← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فمن رأى أنه ليس من شروط صحتها قال: [لأنه] (١) ليس في تقديم ما هو في وقتها أكثر من تأخير الثانية عن وقتها، وذلك لا يمنع صحتها، وهي رواية مُطَرِّف وعبد الملك بن الماجِشُون عن مالك. والجواب عن القسم الثالث: في ترتيب ما فات [وقتها] (٢) مع ما هو في [وقتها] (٣) هل يبدأ بالفوائت أو يبدأ بما هو في [وقتها] (٤)؟ فالمذهب على أربعة أقوال (٥): أحدها: أنه يبدأ بالفوائت على ما هو في [وقتها] (٦) قلَّت أو كثرت إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة، وهو قول محمد بن مسلمة -من أصحاب مالك [﵁] (٧). والثاني: أنه يبدأ بالتي حضر وقتها، وإن كانت المنسية صلاة واحدة، وهو قول ابن وهب -من أصحاب مالك أيضًا. والثالث: أنه مخير بالتبدئة بالفوائت أو بالتي حضر وقتها، وهو قول أشهب، [قال] (٨): وذلك واسع لاختلاف أهل العلم في ذلك. والرابع: [بالتفصيل] (٩) بين أن تكون [المنسيات] (١٠) يسيرة أو كثيرة.

стр. 457

فإن كانت يسيرة بدأ بهن على الحاضرة وإن خرج وقتها. وإن كانت كثيرة بدأ بالتي [حضر وقتها] (١) وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (٢). وعلى القول بالتفصيل بين [اليسير والكثير] (٣)، [فما] (٤) حد [اليسير] (٥) من [الكثير] (٦): فتحصيل المذهب أن لَّا خلاف في الأربعة أنها في حيز اليسير، ولا خلاف في الستة أنها في حيز الكثير. واختلف في الخمس هل هي في حَيِّز اليَسِير أو حَيِّز الكثير؟ [فالمذهب] (٧) على قولين: أحدهما: أن الخمس في حيز اليسير، وهو مذهبه في "المدونة" (٨) لأنه قال: الصلاتين [والثلاثة] (٩) وما قَرب [من ذلك] (١٠). فما قرب [من ذلك] (١١) هي [الخمس] (١٢)، وهي رواية ابن سحنون عن أبيه (١٣).

стр. 458

والثاني: أن الخمس في حَيِّز الكثير، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في غير "المدونة" (١). فوجه القول الأول: أنه عدد لا تتكرر فيه الصلاة؛ فكان في حيز القليل كالاثنين والثلاث. ووجه القول الثاني: أن الترتيب في [الصلاة] (٢) مقيس على الترتيب في الركعات، وأكثرها أربعًا. ومن أصحاب المذهب من حكى ذلك إجماعًا؛ فقال: الأصل يقتضي تبدئة الفوائت -قلّت أو كثرت- لقوله [﵇] (٣): [من نام عن صلاة أو نسيها] (٤) فليصلها [إذا] (٥) ذكرها؛ فإن ذلك وقت لها (٦). و [الصلوات] (٧) من ألفاظ العموم، إلا أن الإجماع خصص من هذه الصلوات الكثيرة، وبقى الحديث مستعملًا في اليسير. فإن أراد بالصلوات الكثيرة هاهنا، ما إذا اشتغل بقضائها استغرق الزمان حتى لا يتفرغ للتي حضر وقتها؛ مثل من عليه [صلاة] (٨) أعوام فيسلم له الإجماع. وإن أراد بالكثيرة دون ما [قدرناه] (٩) [بحيث] (١٠) لو اشتغل بها

стр. 459

لفرغ منها، واستدرك بعد ذلك وقت الحاضرة: فالخلاف فيه في المذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنه يبدأ بالحاضرة [إن] (١) كان الوقت متسعًا للجميع، فإذا صلاها صلى الفوائت، فإن فرغ منها، وقد بقى من الوقت شيء أعاد التي صلى في الوقت استحبابًا، وهو قوله في "المدونة" (٢). والثاني: أنه يبدأ بالفوائت إذا كان يفرغ [منها] (٣) ويدرك [الظهر] (٤) في وقت الصلاة المفروضة، وهو قوله ابن حبيب. والثالث: أنه يبدأ بالفوائت، وإن كان لا يدرك وقت الحاضرة إلا عند الاصفرار، وهي رواية [ابن] (٥) أبي زيد عن ابن القاسم (٦). والرابع: أنه يبدأ بهن، وإن كان لا يدرك وقت الحاضرة إلا عند الغروب، وهي رواية سحنون (٧). وسبب الخلاف: في أصل المسألة هل يشبه القضاء بالأداء في الترتيب أم لا؟ وهل الترتيب في الأداء مُعتبر بالزمان [أو] (٨) مُعتبر بالفعل؟ فمن رأى أن الترتيب مُعتبر بالزِّمان قال: لا يفعل إلا مرتبًا؛ لاختصاص [الصلوات] (٩) بأوقاتها وأزمانها؛ لم يَقِس القَضَاء على

стр. 460

الأَدَاء؛ لأن القضاء ليس له وقت مخصوص. ومن رأى أن الترتيب في [الصلوات] (١) مُعتبر بالفِّعل، وإن اتَّحد الزَّمان، كالجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما: شَبَّه القضاء بالأداء، أو قَاسَه عليه، ومن رأى وجوب الترتيب من جهة الزمان لا من جهة الفعل, لقوله [﵇] (٢) "فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقت لها" (٣) فجعل وقت المنسية وقت الذكر، فذلك طمع في غير مطمع، والحلول بواد غير ذي زرع؛ لأنه إن كان وقت الذكر وقتًا للمنسية فهو بعينه وقت للحاضرة. فلم يبق إلا اعتبار الزمان من جهة الجملة، لا من قوله ﵇ [ق/ ٤٦ أ] "فإن ذلك وقت لها" (٤)، فمن ضرورة اعتبار الزمان [وجوب] (٥) الترتيب؛ كالترتيب الذي يوجد في [أجزاء] (٦) الصلاة الواحدة. وهذا أشْبَه وَأَبْيَن، وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخش فوات وقت الحاضرة -على الخلاف الذى قدمناه في ذلك الوقت ما هو أَبْيَن [على خلاف ما احتج به] (٧) ابن حبيب وغيره بحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ صلى يوم الخندق أربع صلوات مرتبًا؛ لأنه صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء في وقت العشاء، ثم طاف

