← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

يستوفوها، فإن حمله الثلث عتق جميعه، وأتبع [ببقية] (١) الجناية، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث، ويرق الباقي، ويخير الورثة فيما رق منه بين أن يفدوه بقدر ما ينوبه من أرش الجناية، أو يسلموه لأولياء الجناية. فإن كان للمدبر مال لم تسلم خدمته، وأدى من ماله الجناية، فإن بقى منه شيء أقر بيده إلا أن ينتزعه السيد، وإن لم يف ماله بالأرش اختدموه فيما بقى إلا أن يفدي به. ولو جنى بعد تسليم الخدمة إلى الأول، فإنهما يتحاصان في خدمته؛ الأول بما بقى له، والثاني يخرجه كله. وخرج فيه ابن الجلاب قولًا ثانيًا أن المجني عليه أولى بالخيار بين أن يفديها من الثاني بدية جرحه أو يسلمها له، فيبطل حقه منها. فإن جنى على المدبر بعد تسليم خدمته إلى المجروحين [لمن يكون أرش جرحه، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك للسيد، وهو قول ابن القاسم في الموازية. والثاني: أنه يكون بين المجروحين] (٢) في بقية [جرحيهما] (٣)، فإن فضل منه شيء، فهو للسيد مع مرجع الرقبة، وهو قوله في "كتاب ابن المواز". فإن أسلم خدمة مدبره إلى المجني عليه ثم بدا له أن [يفتديها] (٤) بدية

стр. 4132

الجناية أو [ما] (١) بقى منها، فهل يمكن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك له؛ إذ لا حجة لأولياء الجناية؛ لأن ذلك كمال يأخذه شيئًا بعد شيء، فإذا دفع له نقدًا فلا حجة له، وهو قول ابن القاسم في "العتبية". والثاني: أنه لا يمكن من ذلك؛ لأن السيد لما خير بين أن يسلم الخدمة أو يفديها؛ فإذا اختار تسليمها لم يكن له فيها رجوع؛ لأنها القدر الذي يملك من المدبر. أصل ذلك العبد الذي لم يكن فيه تدبير إذا أسلمه أنه لا رجوع له فيه قولًا واحدًا في المذهب. والخدمة في مسألتنا كالرقبة؛ إذ هي التي يملكها، ويملك التصرف فيها في الحال؛ ولأن ذلك ضرب من المبايعة، وإلى هذا أشار الشيخ أبو إسحاق التونسي، وألزم للمذهب على هذا القول إلزامًا، وقال: فعلى هذا القول إذا مات السيد، فحمل المدبر الثلث، فأعتق لا يتبع بشيء من بقية [الجناية لأن] (٢) المجني عليهم لما ملكوا جملة الخدمة [كانت] (٣) زيادتها لهم، ونقصانها عليهم، وأن الميت إذا لم يترك مالًا غيره، فعتق ثلثه ورق ثلثاه للورثة أن أهل الجناية لا يتبعون الثلث المعتق منه بشيء، وأن الورثة لا يخيرون في الثلثين [اللذين صارا] (٤) لهم؛ لأن سيده لما رضي بإسلام الخدمة؛ فكأنه أسلمها، وما يكون عنها من رقبة، ومعناه،

стр. 4133

فيكون [الثلثان] (١) للمجني عليهم، والذي قاله صحيح إذا اعتبرته. وقد حكى ابن الجلاب في المذهب [قولًا] (٢) بأن المدبر إذا خرج من الثلث، وعتق قبل أن يستوفي المجني عليهم أرش جنايته أنه لا يتبع بشيء مما بقى عليه من أرش الجناية مثل إلزام التونسي للمذهب. فإن مات المدبر قبل استيفاء المجروح حقه من الخدمة، فقد بطل حقه، ولا شيء له على السيد [إلا أن يترك المدبر مالًا، فإنه يؤخذ منه مقدار ما يقيله، ويكون الفضل للسيد] (٣)، وهو قول أشهب في "العتبية". فإن كان على المُدَبَّر دين في جميع ما ذكرنا، فإن الدين الذي عليه أولى بماله، والجناية والدين الذي على السيد يتزاحمان على الخدمة على الوجه الذي شرحنا. فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: في المَدَبَّر إذا جنى على سيده، ولا تخلو جنايته عليه من أن تكون فيما دون النفس، أو في النفس نفسها. فإن كانت فيما دون النفس، فهل يختدمه السيد [بدية] (٤) الجناية أو يختدمه خدمة التَّدْبِير؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن السيد يختدمه بدية الجناية كالأجنبي -كان جرحه عمدًا أو خطأ- فإن كان للمدبر مال أخذه، ويحاسبه [به] (٥) في جرحه. وهي

стр. 4134

رواية عبد الحكم بن أعين عن مالك في "كتاب الجنايات" من "المدونة"، وهو راوٍ غريب -أعني: عبد الحكم بن أعين- وليس له في "المدونة" رواية سوى هذه الرواية. والثاني: أن السيد لا يستخدمه بدية الجناية؛ لأن له عظم رقبته، وهو قول سحنون في "الكتاب". وفائدة الخلاف وثمرته: أنا إذا قلنا برواية ابن أعين أن للسيد أن يستخدمه بدية الجناية أنه يستخدمه [بها] (١) كالأجنبي. فإن استوفى جنايته، وهو حي -أعني: السيد- رجع إلى استخدامه بالتدبير، وإن مات السيد قبل أن يستوفي أرش جنايته، فإن المدبر يعتق منه مبلغ الثلث، أو جميعه إن حمله ثلث مال الميت كان ما بقى من الجناية التي جناها على سيده في ذمته، فإن عتق ثلثاه اتبع بثلثي الجناية، ويسقط ما بقى؛ لأنه رقيق لهم، وهذه فائدة استخدامه بالجناية، [ولهم] (٢) إذ قال في "الكتاب"؛ لأنه قد حدثت خدمة هي أولى من الخدمة الأولى. ولو جنى على السيد والأجنبي لكان ذلك أيضًا [يختدمانه] (٣) بقدر جنايتهما، وهو نص قوله في الكتاب. فإذا قلنا بأنه لا يختدمه بدية جنايته كان لا يتبع بشيء إذا عتق كما [لو] (٤) جنى [على] (٥) أجنبي ثم افتكه سيده أنه لا يختدمه بما افتكه [به] (٦)

стр. 4135

ولا يحاسبه به بالجناية على السيد أولًا ألا [يحاسبه بها] (١) الذي لم يخرج فيها شيئًا؛ فقد تبين لك فائدة الخلاف، والله المستعان. فإن كانت جناية عليه في النفس، فلا يخلو من أن يقتله عمدًا أو خطأ. فإن قتله عمدًا بطل تدبيره، ويرق للورثة إن عفوا عنه، وهو قول مالك في العتبية. فإن قتله خطأ، فإنه يعتق في ثلث مال السيد دون ثلث الدِّية، وتؤخذ منه الدِّية أو يتبع بها أو بما عجز ماله عنه، وإن لم يحمله ثلث ماله عتق منه ما حمل ثلث المال ورق ما بقى، وأتبع بحصة ما [بقى] (٢) منه من الدية إلا أن يكون له مال، فيؤخذ منه مكانه ما لزمه من ذلك، وهو قول ابن القاسم في العتبية إذا خرج من الثلث، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور إذا خرج بعضه. وفروع هذا الباب كثيرة، وإنما اختصرنا فيه على ما يليق بالكتاب [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 4136

