← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يومه: أن صلاته فاسدة، فإذا كانت فاسدة فلا يؤمر بأن يشفع إذا كان على وتر منها (١). والثاني: أنه يتمها إن كانت نفلًا، ويشفعها إن كانت فرضًا، وهو استحباب من ابن القاسم في كتاب الصلاة الثاني من المدونة. وقول ابن القاسم: يشفعها أحب إلىّ، إشارة إلى الخلاف. وأنه يجوز [له] (٢) القطع على ركعة واحدة. فإن [كان] (٣) بعد ركعتين: فإنه يقطع بسلام -على قول- ويتمادى على قول. وإن كان بعد ثلاث ركعات هل يتمها أربعًا، أو يقطع بعد ثلاث؟ قولان منصوصان في "كتاب الصلاة [الثاني من المدونة وإلى المساواة بين هذه المسألة ومسالة "كتاب الصلاة الأول"] (٤) فيمن ذكر صلاة في صلاة (٥). ذهب أكثر شيوخ المذهب إلى أن ذلك اضطراب من القول؛ لأن قوله في [ق/ ٤٩ أ] أحد السؤالين يلزم في الآخر، وهذا هو المشهور. وبعضهم يحمل ما في [الكتابين] (٦) على اختلاف السؤال، وقالوا: لا ينبغي أن يختلف قوله [بعد] (٧) ركعة في الفرض والنفل، ولا بعد

стр. 492

ثلاث في الفرض أنه يشفع في مسألة السهو لاتساع الوقت فيها بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاة؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، وهذا الذي قاله ليس بالبين، والأول أظهر [وأجرى] (١) على قانون الكتاب. وهكذا الجواب في الوجه الآخر إذا ذكرها من فرض وهو في نفل. والوجه الثالث: إذا ذكرها من نافلة وهو في نافلة، فإن كان قبل أن يتطاول أو ركع: قطع بغير سلام، ويرجع إلى الإصلاح على مذهب ابن القاسم (٢). وإن كان بعد الطول، أو بعد الركوع، وبعد انعقاد الركعة قولان؛ هل يتمها أو يقطع؟ وبعد الركوع وقبل الرفع قولان. وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو الرفع منها أو وضع اليدين على الركبتين؟، وهو أيضًا في الفرض والنفل. واختلف الأشياخ في حكم الطول على ظاهر "المدونة" أعني طول القراءة -هل هو كما لو ركع؟ فيدخله الخلاف، هل يأتي بركعتين كما لو ذكر بعد ركعة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى ظاهر "المدونة": أن الطول كالركوع من كل وجه مما تحتمله المسألة. وبعضهم [يقول] (٣): لا يتساويان من كل وجه في المسألة؛ وإنما يتساويان من حيث أن ذلك حائل يحول بينه وبين إصلاح الأولى خاصة،

стр. 493

وهذا أبعد عن ظاهر الكتاب [لمن تأمله] (١). وأما الوجه الرابع: إذا ذكر ذلك من نافلة، وهو في فريضة، هل يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقِصر ولا بالركوع أم لا؟ فالذي يتخرج في المسألة قولان: أحدهما: أنه يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقصر، وهو ظاهر قوله في المدونة: إن كان قريبًا رجع إلى صلاته إن كانت فريضة ونقض ما كان فيه. ومفهومه: إن كانت نافلة لا يرجع إليها من الفريضة -قرب أو بعد؛ إذ لا يبطل الأعلى بالأدنى. والثاني: أنه يفصل فيها بين القُرب والبُعد كما فصل في الفريضة، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" أيضًا حيث ساوى بين الركعة وسجدتي السهو، وهو نص ابن عبد الحكم في غير المدونة فيمن ذكر سجدة من نافلة [في صلاة الفرض] (٢) بعد ركعة أو ركعتين: أنه يعود إليها فيصليها بسجدة ثم يتشهد ويُسَلِّم. وقال القاضي [أبو الفضل] (٣) في الفرق بين الفرض والنفل (٤): وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى، والخلاف لازم [في] (٥) المسألة التي أوردناها، والأمر كما ترى وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٦).

стр. 494

المسألة العاشرة إذا جهر فيما يُسرُّ فيه، أو أسر فيما يجهر به فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ناسيًا. والثاني: أن يكون عامدًا. فإن كان ناسيًا، وأسر فيما يجهر فيه: فقد نقل أبو الحسن اللخمي في المذهب قولين: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام -وهو المعروف- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١). والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية أشهب عن مالك فيما حكاه (٢). وهذا القول غير معروف في النقل، ولا له وجه أيضًا، إلا أن يقال: إنه زاد الإسرار. فإن جهر فيما يسر فيه ناسيًا: فقد قال في "المدونة" (٣): فإن كان شيئًا يسيرًا مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، ونحوهما الآية: فلا سجود عليه. وإن كان كثيرًا فإنه يسجد بعد السلام، وهو قوله في "المدونة". فإن كان عامدًا: مثل أن يسر فيما يجهر فيه عامدًا، فهل يعيد أم لا؟

стр. 495

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١) فأطلق، وقال عيسى بن دينار: يعيد وإن ذهب الوقت. والثاني: أنه يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه. وإن جهر فيما يسر فيه عامدًا: فعلى القولين: أحدهما: أنه يعيد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ لأن هذا عابث. وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" (٢)، في الإمام إذا مَرَّ بقرية لا يجمع فيها لصغرها فجمع بهم الجمعة، حيث قال: فأما الإمام ومن معه من المسافرين، فإنهم يصلون ركعتين [فأمر لهم] (٣) بالإعادة، وهم إنما يعيدونها ركعتين في الصلاة التي صلوها ركعتين، ولم [يذكر] (٤) هناك شيء يوجب الإعادة سوى زيادة الجهر خاصة. والثاني: أنه لا سجود عليه، ويستغفر الله، ولا شيء عليه، وهو ظاهر قول ابن نافع في المسألة التي استدللنا بها أنهم لا يعيدون؛ لا الإمام ولا المسافرون. وسبب الخلاف: اختلافهم في تارك السنن [عامدًا] (٥) هل يعاقب [بفساد العبادة التي هو فيها أم لا يعاقب] (٦) بفسادها ويكون منه مأثومًا،

