اختلف العلماء في تأويلها على حسب اختلاف مذاهبهم في القاتل هل يجبر على دفع الدية إذا رضي بها وليّ القتيل؛ فقيل: معنى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، أي: بدل له أخ المقتول الدية؛ فيكون معنى "عفى له": بذل له، والضمير في "له" راجع إلى وليّ المقتول [والأخ أخ لذلك المقتول] (٣) إلى الرضا بذلك والمطالبة بما بدل من الدية بمعروف، ويؤدي القاتل إليه بإحسان، وهذا على أحد الروايتين عن مالك [وهي رواية ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة"] (٤)، ورواية ابن القاسم في "المدونة" أن القاتل ليس له بدل الدية إذا طلبها ولي الدم إلا أن يشاء، وإنما [عليه القصاص، وبه قال الشافعي، ودليل] (٥) ذلك من جهة المعنى أنه معنى يجب به القتل فلا يستحق به التخيير بين القتل، والدية كالزنا.
وقيل: إن معنى قوله: فمن عفي له، أي: ترك له -يريد: القاتل- وأخوه -يريد: ولي المقتول يريد ترك قتله فيكون له طلب الدية بالمعروف، وعلى القاتل أن يؤدي إليه بإحسان، وهي رواية أيضًا عن مالك أن ولي القتيل مخير بين القتل وأخذ الدية، [ويجبر] (٦) القاتل
стр. 4176
على دفعها إذا رضي بها [ولي المقتول] (١)، وهو اختيار أشهب في "كتاب الجنايات" من "المدونة"، وبه قال أبو حنيفة.
ودليل هذا القول من جهة المعنى أن هذا قتل فلم يجب فيه غير بدل واحد كقتل الخطأ.
وأما الفصل الثالث: في معرفة القدر الذي تحمله العاقلة من الدية، وكيفية توظيفها عليها.
ولا تخلو الدية من أن تكون كاملة أو ناقصة.
فإن كانت كاملة فلا خلاف في المذهب أنها تنجم على العاقلة، وفائدة تنجيمها الرفق بالعاقلة والتخفيف عنها؛ لما في التنجيم من لواحق الأسنان في الإبل، وتكامل النماء؛ لأنها قد تكون وقت الوجوب حوامل، وبعد ذلك مواخض وبعد ذلك لَوَابِن، وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو محمَّد [عبد الوهاب] (٢) في "معونته" (٣).
فإذا [ثبت] (٤) التنجيم وفائدته، فهل تنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين، أو في أربع؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تنجم في ثلاث [سنين] (٥)؛ ثلثها في سنة، وثلثاها في سنتين، وهو اختيار مالك ﵀ وصريح مذهبه، وبه قضى عمر وعليّ ﵄.
стр. 4177
والثاني: أنها تُنَجَّم على العاقلة في أربع سنين؛ ربعها في كل سنة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأن قال في "كتاب الجراحات": أن ثلاثة أرباع الدية في ثلاثة أعوام، وهو أحد قولي مالك في الكتاب المذكور أن نصف الدية في عامين.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المفهوم من قوله ﷺ : "إن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع سنين"، قال مالك: والثلاث أحب [إليَّ] (١) مما سمعت في ذلك؛ فأخبر مالك أنه سمع في ذلك ثلاث سنين أو أربع سنين فاحتمل ذلك معان ثلاث: أحدها: التخيير، والثاني: الشك، والثالث: أن يكون سمع القولين كل قول من قائل من أهل العلم يراه ويفتي [به] (٢) دون القول الآخر، فاختار مالك ﵀ ثلاث سنين، واختار ابن القاسم أربع سنين.
وفائدة قوله: ثلثها في سنة وثلثاها في سنتين، ولم يقل ثلثها في كل عام أن العاقلة تطالب بأداء ثلثها بانقضاء السنة الأولى، ولا يطالبوا بثلثيها حتى تنقضى السنة الثانية من السنتين.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الدية ناقصة، فهل هي على الحلول أم على التأجيل؟
فعن مالك في ذلك قولان:
أحدهما: [أنها] (٣) على التأجيل كالدية الكاملة.
والثاني: أنها على التعجيل.
стр. 4178
والقولان حكاهما القاضي [أبو محمَّد] (١) عبد الوهاب عن مالك.
فوجه القول بالحلول: أنه بعض دية فكان على الحلول، أصل ذلك ما دون الثلث.
ووجه القول بالتأجيل: أنها دية تحملها العاقلة، فكانت مؤجلة كالدية الكاملة.
وإذا قلنا بالتأجيل، وكان البعض الواجب من الدية نصفًا أو ثلثًا أو ثلثين، فما الحكم في تنجيم ذلك؟
فالمذهب على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الثلث في عام والثلثين في عامين، [والنصف في عامين] (٢) وهو نص قول مالك في كتاب الجراح لقول ابن القاسم في النصف: وقد كان مالك مرة يقول نصف الدية: أنها في سنتين، قال ابن القاسم: وهو أعجب إليّ.
والثاني: أن الثلث في عام، والثلثين في عامين، والنصف يجتهد فيه الإِمام إن رأى أن يجعله في سنتين جعله، وإن رأى أن يجعله في سنة ونصف جعله في سنة ونصف، وهو قول مالك في "كتاب الجراح" أيضًا.