المسألة الرابعة في جناية الموصي بخدمته فلا يخلو من أن يكون مرجعه إلى ملك أو إلى حرية. فإن كان مرجعه إلى ملك؛ مثل: أن يخدم رجلًا عبده حياته أو أجلًا مسمى ثم رقبته للآخر، ومرجعها إليه، وقال [ذلك] (١) في وصية أو في غير وصية ثم جنى العبد جناية، فمن يبدأ بالخيار بين الفداء أو التسليم أصاحب الخدمة أم صاحب الرقبة؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه يبدأ بصاحب الرقبة جملة بلا تفصيل كان مرجعها إلى السيد الذي أخدم أو إلى غيره ممن وهبت له بعد استيفاء الخدمة، وهو قول أصبغ واختياره من أحد قولي مالك في "الموَّازية" وغيرها. والثاني: أنه يبدأ بالذي له الخدمة جملة بلا تفصيل، وهو أحد قولي [ابن القاسم في المدونة على ما حكاه سحنون فيها، وهو أحد قولي] (٢) مالك في "كتاب ابن الموَّاز". والثالث: التفصيل بين أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى السيد الذى أخدم، فيكون هو المبدي، أو يكون مرجعها إلى أجنبي، فيكون المخدم هو المبدي، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" في أول الباب. والرابع: أنهما فيه كالشريكين يخرج عبدهما فيقوم مرجع الرقبة، فإن

стр. 4137

قيل [يساوي] (١) عشرة تقوم خدمته أيضًا، فإن قيل [تساوي] (٢) عشرة صار حقهما فيه سواء، وهما كالشريكين، ويخيران جميعًا، فإن شاءا أسلما، وإن شاءا أفديا، فإن فدياه دفع كل واحد نصف دية الجرح، وكان العبد على حاله، فإن أسلماه كان مملوكًا لأهل الجناية؛ فإن أحب أحدهما أن يفتدي الذي له من خدمة، أو مرجع رقبة كان ذلك له، ومن شاء أن يسلم ماله فيه كان ذلك له، فإن [أسلمه] (٣) صاحب [الخدمة لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه صاحب] (٤) الرقبة كان للمجني عليه بعد الخدمة، فإن افتكه صاحب الخدمة لم يكن له إلا خدمته، وإن افتكه صاحب الرقبة لم يكن له إلا الرقبة بعد مرجعها، وهو قول أشهب في "الموازية". ووجه القول بأن [صاحب الرقبة هو المبدي جملة أن ملك الرقبة أصل، والخدمة فرع عنها، وأن المعطى له الرقبة بعد الخدمة قائم مقام مالكها الأول، فيبدي بملك الأصل لا بملك الفرع ووجه القول بأن] (٥) المبدى ملك الخدمة جملة؛ لأنه هو المالك لمنافع العبد التي هي المقصودة منه، والرقبة قد تصح لربها، أو للذي أعطى له رجوعها إليه، وقد لا تصح؛ فصار المالك على الحقيقة في الحالة الراهنة هو المالك للخدمة، وعلى هذا ينبني الخلاف في نفقته على من تكون، وزكاه الفطر [عنه] (٦) على من تكون.

стр. 4138

ووجه القول بالتفصيل: أنه إن كان مرجع الرقبة لمالكها الأول يكون هو المبدي؛ لأنه وهب الخدمة، وأبقى الرقبة على ملكه، فكأن ملكه لم يزل [عن] (١) الرقبة، وإذا كان مرجع الرقبة لأجنبي بهبة من المالك كان صاحب الخدمة مبدى؛ لأن من له مرجع الرقبة لم يملك شيئًا إلى الآن، ولا استنفع بشيء إلى الآن، فكأنه غير مالك للرقبة؛ فكانت التبدية لمالك الخدمة أولى. ووجه القول أنهما فيه كالشريكين؛ لأن الجناية وقعت عليهما جميعًا فكل واحد منهما مخير في القدر الذي ملك من العبد، ولا مزية لأحدهما على الآخر. فإذا قلنا بأن مالك الرقبة هو المبدى، فإذا أسلم العبد للمجني عليه، قيل للمخدم: إن أحببت أن تفتكه فافتكه، فإن أفتكه [اختدمه] (٢)، فإن قضى أمد الخدمة لم يكن لسيده إليه سبيل حتى يدفعه ما أفتكه به، وإلا كان للمخدم بتلًا، فإن فداه مالك الرقبة، فإن صاحب الخدمة يستخدمه حتى ينقضي أجل الخدمة، ثم يكون لصاحب الرقبة، ولا يرجع على صاحب الخدمة بشيء مما فداه [به] (٣). وإذا قلنا: بأن صاحب الخدمة هو المبدى، فإن أسلم ما له فيه من الخدمة، قيل لصاحب الرقبة: افده أو أسلمه، فإن أسلمه كان رقيقًا لأهل الجناية، فإن فداه صار له، وبطل حق المخدم لتسليمه إياه أو لا، فإن افتداه ما له فيه من الخدمة بأرش الجناية، فله أن يستخدمه، فإذا انقضى أجل الخدمة رجع العبد إلى من له مرجع الرقبة، واختلف [هل يرجع] (٤)

стр. 4139

عليه صاحب الخدمة بما فداه به أم لا على قولين: أحدهما: أنه يرجع على مالك الرقبة بما فداه به، وهو قوله في "المدونة". والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهذا القول حكاه التونسي في المذهب. وسبب الخلاف: اختلافهم فيما فداه صاحب الخدمة هل إنما فدى الخدمة أو الرقبة؛ فمن رأى أنه إنما فدى الخدمة، قال: لا يرجع على مالك الرقبة بشيء، ومن رأى أنه إنما فدى الرقبة، قال: يرجع على مالكها بما فداها به، ولا سبيل له إليها حتى يدفع ما فداها به، وتنزل فيها منزلة المجني عليه. وإذا جعل خدمته لرجل سنة ثم خدمته لآخر بعد سنة ثم رقبته لآخر، ثم جنى. ما الحكم فيه؟ فقد اختلف فيه [المذهب] (١) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المخدمين يخيران، فإن افتدياه كان على حاله، ولم يكن لهما بما افتدياه به مرجع على أحد، وإن أسلماه اختدمه المجروح، فإن انقضت السنتان كان الخيار لمن له مرجع الرقبة إن شاء افتداه بما بقى من أرش الجناية بعد الخدمة، وصار له ملكًا، وإن شاء أسلمه وصار رقًا للمجني عليه، وإن استوفى المجروح قيمة جرحه قبل ذلك رجع العبد إلى منتهى سنته، فإن بقى من السنة الأولى شيء اختدمه الأول فيما بقى ثم يكون للثاني. فإن انقضت السنة الأولى، ودخل في الثانية، فقد سقط حق الأول