стр. 496

[أو] (١): يستغفر الله، ولا شيء عليه [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 497

المسألة الحادية عشر إذا قام من [اثنتين فى نافلة] (١) فإنه يرجع ما لم يركع في الركعة الثالثة، ويسجد بعد السلام [وإن ذكر وهو راكع في الثالثة فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنه يرجع إلى الجلوس، ويسجد بعد السلام. والأخرى: أنه يتمادى إلى أربع. وسبب الخلاف: ما تقدم في غير هذه المسألة] (٢). فإن ذكر بعد أن [رفع رأسه] (٣) صلى أربعًا ويسجد بعد السلام. فإن سهى حتى صلى خامسة: [فإنه يرجع ولا يأتي] (٤) بسادسة، ويسجد بعد السلام؛ لأن النافلة في قول بعض العلماء [أربع] (٥) [وأما في] (٦) قول مالك: فركعتان، وهذا نص المدونة. وفي رواية [أخرى] (٧): يسجد ولم يفسر لا قبل ولا بعد؛ فاختلف المفسرون والمتأولون في تأويل ما وقع في المدونة؛ فمنهم من جعله اختلاف أقوال، ومنهم من جعله اختلاف سؤال، ومنهم من جعله اختلاف أحوال، ومنهم من جعله أوهام وأغاليط، لِمَا أدخل على المذهب من

стр. 498

الإشكال. [فأما] من جعله اختلاف أقوال: فيحمل عنده على اختلاف من قول مالك في السهو إذا اجتمعت فيه الزيادة [والنقصان] (١) على ما له في "العتبية" من القولين: أحدهما: أنه يسجد قبل. والثاني: أنه يسجد بعد. وهي رواية زيادة عنه أيضًا، وبيانه: أن ذلك اختلاف قول أن الزيادة والنقصان في الكتابين؛ لأنه إذا صلى نافلة أربعًا بتسليمة واحدة نقص السلام وزاد ركعتين؛ إذ الواجب عليه أن يسلم على كل شفع. وربما استدل قائل هذا بقول ابن القاسم في الكتاب، وكان يفرق بين الفريضة في هذا والنافلة؟ قال: نعم (٢). ولا يتبين الفرق بين الفريضة والنافلة في القائم إلى خامسة، وانتهى إلا في نقص السلام [ق/ ٣٩ جـ] خاصة؛ [لأنه في] (٣) الفريضة معه زيادة محضة، ومعه في النافلة زيادة ونقص وهو السلام من اثنتين. ولو كان لأجل نقص الجلوس -كما قال بعضهم- لما افترقت الفريضة والنافلة، وإلى هذا التأويل ذهب أبو محمد بن أبي زيد في "رسالته" (٤)، وابن شبلون، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأما القائلون بأنه اختلاف سؤال: فحملوا على أنه جواب على مذهب

стр. 499

من يرى النافلة أربعًا؛ فحمل قوله: إنه يسجد قبل السلام، إذا صلى أربعًا على أنه ترك الجلوس على الركعتين الأوليين؛ لأنه نقص. وفي السؤال الثاني زاد ركعة، وجلس على ركعتين، فاختلف الجواب لاختلاف السؤال. واحتج لتأويله هذا بقوله في الكتاب؛ لأن النافلة إنما هي أربع من قول بعض العلماء، وإلى هذا التأويل أشار ابن أبي زمنين. قال بعض المتأخرين: هذا التأويل لا يصح؛ إذ لا [يصح] (١) لأحد أن يفتي على مذهب غيره، وإنما يفتي على مذهب نفسه، أو على الاحتياط بمراعاة [خلاف] (٢) غيره عند عدم الترجيح، أو خاف فوات النازلة. وأما أن يترك مذهب نفسه، ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه، فهذا لا يسوغ. ولو أفتى على مجرد قول المخالف في المسألة لما ألزمه سجود السهو في الخامسة، ولا الرجوع عن السادسة؛ إذ قال الشافعي وغيره: يجوز له التنفل بما شاء من العدد شفعًا ووترًا، وإن كان يستحب له مثنى مثنى، وأما الاحتجاج بقوله: "لأن النافلة أربع في قول بعض العلماء" (٣)، وإنما هو حجة للتفرقة بين المسألتين في الإتمام والرجوع، فجعله يتم أربعًا إذا قام [إلى] (٤) الثالثة؛ لأن من أهل العلم من يرى ذلك اختيارًا، وإن كان مالك لا يراه ولم ير له أن يتم ستًا إذا قام لخامسة؛ لأنه لا يقول به

стр. 500

من قال بالأربعة ولا يستحسنه، وإن جاز له فعله إذا وقع، [وهكذا ينبني] (١) الاحتجاج به، والله أعلم. وأما من جعله اختلاف أحوال فيقول: إن القائم إلى خامسة لم ينقص غير السلام، وقد أتى به [بعد] (٢) ذلك، وقد جلس على الاثنتين، وليس معه إلا الزيادة المحضة؛ فلذلك [قال:] (٣) يسجد بعد السلام والمصلي أربعًا، لم يجلس على ركعتين فمعه نقص، وإلى هذا [ذهب] (٤) إسماعيل القاضي، وأبو الحسن القابس، وابن الكاتب، وابن أبي زمنين. وأما من حمله على الأوهام والأغاليط قال: معنى قوله: يسلم ثم يسجد: وهم وغلط، صوابه: ويسجد ثم يسلم، وهو تأويل أبي محمد اللواتي. وهذا كله على الرواية المشهورة أنه يسلم ثم يسجد. وأما الرواية الأخرى: أنه يسجد لسهوه، ولم يفسر، فلا تفريع عليها، وإنما تحمل على الرواية المفسرة، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 501

المسألة الثانية عشرة فى السلام من الصلاة والكلام فيه في أربعة مواضع: الأول: ما حكمه؛ هل هو فرض أو سنة؟ والثاني: في تعيين لفظه. والثالث: في عدده. والرابع: في صفة وقوعه. فأما الأول: هل السلام فرض أو سنة؟ فقد اختلف فيه المذهب -عندنا- على قولين: أحدهما: أنه فرض لا يخرج المصلي من الصلاة إلا به، وهو مشهور المذهب. والثاني: أنه ليس بفرض، وأنه يخرج من الصلاة بالحدث وغيره، وهو قول [ق/ ٥٠ أ] ابن القاسم في "العتبية"، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الوضوء" (١) أيضًا. وقد قال في المأموم إذا رعف بعد التشهد، وقبل سلام الإمام: أنه يخرج فيغسل الدم، ثم يرجع فيسلم. فإن رعف بعد سلام الإمام، وقبل أن يسلم هو: فإنه يسلم، وصلاته تامة فأباح له أن يسلم وهو حامل للنجاسة. وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار.