والثالث: أن ثلثها وثلثيها على ما تقدم، وأما نصفها فإن الثلث منه في سنة، والسدس الباقي في السنة الثانية، وهو قول أشهب على ما نقله الباجي في "المنتقى" (٣)، وهو ظاهر قول مالك في الكتاب في خمسة أسداس الدية حيث قال: يجتهد [الإِمام] (٤) في السدس الباقي.
стр. 4179
وقد اختلف المتأخرون في تأويل قوله في الكتاب: "يجتهد في السدس الباقي"، قيل: اجتهاده فيه أن يجعله في أول السنة الثانية أو في وسطها أو في آخرها؛ لأن الأربعة الأسداس ثلثاها، وهما في عامين.
وعلى هذا التأويل يستقرأ قول أشهب [من] (١) المدونة.
وقيل: يأتي على قوله: ثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين؛ ربعها في كل سنة، وهو مثل قوله: نصفها في سنتين أن تقسم خمسة أسداس الدية على ثلاث سنين.
والقول الرابع: أن ثلث الدية وثلثيها ونصفها يرجع جميعًا إلى اجتهاد الإِمام، وهذا القول حكاه القاضي في "المنتقى" (٢) على نقل القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب عن مالك، وهو قائم من "المدونة" أيضًا من قوله في النصف والثلاثة أرباع أن الإِمام يجتهد فيها.
والقول الخامس: التفصيل بين أن تكون الزيادة على الثلث أو الثلثين بما له بال، أو لا بال له.
فإن كانت الزيادة لها بال [فإن زادت على الثلث، فأن يكون في سنتين وإن زادت على الثلثين يكونا في سنتين، وإن كانت الزيادة لا بال لها] (٣) فلا يغير حكم المزيد عليه من أصله، وصارت كالعمد، وهو قول ابن الموَّاز، ومحمد بن سحنون عن أبيه في كتابه.
فيتحصل في ثلث الدية وثلثيها على ما لخصناه، قولان:
أحدهما: أن الثلث في عام والثلثين في عامين.
стр. 4180
والثاني: أن الحكم فيها يرجع إلى اجتهاد الإِمام.
وفي النصف ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في عامين ربعًا في كل عام.
والثاني: أن الإِمام يجتهد فيه.
والثالث: أن الثلث منه في عام، والسدس الباقي في السنة الثانية.
فإذا انتهت الدية إلى ما [تحمله] (١) العاقلة على الجملة، فإنها توظف عليهم؛ الموسر بقدره والمقل بقدره.
وإن كان القتل من عشرة رجال مثلًا فدية واحدة [تقسم] (٢) على عواقلهم؛ عشرها [على] (٣) كل قبيلة في ثلاث سنين.
وكذلك لو كان المقتول كتابيًا أو مجوسيًا [تحملت] (٤) قبيلة كل رجل منهم عشر الدية في ثلاث سنين.
وقال أشهب: سواء كانت الدية إبلًا أو غيرها، وهذا في "الكتاب".
والمجوس على أحد قولي مالك في اعتبار قلة الجاني أو المجني عليه أيهما بلغت ثلث الدية فصاعدًا، فإن العاقلة تحملها.
وأمَّا على ما ذكره ابن كنانة من أن مالكًا ﵀ رجع عن ذلك القول، وأنكره فلا يعتبر إلا دية المجني عليه دون [دية] (٥) الجاني.
واختلف فيما يأخذ من كل رجل من أهل العاقلة هل هو مقدر أو غير مقدر على قولين:
стр. 4181
أحدهما: أنه مقدر، وأنه يؤخذ عن كل رجل من مائة درهم من عطائه درهم ونصف، وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" و"الموازية".
والثاني: أنه لا حد لما يؤخذ من كل رجل منهم، وإنما ذلك على قدر اليسر والعسر، وليس المكثر كالمقل، ومنهم من لا يؤخذ منه شيء لإقلاله، وهو قول مالك في "المجموعة" و"المدونة"، وهو الصحيح؛ لأن الدية إنما توظف عليهم على وجه الرفق والمواساة، فيكون ذلك على قدر المالية باجتهاد الحاكم؛ ولهذا قال: يضم في العاقلة الأقرب فالأقرب حتى يحملوها برفق.
فافهم هذا التحصيل فإنه تلخيص بديع لم يسبق إليه على هذا الوضع.
فرع
ومن قتل رجلًا عمدًا يظنه ممن لو قتله لم يكن فيه قصاص قال ابن الموَّاز: لا قصاص عليه، وقد مضى مثل ذلك في مسلم قتله المسلمون في عهد النبي ﷺ يظنونه من المشركين، فوداه النبي ﷺ ، ولم يقد منه.
قال مالك ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، ولم يذكر دية، فهو من أسلم ولم يهاجر من مكة، فلا دية له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٢)، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣)، فهذا من [هدنة] (٤) النبي ﷺ أنه من أصيب منهم ممن أسلم، ولم يهاجر
стр. 4182
ففيه الدية لأهله الكفار الذين كانوا بين أظهرهم ألا تراه رَدَّ إليهم أبا جَنْدَل بعد أن أسلم، فكذلك ديته [والحمد لله وحده] (١).