стр. 4140

من الخدمة، ويكون للثاني أن يستخدمه فيما بقى من سنته، فإذا انقضت السنة الثانية كان لمن له مرجع الرقبة بتلًا، وهو قول ابن القاسم في "الموازية". والثاني: أن المخدم الأول مخير، فإن افتداه، هل يخدمه بالأرش الذي فداه به، وبالسنة التي وهبت له فيها خدمته أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يختدمه بالأمرين جميعًا، فيبدأ بالأرش يختدمه فيه، فإن استوفاه، وبقى من سنته شيء اختدمه باقيها، ثم أسلمه إلى الثاني بغير غرم؛ لأنه قد استوفى لما فداه به عوضًا. فإن تمت سنته قبل تمام الأرش، قيل للثاني: ادفع إليه باقي الأرش، واختدمه فيه مدتك، فإن استوفيت قبلها أخدمت باقيها بالعطية، ثم يكون لمن له مرجع الرقبة، فإن تمت سنتك قبل أن تستوفي كان الخيار لمن له مرجع الرقبة بين أن يعطيك ما بقى لك مما افتديته به أو يسلمه لك بَتْلًا، وإن أبى الثاني أن يدفع للأول ما بقى له قيل للأول: اختدمه في مدة الثاني، فإذا استوفيت قبل تمامها فادفعه إلى الثاني يختدمه ما بقى، وإن لم يستوف الأول حتى تمت خدمة الثاني خير من له المرجع بين أن يعطيه ما بقى له مما فداه به أو يسلمه إليه [رقا] (١)، وهذا كله قول سحنون في "كتاب ابنه"، ومثله لعبد الملك في "كتاب ابن حبيب". والثاني: أنه لا يختدمه إلا بالعطية خاصة، وليس له أن يستخدمه بالأرش الذي فداه به، فإن فداه اختدمه باقي مدته، ثم يكون للمخدم الثاني، ولا شيء للأول على الثاني مما فداه [به] (٢) ولا على من له

стр. 4141

المرجع، وهو قول ابن القاسم في "الموازية". فإن أسلمه خير المخدم الثاني بين أن يفدى خدمته، أو يسلمها؛ فإن افتداها هل يستخدمه بالسنتين جميعًا، أو يستخدمه بمدة العطية خاصة؟ فالمذهب على قولين أيضًا: أحدهما: أنه يستخدمه بقية الأول، وجميع مدته هو ثم يسلمه إلى صاحب المرجع، ولا شيء له عليه مما فداه به؛ لأنه [اختدمه الخدمتين] (١) وهو قول ابن القاسم أيضًا في "الموازية". والثاني: أن المخدم الثاني لا يختدمه إلا [سنته] (٢) وحدها، ثم يكون مرجعه إلى صاحب الرقبة، وهذا القول حكاه ابن أبي زيد، ولم يُسَم قائله. [وقال] (٣) والأشبه أن يختدمه الثاني في السنتين جميعًا؛ لأنه إذا جنى في أول السنة الأولى التي للأول، فافتداه الثاني بعد أن أسلمه الأول، فالذي افتداه لم تأت سنته بعد، والأول قد سلم حقه في الخدمة، والذي له مرجع الرقبة إنما هي له بعد سنتين، فكيف يبتدأ بالسنة الآخرة؟ وهذا ظاهر في المعنى. فإن أسلمها اختدمه المجروح، وحسب ذلك من جرحه، فإن وفي وبقى من خدمة الأول بقية رجع إليه [يخدمها] (٤) ثم خدم الثاني سنة، فإن لم تف الخدمة الأولى بالأرش اختدمه السنة الثانية، فإن استوفى وبقى منها شيء اختدمه الثاني، ولا شيء للأول فيه، فإن لم تف خدمة السنة

стр. 4142

الثانية بالأرش، فإن كان [مرجعه] (١) إلى حرية كان حرًا ويتبع بالباقي، وإن كان [مرجعة] (٢) إلى ملك قيل لمن له مرجع الرقبة حين أسلمه المخدمان: إن فديته بالأرش كان لك اليوم بتلًا، وإن أسلمته كان للمجروح بَتلًا. وعلى القول بأن المبدى في التخيير من له مرجع الرقبة كسيده الأول، فإن فداه بقى في خدمة الرجلين إلى إتمامها ثم أخذه. وإن أسلمه خير المخدمين، فإن أسلماه كان للمجروح بتلًا، وإن افتدياه اختدماه، ثم لم يأخذه من له الرقبة حتى [يعطيهما] (٣) مما فدياه به، وهو قول أصبغ في "الموَّازية". فإن قتل العبد المخدم في جميع ما ذكرناه أو جرح لمن تكون قيمته أو أرش جراحه؟. فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنها لسيده الأول جملة بلا تفصيل كان مرجعه إلى ملك أو حرية، وهو ظاهر قوال مالك في الكتاب؛ لأنه قال: القيمة للذي له الرقبة، وسواء قتله السيد أو قتله غيره. والثاني: أن قيمته وأرشه لمن له مرجع الرقبة بعد الخدمة إن كان مرجعها إلى ملك، وهو ظاهر "الكتاب" أيضًا. والقولان لمالك في "الموازية"، وأخذ ابن القاسم بالأول.

стр. 4143

وعند ذكر سبب الخلاف يَتَبَيَّن لك موضع القولين في "الكتاب". والثالث: التفصيل بين أن تكون الجناية من السيد أو من غيره؛ فإن كانت الجناية من [سيده] (١) قتله عمدًا، فإنه يغرم قيمته، وتوقف بيد عدل فيؤاجر منها للمخدم بقية الأجل أو العمري إن عمره فيه فما فضل فللسيد، وما عجز فلا شيء عليه فيه، وإن قتله خطأ، فلا شيء عليه. وإن كانت الجناية من غير السيد، فالقيمة للسيد الأولى، وهي رواية عن ابن القاسم. والرابع: أن القيمة للمخدم لا لسيد العبد، ولا لمن له مرجع الرقبة، وهو قول أشهب وغيره. وعلى القول بأنها للمخدم، هل يشتري له منها رقبة تخدمه بقية المدة أو يستأجر له بها؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يشتري بالقيمة رقبة أخرى تخدمه بقية المدة، وهو قول أشهب في "الموازية". والثاني: أنه يكتري له من القيمة من يخدمه بقية المدة، وهو قول المخزومي، وأحد قولي ابن القاسم، والقولان قائمان من "المدونة" من قول سحنون فيها بعد قوله: إن القيمة للذي له الرقبة حيث قال: أما مالك فهذا قوله لم يزل، واختلف فيه أصحابه، فكلما سمعت خلاف هذا فرده إلى هذا، وهو أصل مذاهبهم مع ثبوت مالك عليه؛ فهذا منه تنبيه على الخلاف الذي حكيناه في المسألة. وسبب [الخلاف بين] (٢) القولين المتقابلين: اختلافهم في حَوْز الغير