стр. 502

فأما تعارض [الأخبار] (١): فمنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٢). ويعارضه حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، أن عبد الرحمن بن نافع، وبكير بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" (٣). فمن رجح حديث علي ﵁ قال بوجوب السلام، ولا تصح الصلاة إلا به، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، ولاسيما أن أبا عمر ابن عبد البر ضعَّف حديث الإفريقي، قال: هو عند أهل [النقل] (٤) ضعيف؛ لأنه شيء انفرد به (٥). وأما من جهة الاعتبار: [فلما كان] (٦) الاتفاق [بين] (٧) المالكي

стр. 503

والحنفي على أن التحريم واجب: وجب أن يكون التحليل كذلك. وأما الموضع الثاني في تعيين لفظه، هل يعرف أو ينكر، فعن مالك فيه روايتان: إحداهما: أنه يعرف ولا ينكر، وأنه إن نكر فصلاته باطلة. وهو ظاهر قوله في "المدونة": ولا يجزئ من السلام إلا "السلام عليكم"، ولا من الإحرام إلا "الله أكبر". والأخرى: أنه يجوز أن يُنَكَّر ويُنَوَّن، ويقول: سَلَام [عليكم] (١) وهو سلام أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢). [واتفق أهل المذهب] (٣) أنه لا يجوز أن يقول في الأولى عليكم السلام. وسبب الخلاف: مفهوم قوله ﵇: "وتحليلها التسليم" (٤) هل الألف واللام لبيان الجنس أو للمعرفة؟ فإذا كان بيانًا للجنس: فيجوز نكرة ومعرفة؛ لأن مقصود الشارع ألا يخرج من الصلاة بغير جنس من السلام. وأما من رأى أن الألف واللام للمعرفة، قال: لأن السلام من أسماء الله تعالى، فلا يجوز أن ينكر، وهو المشهور، وهو قول مالك في "السليمانية".

стр. 504

وأما الموضع الثالث: في عدده. وذلك ينقسم بانقسام المصلين؛ وهم ينقسمون إلى فَذّ، وإمام، ومأموم. فأما الإمام: فقد اختلف فيه المذهب هل يسلم واحدة أو اثنتين؛ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسلم واحدة قبالة وجهه ويتيامن قليلًا (١). والثاني: أنه يسلم تسليمتين، وهو [في] (٢) سماع أشهب عن مالك ﵀ (٣). والثالث: التفصيل بين أن يصلي مع الواحد، فيسلم تسليمة واحدة، أو يصلي مع الاثنين، فيسلم تسليمتين، وهي رواية أبي الفرج عن مالك. فإن تأول قول أشهب على رواية أبي الفرج فيكون في المسألة قولان، وإن حملت كل رواية على ظاهرها فيكون في المسألة ثلاثة أقوال: وسبب الخلاف: اختلافهم في سلام النبي ﷺ هل كان يسلم واحدة أو اثنتين؛ فقد خرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ كان يسلم بتسليمتين. قال سعيد: يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه. وأما الفَّذ: فهل يُسلِّم واحدة أو اثنتين؟ فعلى قولين: أحدهما: أنه يُسَلِّم واحدة، وهو المشهور. والثاني: أنه يسلم اثنتين؛ إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره،

стр. 505

وهي رواية ابن وهب عن مالك (١). وعلى القول بأنه يُسَلِّم واحدة ويتيامن قليلًا -وهو الموضع الرابع كيف يسلمها- فالمذهب على قولين: أحدهما: أن سلامه مثل سلام الإمام في أنه يسلم واحدة قبالة وجهه ويتيامن قليلًا، ثم قال: والرَّجُل في خاصة نفسه مثل الإمام، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٢) في الإمام أنه يسلم واحدة ويتيامن قليلًا، والرجل في خاصة نفسه مثل الإمام، وهو ظاهر قول أبي محمد بن أبي زيد في رسالته، فإنه قال: ويسلم تسليمة واحدة؛ يقصد بها قبالة وجهه ويتيامن برأسه قليلًا، هكذا يفعل الإمام، والرجل وحده. وأما المأموم: فهل يسلم تسليمتين أو ثلاثًا؛ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يسلم تسليمتين؛ واحدة يخرج بها من الصلاة. والثانية: يَرُد بها على الإمام، وهو قوله في "المدونة" (٣). فإن كان على يساره واحد: سَلَّم عليه. وعلى هذا القول: إن الثانية ليست بلازمة على كل حال، وإنما هي على حسب اختلاف الأحوال؛ حالة يصلي على يساره فيسلم ثلاثًا؛ وحالة لا يصلي أحد على يساره، فيسلم تسليمتين، وهو القول المشهور. والثاني: أنه يسلم [ثالثة] (٤) لابد منها (٥)، وهو ظاهر قول مالك الأول الذي أخذه عن سعيد بن المسيب: يسلم عن يمينه ثم يسلم على

стр. 506

يساره ثم يرد على الإمام، ثم تركه إلى فعل ابن عمر ﵁. وهل يسلم الأولى تلقاء وجهه ويتيامن قليلًا مثل الإمام على الاتفاق. والفذ على الاختلاف فبين المتأخرين قولان: أحدهما: أنه كالإمام، وبه قال [أبو عبد الله] (١) ابن سعدون. والثاني: أنه [مخالف] (٢) للإمام، وبه قال الباجي وأبو محمد عبد الحق [وهذا كله إذا سلم مع الإمام] (٣). وأما إذا فاته بعض صلاة الإمام: فقضى ما فاته فلا يخلو من وجهين: إما أن يبقى الإمام [والإمام] (٤) في أماكنهم، لم يبرحوا، وإما أن ينصرفوا. فإن بقوا في أماكنهم ولم ينصرفوا: فلا إشكال أن حكمه حكم مَنْ سَلَّمَ مع الإمام. فإن انصرفوا فهل يرد عليهم أم لا؟ فالمذهب على قولين كليهما عن مالك، وهما قائمان من المدونة: أحدهما: أنه يرد عليهم. والثاني: يسلم واحدة، ولا يرد عليهم. وسبب الخلاف: على الخلاف في الذي يقضي بعد سلام الإمام، هل هو باق في حكم الإمام أو هو خارج عنه؟ فمن رأى أنه باق في حكم الإمام قال: يرد عليهم وهو ظاهر قول