стр. 461

[علينا] (١) فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم" (٢) ﵃، وأرضاهم. الجواب عن القسم الرابع: في ترتيب الفوائت مع ما فعل في وقته من الصلوات؛ مثل أن يصلي ثم يذكر صلوات نسيها، فإن فرغ منها بعد الغروب [فلا] (٣) خلاف في المذهب أنه لا يعيد الظهر. فإن فرغ منها وقد بقى وقت صلاة الظهر: فإنه يعيدها في الوقت. وهل ذلك إيجابًا أو استحبابًا؟ ففي المذهب قولان؛ والمشهور: أنه يعيد على معنى الاستحباب. وهذا الباب فروعه كثيرة ومسائله متشعبة لكنها مذكورات في [شروحات المذهب] (٤) فأغنى ذلك عن ذكرها، وإنما الغرض في هذا المجموع تحصيل ما يُحتاج إلى تحصيله. فصل [وأما] (٥) المتروكات عمدًا، فهل تقضى أم لا؟ فمذاهب فقهاء الأمصار: [رضوان الله عليهم] (٦): أنه إثم، وأن القضاء عليه واجب.

стр. 462

وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنها لا تقضى، وأنه مأثوم. ومثار الخلاف في هذه المسألة ينبني على قاعدتين: إحداهما: [إثبات جواز القياس] (١) في الشرع. والثانية: قياس العامد على الناس إذا سلم جواز القياس. وأما جواز القياس في الشرع: فجمهور المسلمين على جوازه ووقوعه، وقد استعمله النبي ﷺ [و] (٢) الصحابة [من] (٣) بعده، والعلماء، إلى هَلُم جَرّا. والرَّدُ على مُنْكريه مُحَال على فَنّ الأصول (٤). وأما القاعدة الثانية: [وهي] (٥) قياس العامد على الناسي؛ لأن الناسي محل الإجماع، فهل يقاس عليه العامد أم لا؟ فبين العلماء قولان: وينبني الخلاف: على الخلاف في وجوب القضاء على الناسي هل هو من باب التَّغْليظ أو من باب الرفق والرخصة فمن رأى أنه من باب التغليظ [يقول] (٦) بجواز القياس؛ لأن العامد أولى بأن نُورد عليه بالتغليظ من الناسي، فيجوز القياس لأن ذلك من باب أولى. ومن رأى أن ذلك من باب الرِّفق والرُّخصة [يقول] (٧): لا يقاس

стр. 463

عليه العامد؛ لأن الناسي معذور بالنسيان والعامد مختار للترك، فلا جمع ولا مناسبة ولا إحالة [بينهما؛ لأن العمد والنسيان ضدان، والضدان لا يصلح الجمع بينهما إنما يقاس الأشبه على الأشبه؛ لأن الشيء يأوي إلى شبيهه] (١) وينحو عن ضده، ولاسيما على القول بأن القضاء إنما يجب بأمر متجدد لا بأمر الأداء؛ فعلى هذا يكون العامد مأثومًا ولا يجزئه القضاء؛ لأن قصده إلى ترك الصلاة بغير عذر من أعظم المآثم كيمين الغموس التي هي أعظم من أن تُكَفَّر، والله الموفق للصواب.

стр. 464

المسألة السادسة فى السهو فى الصلاة والسهو في الصلاة ينقسم [على] (١) قسمين: السهو عنها جملة، أو السهو عن بعضها. فأما السهو عنها جملة: ففي المسألة التي فرغنا منها آنفًا. وأما السهو عن بعضها، وفي أثنائها فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها لا يجوز فيه سجود السهو؛ وهي الفرائض. وقسم منها لا يجب فيه سجود السهو؛ وهي الفضائل. وقسم منها يشرع فيه سجود السهو؛ وهي السنن. وإن قوله ﵇ [ق/ ٣٦ جـ] "في كل سهو سجدتان" (٢) ليس على عمومه، والصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، فجميع أفعالها فرض [حاشا] (٣) ثلاثة: رفع اليدين في الإحرام، والتيامن في السلام، والجلسة [الوسطى] (٤)، واختلف في الرابع، وهو الرفع من الركوع، قيل: إنه فرض، وقيل: إنه سنة. وسبب الخلاف: ما قدمناه [في غير هذه المسألة] (٥). وجميع أقوالها سنة وفضيلة [حاشا] (٦) ثلاثة: الإحرام [في الصلاة

стр. 465

] (١) وقراءة أم القرآن، والسلام، وهذا على المشهور [والساهي لا يخلو من أن يكون إمامًا أو فذًا، فإن كان مأمومًا فهو يحمله عنه الإمام، وسهو الإمام يلزم من شهد معه ممن لم يسه معه] (٢). وقد حَصَّل بعض المتأخرين القول في هذا الوجه بعبارة سديدة وَمَعَان مُفِيدة، وقال: كل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهوًا لهم، وإن فعلوه، وكل ما [لا] (٣) يحمله الإمام، فلا يكون سهوه سهوًا لهم إذا فعلوه إلا في النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنهم إذا فارقوه في النية والإحرام لم يدخلوا معه في الصلاة. فإن كان فذًا فلا يخلو سهوه من وجهين: أحدهما: أن يكون سهوًا يوقن به. والثاني: أن يكون سهوًا يشك فيه. فالذي يوقن به على وجهين: زيادة ونقصان، والذي يشك فيه أيضًا على وجهين: زيادة ونقصان، فهذه أربعة أوجه: وقد يجتمع في السهو اليقين بزيادة ونقصان في الصلاة الواحدة، وقد يشك فيهما جميعًا، وقد يشك في الزيادة ويوقن بالنقصان، وقد يشك في النقصان، ويوقن بالزيادة، فهذه أربعة أوجه أيضًا [فصارت المسألة] (٤) ودارت على ثمانية أوجه: فالجواب عن الوجه الأول: وهو السهو بالزيادة: لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون في الأفعال.