стр. 4144

بغير إذن الواهب للموهوب له، هل يكون حوزًا أم لا؟ فمن قال: لا يكون حوزًا قال: القيمة لسيده الأول. ومن قال: هو حوز قال: القيمة لمن له مرجع الرقبة. ومن قال القيمة للمخدم يشتري له بها عبدًا آخر أو يكتري له منها قال: إن قيمة الشيء تقوم مقام عينه. ومن فَرَّقَ بين جناية السيد، وبين جناية عبده فراعى قوة التهمة؛ لأن السيد إذا قتله [عمدًا] (١) يتهم في إبطال حق المخدم من العبد، فيعاقب بغرم القيمة. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان مرجع العبد بعد الخدمة إلى حرية، فالحكم فيه كالحكم في الوجه الأول إذا كان مرجعه إلى ملك إلا في موضع واحد؛ وهو إذا أسلمه المخدم إن كان واحدًا أو المخدمان إذا كانا اثنين إلى المجروح، فاستخدمه [في جرحه] (٢) ثم انقضت المدة قبل أن يستوفي قيمة [دية] (٣) جرحه من الخدمة، فإنه يكون حرًا، ويتبع بما بقى من أرش الجرح في ذمته. وإذا كان مرجعه إلى رق على القول بأن المخدم يبدى، فإن اختار تسليمه إلى المجني عليه رجع الخيار إلى من له مرجع الرقبة، فإن فداه كان له ملكًا وسقطت الخدمة، وإن أسلمه كان رقًا للمجني عليه من ساعته [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 4145

المسألة الخامسة في [جناية] (١) أمّ الولد ولا تخلو أمّ الولد من وجهين: [أحدهما] (٢) أن تجني على غيرها. والثاني: أن يجني عليها. والجواب عن الوجه الأول: إذا جنت على غيرها، فلا تخلو من أن تجني على واحد أو على جماعة. فإن جنت على واحد، فعلى السيد أن يفتديها بالأقل من قيمتها، أو من أرش تلك الجناية. واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين: أحدهما: قيمتها يوم الحكم، وهو قوله في "المدونة"، وهو مشهور المذهب. والثاني: قيمتها يوم الجناية، وهو قول المغيرة في "المجموعة". فإن جنت على جماعة، فلا يخلو المجني عليهم من أن يقوموا على السيد في حياته أو بعد مماته. فإن قاموا عليه [بأروش] (٣) جناياتهم في حياته [فلا يخلو المجني عليه آخرًا من أن يقوم بعد الحكم في الأول، أو قبل أن يحكم فيه، فإن جنت عليه بعد الحكم في جنايتها] (٤) على الأول واستيفاء واجبه، فإنه

стр. 4146

يبتدأ الحكم في الثاني قولًا واحدًا في المذهب. فإن جنت على الثاني قبل الحكم في الأول، فلا يخلو من أن يقوموا على السيد جميعهم، أو قام بعضهم دون بعض. فإن قاموا على السيد كلهم، هل يدفع لهم السيد قيمتها، ويتحاصون فيها على قدر جنايتهم، أو عليه أن يعطي لكل واحد [منهم] (١) الأقل من قيمتها أمّ ولد أو أرش جرحه؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الواجب عليه أن يدفع إليهم قيمتها إن كانت أقل، ويتحاصون فيها بقدر جنايتهم، وهو مذهبه في المدونة، وهو المشهور. والثاني: أن عليه لكل واحد [منهم] (٢) الأقل من قيمتها أو من أرش جنايته، وهو قول المغيرة في المجموعة والموازية [والواضحة، وبه قال اللخمي أولًا، ثم رجع عنه إلى قول الجماعة على ما قال أشهب في المجموعة والموازية] (٣) أن ابن القاسم والمغيرة خالفاني في ذلك، وقالا: عليه قيمتها يوم جنت , فرجع ابن القاسم عن ذلك، وتمادى المغيرة فيما علمت حتى قال في الأمة الغارة للحر أن عليه قيمة ولده منها يوم ولد، وإن ماتوا بعد ذلك. وينبني الخلاف: على الخلاف في الاعتبار في القيمة، هل النظر إلى يوم الحكم أو إلى يوم الجناية؟ واختلف هل تقوم بمالها أم لا؟ على قولين: حكاهما أبو سعيد في

стр. 4147

"التهذيب" (١) عن مالك. فإن قام بعضهم على السيد دون بعض، فلا يخلو الغائب من أن يعلم به السيد أو لا يعلم. فإن علم به السيد، فإن الحاضر يضرب بقدر جنايته في قيمتها؛ لأن [الاشتراك] (٢) يقع في قيمتها بقدر جناية كل واحد منهم؛ لأن إحدى الجنايتين قد تكون أقل من قيمتها، وتكون الأخرى أكثر من قيمتها، فيقال للسيد: أخرج قيمتها؛ فيشتركان فيها بقدر جنايتهما. فإن لم يعلم به السيد، فأعطى للحاضر جميع دية جرحه، أو قيمتها إن كانت هي أقل، ثم قام الثاني، فعلى السيد أن يعطيه دية جرحه أو قدر ما يصير له مع الأول من قيمتها لو تحاصا اليوم، ثم يرجع السيد على الأول بالزائد الذي أخذ؛ لأنه لا يصح له إلا قدر ما كان يصير له من قيمتها يوم قام أولًا لو تحاصا يومئذ، والزائد يرده مثل أن يجرح الأول، والثاني موضحة [موضحة] (٣)، فدفع إلى الأول أرش جرحه، ولم يعلم بالثاني ثم قام الثاني، وقيمة الأمة الآن أقل من الموضحتين، فإنه يدفع إلى الثاني نصف قيمتها اليوم، ويرجع السيد، فيقول للأول: إنما أعطيتك دية جرحه، ولم أعلم أن معك شريك، ويسترجع مما قبض قدر نصف قيمتها يوم كان قام إلا أن يكون نصف قيمتها يوم قام أكثر مما كان قبض، فيكون له الأقل من دية جرحه من نصف قيمتها يوم قيامه. ولو لم يعلم بالثاني حتى جرحت ثالثًا، وقد كان للأول قيمتها يوم قام به، ثم قام الباقيان فوجه العمل في المسألة أن تقدر أنها جنت على الأولين

стр. 4148

موضحة موضحة، ثم جنت على الثالث موضحة فقام أحدهما، فأسلم السيد [إليه] (١) قيمتها، ولم يعلم بالآخر، وكانت قيمتها يومئذ مثل أرش الموضحة سواء، فلم يقم الثاني حتى جرحت ثالثًا موضحة أيضًا، ثم قام هو والثاني فإن السيد يرجع على الأول بخمسة وعشرين؛ لأن الواجب له يوم قام نصف الجناية، ثم ينظر إلى قيمتها اليوم، فإن كانت ستين قيل للثالث: قد جنى عليك نصفها المفتك من الأول، وهو فارغ والنصف الآخر [وهو] (٢) مرتهن بجناية الثاني؛ فنصف موضحتك في النصف الفارغ [فيفتكه] (٣) السيد منه بخمسة وعشرين؛ لأن نصف جنايتك أقل من نصف قيمتها الآن، والنصف الثاني بينك وبين المجروح الثاني علي ما بقى لك وله؛ فلك ثلثه وهو عشره، وله ثلثاه وهو عشرون؛ لأن هذا بقى له نصف جرحه، وهذا جرحه كله، والجرحان سواء، فصار علي الثلث والثلثين، وهو قول سحنون في "العتبية". وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يسترجع نصف ما أعطى للأول، ويعطى لهذين نصف دية جرحيهما كاملًا أو قيمتها الآن، فتكون بينهما [نصفين] (٤). وأنكره سحنون، وقال: هذا خطأ. وقال أبو زيد ﵀: لا يقوم بهذه المسألة. وذكر ابن عبدوس عن أشهب مثل ما روى أبو زيد عن ابن القاسم. فأما إن قاموا عليه بعد الموت فلا يخلو من أن يقوموا عليه بعد موتها،