стр. 507

مالك في "المدونة" في الذي فاته بعض صلاة الإمام، وقد لزمه سجود السهو بعد السلام: أنه يسجد إذا فرغ من القضاء. ومن رأى أنه خارج عن حكم الإمام قال: إنه لا يرد عليهم، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الذي يقضي بعد سلام الإمام: أنه ينحاز إلى ما قرب من السواري أمامه أو خلفه يستتر بها؛ وهذا بناء [على] (١) أنه [خارج عن] (٢) حكم الإمام؛ إذ لو كان باقيًا في حكمه لما احتاج إلى السترة؛ إذ الإمام سترة لمن خلفه، وسترته سترة لمن خلفه على اختلاف الأقوال في ذلك. واختلف في المصلي إذا سَلَّمَ في آخر صلاته ولا نِيَّة له: على قولين: وسبب الخلاف: هل يفتقر إلى تجديد النية لكل ركن من أركان الصلاة أم النية الأولى [منسحبة] (٣) [عليها] (٤) إلى [آخرها] (٥). واختلف في [المأموم] (٦) إذا سلم عن يساره، ولم يسلم عن يمينه، هل تبطل صلاته أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن صلاته باطلة، وهو قول [القرطبي] (٧) من متأخري المذهب.

стр. 508

والثاني: أن ذلك جائز -فعل ذلك سهوًا أو عمدًا، فذًا كان أو إمامًا أو مأمومًا. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: لأنه إنما ترك التيامن، وهو قول مطرف (١). ولو رَدّ على الإمام قَبْل أَنْ يُسَلِّم لنفسه لسجد بعد السَّلام إذا سَلَّم لنفسه ولو تكلم حينئذ لبطلت صلاته، ولو تكلم بعد سلامه لنفسه، وقبل الرَّد على الإمام: لم تفسد صلاته وتجزئه، وهذا قول ابن حبيب (٢)، وهو المذهب. [وبالله التوفيق وبه العصمة في سلوك سواء الطريق والحمد لله وحده] (٣).

стр. 509

المسألة الثالثة عشر فى الاستخلاف وإذا طرأ على الإمام ما يمنعه [ق / ٤٠جـ] [التمادي على] (١) الإمامة: فله أن يستخلف ويرجع إلى الصف إن كان طرأ عليه [شيء] (٢) مما تجوز [معه الصلاة] (٣) كالمرض الذي يقدر معه على القيام، أو يستخلف ليخرج ويتوضأ وضوءه الشرعي إن كان حدثًا، أو وضوءه اللغوي إن كان رعافًا. والأصل ألَّا يجوز الاستخلاف أصلًا، إلا أن السنة وردت بجواز بطلان ذلك يؤدي إلى وجود إمامين في صلاة واحدة، وذلك موجود في الاستخلاف. إلا أن استخلاف النبي ﵇ أبا بكر ورجوعه إلى الصف بعد حضور النبي ﷺ يدل على الجواز إذا فرضنا على أن النبي ﷺ هو الإمام، وأبو بكر في حكم السمع -وهو المشهور- فإن ثبت ذلك فلا يخلو الإمام إذا أحدث من وجهين: إما أن يستخلف ثم يخرج، أو يخرج ولم يستخلف، فإن استخلف: فينبغي له أن يستخلف في الحالة التي طرأ عليه الحدث فيها، ولا يرفع ولا يخفض حتى يستخلف؛ مخافة أن يتبعه القوم في حركاته، وهو محدث فيكون ذلك مما يبطل عليهم صلاتهم [ق/ ٥١ أ]. ثم لا يخلو الطارئ الموجب للاستخلاف أيضًا من أن يكون مما يصح

стр. 510

البناء معه كالرعاف، أم لا يجوز البناء معه كاللمس وخروج خارج، فإن كان مما يصح له البناء معه كالرعاف، فهل يجوز له الاستخلاف بالقول أو بالإشارة؟ قولان: وسبب الخلاف: هل البناء أولى، أو القطع؟ فإن كان مما لا يجوز له البناء معه كاللمس وغيره: فإنه يجوز له أن يستخلف، أو يقول: يا فلان تقدم فصل بالناس، ولا يضرهم ذلك، وإنما يضرهم أن لو تمادى [ق/ ٢٥ ب] بهم، والاستخلاف في الصلاة من قبيل الجائز، وليس من قبيل الواجب. ولا خلاف أنه لا يجب الاستخلاف على [الإمام في] (١) الإمامة العظمى، فمن باب [الأحرى] (٢) في الإمامة الصغرى، وإنما [يكون ذلك] (٣) من حسن النظر لهم؛ لأنهم ممنوعون من الكلام. واختلف [في المستخلف] (٤) هل يكون إمامًا بنفس الاستخلاف أم لا؟. فَبَيْنَ المتأخرين قولان: أحدهما: أنه يكون إمامًا بنفس الاستخلاف، وهو الذي أشار إليه أبو القاسم بن محرز، وأبو محمد عبد الحق. والثاني: أنه لا يكون إمامًا حتَّى يَقْبَل وَيَقْبَلُه القوم بعد ذلك، وهو الذي اختاره القاضي أبو الفضل، قال: وهو مذهب غيرنا من حُذَّاق المتأخرين، وهو بَيِّن من قول سحنون في الإمام إذا قدم رجلًا فتقدم غيره