стр. 4183
المسألة الثالثة في دية الجنين
والأصل [فيه] (١) ما خرَّجه مالك [في] (٢) الموطأ من طريق أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيها رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة (٣).
وخرَّج أيضًا من مراسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة (٤)، فقال الذي قضى عليه: أغرم ما لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك باطل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوانكم الكهان".
والغرة عند أهل اللغة: اسم واقع على الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، وأصله -والله أعلم- من غرة الوجه، وقد يكون من الحسن، والإنسان أحسن صورة من كل شيء خلقه الله، وبه نطق الكتاب العزيز.
والغرة [عند العرب] (٥) أحسن ما يملك.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسى ﵀: الغرة معناها [الأبيض وبذلك سميت فلا يقبل فيها أسود.
والذي أقول والله أعلم: إنما سميت بذلك الاسم لاشتهارها] (٦) في
стр. 4184
مسائل الدماء بحكمها المخصوص بها لمساواة الشارع فيه بين الذكر والأنثى، والعمد والخطأ تيممًا لقطع الشغب وحسمًا لمادة النزاع كتسميتهم مسألة الأكدرية بالغراء لاشتهارها في مسائل الفرائض بانفرادها بالغول في مسائل الجد مع الإخوة كاشتهار الفرس الغراء في الخيل الدهم البهم، وقد بين النبي ﷺ في الحديث أن ذلك علامة يعرف بها أمته يوم القيامة من بين سائر الأمم.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو خروج الجنين إذا ضربت أمه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يخرج من أمه وهي حية.
والثاني: أن يخرج منها بعد أن ماتت.
والثالث: أن يخرج أوله وهي حية ثم خرج آخره بعد أن ماتت.
فأما الوجه الأول: إذا خرج وأمه حية ثم ماتت بعد خروجه أو عاشت، فإن ماتت فلا يخلو الجنين من وجهين:
أحدهما: أن يستهل صارخًا بعد خروجه من أمه أو لا يستهل.
فإن استهل صارخًا أو طال مكثه مما يقوم مقام الصراخ في دلالة الحياة فلا خلاف في المذهب.
ومعنى الاستهلال رفع الصوت بالصراخ أو بالبكاء والضرب على أوجه:
أحدها: أن يكون الضرب فيه وفي أمه عمدًا.
والثاني: أن يكون فيهما خطأ.
والثالث: أن يكون في الأم عمدًا، وفي الجنين خطأ.
стр. 4185
فأما أن يكون الضرب عمدًا في الأم والجنين ثم ماتا جميعًا، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة، فإن ثبت ذلك بقولها، فإن القود في الأم بقسامة أوليائها, ولا شيء في الجنين لا قود ولا دية؛ لأنها شاهدة لابنها.
فإن ثبت ذلك ببينة، فأمَّا الأم ففيها القود بقسامة قولًا واحدًا.
وأمَّا الجنين، فهل فيه القسامة أم لا؟
فلا يخلو من أن يموت بفور استهلاله أو مات بعد تراخ.
فإن مات بعد تراخ، فالقسامة فيه قولًا واحدًا في المذهب.
فإن مات بفور استهلاله، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد فيه من القسامة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"الموَّازية".
والثاني: أنه لا قسامة [فيه] (١) وهو قول أشهب في "الموازية".
وعلى القول بوجوب القسامة فيه، فهل يستحق بها القود أم الدية؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستحق [بها] (٢) الدية، ولا سبيل [له] (٣) إلى القود والعمد فيه كالخطأ، وفيه الكفارة؛ لأن موته بضرب غيره والدية في ذلك على العاقلة، وسواء ضربت الأم على بطنها أو على ظهرها أو على رأسها؛ لأن إصابة الولد خطأ والعمد في أمه، وهو قول أشهب في جميع ذلك في "الموازية".
والثاني: أن فيه القود إذا ضربت أمه في بطنها، أو على ظهرها،
стр. 4186
أو على موضع يرى أنه أصيب منه، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثالث: أنه لا يكون فيه القود إلا إذا ضربها على بطنها خاصة، وهو قول ابن القاسم في كتاب الديات من "المدونة".
وأما إن كان الضرب خطأ فيهما جميعًا أقسم ولاتها وولاة الجنين لمن ضربه مات، أو يكون على العاقلة ديتان [وعلى الضارب كفارتان] (١).
وأما إن كان الضرب عمدًا [في] (٢) الأم وخطأ في الولد، فإن ولاة الأم يقسمون ويستحقون القود، ويقسم ولاة الجنين، ويستحقون الدية [قيل] (٣) في مال الجاني؛ لأن موته عن شبه ضرب عمد، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
[وقيل على] (٤) العاقلة وهو قول أشهب في "الموَّازية".
وأما إن خرج ميتًا أو خرج حيًا ثم مات، ولم يستهل صارخًا, ولا ظهرت فيه أمارة من دلالة الحياة كالصراخ، أو البكاء المتفق عليهما في المذهب والعطاس، أو الصراخ، أو التحرك على قول ابن وهب على ما نقله عنه أبو إسحاق بن شعبان، أو البول، والحدث على ما قاله بعض أصحابنا على ما نقله القاضي [أبو] (٥) الوليد الباجي في "المنتقى"، فهذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة قيمة كل واحد منهما خمسون دينارًا، أو ستمائة درهم.