стр. 4149

أو قاموا بعد موت السيد. فإن قاموا على السيد بعد موت أمّ الولد، وقبل الحكم عليه بجنايتها، فلا تخلو من أن تترك [مالًا] (١) أو لا مال لها. فإن ماتت ولم تدع مالًا، فلا شيء على السيد على القول بأن النظر في جنايتها يوم الحكم. فإن تركت مالًا، فلا يخلو من أن يكون عينًا أو عرضًا. فإن كان عينًا كان للمجروح دية جرحه منه وما فضل يكون لسيدها، وإن كان مالها أقل لم يكن للمجروح غيره، وإن كان [عرضًا] (٢) خير سيدها بين افتكاكها بالأرش أو إسلامه، وهو قول عبد الملك فيما نقله ابن أبي زمنين. فإن قاموا بعد موت السيد؛ إما على القول بوجوب أروش الجناية [يوم الجناية] (٣) فلا تفريع، وأما على القول بأن النظر فيها إلى يوم الحكم، فلا يخلو السيد من أن يترك مالًا أو لا. فإن مات وترك مالًا، هل يكون الأرش في ماله أم على أم الولد؟ فعلى ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك في ماله، ولا شيء عليها في مالها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون [في "الواضحة"] (٤). والثاني: أن ذلك [في مالها] (٥) دون مال السيد، وهو قول سحنون

стр. 4150

في "الكتاب" حيث قال: إنما يكون على السيد إذا قاموا وهي عنده، فلو قاموا وقد ماتت لم يكن لهم عليه شيء [فكذلك إذا ماتت قبل أن يقوموا فلا شيء عليه] (١) وعليها هي إذا قاموا بعد الموت؛ لأنها هي الجانية؛ [فذلك] (٢) عليها، فهذا نص قوله. والثالث: أنه لا شيء عليها, ولا على السيد ولو ترك مالًا؛ لأن السيد إنما هو مطلوب بقيمتها يوم يقام عليه، وله مال. فإذا مات قبل القيام عليه، ولم تكن جنايتها متعلقة بذمته، وصار ما ترك ملكًا لورثته بالميراث، فكيف يجب أن يؤخذ من تركته ما جنت، وهذا قول قياسي. وأما [هي] (٣) فلا يجب أن يكون عليها شيء؛ لأن الجناية حين وقعت منها لم تكن ممن تطلب بها، والمطلوب بها سيدها؛ فليس موته بالذي يوجب عليها ما لم يكن واجبًا قبل موته، فإن مات السيد ولم يترك مالًا، فلا خلاف في المذهب في أنه لا شيء على ورثته، وهل يلزم الأرش أمّ الولد أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أنه لا شيء عليها، وهو قول مالك في "المدونة". والثاني: أن ذلك عليها؛ لأنها هي الجانية، وهو قول سحنون فيها. والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنى على أم الولد لمن يكون أرشها؟

стр. 4151

أما في الحياة، فالأرش للسيد [كمالها] (١) قولًا واحدًا، وأما إن مات السيد قبل أن يقبضه، فلمن يكون الأرش؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لها. والثاني: أن ذلك لسيدها مال يورث عنه. وحكى القولين التونسي، ولم يسم قائلهما. فرع فلو قتلت رجلًا حرًا عمدًا، فعفى أولياء القتيل عن أمّ الولد على أن يأخذوا القيمة من السيد؛ فإن رضي السيد بذلك، فلا إشكال، وإن أبى السيد، هل يجبر على ذلك أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن السيد لا يجبر على ذلك، ويكون لهم معاودة القتل؛ لأنهم إنما عفوا على أخذ القيمة أو الدية، وهو قول مالك، وابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة". والثاني: أن السيد يجبر على دفع الأقل من قيمتها أو من الأرش، وهو قول الغير في الكتاب المذكور، وقال: ليس أمّ الولد كالحر؛ إنما حكمها حكم العبد. وقال أشهب في "كتاب الجنايات": أن الحر يجبر على الدية على ما أحب أو كره إذا [طلبت] (٢) منه، ولا يقتل [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 4152

المسأله السادسة في القصاص بين العبيد والأحرار فيما بينهم من القتل والجراح والعبيد مخاطبون بجناياتهم لاحقة بهم متعلقة برقابهم لا يلزم ساداتهم أكثر من إسلامهم بما جنوا -كانت الجناية مما يجب فيه القصاص أو مما لا يجب فيه القصاص- وإن أحب ساداتهم أن يفْتُّكُوهم بما جنوا , ولا يسلمونهم بجناياتهم كان ذلك لهم إلا فيما فيه القصاص في أبدانهم، فلا يكون ذلك لهم إلا برضى المجني عليه. فإذا ثبت ذلك فجناية العبيد تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: جناياتهم على العبيد. والثاني: جناياتهم على الأحرار. والثالث: جناياتهم على الأموال. فالجواب عن القسم الأول: إذا كانت جناياتهم على العبيد، فلا يخلو من أن تكون جنايته عمدًا أو خطأ. فإن جنى عليه عمدًا أو خطأ لا يجب القصاص فيه؛ لكونه متلفًا فسيد العبد الجاني مخير بين أن يسلمه بجنايته أو يفتكه بقيمة العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه. وإن لم ينقصه الجرح شيئًا فلا شيء عليه إلا في المنقلة، والمأمومة، والجائفة؛ فإنه يَفتكه في المأمومة، والجائفة بثلث قيمة العبد المجروح، وفي المنقلة بعشر قيمته ونصف عشر قيمته إن برئت على غير شين.