стр. 466

والثانى: أن يكون في الأقوال. فإن كان في الأفعال: فلا يخلو أيضًا من وجهين: إما أن يكون من جنس أفعال الصلاة، أو من غير جنسها. فإن [كان] (١) من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يزيد في [عدد] (٢) ركعات [الصلاة] (٣) فلا يخلو ما زاده من أن يكون مثل صلاته أو أقل. فإن زاد مثل صلاته؛ مثل أن يصلي الظهر ثماني ركعات، أو صلى صلاة هي ركعتان أربعًا: فلا خلاف -أعلمه- في المذاهب أن صلاته باطلة، وأنه يعيدها, ولا يجزئ عنه السجود [وقد قيل: بجواز صلاته: وهي رواية مطرف عن مالك، ورواية عيسى عن ابن القاسم على ما ذكره الشيخ أبو الحسن اللخمي، والقاضي أبو الفضل واستقرأ بعض المتأخرين فيمن شفع وتره ساهيًا: أنه قال: يسجد بعد السلام، وهذا الاستقراء ذكره أبو الفضل] (٤) [فإن] (٥) زاد دون المثل؛ مثل أن يزيد ركعة على أربع، أو على ثلاث: فلا خلاف في المذهب أيضًا أنه يجزئه السجود. واختلف فيمن صلى وزاد نصف صلاته، أو صلى المغرب خمس ركعات، هل يسجد أو يعيد؟ على قولين (٦): أحدهما: أنه يعيد، وبه قال ابن كنانة، وابن نافع، وعبد الملك.

стр. 467

والثاني: أن السجود يجزئه ولا يعيد، وهو قول مُطَرِّف، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وروى مثله عن ابن القاسم. وسبب الخلاف: [هل] (١) الاعتبار بِقلة السّهو وكثرته، أو الاعتبار بعدد الركعات المُزَادَة؟ فمن رَاعَى اعتبار قِلَّة السَّهو وكثرته كان ينبغي له [أن لا] (٢) يُفَرِّق بين زيادة الرّكعة ولا [الركعتين] (٣)؛ لأن زيادة الركعة على صلاة هي ركعتان سهو كثير [وزيادة ركعتين على صلاة هي أربعة سهو كثير] (٤) وإلى هذا ذهب عبد الملك في "النوادر" (٥). ومن اعتبر عدد الركعات المزادة، ورأى أن النصف في حيز الكثير، فلا فرق عنده بين [النصف] (٦) [وغيره] (٧)؛ لأن ركعة من الصبح كركعتين من الظهر مثلًا؛ لأن اعتبار مجرد [الجزئية تقييد] (٨) محض يفتقر إلى دليل، فلو أن الشَّارع قَيّد الزِّيادة بهذا القَدْر كان علينا الإذعان له سمعًا وطاعة؛ فكيف وهو من أقاويل العلماء المجردة عن المعاني الدالة على غرض [الشارع] (٩) صاحب الشريعة [ ﷺ ] (١٠) فإن كان ذلك من [غير] (١١)

стр. 468

جنس أفعال الصلاة: فلا يخلو أيضًا من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك كثيرًا. والثاني: أن يكون يسيرًا. فإن كان كثيرًا، مثل أن يأكل أو يخيط ثوبه، فيطول ذلك: فصلاته باطلة ولا يجزئه السجود. فإن كان يسيرًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: [أحدها:] (١) أن يكون مما يجوز له فعله في الصلاة. [والثاني: أن يكون] (٢) مما يكره له فعله في الصلاة. والثالث: أن يكون مما لا يجوز له فعله في الصلاة. فالأول: مثل أن يَمُر بين يديه الحية والعقرب، فَيُرِيدَاه فيقتلهما وهو ناس أنه في الصلاة: فهذا لا سجود عليه، [وصلاته] (٣) مجزئة. والثاني: أن يمر بين يديه حية أو عقرب، وهما لا يريدانه، فهل يسجد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يسجد. والثاني: أن صلاته جائزة، ولا سجود عليه. والثالث: مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيأكل أو يشرب، ولا يطول ذلك: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن صلاته فاسدة ويعيدها.

стр. 469

[والثاني: أن صلاته جائزة، ويسجد بعد السلام] (١). [والقولان] (٢) قائمان من "المدونة": [فإن] (٣) كان في الأقوال: فلا يخلو من وجهين أيضًا: أحدهما: أن يكون من جنس أقوال الصلاة. والثاني: أن يكون من غير جنسها. فإن كان من جنس أقوالها: مثل أن يقرأ السورة مع [أم القرآن] (٤) في الركعتين الأخيرتين، أو يذكر الله فيما بين السجدتين على معنى السهو، فهل يسجد أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٥): أحدهما: أن يسجد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة": إذا قدم أُمّ القرآن على التكبير في صلاة العيدين. والثاني: أنه لا سجود عليه، وهو ظاهر قوله في [كتاب] (٦) الصلاة لأول: إذا قدم السورة على أم القرآن [ق/ ٢٣ ب]. فإن كانت من غير جنسها سجد بعد السلام. فهذا حكم الزيادة [في الصلاة] (٧) على طريق السهو.