стр. 511

وصلى بالناس أنه يجزئهم. وسبب الخلاف: استخلاف الإمام [هل] (١) هو لازم للمأمومين ولا خروج لهم عن ذلك، قال: فإنه يكون إمامًا بنفس الاستخلاف. ومن رأى أنه لا يكون استخلافه لازمًا لهم قال: لا يكون إمامًا بنفس الاستخلاف. وينبغي للإمام أن يستخلف من الصف الذي يليه ولا يستخلف من الثاني و [لا من] (٢) الثالث. فإن استخلف من الذي يليه: فإن المستخلف يتقدم إلى موضع الإمام الأول. فإن استخلف من غيره: فإن [المستخلف] (٣) يصلي بهم [وهو] (٤) في [موضعه و] (٥) لا يتقدم؛ لأن ذلك شغل في الصلاة مستغنى عنه. وينبغي للمستخلف أن يتبع أفعال الإمام، ويقتفي أقواله. قال ابن القاسم في الكتاب: ويجتزئ بقراءة الأول إن كان قرأ، وبتكبيره إن كان كبر. فإن استخلف وهو قائم: فإنه يخر [بهم] (٦) إلى السجود، فإن أحدث وهو ساجد: فإنه يستخلف وهو ساجد، ويرفع بهم المستخلَف. فإن أحدث وهو [راكع] (٧) فهل يرفع ثم يستخلف أم لا؟

стр. 512

فبين المتأخرين قولان (١): أحدهما: أنه يرفع بغير تكبير ثم يستخلف، وهو قول ابن أبي زيد (٢). والثاني: أنه يستخلف وهو راكع قبل أن يرفع، وهو الأصح، وهذا القول أسعد بظاهر الكتاب، فإن كان في صلاة الجهر: فليقرأ الثاني من حيث انتهى الأول. فإن كان في صلاة السر: فإن الثاني يبتدئ أم القرآن من أولها، ومن المتأخرين من قال: [يتحرى] (٣) قراءة الأول. والأول أظهر وأحسن؛ لاحتمال أن يكون المستخلف قد نسى القراءة. فإن استخلف من فاته بعض [صلاته] (٤)، فلا يخلو من وجهين (٥): أحدهما: أن يدرك الإحرام خلفه. والآخر: أن يستخلف قبل أن يحرم. فإن استخلفه قبل أن يحرم: فلا خلاف أن ذلك لا يجوز، وأن صلاة القوم فاسدة إن اقتدوا به. فإن أدرك الإحرام خلفه: فلا خلاف -في المذهب- أن استخلافه يصح. فإذا تم به صلاة المستخلف، ثم قام ليقضي ما بقى عليه، هل ينتظره من كان خلفه حتى يفرغ من القضاء فيسلم بهم؟

стр. 513

فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ينتظرونه حتى يفرغ ويُسَلِّم بهم، وهو قول ابن القاسم في الكتاب (١). والثاني: أنهم يسلمون ولا ينتظرونه؛ قياسًا على أحد الأقوال في صلاة الخوف. والثالث: أنهم يقدمون لأنفسهم من يسلم بهم، وهو قول أشهب (٢). ومثار الخلاف في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: الرخصة هل يقاس عليها أم لا (٣)؟ والثاني: السلام هل هو ركن من أركان الصلاة أم لا؟ فمن رأى أنه ركن قال: عليهم أن ينتظرونه، فإن سلموا قبله بطلت صلاته؛ لأن الصلاة التي استخلف عليها بقى منها ركن. ومن رأى أنه ليس بركن يقول: يجوز لهم ما فعلوا. وكذلك اختلفوا فيما إذا كان في القوم من فاته من صلاة الأول مثل الذي فات المستخلف على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ينتظرونه حتى يقضي، فإذا فرغ وسلم، فعند ذلك يقومون للقضاء. وهو قول ابن القاسم (٤). والثاني: أنهم يقومون إذا قام للقضاء، ويقضون لأنفسهم، وبه قال

стр. 514

سحنون في "المجموعة" (١) حكايته عن بعض الأصحاب، إلا أنه قال: [ثم] (٢) يسلمون بسلامه. والثالث: أنه يجوز [لهم] (٣) أن [يأتموا] (٤) بالمستخلف في القضاء، قياسًا على الأداء. [وهذا القول] (٥) حكاه ابن سحنون عن أبيه، قال: ثم رجع فقال: يعيد أحب إليَّ (٦). وسبب الخلاف: ما قدمناه من السلام هل هو ركن أم لا؟ وسبب آخر: من وجب عليه أن يصلي فذًا فصلى بإمام؛ مثل أن يبتدئ الصلاة وحده فأتمها بإمام، أو ابتداها بإمام فأتمها فذًا، أو وجب عليه أن يقضي فذًا فقضى بإمام، فهل تجزئه صلاته أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه يجوز لمن ابتدأ الصلاة بإمام أن يتمها [فذًا] (٧)، وهو ظهر قول ابن القاسم في الكتاب فيما إذا خرج الإمام ولم يستخلف فصلوا وحدانًا في غير الجمعة، فقال ابن القاسم: صلاتهم جائزة، وقال سحنون: إذا وجب عليه أن يقضي فذًا، فقضى مأمومًا: إن صلاته جائزة (٨).

стр. 515

والثاني: أن صلاتهم لا تجزئهم في [الجميع] (١). واختلف في المُسْتَخْلِف إذا جاء بعد أن توضأ فخرج المُسْتَخْلَف فأتم بهم المُسْتَخلِف بقية الصلاة على قولين: أحدهما: أن ذلك لا ينبغي ابتداء، فإذا وقع ونزل فصلاتهم جائزة، وينتظره القوم حتى يقضي ويسلم [بهم] (٢). وهو قول ابن القاسم في "العتبية": والثاني: أن ذلك لا يجوز لأحد بعد النبي ﷺ . وهو قول يحيى بن عمر، فظاهره: أن صلاتهم باطلة. وسبب الخلاف: هل ذلك من خصائصه ﷺ أم ذلك شريعة عامة؟ وهذا كله إذا اختلف عليهم الإمام قبل أن يخرج فإن خرج ولم يستخلف: فلا [تخلو حالتهم] (٣) من وجهين: أحدهما: أن يستخلفوا لأنفسهم من يصلي بهم بقية صلاة الإمام، فهذا لا خلاف في المذهب في صلاتهم أنها جائزة. فإن استخلف كل طائفة منهم رجلًا يصلي بهم: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن صلاة كل طائفة منهم جائزة. والثاني: أن صلاة من استخلف أولًا جائزة، والأخرى لا تجوز إلا أن يكون [الثاني] (٤) أولى بالإمامة، وهو قول ابن عبد الحكم.