стр. 4153

فإن برئت على شين فنقص ذلك من قيمته، فقد اختلف [المذهب] (١) بماذا يفتديه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفتديه: لما نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين. والثاني: أنه يفتكه بالواجب [في] (٢) ذلك الجرح مع ما نقصه الشين. والثالث: أنه يَفْتكه [بالأكثر] (٣) من الواجب في ذلك الجرح أو [مما] (٤) نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين. والأقوال الثلاثة حكاها القاضي ابن رشد في المذهب. وثبتت الجناية في هذا الوجه بشاهدين، وبشاهد وامرأتين، وباليمين مع الشاهد. وفي إقرار العبد على نفسه بالجناية [بحضرتها] (٥) قولان: أحدهما: أنها تثبت بإقراره، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنها لا تثبت به، وهو قول ابن نافع، فإن كانت جنايته عمدًا، فهل يجب القصاص فيما بينهم أو لا يجب؟ فقد اختلف أهل العلم في ذلك على أربعة مذاهب: أحدها: قول مالك ومن تابعه أن القصاص قائم بينهم في النفس، وفيما دون النفس كما هو بين الأحرار لاستوائهما في المزية كانوا لمالك أو

стр. 4154

ملاك، وبه قال الشافعي وأصحابه. والثاني: أنه لا قصاص بينهم جملة لا في النفس، ولا فيما دون النفس كالصغير والمجنون، وروى هذا القول عن ابن مسعود، وقال به جماعة من التابعين، وبعض فقهاء العراقيين مثل ابن شبرمة. والثالث: أن القصاص بينهم في النفس دون الجراح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. والرابع: التفصيل بين أن يكونوا لمالك واحد أو ملاك شتى؛ فإن كانوا لمالك واحد فلا قصاص بينهم، فإن كانوا لملاك، فالقصاص قائم بينهم، وهذا القول وقع في "المدونة" في "كتاب الرجم" لبعض الناس. والدليل على صحة مذهب مالك، والشافعي عموم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١)، وبه قال عمر بن الخطاب ﵁. والدليل على صحة مذهب أبي حنيفة حديث عمران بن الحصين أن عبدًا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، فأتوا رسول الله ﷺ فلم يقتص منه. فعلى مذهب مالك ﵀ أن القصاص بينهم قائم في النفس والجراح؛ فإن سيد العبد المقتول أو المجروح مخير بين أن يقتص [منه] (٢) أو يأخذ العبد الجارح إلا أن يشاء سيده أن يفتكه بقيمة العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه، إلا أن تكون موضحة، فيفتكه بنصف عشر قيمة العبد، وهذا إذا ثبت القتل أو الجرح بشاهدين، وأما إن شهد على ذلك شاهد واحد، هل يحلف السيد أو يقتص أم لا؟

стр. 4155

فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحلف ويستحق العقل دون القصاص، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادات" من "المدونة". والثاني: أنه يحلف ويقتص، وهو قول مالك في "كتاب الأقضية" من "المدونة"، وفي "كتاب الديات"، وهو قول الغير في "كتاب الشهادات" على اختلاف الروايات هناك. والثالث: أنه إن أراد العقل حلف وأخذ، وإن أراد القصاص حلف العبد، وهو قول المغيرة المخزومي. وينبني الخلاف: على الخلاف في القصاص [هل يكون] (١) بشاهد ويمين قياسًا على القسامة، أو لا يكون القصاص به؛ لأن القسامة مستثناة. فأمَّا إن ثبتت الجناية بإقرار العبد على نفسه بذلك، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لازم لسيده، ويقتص منه؛ إذ لا يتهم في ذلك، وهو نص "المدونة". والثاني: أنه لا يجوز إقراره على نفسه بذلك، ولا يقتص منه؛ لأنه لا يجوز له أن يتلف نفسه على سيده، وهذا القول حكاه الأشياخ عن كثير من أصحاب مالك. والجواب عن القسم الثاني: إذا كانت جنايتهم على الأحرار، فإنها على وجهين: أحدهما: جنايتهم عليهم في النفس. والثاني: جنايتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح.

стр. 4156

فأمَّا جنايتهم عليهم في النفس، فلا يخلو إذا قتل العبد الحر من أن يكون ذلك خطأ أو عمدًا. فإن كان خطأ خير سيد العبد القاتل بين أن يسلمه أو يفتكه [بالدية] (١)؛ فإن اختار افتكاكه بالدية، هل تكون حالة على السيد أو منجمة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّ الدِّية حَالَّة عليه في ماله، وهو قول مالك في "المدونة" في مسألة العبد والحر إذا اصطدما فيموتان أو مات الحر منهما. والثاني: أنها تكون منجمة عليه في ثلاثة أعوام، وهو قول ابن القاسم عن مالك في "العتبية". فإن كان قتله عمدًا خير أولياء الحر المقتول بين أن يقتلوا العبد أو يستحيوه؛ فإن قتلوه فماله لسيده، فإن استحيوه، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن المال يكون للسيد كما لو قتلوه. والثاني: أن المال يكون تبعًا له كما لو استحيوه، وقد أسلم إليهم في الجناية. والقولان عن ابن القاسم في "العتبية". وأما جنايتهم عليهم فيما دون النفس، فهل يقتص من العبد للحر أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يقتص من العبد للحر في الجراح بخلاف النفس، وهو مشهور المذهب.

стр. 4157

والثاني: أنه يقتص منه [في الجراح للحر] (١) كما يقتص له في النفس، وهي رواية عن مالك حكاها الحفيد عن مالك في "كتاب النهاية" وهو الأصوب. والجواب عن القسم الثالث: وهو جنايتهم على الأموال: فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: جنايتهم على ما لم يؤتمنوا عليه. والثاني: جنايتهم على ما اؤتمنوا عليه. فأمَّا جنايتهم على ما لم يؤتمنوا عليه، فذلك في رقابهم -كانت لحر أو لعبد- يخير سيد العبد الجاني بين أن يسلمه بما استهلك من الأموال، أو يفتكه بذلك -كان ما استهلك من الأموال أقل من قيمته أو أكثر- إلا أن يرضى المجني عليه بأقل من ذلك إذا كان ممن يجوز له التصرف في ماله. فأمَّا جنايته على ما اؤتمن عليه بعارية أو كراء أو وديعة أو استعمال أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك على وجهين: أحدهما: أن يستهلكه بالانتفاع به. والثاني: أن يستهلكه بالفساد، والهلاك من غير انتفاع به. فأمَّا إذا استهلكه بالانتفاع به مثل أن يكون ثوبًا، فيعتدي عليه فيبيعه، ويأكل ثمنه، أو طعامًا فيأكله: فهذا لا خلاف [فيه] (٢) أنه في ذمته لا في رقبته. وأما ما استهلك بالفساد والهلاك، ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك في رقبته، وهو قول ابن الماجشون.

стр. 4158

والثاني: أن ذلك في ذمته؛ لأنه اؤتمن عليه، وهو قول ابن القاسم، والحمد لله وحده [تم كتاب جنايات العبيد بحمد الله وعونه] (١).

стр. 4159

كتاب الديات

стр. 4160

كتاب الديات تحصيل مشكلات [هذا الكتاب] (١) وجملتها إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى في ديات أهل الكتاب في النفوس والجراح والديات: جمع دية، وأصلها -والله أعلم- من الودي وهو الهلاك ومنه أودى فلان، أي: هلك، فلما كانت الدية عن الهلاك سميت بذلك لكونها سببه. وقد تكون أيضًا من التودية؛ وهو لشد أطباء الناقة؛ لئلا يرضعها فصيلها ومنعه عن ذلك؛ فكأن الدية تمنع من [يطالب] (٢) بها من فعل ما يوجبها كما يمنع ذلك القصاص والحدود. وقد تكون تسميتها دية من الإصلاح؛ لأنها تسكن الطلب؛ مأخوذ من قولهم: ودأت الشيء مهموز، أي: سويته، وودأت الأرض، أي: سويتها. فإذا ثبت ذلك فأهل الكتاب والمجوس لا يخلو حالهم من وجهين: أحدهما: أن يجني عليهم. والثاني: أن يجنوا على غيرهم. فإن جنى عليهم فلا يخلو من أن يجني عليهم مسلم، أو يجني بعضهم علي بعض. فإن جنى عليهم مسلم، فلا يخلو من أن يجني عمدًا أو خطأ، فإن