стр. 470

وأما الزيادة فيها على طريق العَمْد: فإن كانت من الأفعال التي هي من جنس أفعال الصلاة، أو في الأقوال التي ليست من جنس أقوال الصلاة، مثل أن يزيد في صلاته ركعة أو سجدة عامدًا، أو تكلم عامدًا بغير إصلاح صلاته: فصلاته باطلة بالاتفاق من غير اعتبار بالقلة أو بالكثرة. ولو كانت في الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يناول بيده شيئًا، أو دفعه عمدًا: فصلاته باطلة في الكثير دون القليل. وإن كانت في الأقوال التي هي من جنس أقوال الصلاة؛ مثل أن يكبر أو يهلل أو يُسَبِّح في غير محله، فقيل: إن صلاته باطلة، وقيل: إنها جائزة. وأما السهو في النقصان: فلا يخلو من أن يكون في الأقوال أو في الأفعال. فإن كان في الأفعال، مثل نسيان الجلسة الأولى: فإنه يسجد [لها] (١) قبل السلام، وتجزئه صلاته. فإن كل في الأقوال؛ كقراءة السورة التي مع أم القرآن، أو ثلاث تكبيرات فأكثر: فإنه يسجد [ق/ ٤٧ أ] قبل السلام [أيضًا] (٢). واختلف إذا نسى تكبيرة واحدة، أو سمع الله لمن حمده [مرة واحدة] (٣) أو التشهد، هل يسجد أم لا؟ [فالمذهب (٤) على قولين منصوصين في "المدونة" (٥):

стр. 471

أحدهما: أنه يسجد. والثاني: أنه لا يسجد، وتجزئه صلاته. وسبب الخلاف: تكبيرات الصلاة، هل كل تكبيرة سنة على حالها، أو جملة [التكبير] (١) سنة واحدة؟ فمن رأى أن كل تكبيرة منها سنة قال: يسجد في الواحدة، وما كثر يعيد منه الصلاة؛ لكثرة السهو. ومن رأى أن جملة التكبير سنة: لم ير السجود على من ترك تكبيرة واحدة. فهذا حكم النقصان على طريق السهو. وأما على طريق العمد: فلا يخلو من أن يترك سنة، أو سننًا. فإن ترك سنة واحدة عامدًا، كالسورة التي مع أم القرآن، أو ترك الإقامة: فقيل: يستغفر الله، ولا شيء عليه، و [قيل] (٢) يعيد أبدًا. [وقيل: يسجد قبل وهذا القول نقله ابن الجلاب وهو غريب فى المذهب] (٣). وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كتارك الفرض أم لا؟ فإن كانت سننًا: فإنه يعيد الصلاة فصل وأما إذا اجتمعت عليه الزيادة والنقصان: فلا خلاف أن أحد السهوين داخل في الآخر.

стр. 472

وإنما الخلاف [فيمن] (١) يغلب هل قبل أو بعد؟ [فالمذهب] (٢) على قولين [قائمين] (٣) من المدونة: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام، وهو المشهور من المذهب، وهو قوله في "المدونة" (٤) فيمن سها فصلى نافلة [أربع ركعات] (٥) قال: يسجد قبل السلام؛ لأنه زاد ونقص؛ والزيادة: الركعتان، والنقصان: هو الجلوس على ركعتين. والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة فيمن سها فصلى نافلة خمس ركعات، [فقال] (٦) ابن القاسم: يسجد بعد السلام. والقولان منصوصان عن مالك فى "العتيبة" (٧). وينبني الخلاف: على الخلاف في أصل سجود السهو، هل السجود كله قبل السلام -وهو مذهب الشافعي (٨) - أو السجود كله بعد السلام -وهو مذهب أبي حنيفة (٩) - أو التفصيل بين الزيادة: فيسجد فيه بعد السلام، وفي النقصان: فيسجد فيه قبل السلام -وهو مشهور مذهب مالك ﵀. ولأحمد بن حنبل [﵀] (١٠) وأهل الظاهر فيها كلام غير هذا

стр. 473

وتغالى عبد العزيز بن أبي سلمة حتى قال: يسجد سجودين؛ للنقص سجدتان، وللزيادة سجدتان، والذي قاله مخالف للنقل، وموافق لدليل العقل. وأصح المذاهب في ذلك مذهب مالك ﵀؛ لأنه استعمل جميع أحاديث السهو، واستعمال الأحاديث مهما أمكن أولى [من الطرح] (١)؛ لأن الطرح فيما لم يثبت فيه نسخ يؤدي إلى تعطيل كلام صاحب الشريعة، ولا يفترق اليقين بالسهو مع الشك فيه إلا في موضعين: أحدهما: إن شك في [الزيادة الكثيرة في أفعال الصلاة] (٢) فإنه يجزئ فيه [السجود] (٣) باتفاق. بخلاف الذي يوقن بالزيادة الكثيرة، وقد قدمنا البيان في ذلك في أول المسألة. والموضع الثاني: أن الذي يكثر عليه السهو في الصلاة بخلاف [من] (٤) يكثر عليه الشك في السهو؛ لأن الذي يكثر عليه السهو لابد له من الإصلاح. وإنما اختلف المذهب في [سجود] (٥) السهو عليه، فقيل: يسجد، وقيل: لا يسجد. والذي يكثر عليه الشك في السهو يلهى عنه، [ولا ينبني] (٦) على

стр. 474

يقين، ويسجد للسهو قبل أو بعد على حسب اختلاف [أحوال] (١) السهو من زيادة أو نقصان. فهذا تحصيل المذهب في مسائل السهو على الجملة، ونحن نقتفي مسائل الكتاب مسألة بعد مسألة إن شاء الله تعالى.