قال مالك ﵀: القيمة في الغرة حسنة، وليست كالسنة
стр. 4187
المجمع عليها.
وقضى رسول الله ﷺ بما ذكرنا من غير اعتبار بأن يكون الجنين ذكرًا أو أنثى، تام الخلقة أو ناقص الخلقة؛ بل الغرة واجبة على الضارب في ماله، وإن لم يتبين من خلقة الجنين يد ولا رِجْل، ولا أصبع، ولا عين، وإن كان [علقة أو مضغة] (١) مما يستيقن أنه ولد مما تنقضي به العدة، وتكون به الأمة أم ولد، والخيار في ذلك الجاني؛ إن شاء أتى في الغرة بعبد أو وليدة، وإن شاء أتى بخمسين دينارًا إن كان من أهل الذهب أو ستمائة درهم إن كان من أهل الورق؛ فبأيهما أتى جبر أولياء الجنين على قبوله، فإذا دفع عبد أو وليدة، ولا تكون إلا من الحمران -يعني: البيضان- ولا يدفعها من السودان إلا أن [يغلو] (٢) الحمران يدفع من أوسط السودان، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ووجه ذلك أن الحمران أفضل نوع الرقيق، والدية واجبة في مال الجاني؛ فلم يكن له أن يأتي بالدون إلا أن يعدم، فيكون عليه أن يأتي بالوسط من السودان، وذلك ما لا تنقص قيمته عن المقدار الذي ذكرناه.
واختلف في دية الجنين، هل هي موروثة على الفرائض أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها موروثة على الفرائض، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها بين الأبوين على الثلث والثلثين؛ فمن انفرد بذلك استبد به، وبه قال المغيرة وابن دينار؛ وهو قول مالك الأول.
واختلف إذا كان الجاني من أهل الإبل، هل تقبل منه إذا أتى بها أم
стр. 4188
لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الإبل تقبل منه إذا أتى بما وجب عليه منها، وهي خمس فرائض: بنت مخاض، وبنت لبون وابن لبون ذكر وحقة وجذعة، وهو قول أصبغ، وأشهب، وابن الموَّاز، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم على ما قاله أصبغ.
والثاني: [أنها] (١) لا تقبل منه، وإن كان من أهل الإبل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
ووجه في قول أشهب وغيره: أن الإبل أصل في الدية، واعتبر به في دية الجنين كالورق والذهب.
ووجه قول ابن القاسم: أن الدنانير والدراهم هي قيم المتلفات؛ فلذلك قومت بها الغرة، وكان أصل الدية الإبل لكنها ردت إلى العين، والإبل ليست مما تقوم به المتلفات؛ فلذلك لم تعتبر بها الغرة؛ فما كان أصله العين لا يرد إلى الإبل، فلما ورد الشرع في دية الجنين بالغرة، واحتيج إلى تقديرها قدرت بما يقع [التقويم] (٢) به -وهو العين- دون ما لا يقع به التقويم.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا خرج الجنين منها بعد أن ماتت، فهل تجب فيه الغرة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء فيه لا غرة، ولا غيرها، وهو قول مالك وجمهور أصحابه.
стр. 4189
والثاني: أنه تجب فيه الغرة، وهو قول أشهب في "الموّازية"، وهو مذهب الشافعي، وابن شهاب.
ووجه قول الجمهور: إن تلفه قبل الانفصال بمنزلة [تلف] (١) عضو منها؛ ولو تلف عضو من أعضائها قبل موتها لكانت فيه دية، ولو تلف بعد موتها فلا دية فيه.
ووجه قول أشهب: أن هذا جنين فارق أمه ميتًا، فلزمت فيه الغرة كما لو فارقتها قبل أن تموت، ولو ضربها فماتت وبقى الولد يضطرب في بطنها، فليس عليه إلا دية الأم.
وحكم الأجنة إذا ضربت فماتوا في بطنها قبل الخروج أو بعد الخروج حكم الجنين الواحد؛ فالغرة في كل واحد منها على ما قدمناه من التفسير، وإن كانا اثنتين فغرتين، وإن كانوا ثلاثة فثلاث غرر.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يخرج أوله وأمه حية، ثم خرج آخره بعد أن ماتت، فهل تجب فيه الغرة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء فيه كما لو خرج جميعه بعد موتها.
والثاني: أن فيه الغرة كما لو خرج، وهي حية.
والقولان حكاهما القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى"، وحكاهما أبو إسحاق بن شعبان أيضًا.
ووجه القول الأول: أنه لم يفارقها إلا بعد موتها فلم يكن فيه شيء.
ووجه القول الثاني: يحتمل أن يكون مبنيًا على قول أشهب، ويحتمل أن يكون مبنيًا على قول مالك، إلا أنه راعى أول خروجه دون تمامه.