стр. 516

فإن [صلوا] (١) وحدانًا فقولان [أيضًا] (٢): الجواز لابن القاسم، والمنع ["لأشهب" (٣)] (٤). وسبب الخلاف: ما تقدم فيمن لزمه أن يصلي بإمام فصلى فَذًا، أو بالعكس [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 517

المسألة الرابعة عشر فى صلاة الجمعة وفيها خمسة أسئلة: الأول: في وجوبها. والثاني: على من تجب؟ والثالث: الشروط التي تجب بها الجمعة. والرابع: في أركانها. والخامس: في أحكامها. [فهذه جملة أسئلتها] (١). فالجواب عن السؤال الأول: في وجوب الجمعة. وقد اختلف العلماء في وجوبها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها واجبة على الأعيان، وهو مذهب الجمهور. والثاني: أنها من فروض الكفاية. والثالث: أنها سنة، وهي رواية شاذة رويت عن مالك. وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمر المجرد عن القرائن، هل يحمل الوجوب أو على الندب؟ (٢). قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣).

стр. 518

ويؤيد هذا [السبب] (١) تعارض الأخبار؛ فمنها قوله ﷺ : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم" (٢). وقال في حديث آخر: "من ترك الجمعة [ثلاث "مرات" (٣)] (٤) من غير عذر طبع الله على قلبه بطابع النفاق" (٥). [ويعارضه] (٦) قوله ﷺ : "إن هذا يوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا" (٧). فشبهه ﷺ بصلاة العيد التي هي سنة بالاتفاق. فمن رجح أن الأمر على الوجوب؛ إما بصيغة، وإما بقرينة وعيده [﵇] (٨): قال بالوجوب على الأعيان، وهو مذهب الجمهور. ومن رجح قوله ﵇: "إن هذا يومًا جعله الله عيدًا" (٩) قال: إنه سنة. ومن [لاحظ] (١٠) الأمرين، وراعى الجانبين: توسط وقال: إنه

стр. 519

فرض على الكفاية. والجواب عن السؤال الثاني: فيمن تجب عليهم الجمعة؟ فهي واجبة على من وجبت عليه صلاة الخَمْس بزيادة شروط؛ منها [ق/ ٥٢ أ] ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف [فيه] (١). فأما المتفق عليه: فالذكورية، والصحة؛ إذ لا تجب على مريض، ولا على امرأة بالاتفاق. فإن شهدها المريض أو المرأة: فالاتفاق أيضًا أنها مجزئة لهما عن الظهر. وأما المختلف فيه: وهو العبد والمسافر. أما العبد: فالخلاف فيه في المذهب؛ فالمشهور: أنها غير واجبة عليه، وظاهر ما حكاه ابن شعبان في "مختصر ما ليس في المختصر" عن مالك أنها واجبة عليه. وقد سبق الكلام في حكمه في "كتاب الصلاة الأول" بما يغني عن [إعادته] (٢) هاهنا. وأما المسافر: فلا خلاف في المذهب أنها لا تجب عليه، وذهب داود وأصحابه (٣) إلى أنه تجب عليه الجمعة. والاتفاق من الجميع [أنها] (٤) [تصح] (٥) لهما إذا حضراها وتنوب عن الظهر.

стр. 520

وسبب الخلاف: اختلافهم في الأثر الوارد في ذلك؛ وهو قوله ﵇: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة؛ عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" (١). وفي حديث آخر: "إلا خمسة"، وفيه: "أو مسافر"، هل هو حديث صحيح أم لا؟ والحديث غير صحيح عند أكثر العلماء [فمن] (٢) كان في أهلية الوجوب [ق/ ٤١ جـ] فلا يجوز له التخلف عنها إلا لعذر. والأعذار التي يجوز معها التخلف عن الجمعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يبيح له التخلف [بالاتفاق] (٣) كالمرض، والشغل بجنازة ميت إذا خشى عليه التغيير، ولم يجد من يكفيه مؤنته، ويشتغل بتغميض الميت، وهو يجود بنفسه. وقسم مختلف فيه، هل هو كعذر أم لا؛ كالجذماء، والبرصاء؛ لما على الناس من الضرر في مخالطتهم في الجوامع. والعروس مختلف فيه أيضًا. فأما اختلافهم في المطر، فذلك يرجع إلى حالة المطر، وليس ذلك باختلاف يرجع إلى فقه.

стр. 521

وقسم ثالث: متفق عليه أنه ليس بعذر؛ وهو الغريم إذا خشى أن يحبسه الطالب إذا خرج، فإن ذلك ليس بعذر؛ إذ لا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا؛ فإن كان موسرًا: وجب عليه أن يقضي، ومطله ظلم، وإن كان غريمًا فتبين فلسه: فلا يتعرض له، والله تعالى قد أَنْظَرَه إلى مَيْسَرَة. فإن كان مجهول الحال: فالحاكم يجتهد فيه بما يرى، فأي شيء يمنعه الخروج، وأي شيء يبيح له التخلف. والعجب ممن يشير إلى أن له التخلف إذا لم يكن له مال، ويعيب قول سحنون الذي قال: [لا] (١) يجوز له التخلف. فإذا سقط فرض الجمعة عن أصحاب الأعذار وعن عبد أو امرأة أو صبي أو مسافر أو مريض، فإذا حضروها [فهم] (٢) على ثلاثة أصناف: فصنف إذا حضر تجب عليهم وتجب بهم على غيرهم؛ وهم أصحاب الأعذار من الرجال الأحرار كالمعذور بتجهيز الميت أو بتغميضه ولم يجد من يكفيه مؤنته؛ فإذا حضروا وجبت عليهم كوجوبها [عليهم] (٣) قبل العذر. فإذا لم يكن في عدد من سواهم: [من] (٤) تجب عليهم الجمعة إلا بإضافتهم إليهم وجبت عليهم. وصِنْفٌ لا تجب عليهم بعد حضورهم ولا تنعقد بهم؛ وهم الصغار، فإنهم لا تجب عليهم ولا تنعقد بهم على غيرهم إذا لم يكن في عدد من