стр. 475

المسألة السابعة إن نسي السجود من الأولى والركوع من الثانية، أو نسي السجود من الأولى وذكره وهو في الثانية فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يذكر وهو قائم في الثانية. والثاني: أن يذكر وقد رفع من ركوعها. فإن ذكر، وهو قائم في الثانية: فلا خلاف أنه يرجع إلى إصلاح الأولى. فإن ذكر وقد رفع من ركوعها: فلا خلاف أيضًا أن الأولى باطلة، وعادت الثانية أول صلاته. فإن ذكر وهو راكع [ق/ ٣٧ جـ] في الثانية هل يرجع إلى إصلاح الأولى، أو تكون الأولى فاسدة؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١): أحدهما: أن الأولى باطلة، والثانية أول صلاته. والثاني: أنه يرجع إلى إصلاح الأولى ويبنى عليها. والقولان عن مالك. قال ابن المواز (٢): المصلي مخير بين أن يمضي على التي هو فيها، أو

стр. 476

[يعود] (١) إلى إصلاح الأولى. ويعد هذا القول قول ثالث في المسألة؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال؛ القولان الأولان مبنيان، والثالث تردد. وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟ وعلى القول بأنه يرجع إلى إصلاح الأولى ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية، فهذا لا يخلو من أن ينسى سجدة واحدة أو سجدتين. فإن كان نسى سجدتين فهل يخر ساجدًا من الركوع أو يرفع حتى يستوي قائمًا ثم ينحط إلى السجود؟ فالمذهب على القولين: [أحدهما: أنه يخر ساجدًا من الركوع. والثاني: أنه لا ينحط إلى السجود وحتى يستوي قائمًا] (٢). وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان، هل هي لازمة أو غير لازمة؟ فإن نسي سجدة واحدة: فإنه لا يعود إلى القيام؛ لأنه قد كان انحط إلى السجود من قيام، هكذا قال أبو الحسن اللخمي وغيره من متأخري المذهب؛ فكأنه يرى أن الرجوع إلى القيام بعد الركن زيادة مستغنى عنها، فلا يجوز له التعمد إليها. واختلف هل ينحط إلى السجود أو يجلس ثم يسجد؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":

стр. 477

أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد السجدة [التي بقيت عليه] (١)، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الصلاة الثاني" (٢) في [الذي] (٣) ترك [السجدة] (٤) من الركعة، وقد قرأ أو ركع، ولم يرفع من الركعة التي تليها، قال: يرجع فيسجد السجدة التي نسى. قال بعض الشيوخ: هذا يدل على أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد من جلوس. والثاني: أنه يخر ساجدًا ولا يرجع إلى الجلوس، وهو ظاهر قوله في "المدونة": فيمن ركع في الثانية، وقد نسى السجدة من الأولى، قال: يترك ركوعه الذي هو فيه، ويخر ساجدًا لسجدته التي نسى. وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه -وهو الحركة إلى الأركان- هل هي لازمة أم لا؟ وأما إذا نسى السجود من الأولى، والركوع من الثانية وأتى بسجودها، هل يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتكون ركعة كاملة يبنى عليها أم لا؟ فعلى قولين قائمين من "المدونة" (٥): أحدهما: أنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى؛ وعَلَّل بأن نيته في

стр. 478

السجود إنما كانت للركعة الثانية، وهو نص ابن القاسم [في المدونة] (١). والثاني: أنه يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتصح له ركعة يبنى عليها. وهو قول محمد بن مسلمة فيمن سهى عن سجود [الرابعة] (٢) وأتى بسجدتين من سهو دخل عليه في صلاته قبل السلام، ثم ذكر أنه [لم] (٣) يسجد في الرابعة أن سجدتي السهو تجزآنه عن سجود الرابعة، فإذا كانت تجتزئ بسجدتي السهو عن سجدتي الركعة الواجبة كان سجود الثانية أحرى أن يجزئ عن سجود الأولى؛ لأنه فرض عن فرض، [وذلك] (٤) نفل عن فرض. وسبب الخلاف: هل يفتقر المصلي إلى تجديد النية لكل رُكن من أركان الصلاة، أو النية [الأولى] (٥) [منسحبة] (٦) على جميع أركان الصلاة؟ فمرة رأى مالك أن المصلي يفتقر إلى تجديد النية لكل ركن. وهو قوله في هذه المسألة؛ لأن نيته إنما كانت للركعة الثانية. ومرة أخرى أن النية [الواحدة] (٧) [مُنْسَحِبَة] (٨) على جميع [أفعال] (٩) الصلاة.

стр. 479

وهو قوله في "باب قصر الصلاة" (١) في المسافر إذا افتتح على الإتمام، ثم بدا له فَسَلّم من ركعتين: لم تجزئه صلاته؛ لأن صلاته على أول نيته، وهذا ظاهر لا إشكال فيه على من شد طرفًا من معاني المدونة. فعلى القول بأنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى: فإنه يسجد سجدتين يُحيى بهما الركعة الأولى، ويسجد بعد السلام؛ لأنه لم يحل بينه وبين إصلاحها عمل. فإن قرأ وسجد ونسى الركوع، أو ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود، فإن نسى [الركوع] (٢) وذكر وهو ساجد: فإنه يرجع إلى الركوع. واختلف في كيفية الرجوع على قولين: أحدهما: أنه يرجع قائمًا ثم يركع. وهي رواية أشهب عن مالك. والثاني: أنه يرجع [محدوبًا] فيطمئن راكعًا، ثم يرجع، وتجزئه. وأما إن ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود: فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الصلاة، ولا يكلف الرجوع إلى القيام، وهو قول مالك [في العتبية] (٣)؛ بناء على أن الرفع سنة. والثاني: أنه يرجع إلى القيام معتدلًا كالرافع من الركوع، وهو قول ابن حبيب.

стр. 480

والثالث: أنه لا يرجع ويتمادى على صلاته ويعيد، وهو قول مالك مرة أخرى، مراعاة للخلاف ولعدم الترجيح. وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟ [والحمد لله وحده] (١).