стр. 4190
وينبني على هذا القول فرع في المرأة إذا طلقت أو مات عنها زوجها بعد أن خرج بعض الجنين من أمه، ثم خرج الباقي بعد الموت أو بعد وقوع الطلاق هل تنقضي العدة بذلك الوضع أم لا؛ فعلى القول بأن فيه الغرة على قول مالك تنقضي العدة بذلك الوضع، وعلى القول بأنه لا شيء فيه، فلا تنقضي به العدة، واختلف في جنين الأمة على قولين:
أحدهما: أن فيه عشرة قيمة أمه إن لم يستهل، فإن استهل ففيه قيمة ما بلغت.
قال ابن نافع: [نافت] (١) على الغرة أو نقصت، وهو قول مالك في "الموازية".
والثاني: أن فيه ما نقصها، وهو قول أصبغ عن ابن وهب في "الموازية".
والقول الأول أظهر [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 4191
المسألة الرابعة في دية عين الأعور
والكلام في هذه المسألة ينحصر في فصلين:
أحدهما: في عين الأعور في القود، والدية.
والثاني: في حكم من جنى على عضو أصيب بعضه قبل جناية الجاني.
فأما الفصل الأول: في حكم عين الأعور، فلا يخلو الأعور من وجهين:
أحدهما: أن يجني على عينه.
والثاني: أن يجني [هو] (١) على عين غيره.
فإن جنى على عين الأعور مثل أن يضربه رجل ففقأ عينه، فلا يخلو من أن يكون ذلك عمدًا أو خطأ.
فإن كان الضرب عمدًا ففيه القصاص، ولا إشكال في ذلك.
وإن كان خطأ، فقد اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين:
أحدهما: أن فيها الدية كاملة ألف دينار، وإليه ذهب مالك ﵀ وجماعة من أهل المدينة، وبه قال الليث وعبد العزيز بن أبي سلمة، وبذلك قضى عمر، وعثمان [﵄، وقضى به عمر بن عبد العزيز بعدهما وهو قول عمر] (٢)، وابن عباس ﵄.
والثاني: أن فيها نصف الدية كما في عين الصحيح، وإليه ذهب
стр. 4192
الشافعي، وأبو حنيفة، وهو مروي عن جماعة من التابعين.
وسبب الخلاف: معارضة العموم للقياس، ومعارضة القياس للقياس.
فأما معارضة العموم للقياس، فهو أن العين الواحدة للأعور بمنزلة العينين جميعًا لغير الأعور، لكونه يبصر بالعين الواحدة ما يبصر بالعينين جميعًا.
ويعارضه عموم قوله ﷺ في حديث عمرو بن حزم في قوله: "وفي العين نصف الدية" (١) فعم، ولم يفصل بين عين الأعور وعين الصحيح، ويعارضه أيضًا قياس العين على ما عداها من الأعضاء [مما] (٢) هو زوج في الإنسان كاليد مثلًا إذا قطع يد من له يد واحدة، وقد أجمعوا على أن فيه نصف الدية.
ويقع الترجيح [لمذهب] (٣) مالك ﵀ بقضاء الخليفتين عمر، وعثمان ﵄ بالدية الكاملة في عين الأعور، وكان ذلك بين أظهر الصحابة ﵃، ولم يكن منهم مخالف ولا منكر؛ فدل ذلك على صحة مذهب مالك، ومن وافقه على ذلك.
وأما جناية الأعور على عين غيره، فلا يخلو ذلك من أن يكون عمدًا أو خطأ.
فإن كان ذلك خطأ، فديتها خمسمائة دينار على عاقلة الأعور.
فإن كان عمدًا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يفقأ] (٤) له مثل العين التي هي باقية له.
стр. 4193
والثاني: أن [يفقأ] (١) له خلافها.
فإن [فقأ] (٢) له مثل العين التي هي باقية له، هل يجب الخيار للمفقوء عينه بين القصاص، والدية أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مخير بين [القصاص] (٣) أو أخذ الدية، وهو قول مالك في "كتاب الديات" من "المدونة"، وبه قال ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه لا خيار له في أخذ الدية، وإنما له القود خاصة، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" في القتل، وهو المشهور عن مالك، والذي عليه أكثر [أصحابه] (٤) في الجراح.
إلا أن يصطلحا على أمر، فيجوز.
وعلى القول بأن له الخيار [بين الدية] (٥) والقصاص، فإن اختار أخذ الدية، هل يأخذ دية عينه، أو إنما له دية عين الأعور؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" عن مالك:
أحدهما: أنه له دية عينه خمسمائة دينار، وبه قال المغيرة من أصحابه.
ووجه القول بأن له دية عينه لا أكثر أن الجاني لا يلزمه إلا قيمة ما أتلف، والأعور إنما أتلف عليه عضوًا قيمته خمسمائة دينار لا يلزمه أكثر منها.
أصل ذلك عين الصحيح.
стр. 4194
ووجه القول بأن له دية عين الأعور أن المجني عليه قد ملك أن يقلع عين الأعور، وملك ترك القصاص والعدول إلى الدية بدلًا عن القصاص فكان له دية ما ملك قلعة؛ لأن دية عين الأعور ألف دينار كما تقدم، فيجبر الأعور على دفعها؛ لأن العين الواحدة في معنى العينين، فإذا تركها له وجب عليه دفع ديتها.