стр. 522

سواهم من تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم غير مخاطبين. وصِنْفٌ لا تجب عليهم، واختلف هل تنعقد بهم؛ وهم النساء والعبيد، والمسافرون على قولين: أحدهما: أنها لا تنعقد بهم، وهو ظاهر قول سحنون (١) إذا نَفَرَ الناس عن الإمام فلم يبق معه إلا النساء، والعبيد، والمسافرون: فقد قال: لا [يجمع] (٢) إلا أن يبقى معه من الرجال الأحرار المقيمين جماعة تنعقد الجمعة بمثلها دون من ذكرنا، وأن الإمام ينتظروهم إذا كان يطمع برجوعهم حتى لا يبقى من النهار إلا قدر ما يصلي فيه الجمعة، وركعة من العصر، على الخلاف في آخر وقت الجمعة، وسنبينه بعد هذا إن شاء الله. والثاني: أنه تنعقد بهم الجمعة، وهو قول أشهب (٣) في المسألة التي ذكرناها عن سحنون، وقال: ليس بين النساء، والعبيد اختلاف. فوجه قول من قال: تنعقد بهم الجمعة [أن الجمعة] (٤) لما كانت تصح وتنوب عن ظهرهم صح انعقادها بهم؛ لأنهم لما شهدوها صاروا من أهلها. ووجه قول من [قال أن] (٥) الجمعة لا تصح ولا تجب إلا بشروط، والشروط معدومة: لا تنعقد بهم، ولا تصح بهم؛ لأن الصحة فرع عن ثبوت الوجوب، والوجوب لم يتعين فلا يصح الإجزاء، وهذا القول أصح وأظهر، والله أعلم.

стр. 523

والجواب عن السؤال الثالث: وهو شروط الجمعة: ولها ثلاثة شروط؛ منها: شرائط لا تجب إلا بها، وتصح دونها. وشرائط لا تصح إلا بها ولا تجب إلا بها. وشرائط لا [تصح] (١) إلا بها. فأما الشروط التي لا تجب [إلا بها] (٢) وتصح دونها فهي ثلاثة: الذكورية، والحرية، والإقامة؛ لأن العبد، والمسافر، والمرأة لا جمعة على واحد منهم، فمن شهدها منهم أجزأته عن فرضه. وأما الشرائط التي لا تجب إلا بها, ولا تصح دونها، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها: ما هو من شرائط الوجوب خاصة. ومنها: ما هو من شرائط الصحة خاصة. ومنها: ما هو [مختلف فيه هل هو] (٣) من شرائط الوجوب أو الصحة. فأما ما هو من شرائط الوجوب خاصة: وهو موضع الاستيطان -قرية كانت أو مصرًا- إذا عولوا على الاستيطان في ذلك المكان سنة، فصاعدًا. وأما ما هو من شرائط الصحة خاصة: فهي الطهارة، والنية، والأذان -على المشهور في وجوبه؛ لأنه يتعلق به الفرض كالسعي المنوط

стр. 524

بسماع النداء أو ترك البيع؛ فما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب في نفسه، وهذا هو الأظهر عند الأصوليين. وأما ما اختلف فيه، هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط الصحة؛ كالإمام، والجماعة، والمسجد. أما المسجد: فقد اختلف فيه متأخرو المذهب؛ فذهب [الباجي] (١) إلى أن المسجد من شرائط الوجوب، وذهب ابن رشد إلى أنه من شرائط الصحة دون الوجوب، وهو الصحيح إن شاء الله. وفي المذهب قول ثالث أن المسجد ليس من شرائط الصحة، ولا من شرائط الوجوب؛ [ذكره القرويون] (٢) عن أبي بكر الأبهري، وهذا القول متأول على المدونة؛ إذ لم يذكر المسجد في صفة القرية التي تجب على أهلها الجمعة وتصح منهم. ونقل أبو القاسم بن محرز عن سحنون ما يؤيد هذا القول في جماعة من الأسارى في بلاد العدو، وبمثلهم تجب الجمعة، وقد خلَّى العدو بينهم وبين شرائعهم: أنهم يقيمون الجمعة، والعيدين -كانوا في سجن أو خلوا عنهم- فهؤلاء لا مسجد لهم، ولا وجدوه هناك. وينبني الخلاف: على الخلاف في المسجد، هل يسمى مسجدًا قبل البناء، وقبل أن يسقف، أو لا يسمى مسجدًا حتى يبنى ويسقف؟ فمن رأى أنه يسمى مسجدًا قبل البناء، وأن البقعة إذا عينت لبناء مسجد تسمى مسجدًا: قال: هو من شرائط الصحة.

стр. 525

ومن رأى أنه لا يسمى مسجدًا إلا [ما] (١) كان مبنيًا مسقفًا: قال: إنه من شرائط الوجوب؛ إذ قد يعدم مسجد يكون على هذه الصفة. وأما الإمام والجماعة: فالمشهور أنهما من شرائط الوجوب, وقيل: إنهما من شرائط الصحة، والأول أظهر. والفرق بين شرائط الوجوب، وشرائط الصحة: أن [شرط] (٢) الوجوب لا يجب على المكلّف [السعي في حصوله ليتعين عليه الوجوب، ولا يكون مأثومًا بترك ذلك كما لا يجب على المكلف] (٣) أن يَسعى في طلب المال ليحصل عنده النصاب، فتجب عليه الزكاة، أو يسعى في الاستطاعة ليجب عليه الحج إن كان ممن يحتاج إلى زاد وراحلة، فكذلك لا يجب على أهل محلة أن [يتآلفوا] (٤) ليحصل [فيهم] (٥) عدد تقام به الجمعة، أو يسعوا في طلب إمام يحسن إقامة الجمعة [ليصليها بهم] (٦)، ولا إثم عليهم إن تركوا ذلك. وأما شرائط الصحة: فإنها تتعين بعد حصول شرائط الوجوب؛ فإذا حصل الإمام، والجماعة والاستيطان: وجب على أهل المحلة أن يبنوا المسجد على القول بأنه من شرائط الصحة، فإن تركوا بناءه صاروا مأثومين بترك الواجب. وكذلك الطهارة، والنية، إنما تجب بعد دخول الوقت، وحصول