стр. 481

المسألة الثامنة فى الإمام إذا سها فصلى خامسة فلا يخلو من معه من ثلاثة أوجه: إما أن يتبعوه كلهم. أو يجلسوا كلهم، ولم يتبعه أحد منهم. أو يتبعه قوم وجلس قوم. فإن تبعوه كلهم: فلا يخلو حالهم من ثلاثة أوجه: حالة يتساوون معه في السهو. وحالة يكونون فيها على يقين من تمام الصلاة كلهم. وحالة يسهو بعضهم كسهوه، وبعضهم على يقين من تمام صلاتهم. فإن سهوا كلهم سهوه [ق/٤٨ أ] فاتبعوه: فلا إشكال في صحة الصلاة وجوازها، وأنهم فعلوا ما يجب عليهم. فإن تمادوا على اتباعه بعد علمهم بتمام صلاتهم: فلا يخلو من أحد وجهين: أحدهما: أن يتبعوه [عمدًا] (١) على معنى التأويل، أو [على] (٢) غير تأويل. فإن اتبعوه على غير تأويل: فلا خلاف في بطلان صلاتهم وصحة

стр. 482

صلاة الإمام. فإنهم متأولون في اتباعه أن عليهم اتباع الإمام: فالمذهب على قولين: [أحدهما] (١): أن صلاتهم جائزة، ويعذرون بالتأويل، وهو قول سحنون (٢). والثاني: أن صلاتهم فاسدة، ولا يعذرون بالتأويل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو أحد أقاويل سحنون أيضًا. فإن اختلفت أحوالهم؛ فبعضهم سهى لسهوه، وبعضهم اتبعوه عمدًا: فصلاة الساهين جائزة، وصلاة العامدين باطلة -على الخلاف الذي قدمناه في التأويل إذا تأولوا. فإن جلسوا ولم يتبعه أحد منهم: فلا يخلوا جلوسهم من أن يكون على يقين منهم [في تمام] (٣) الصلاة، أو على شك. فإن [كان] (٤) على يقين: فلا خلاف في [صحة صلاتهم] (٥) وأنه لا يجوز لهم الرجوع إلى يقين الإمام [ويتركوا يقينهم. واختلف في الإمام] (٦) هل يترك يقينه ويرجع إلى يقين القوم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه [يبنى على] (٧) يقين نفسه، ولا يرجع إلى يقين القوم،

стр. 483

وهو المشهور. والثاني: أنه يرجع إلى يقين القوم إذا [كانوا] (١) عددًا كثيرًا، وحكاه ابن الجلاب. والأصح أنه لا يرجع إلى يقينهم، إلا أن يُخَالجه رَيْب فيجب عليه الرجوع إلى يقين القوم؛ لأن السهو والغلط من الجماعة أبعد [عنهم] (٢) من الواحد؛ ولذلك رجع النبي ﷺ إلى يقين القوم [في حديث ذي اليدين لما أخبروه بصحة ما قال ذو اليدين، فَخَالَجَه رَيْبٌ في يقينه فرجع إلى يقين القوم] (٣). فإذا [كان] (٤) كل واحد منهم على [بصيرة] (٥) من أمره [حقيق] (٦) من شأنه: وجب على كل واحد منهم أن يعمل على ما في يقينه، ولا يجوز لواحد منهم أن يرجع إلى ترك يقينه، والرجوع إلى يقين غيره، ويترك يقينه، وهذا هو الأصل الذي عليه الاعتماد، وهكذا ذكر الشيخ ابن أبي زيد في ["النوادر" (٧)] (٨). وإليه يرجع ما في المدونة إذا اعتبرته. فإن جلسوا على شك من تمام صلاتهم: فصلاتهم باطلة باتفاق المذهب.

стр. 484

فإن جلس قوم، واتبعه قوم: فصلاة الجالسين جائزة إن جلسوا على يقين، وصلاة من اتبعه باطلة إن اتبعوه على طريق العمد. فلو أنه لما فرغ من الخامسة، وسلم قال: إنما كنتُ تركتُ سجدة من الأولى: أما من جلس: فإن [جلسوا] (١) على يقين: فصلاتهم جائزة، وإن داخلهم الشك بعد ذلك فصلاتهم فاسدة. وأما الذين اتبعوه [وسهوا بسهوه فصلاتهم جائزة؛ لأنهم اتبعوا في ذلك: حكم الإمام وأما الذين اتبعوه] (٢) على طريق العمد: إن أيقنوا بتمام الصلاة: فصلاتهم فاسدة [إلا أن يتأولوا] (٣) على الخلاف في التأويل. ولو صلى خامسة فأتبعه من بقيت عليه ركعة: فإن علم أنها خامسة: بطلت صلاته، ويبتدئها من أولها. وإن لم يعلم فإنه يقضي ركعة ويسجد بعد السلام إذا فرغ من القضاء كما يسجد إمامه. ولو قال الإمام كنتُ أسقطت سجدة من الأولى لأجزأت من اتبعه ممن فاته ركعة، وهذا قول مالك في "كتاب ابن المواز" (٤) [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 485

المسألة التاسعة فيمن ذكر سجود السهو فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يذكر ذلك في غير الصلاة. والثاني: أن [يذكرها] (١) وهو في الصلاة. فإن [ذكر ذلك] (٢) في غير الصلاة، وكان السجود قبل السلام أو بعده إذا كان مما لا تعاد منه الصلاة إن نسيه حتى [عاد] (٣) بعد السلام، فهل يفتقر إلى إحرام أم لا؟ فالمذهب على [ثلاثة أقوال] (٤): [أحدها] (٥): أنه يحرم [لهما] (٦) كانتا [من] (٧) قبل أو بعد في الأصل، وهو قول مالك، وبه قال ابن الجلاب. والثاني: أنه لا إحرام لهما جملة، وهو قول مالك في كتاب محمد. والثالث: التفصيل بين ما كان [قبل أو بعد] (٨)؛ فما كان بعد في

стр. 486

الأصل فيحرم [لما كان عن قبل، ولا يحرم لما كان بعد] (١)، وهو قول ابن المواز. وهكذا السلام [منها] (٢) يبنى على الإحرام؛ لأن السلام تحليل، [والتحليل] (٣) يفتقر إلى سابقة التحريم. واختلف أيضًا في التشهد لهما؛ فقيل: يتشهد لهما قبل أو بعد، وهو قول ابن القاسم. وقيل: يتشهد فيما [كان] (٤) بعد، ولا يتشهد فيما [كان] (٥) قبل. وهو قول عبد الملك [وقيل: يجب التشهد فيما كان بعد ويستحب فيما كان قبل، وهو قول ابن عبد الحكم] (٦). وسبب الخلاف: مفهوم أحاديث السهو؛ كحديث [أبي] (٧) جحيفة، وحديث ذي اليدين، فظاهر الأحاديث [ومفهومها] (٨) أنه لم يتشهد، ولم يكبر؛ لأنه لم يذكره في الحديث. ولا خلاف أنهما يفتقران إلى الطهارة. وهذا الخلاف أيضًا يتخرج على الخلاف في سجود السهو، هل هو فرض أو سنة؛ فالشافعي يرى أنه سنة، وأبو حنيفة يرى أنه فرض خارج