ويستقرأ من هذه المسألة لمالك وابن القاسم من المدونة أن القاتل على طريق العمد إذا عفى عنه أولياء المقتول على أخذ الدية أنه يجبر على دفعها كما قال أشهب في "كتاب [الديات] (١) " من "المدونة".
والقولان عن مالك في المذهب منصوصان في القتل والجراح.
وسبب الخلاف: ما قدمناه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢).
فأما [إن فقأ له] (٣) خلاف العين الباقية للأعور مثل أن يفقأ له العين اليسرى، والباقية للأعور العين اليمنى، فهذا لا قصاص فيه، وإنما له على الأعور دية عينه في العمد، والخطأ إن كان صحيح العينين فخمسمائة دينار، وإن كان أعور فألف دينار، ولا خلاف -أعلمه- في ذلك في المذهب.
وأما الفصل الثاني: إذا جنى على عضو ناقص، هل يجب على الجاني جميع دية ذلك العضو، أو يقدر ما بقى [منه] (٤).
فلا يخلو نقصان ذلك العضو من أن يكون بسبب سماوي أو بسبب
стр. 4195
آدمي.
فإن كان بسبب سماوي، فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن عليه جميع دية ذلك العضو، وهو قول مالك في استرخاء البصر، وعين الرمدة يكون فيها الضعف في "كتاب الجراحات" من "المدونة".
والثاني: أن عليه بحساب ما بقى من ذلك العضو، وهو قول مالك في الكتاب المذكور في اليد إذا ذهب بعض أصابعها بسبب سماوي حيث قال: لم يكن فيها إلا على حساب ما بقى.
وربما يعترض على هذا الاستقراء معترض، ويقول: دية اليد موظفة على عدة الأصابع، فإذا ذهب منها أصبع، فقد سقط من دية اليد دية ذلك الأصبع بخلاف اليد الضعيفة، والعين المرخية، فإنما لم يذهب من أجزائهما شيء.
فالجواب عن ذلك: أن الدية إنما وجبت على الجاني في الأعضاء السالمة لكونه أتلف منافعها المقصودة [منها، فإذا جنى على عضوٍ ناقص المنفعة، فإنما عليه من العقل بقدر ما أتلف؛ لأن المنافع هي المقصورة] (١) من الأعضاء؛ ولذلك لا عقل في اليد الشلاء، والعين القائمة الشكل لذهاب المنفعة المقصودة فيهما، والمعدوم معنى كالمعدوم حسًا, وليس الدية في الأصبع مثلًا لكونه أصبعًا، وإنما الدية فيه لأجل المنفعة.
ولم يبق إلا أن نقول إن الجاني يغرم جميع دية ذلك العضو على ضعفه ونقصه كالقصاص؛ فإن مالكًا ﵀ يقول: إن العضو الناقص يقتص منه، وله من العضو الملؤوم.
стр. 4196
وهذا الجواب يدرؤ السؤال ويدحضه.
ولا فرق في جميع ما ذكرنا من أن يكون ذلك في أصل الخلقة أو طرأ بعد الخلقة؛ لأن مالكًا ساوى بينهما في "الكتاب" حيث قال في موضع: وما كان من خلقة خلقها الله لم ينتقص منه شيء مثل استرخاء البصر، وضعف البصر مثل العين الرمداء، واليد التي يكون فيها الضعف.
وقال بعد ذلك يصيبه أمر من السماء مثل العرق يضرب في [رجل] (١) الرجل فيصيبه منه عرج، أو يصيبه رمد فيضعف البصر: فهذا ظاهر أنه إنما أصابه بعد الخلقة بلا شك.
وكذلك قوله في الأصابع أيضًا؛ لأنه قال: فإن كانت الأصابع إنما ذهبت بأمر من السماء، ولم يأخذ لها عقلًا.
وأما الوجه الثاني: إذا انتقص ذلك العضو بسبب آدمي جنى عليه، فانتقص ثم جنى عليه آخر بعد ذلك، فاستهلك البقية بجنايته.
أما الذي يجب على الجاني [فيه] (٢) فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن عليه جميع دية ذلك العضو كاملًا -أخذ بنقصان الأول شيئًا أم لا- وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في دية عين الأعور أن فيها ألف دينار -أخذ من الأول أرشًا أم لا- وهو نص قول مالك في "المجموعة" في عين الأعور [لأن] (٣) الدية إنما وجبت في النظر.
فإذا ذهب [منها] (٤) نظر عين الأولى، فأخذ له أرشًا ثم ذهب النظر
стр. 4197
من العين الثانية بجناية خطأ، فكان يجب أن يكون عليه بحساب ما أتلف، إلا أنهم قالوا: لما كان يبصر بالعين الباقية ما كان يبصر بالعينين جميعًا كانت عليه الدية كاملة؛ فكأنه أتلف [عليه] (١) جميع نظره، ولم يعتبروا ما أخذ في العين الأولى، وهذا ظاهر.