стр. 4161

جنى عليهم عمدًا، فلا خلاف في المذهب أنه لا يقتص [لهم] (١) منه -كانت الجناية في النفس أو فيما دون النفس- إذ لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة فيقتل به على معنى الحِرَابَة لا على معنى القصاص المحض، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن الحر المسلم يقتل بالمعاهد، ويقتل بالعبد أيضًا، وتعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ (٢)، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الآية (٣)، فقالوا: هذا عام في كل نفس محرمة القتل، وتأول قوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" (٤) على أنه الكافر الحربي، وذلك كله استدلال ضعيف، والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ من وجهين اثنين: أحدهما: الأثر. والثاني: النظر. فأمَّا الأثر: فقوله ﷺ : "لا يقتل المسلم بالكافر" (٥)، ولقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم" (٦). وأما النظر: فلكون القصاص مبني على تكافؤ الدماء وتساويها في الحرمة، ولا شك أن دم الكافر غير مكافئ لدم المسلم أصلًا. فإذا ثبت [ذلك] (٧) فلا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله عمدًا، فإنه تكون

стр. 4162

عليه الدية في ماله حالّة. فإن كان المقتول يهوديًا أو نصرانيًا فديتهما نصف دية الحر المسلم، وهو مذهب مالك ﵀ أن دية الكتابي نصف دية المسلم؛ رجالهم على النصف من دية رجال المسلمين، ونساؤهم على النصف من دية نساء المسلمين، ودية جراحاتهم تابعة لدية النصف. وأما المجوس: فإن دية رجالهم ثمانمائة درهم، ودية نسائهم أربعمائة درهم، وجراحاتهم في دياتهم على قدر جراحات المسلمين من دياتهم، خلافًا للشافعي الذي يقول: إن دية اليهودي والنصراني [على الثلث من] (١) دية الحر المسلم، وخلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: إن دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم. وعلى مذهب مالك ﵀ أن [من] (٢) قتله عمدًا يؤدي نصف دية الحُرِّ المسلم إن كان المقتول يهوديًا أو نصرانيًا؛ إن كان من أهل الإبل، فنصف دية المربعة اثنا عشر بعيرًا ونصف بعير من كل جنس، وإن كان من أهل الذهب فنصف دية فخمسمائة دينار، وإن كان من أهل الورق فستة آلاف درهم، وإن كان المقتول يهودية أو نصرانية فنصف دية رجالهم على هذا الحساب. وإن كان المقتول مجوسيًا فديته ثمانمائة درهم إن كان القاتل من أهل الورث يؤديها، فإن كان من أهل الذهب [فعليه] (٣) ستة وستون دينارًا [وثلثا دينار] (٤)، وإن كان من أهل الإبل [فعليه ستة] (٥) أبعرة وثلثا

стр. 4163

بعير، وجراحاته على حساب [هذا] (١). وإن كان المقتول مجوسية فديتها على نصف دية الرجل المجوسي. وذلك كله حال في مال الجاني. فإن جنى عليهم خطأ، فالدية على ما وصفنا وفسرنا؛ فما بلغ من ذلك ثلث الجاني أو المجني [عليه] (٢)، فإن العاقلة تحمله، ولا يكون في مال الجاني، وديات اليهود، والنصارى، والمجوس رجالهم ونساؤهم، فإن العاقلة تحملها، وتنجم [عليها] (٣) في ثلاثة أعوام. وهذا كله قول ابن القاسم في أول "كتاب الديات" من "المدونة". وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنى بعضهم على بعض، فلا تخلو الجناية أيضًا من أن تكون عمدًا أو خطأ. فإن كانت عمدًا، فإن أولياء المجني [عليه] (٤) يمكنون من القصاص في النفوس والجروح، ويقتل الكافر بالكافرة، والكافرة بالكافر؛ لتساوي الدماء وتكافئها. فإن كان خطأ وكانت الجناية قتلًا، فالدية على عاقلة القاتل، وكذلك إن كانت الجناية فيما دون النفس مما يبلغ ثلث دية الجاني، أو المجني عليه، فإن العاقلة تحمله كجناية الرجل على المرأة أو المرأة على الرجل. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنوا على غيرهم من

стр. 4164

المسلمين، فلا يخلو من أن تكون جناياتهم عليهم عمدًا، أو تكون جناياتهم عليهم خطأ. فإن كان جناياتهم عليهم عمدًا، فإنه يقتص منهم للمسلم على ما ذكرنا في النفس، وفيما دون النفس. والذكران والإناث في ذلك سواء. فإن كانت جناياتهم عليهم خطأ، فالدية على عاقلة الجاني في النفس، وفيما دون النفس مما يبلغ ثلث دية الجاني أو المجني [عليه] (١) على ما فسرناه آنفًا. ودية الأجنة على دية أمهاتهم كالحرة المسلمة. وأما دية المرتد إذا قتل قبل أن يستتاب، فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا دية [له] (٢). والثاني: أن ديته دية المجوسي. والثالث: أن ديته دية أهل [الدِّين الذي ارتد إليه، والحمد لله وحده] (٣).

стр. 4165

المسألة الثانية في العاقلة التي عليها حمل الدية والكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول: الفصل الأول: في معرفة العاقلة وحدها. والثاني: في معرفة من تحمل عنه العاقلة. والثالث: في القدر الذي تحمله العاقلة من الدية وكيفية توظيفها عليها. فأما الفصل الأول: في معرفة العاقلة وحدها: والعاقلة: عشيرة الرجل وقومه، وهو قوله في النوادر. فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الجاني من أن يكون من أهل ديوان أو من أهل القبائل المنقطعين. فإن كان من أهل ديوان، فإنهم يعقلون عنه؛ لأن أهل ديوان يعقل بعضهم عن بعض، وإن جمعهم الديوان من قبائل متفرقة. والديوان عبارة عن زمام يجمع أفراد [الأجناد] (١) وآحاد من شعوب وقبائل على عطاء يخرج لهم من بيت المال في أوقات معلومة لما وجب عليهم من سد الثغور، وربما استعدوا له من النكاية والظهور. فإن ضاق الحل بأهل الديوان حتى لا يقدروا على تحمل الدية إلا زحفًا، هل يستعينوا بمن ليس معهم في الديوان من قومه أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون أمر الديوان قائمًا أو [يكون قد] (٢) انقطع.