стр. 487

عن شروط صحة الصلاة، وفرق مالك بين سجود السهو للأقوال وسجود السهو للأفعال، وبين الزيادة والنقصان من الأفعال والأقوال. أما سجود السهو الذي بعد السلام: فإنه أصل بلا خلاف في [مذهب] (١) مالك [﵀] (٢) أنه مندوب إليه. [وأما سجود السهو] (٣) الذي قبل السلام فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سنة واجبة، وأنه إن ترك السجود لهما حتى تطاول: أعاد الصلاة سواء كانت عن فعل أو عن قول، وهو ظاهر قول مالك فى المدونة [وهو نص قول ابن القاسم في كتاب ابن الجلاب ولا خلاف] (٤) فيمن سهى عن ركعة أو سجدة أو عن سجدتي السهو قبل السلام [فطال] (٥) ذلك فليعد الصلاة. فساوى بين من نسى سجدتي السهو أو ركعة، ولم يفصل من أي شيء كان سجوده. والثاني: أنهما غير واجبتين ولا إعادة عليه في تركهما -كانتا من قول أو من فعل- وهو قول ابن عبد الحكم. والثالث [ق/ ٣٨ جـ]: التفصيل بين أن يترك الجلوس على ركعتين أو ترك قراءة أم القرآن من ركعة واحدة: فتبطل صلاته. وإن كانتا من غير هاتين: فلا تبطل صلاته، وهو قول مالك في كتاب

стр. 488

ابن المواز. وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، أو كان بعد السلام هل يجبر بهما الشيء، [أو] (١) إنما هو ترغيم للشيطان؟. فمن رأى أنه جبر صلاته قال بوجوبها وتعاد الصلاة بتركها إذا كانتا قبل السلام. ومن رأى أنهما ترغيم للشيطان قال: لا تبطل الصلاة بتركهما، وهو اختيار اللخمي ﵁. وأما إن ترك سجود السهو وهو في الصلاة: فلا يخلو من أن يكون قبل السلام أو بعد السلام، فإن كان بعد السلام: فإنه يتمادى على صلاته، ولا تأثير للذكر فيها، كانت فرضًا أو نفلًا، كان السجود من فرض أو نفل. وإن كان قبل السلام: فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون قبل السلام من فريضة، فذكره وهو في فريضة. أو ولا يكون من نافلة [فذكره] (٢) وهو في نافلة أخرى. أو من فريضة وهو في نافلة. أو من نافلة وهو في فريضة. والأقسام كلها في المدونة. وأما الوجه الأول: وهو أن يكون قبل السلام من فريضة [فذكره] (٣) وهو في فريضة أخرى: فلا يخلو من وجهين:

стр. 489

أحدهما: أن يذكر ذلك قبل الطول. والثاني: أن يذكره بعد الطول. فإن كان قبل الطول: فهل يرجع إلى إصلاح صلاته الأولى، أو يتمادى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يرجع إلى إصلاح الأولى، وينقض ما كان فيه بغير سلام. وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (١). والثانى: أن الأولى باطلة بنفس الإحرام في الثانية، ويقطع ما هو فيه، ويرجع إلى إعادة الأولى، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" [فيمن] (٢) سهى عن شيء من فروض صلاته، ولا فرق بين أن يسهى عن ركعة أو عن سجدتي السهو. وقد قال في المدونة فيمن سهى عن ركعة أو عن سجدة أو عن سجدتي السهو، وقد قال في المدونة قبل السلام، فطال ذلك فإنه يعيد، فساوى بين الركعة أو سجدتي السهو. والثالث: أنه يتمادى على الثانية، ولا تبطل الأولى، فإذا فرغ منها سجد للسهو قبل السلام وهو قول ابن عبد الحكم. وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، هل هو فرض أو سنة؟ فمن رأى أنه [فرض أو أنه] (٣) ركن كالركعة والسجدة: فقال يرجع

стр. 490

إلى إصلاح صلاته [الأولى] (١) ما لم يطل. ومن رأى أنه سنة لا تأثير له في بطلان الصلاة: يقول: يتمادى على الثانية. ومن قال: لا يرجع إلى إصلاح [الصلاة] (٢) وإن لم يطل، بل يقطع ويرجع إلى الإعادة يرى أن الإحرام ركن كالركعة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوضوء" في "الرعاف". وإن كان ذلك بعد الطول في القراءة، أو ركع فهل يتمادى على الثانية [كما قال ابن عبد الحكم] (٣) أو تفسد عليه الأولى، والثانية، وهو قول ابن القاسم. أما فساد الأولى: فلأجل الطول الحائل بينه وبين إصلاحها. وأما فساد الثانية: فلذكر الصلاة فيها. فإن [ذكر] (٤) ذلك بعد ما صلى ركعة فهل [ق/ ٢٤ ب] يتمادى إن كانت نفلًا أو يشفعها إن كانت فرضًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يقطع، وهو نص قول مالك في النافلة في "كتاب الصلاة "الأول"] (٥). والظاهر من قوله في الفرض فيمن افتتح صلاة الظهر، فذكر صبح