وقد نص مالك أيضًا في "الموازية" [في العين] (٢) إذا أصيب نصف بصرها، فأخذ فيه نصف ديتها، ثم أصيب في النصفين الباقيين من كل عين في ضربة واحدة أن فيها ألف دينار، فانظر كيف جعل نصف [كل] (٣) عين [كجميعها] (٤) في وجوب جميع ديتها على الجاني، وهو أحد قولي ابن القاسم في "كتاب ابن سحنون"؛ لأنه قال في رواية أصبغ عنه فيمن أصيب نصف عينه ثم فقأ باقيها مع الصحيحة: أن ليس له إلا ثلاثة أرباع الدية -يعني: نصف الدية في الصحيحة وربع في التي أخذ دية نصفها؛ لأنه الربع بالإضافة إلى جميع الدية.
قال أصبغ: [ثم رجع ابن القاسم في العد، فقال: فيهما ألف دينار.
قلت: فقد أوجب فيهما ألف دينار، ولم يعتبر ما أخذ في نصف الأولى.
وهذا كله ظاهر لا مراء فيه] (٥).
والقول الثاني: أن له ما بقى بحساب ذلك العضو -أخذ لنقصان الأول
стр. 4198
أرشًا أم لا- وهو أحد أقوال مالك في آخر "كتاب الجراح" حيث قال ابن القاسم، وقد قال قبل ذلك: ليس له إلا على حساب ما بقى.
والقول الثالث: تفصيل بين أن يأخذ لنقصان الأول أرشًا، أو لم يأخذ؛ فإن أخذ لنقصان الأول أرشًا كان له على الجاني بحساب ما بقى من دية ذلك العضو، وإن لم يأخذ له أرشًا، فله جميع العقل كاملًا , وهو أحد قولي مالك في "كتاب الجراحات".
والأظهر من الأقاويل القول بأنه لا يلزمه من الدية إلا بحساب ما بقى؛ لأن الجاني لا يلزمه أكثر مما أذهبت جنايته.
وما عداه من الأقوال لا حظ له من النظر، ولاسيما القول الذي فيه [التفصيل] (١)، وما المناسبة في أن الثاني يعقل على [جناية] (٢) الأول إذا لم يؤخذ منه الأرش، فإن أخذ منه فلا يؤدي الثاني إلا بحساب ما جنى [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 4199
المسألة الخامسة في القتل إذا اجتمع فيه العمد والخطأ
مثل أن يجتمع اثنان على قتل رجل واحد، ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الضرب عمدًا منهما جميعًا.
والثاني: أن يكون خطأ منهما جميعًا.
والثالث: أن يكون خطأ من أحدهما وعمدًا من الآخر.
فأما الوجه الأول: إذا كان الضرب عمدًا منهما جميعًا، فلا يخلو من أن يكونا مخاطبين، أو أحدهما مخاطب والآخر غير مخاطب.
فإن كانا مخاطبين فلا يخلو من أن تتكافأ دماء القاتلين مع المقتول، أو لا تتكافأ.
فإن تكافأت دماؤهم كالحُرَّيْن قتلا حُرًا فلا خلاف في المذهب أنهما يقتلان فيه.
وإن كانت الدماء غير متكافئة مثل أن يكون أحد القاتلين عبدًا والآخر حُرًا، والمقتول عبد، فالمذهب على أن العبد يقتل، وعلى الحر منهما نصف قيمته؛ إذ لا يقتل الحُرّ بالعبد عندنا.
فإن كان أحدهما غير مخاطب، والآخر مخاطب؛ كالكبير والصغير قتلا رجلًا حرًا عمدًا، فلا خلاف في أن الصغير لا يقتل، وعليه نصف الدية، واختلف هل ذلك في ماله أم على العاقلة؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك على عاقلته، وهو قول مالك في "الموازية"، و"المجموعة"، وبه قال ابن الماجشون؛ لأن عمد الصبي كالخطأ.
стр. 4200
والثاني: أن ذلك في ماله، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز".
واختلف في الكبير، على قولين:
أحدهما: أنه يقتل، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول مالك في "الموطأ".
والثاني: أنه لا يقتل، وهو قول ابن القاسم في الخطأ؛ بناء على أن عمد الصغير كالخطأ.
وأما الوجه الثاني: إن كان الضرب منهما جميعًا خطأ فلا خلاف أن الدية على [عواقل] (١) القاتلين -كانا بالغين أو أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا.
وأما الوجه الثالث: إذا كان الضرب عمدًا من أحدهما وخطأ من الآخر فلا يخلو المتعمد من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا.
فإن كان صغيرًا فلا خلاف أنه لا يقتل، والدية عليهما؛ فما ناب الكبير منهما، فعلى عاقلته، وما ناب الصغير, فعلى قولين وقد قدمناهما.
فإن كان العمد من الكبير، والخطأ من الصغير, فهل يقتل الكبير أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقتل، وتكون الدية عليهما أنصافًا، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن الكبير يقتل، وعلى الصغير نصف الدية، وهو قول أشهب، وهو اختيار ابن الموَّاز.
стр. 4201
واختلف في الحُرّيْن البالغين إذا قتلا حُرًا أحدهما عمدًا، والآخر خطأ على قولين:
أحدهما: أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن الدية بينهما أنصافًا؛ نصفها في مال العامد، ونصفها على عاقلة المخطئ.
والقولان لابن القاسم.