стр. 4166

فإن كان قائمًا وعطاؤه جار على المعهود، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن جرائر الجاني موقوفة عليهم، ولا تتعدى إلى غيرهم ممن ليس معهم في الديوان من قومه. وهو قول أصبغ في "المدونة"، ورواية أشهب في "العتبية". والثاني: أنهم إذا اضطروا إلى من ليس معهم في الديوان من قومهم أعانوهم، وهو قول مالك في المجموعة، قال: وقد تأخر العطاء وقيل الديوان حتى ضاعت العقول. فإن كان الديوان قد انقطع، فالدية على عاقلته من قومه، وقد تعاقل الناس قبل الديوان، وما كان الديوان إلا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. فأما الوجه الثاني: إذا كان الجاني من القبائل المنقطعين فإن الدية على فخذه إن كان فيهم محمل الدية، وإلا ضم إليهم أقرب القبائل، فإن لم يحملوا أيضًا ضم أقرب القبائل إليهم هكذا أبدًا حتى يحملوا بضم الأقرب فالأقرب، والقرب المعتبر [القرب] (١) بالقرابة لا بالجوار، وهو قوله في "النوادر". فإن ضاقوا عن تحملها ذرعًا , ولم يقووا عليها [إلا بضم] (٢) غيرهم إليهم مثل أن يكون الجانى من أهل القرار، وعجز قومه [الذين] (٣) بالقرار عن تحملها, وله عصبة بالبادية، هل [يستعين] (٤) بهم أهل القرار على تحمل الجناية أم لا؟.

стр. 4167

فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جميع قومه وعشيرته أهل حاضرة واحدة. والثاني: أن يكونوا أهل حواضر. والثالث: أن يكونوا أهل بادية وحاضرة. فإن كانوا أهل حاضرة واحدة، وليس لهم في غيرها قرابة، ولا عشيرة، فلا خلاف أن الدية مقصورة عليهم بسقوطها على قدر حالهم. وكذلك الحكم أيضًا إذا كانوا أهل بادية وليس لهم في الحاضرة قرابة، ولا عشيرة. فإن كانوا أهل حواضر، فهل يقتصر بالدية على من تواضع الجاني في الحاضرة التي فيها مثواه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الدية قاصرة على قبيلة الذي ثوى معهم في حاضرته، ولا يتعدى بها إلى غيرهم ممن يسكن حاضرة أخرى من عشيرته. فإن لم يكن بها من قومه من يحملها لقلتهم ضم إليهم أقرب القبائل إليهم ممن [هو] (١) ساكن [بتلك] (٢) [الحاضرة] (٣) وهي رواية أصبغ عن أشهب في الدية وجبت على قبيل بالفسطاط أنه لا يدخل فيها إلا من ثوى بالفسطاط من قريب، ومعلوم أن بأنظار الفسطاط من القرى والحواضر ما لا يحصى كثرة، وحكمها كلها حكم الفسطاط في جنس المالية. والثاني: أن الدية يتعدى تحملها إلى قوم الجاني، وإن كان سكناهم

стр. 4168

بحاضرة أخرى إذا ضعف عن تحملها من سكن [مع] (١) الجاني بحاضرته من قومه، وهو قول أشهب أيضًا في [مدونته] (٢) على ما حكاه عنه أصبغ، وهو قول ابن القاسم في "الموّازية"، وهو الصحيح؛ لأن العاقلة إذا كانت أهل الحواضر فقد تجانس المال وسلم من أن يؤدي في دية واحدة إبلا وعينًا, ولا أدري لقول أشهب وجهًا في المنع. فإن كانوا أهل حاضرة وبادية، هل يضم بعضهم إلى بعض أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يضم بعضهم إلى بعض، ولا يعقل البدوي مع الحضري كان الجاني في الحاضرة أو البادية؛ إذ لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يعاقل البدوي مع الحضري، وهو قول أشهب، وعبد الملك في "كتاب ابن الموّاز"، ورواه ابن وهب عن مالك في "كتاب ابن سحنون". ووجه القول الأولى: أن الدية مبنية على جنس واحد؛ ولذلك جعل على أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق، وعلى أهل الإبل الإبل، ولو جاز تبعيضها لأدَّى كل إنسان مما عنده و [لرجع] (٣) في ذلك إلى القيمة. ووجه القول الثاني: أن [الدية] (٤) مبنية على المشاركة والمعاونة والمواصلة، وقد يضاف إلى القبيل من ليس منهم مع تباعدهم إذا كانوا في

стр. 4169

مصر واحد؛ فبأن يضاف إلى أهل الحاضرة من أهل البادية [من هو] (١) ومن عصبة الجاني وإخوته أولى وأحرى، ولا مضرة على المجني [عليه] (٢) في تبعيض أصناف الدية كما لو قتل رجلًا رجلان: أحدهما من أهل البادية وهم أهل البادية، والآخر من أهل العين لكان على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية على حسب ما هو عليه. وعلى القول بأن البدوي يعقل مع الحضري فلا يخلو من أن يكونا متناصفين أو يكون أحدهما أكثر من الآخر. فإن كانا متناصفين فالدية عليهما أنصافًا يحمل كل فريق من ذلك ما هم أهله، وهو قول أشهب وعبد الملك في "كتاب ابن سحنون"، فإن كان أحد الصنفين أكثر من الآخر هل يكون الأقل تبعًا للأكثر أو يؤدي كل صنف مما هو [ماليتهم] (٣). فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الأقل تبع للأكثر؛ فإن كان أهل العمود أكثر كانت الدية كلها إبلًا يؤدي معهم [منها] (٤) أهل القرى ما عليهم إبلًا، وإن كان أهل القرار أكثر، فالدية عين [كلها] (٥) يؤدي أهل العمود ما يلزمهم منها عينًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز". والثاني: أن الأقل مستقل بحكمه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هم أهله كما أن الأكثر مستقل بنفسه، فيؤدي صاحبه من ذلك ما هو أهله، وهو

стр. 4170

قول قياسي كأحد أقاويل المذهب في الزرع إذا كان سقيه جاء بالسيح والنضح. واختلف في الجاني هل يؤدي مع [العاقلة] (١) أم لا، على قولين: أحدهما: أنه يؤدي معهم وهو كرجل منهم، وهو قول مالك في "الموازية" و"المجموعة" , وهو أحد أقواله في "المدونة". والثاني: أنه لا يؤدي معهم شيئًا، وهو قول بعض أصحابنا على ما نقله [القاضي] (٢) أبو الوليد الباجي، وهذا القول قائم من "المدونة" أيضًا من "كتاب الصلح". وسبب الخلاف: هل الدِّية على العاقلة في الخطأ بالأصالة، أو إنما هي على القاتل، ثم انتقلت إلى العاقلة بحكم، وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف الواقع في "كتاب الصلح" في الدِّية، هل تحملها العاقلة باعتراف القاتل أو لا؟ فإذا ثبت ذلك فالعاقلة على [قسمين] (٣): ذكور وإناث؛ فالإناث لا مدخل لهن في تحمل الدية بوجه، وهو نص قول مالك في "المجموعة"، وغيرها؛ لأنهن لسن من أهل التعصيب والنصرة. والذكور على وجهين: بوالغ، وغير بوالغ؛ فغير البوالغ كالإناث فلا مدخل لهم في العاقلة حتى يبلغوا. والبوالغ على وجهين: عقلاء ومجانين؛ فالمجانين كالصبيان والإناث، والعقلاء على وجهين: الموالي وغير الموالي؛ فالموالي على وجهين: موالي الأعلى، وموالي الأسفل؛ فالمولى الأعلى يعقل عن مولى الأسفل بلا خلاف؛ لأنه عصبته، ومولى
следующие страницы →