стр. 491

يومه: أن صلاته فاسدة، فإذا كانت فاسدة فلا يؤمر بأن يشفع إذا كان على وتر منها (١). والثاني: أنه يتمها إن كانت نفلًا، ويشفعها إن كانت فرضًا، وهو استحباب من ابن القاسم في كتاب الصلاة الثاني من المدونة. وقول ابن القاسم: يشفعها أحب إلىّ، إشارة إلى الخلاف. وأنه يجوز [له] (٢) القطع على ركعة واحدة. فإن [كان] (٣) بعد ركعتين: فإنه يقطع بسلام -على قول- ويتمادى على قول. وإن كان بعد ثلاث ركعات هل يتمها أربعًا، أو يقطع بعد ثلاث؟ قولان منصوصان في "كتاب الصلاة [الثاني من المدونة وإلى المساواة بين هذه المسألة ومسالة "كتاب الصلاة الأول"] (٤) فيمن ذكر صلاة في صلاة (٥). ذهب أكثر شيوخ المذهب إلى أن ذلك اضطراب من القول؛ لأن قوله في [ق/ ٤٩ أ] أحد السؤالين يلزم في الآخر، وهذا هو المشهور. وبعضهم يحمل ما في [الكتابين] (٦) على اختلاف السؤال، وقالوا: لا ينبغي أن يختلف قوله [بعد] (٧) ركعة في الفرض والنفل، ولا بعد

стр. 492

ثلاث في الفرض أنه يشفع في مسألة السهو لاتساع الوقت فيها بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاة؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، وهذا الذي قاله ليس بالبين، والأول أظهر [وأجرى] (١) على قانون الكتاب. وهكذا الجواب في الوجه الآخر إذا ذكرها من فرض وهو في نفل. والوجه الثالث: إذا ذكرها من نافلة وهو في نافلة، فإن كان قبل أن يتطاول أو ركع: قطع بغير سلام، ويرجع إلى الإصلاح على مذهب ابن القاسم (٢). وإن كان بعد الطول، أو بعد الركوع، وبعد انعقاد الركعة قولان؛ هل يتمها أو يقطع؟ وبعد الركوع وقبل الرفع قولان. وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو الرفع منها أو وضع اليدين على الركبتين؟، وهو أيضًا في الفرض والنفل. واختلف الأشياخ في حكم الطول على ظاهر "المدونة" أعني طول القراءة -هل هو كما لو ركع؟ فيدخله الخلاف، هل يأتي بركعتين كما لو ذكر بعد ركعة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى ظاهر "المدونة": أن الطول كالركوع من كل وجه مما تحتمله المسألة. وبعضهم [يقول] (٣): لا يتساويان من كل وجه في المسألة؛ وإنما يتساويان من حيث أن ذلك حائل يحول بينه وبين إصلاح الأولى خاصة،

стр. 493

وهذا أبعد عن ظاهر الكتاب [لمن تأمله] (١). وأما الوجه الرابع: إذا ذكر ذلك من نافلة، وهو في فريضة، هل يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقِصر ولا بالركوع أم لا؟ فالذي يتخرج في المسألة قولان: أحدهما: أنه يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقصر، وهو ظاهر قوله في المدونة: إن كان قريبًا رجع إلى صلاته إن كانت فريضة ونقض ما كان فيه. ومفهومه: إن كانت نافلة لا يرجع إليها من الفريضة -قرب أو بعد؛ إذ لا يبطل الأعلى بالأدنى. والثاني: أنه يفصل فيها بين القُرب والبُعد كما فصل في الفريضة، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" أيضًا حيث ساوى بين الركعة وسجدتي السهو، وهو نص ابن عبد الحكم في غير المدونة فيمن ذكر سجدة من نافلة [في صلاة الفرض] (٢) بعد ركعة أو ركعتين: أنه يعود إليها فيصليها بسجدة ثم يتشهد ويُسَلِّم. وقال القاضي [أبو الفضل] (٣) في الفرق بين الفرض والنفل (٤): وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى، والخلاف لازم [في] (٥) المسألة التي أوردناها، والأمر كما ترى وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 494

المسألة العاشرة إذا جهر فيما يُسرُّ فيه، أو أسر فيما يجهر به فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ناسيًا. والثاني: أن يكون عامدًا. فإن كان ناسيًا، وأسر فيما يجهر فيه: فقد نقل أبو الحسن اللخمي في المذهب قولين: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام -وهو المعروف- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١). والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية أشهب عن مالك فيما حكاه (٢). وهذا القول غير معروف في النقل، ولا له وجه أيضًا، إلا أن يقال: إنه زاد الإسرار. فإن جهر فيما يسر فيه ناسيًا: فقد قال في "المدونة" (٣): فإن كان شيئًا يسيرًا مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، ونحوهما الآية: فلا سجود عليه. وإن كان كثيرًا فإنه يسجد بعد السلام، وهو قوله في "المدونة". فإن كان عامدًا: مثل أن يسر فيما يجهر فيه عامدًا، فهل يعيد أم لا؟

стр. 495

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١) فأطلق، وقال عيسى بن دينار: يعيد وإن ذهب الوقت. والثاني: أنه يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه. وإن جهر فيما يسر فيه عامدًا: فعلى القولين: أحدهما: أنه يعيد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ لأن هذا عابث. وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" (٢)، في الإمام إذا مَرَّ بقرية لا يجمع فيها لصغرها فجمع بهم الجمعة، حيث قال: فأما الإمام ومن معه من المسافرين، فإنهم يصلون ركعتين [فأمر لهم] (٣) بالإعادة، وهم إنما يعيدونها ركعتين في الصلاة التي صلوها ركعتين، ولم [يذكر] (٤) هناك شيء يوجب الإعادة سوى زيادة الجهر خاصة. والثاني: أنه لا سجود عليه، ويستغفر الله، ولا شيء عليه، وهو ظاهر قول ابن نافع في المسألة التي استدللنا بها أنهم لا يعيدون؛ لا الإمام ولا المسافرون. وسبب الخلاف: اختلافهم في تارك السنن [عامدًا] (٥) هل يعاقب [بفساد العبادة التي هو فيها أم لا يعاقب] (٦) بفسادها ويكون منه مأثومًا،
следующие страницы →