والذي حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب أنه متى اشترك في القتل من يجب عليه القود، ومن لا قود عليه كالمخطئ، والعامد، والبالغ، والصغير, والعاقل، والمجنون أن القود على من يلزمه القود، وكان على الآخر بقسطه من الدية، فساوى بين مشاركة المخطئ، ومشاركة الصغير في القصاص ممن شاركه.
ومعنى تعليل ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنني لا أدري من أيهما مات إذا كان من الصبي خطأ، ومن الكبير عمدًا: أي: لا أدري هل مات من ضرب عمد أو ضرب خطأ؛ فهذا الذي يمنع القصاص من المتعمد كما لو كانا كبيرين، وأما لو كان الكبير والصغير عامدين فقد علم أنه مات من ضرب عمد، وإنما سقط القصاص عن الصغير لمعنى فيه لا لمعنى في الضرب؛ كما لو كانا كبيرين قتلاه عمدًا، فعفى عن أحدهما لم يسقط بذلك القصاص عن الآخر، أو قتل حر وعبد [عمدًا] (١)، فإن سقوط القصاص عن الحر لا يسقط عن العبد؛ لأن ما أسقطه عن صاحبه لم يكن لمعنى في الفعل، وإنما كان لمعنى في الفاعل.
стр. 4202
ولو قتله أحدهما عمدًا، والآخر خطأ، فسقط القصاص عنهما؛ لأنه إنما سقط القصاص عن أحدهما لمعنى في الفعل، ولا يدري هل مات من ذلك الفعل الذي يمنع القصاص، أو من فعل الآخر الذي لا يمنع القصاص.
فهذا تأويل ابن القاسم، وربك أعلم [والحمد لله وحده] (١).
стр. 4203
المسألة السادسة إذا برئ أحد الجُرْحَيْن في القصاص على شَيْن، وبرئ الآخر على غير شَيْن
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
إما أن يبرآ على شَيْن، وإما أن يبرأ على غير شَيْن، وإما أن يبرأ أحدهما على شين، والآخر على غير شَين.
فإن برئا جميعًا على شين؛ الأول والمقتص منه، وشينهما متساويًا أو كان شَيْن الأول دون الثاني: فلا شيء لواحد منهما لصاحبه.
وكذلك الحكم في الوجه الثاني إذا برئا جميعًا على غير شَيْن.
وأما الوجه الثالث: إذا برئ أحدهما على شَيْن، والآخر على غير شَيْن، فلا يخلو من أن يكون على الأول أو الثاني.
فإن كان المجروح الأول برئ على شين، والمقتص منه برئ على غير شَيْن، فإن المقتص منه يعقل القدر الذي نقصه الشَّيْن من المجروح الأول.
وكذلك لو ترامى جرحه إلى ذهاب عضو من أعضائه مما له دية مسمى، فإن المقتص منه يغرم دية لذلك العضو أيضًا؛ لأن القصاص وضع للمماثلة.
فإن برئ الثاني على شَيْن أو ترامى ذلك إلى ذهاب نفسه، فذلك هدر، ولا دية فيه، ولا قصاص، والظالم أحق أن يحمل عليه، وهذا [هو] (١) المذهب، [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 4204
المسألة السابعة في القسامة
والقسامة لا تجب إلا بأحد أمرين:
أحدهما: أن يقول الميت: دَمِّي عند فلان.
والثاني: أن يأتي ولاة اليوم بلوث من بينة.
فأما الوجه الأول: إذا قال الميت: دَمِّي عند فلان، فلا يخلو من أن يكون حُرًا بالغًا أو وصيًا، أو عبدًا، أو نصرانيًا.
فإن كان حرًا بالغًا، فلا يخلو من أن يشهد بذلك شاهدان، أو شهد به شاهد واحد.
فإن شهد على قوله شاهدان عدلان، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: قتلني فلان عمدًا.
والثاني: أن [يكون] (١) قتله خطأ.
والثالث: أن يبهم الأمر.
فإن قال: قتلني عمدًا، فإن الأولياء يقسمون على قوله , ويستحقون القود.
فإن [قال: قتلني] (٢) خطأ، هل يقسم مع قوله [أولياؤه] (٣) أو لا يقسم؟ على قولين:
стр. 4205
أحدهما: أنه يقسم مع قوله، وهو مذهب "المدونة" [وهو مشهور المذهب] (١).
والثاني: أنه لا يقسم مع قوله في الخطأ إلا بلوث [من] (٢) شهادة، وهي رواية ابن وهب عن عبد الملك في "الموازية"، ورواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن ادعى ورثته خلافه؛ مثل أن يقول الميت: قتلني عمدًا، وقال الورثة: [بل] (٣) خطأ، أو بالعكس: فلا خلاف أنهم لا يقسمون على ما ادعوا.
وهل لهم أن يرجعوا إلى قول الميت أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لهم الرجوع إلى قوله ويقسمون. وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثاني: أنه ليس لهم الرجوع إلى قول الميت ولا قسامة لهم بعد ذلك، ولا دم، ولا دية، وهو قول أشهب في "المجموعة".
فإن أبهم الأمر، ولم يفسر لا عمدًا , ولا خطأ، فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يجتمع الورثة على أنه قتله عمدًا.
وإما أن يجتمعوا على أنه قتله خطأ.
وإما أن يدعي بعضهم العمد، وبعضهم ادعى الخطأ.