стр. 526

الشروط التي [قدمناها] (١). وهذا هو الفرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة. فأما إذا قلنا إن الأذان من شروط صحة الجمعة، فقد اختلف فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: في عدد المؤذنين. والثاني: في موضع الأذان. والثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَيْنَ يَدَيْه؟ فأما الموضع الأول: وهو عدد المؤذنين، فقد اختلف فيه على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه لا يؤذن إلا مؤذن واحد؛ وهو الذي يحرم به البيع والشراء ويجب به السعي. والثاني: أنه يؤذن اثنان فقط. والثالث: أنه يؤذن ثلاثة. والموضع الثاني: موضع [النداء] (٢). فقد اختلف فيه العلماء أيضًا؛ فذهب [أكثرهم] (٣) إلى الأذان على الأرض بين يدي الإمام، وذهب بعضهم إلى الأذان على [الشرفات] (٤) [ق/ ٥٣ أ] وذهب آخرون إلى أن الأذان [إنما يكون] (٥) على المنار؛

стр. 527

يؤذن واحد بعد واحد، وهو مذهب مالك ﵀ وهو الذي روى ابن حبيب (١) أن المؤذنين كانوا [يوم الجمعة] (٢) على عهد النبي ﷺ ثلاثة. والموضع الثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَينَ يَدَيه ونصب عينيه؟ فقيل: إن أول من أُذِّنَ بين يديه رسول الله وهو المشهور في الآثار. قال مالك ﵀: هشام بن [عبد الملك] (٣) هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان [على المنار] (٤) واحدا بعد واحد إذا جلس الإمام على المنبر، فإذا فرغوا قام [وخطب] (٥)؛ وهو الذي يحرم به البيع. وقال مالك أيضًا: ولا أحب ما أحدثوا من الأذان على الشرفات حذو الإمام، ولكن الإقامة كذلك، وليقيموا بالأرض، وبعضهم على المنار [لإسماع] (٦) الناس، وهذا قوله في "النوادر" (٧). وسبب الخلاف: اختلاف الآثار في ذلك؛ وذلك أنه روى البخارى (٨) عن السائب بن يزيد أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. ورُوي أيضًا عن السائب بن يزيد أنه قال: لم يكن يوم الجمعة لرسول

стр. 528

الله ﷺ إلا مؤذنًا واحدًا (١). وروى أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ أذانًا واحدًا حين يخرج الإمام، فلما كان زمان عثمان ﵁ كثر الناس، فزاد الأذان ليتهيأ الناس إلى الجمعة. وروى ابن حبيب أن المؤذنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا (٢). ومنهم من ذهب إلى أن النبي ﷺ لم يكن له إلا مؤذن واحد. وقيل: إن معنى قوله: فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد النداء الثالث: أن النداء الثاني هو الإقامة. وأما الجماعة التي تقوم بهم الجمعة -على القول بأنها من شرائط الوجوب، أو من شرائط الصحة- فقد اختلف العلماء في مقدارها، وعددها على خمسة مذاهب: أحدها: أن أقلها واحد مع الإمام، وهو مذهب الطبري. والثاني: اثنان سوى الإمام (٣). والثالث [ق/ ٢٦ ب]: ثلاثة دون الإمام، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). والرابع: أن أقل العدد الذي تقوم به الجمعة: أربعون رجلًا، وهو مذهب الشافعي (٥).

стр. 529

والخامس: ثلاثون رجلًا، وهي رواية عبد الملك عن مالك (١). وفي المسألة قول سادس: بأنه لا يشترط في ذلك عدد، ولكن يرى أنه يجوز بما دون الأربعين، ولا يجوز بالثلاثة والأربعة، وهذا حقيقة مذهب مالك ﵀، وظاهره يرجع إلى قول عبد الملك الذي هو القول الخامس؛ فترجع المسألة إلى خمسة أقوال على الصحيح. وسبب الخلاف: اختلافهم في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة (٢)؟ وهل الإمام داخل أو ليس بداخل فيه؟ وهل الجمع المشروط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق الجمع عليه [ق/ ٤٢ جـ] أو ما ينطلق عليه اسم [الجمع] (٣) في غالب الأحوال، وذلك هو أكثر الثلاثة أو الأربعة. وأما من اعتبر الأربعين فيصير إلى ما روى أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، وأما من لم يُحَدّد في ذلك حَدًا: فإنه لما كان من شروط الجمعة الاستيطان عنده: حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم السكنى والاستقرار والذَّب عن أنفسهم والدفع عن أموالهم وحريمهم ممن يريد إذايتهم حتى يأتيهم غوث من يليهم من إخوانهم من المسلمين [وجب] (٤) مراعاة هذا القدر، وهو مشهور مذهب مالك. وأما الوقت: فهو من شروط الأداء.

стр. 530

ووقتها: وقت صلاة الظهر -بعد الزوال- ولا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين، إلا ما يروى عن أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر؛ فإنهم جوزوا أن تصلى الجمعة قبل الزوال؛ واعتبروا [ظاهر] (١) ما خرجه البخاري عن سهل بن [سعد] (٢) أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى في عهد رسول الله ﷺ إلا بعد الجمعة (٣). وروى أيضًا أنهم كانوا يصلون وينصرفون وما للجُدُر ظلال؛ ففهموا من ذلك أن الصلاة قبل الزوال، والجمهور فهموا من ذلك التبكير فقط باعتبارين: أحدهما: اعتبار ما ثبت من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (٤)، وحديث الطِّنْفِسَة (٥) أيضًا (٦). والاعتبار الثاني: من طريق النظر؛ وذلك أن الإجماع منعقد [على] (٧) أن صلاة الظهر لا يجوز أن تصلى إلا بعد زوال الشمس، وما روى عن أبي بكر ﵁ غير صحيح عند العلماء؛ فوجب بهذا الاعتبار قياس الجمعة على الظهر؛ لأنها بدل منها، وهذا في أول وقتها الاختياري.
следующие страницы →