← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الشروط التي [قدمناها] (١). وهذا هو الفرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة. فأما إذا قلنا إن الأذان من شروط صحة الجمعة، فقد اختلف فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: في عدد المؤذنين. والثاني: في موضع الأذان. والثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَيْنَ يَدَيْه؟ فأما الموضع الأول: وهو عدد المؤذنين، فقد اختلف فيه على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه لا يؤذن إلا مؤذن واحد؛ وهو الذي يحرم به البيع والشراء ويجب به السعي. والثاني: أنه يؤذن اثنان فقط. والثالث: أنه يؤذن ثلاثة. والموضع الثاني: موضع [النداء] (٢). فقد اختلف فيه العلماء أيضًا؛ فذهب [أكثرهم] (٣) إلى الأذان على الأرض بين يدي الإمام، وذهب بعضهم إلى الأذان على [الشرفات] (٤) [ق/ ٥٣ أ] وذهب آخرون إلى أن الأذان [إنما يكون] (٥) على المنار؛

стр. 527

يؤذن واحد بعد واحد، وهو مذهب مالك ﵀ وهو الذي روى ابن حبيب (١) أن المؤذنين كانوا [يوم الجمعة] (٢) على عهد النبي ﷺ ثلاثة. والموضع الثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَينَ يَدَيه ونصب عينيه؟ فقيل: إن أول من أُذِّنَ بين يديه رسول الله وهو المشهور في الآثار. قال مالك ﵀: هشام بن [عبد الملك] (٣) هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان [على المنار] (٤) واحدا بعد واحد إذا جلس الإمام على المنبر، فإذا فرغوا قام [وخطب] (٥)؛ وهو الذي يحرم به البيع. وقال مالك أيضًا: ولا أحب ما أحدثوا من الأذان على الشرفات حذو الإمام، ولكن الإقامة كذلك، وليقيموا بالأرض، وبعضهم على المنار [لإسماع] (٦) الناس، وهذا قوله في "النوادر" (٧). وسبب الخلاف: اختلاف الآثار في ذلك؛ وذلك أنه روى البخارى (٨) عن السائب بن يزيد أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. ورُوي أيضًا عن السائب بن يزيد أنه قال: لم يكن يوم الجمعة لرسول

стр. 528

الله ﷺ إلا مؤذنًا واحدًا (١). وروى أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ أذانًا واحدًا حين يخرج الإمام، فلما كان زمان عثمان ﵁ كثر الناس، فزاد الأذان ليتهيأ الناس إلى الجمعة. وروى ابن حبيب أن المؤذنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا (٢). ومنهم من ذهب إلى أن النبي ﷺ لم يكن له إلا مؤذن واحد. وقيل: إن معنى قوله: فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد النداء الثالث: أن النداء الثاني هو الإقامة. وأما الجماعة التي تقوم بهم الجمعة -على القول بأنها من شرائط الوجوب، أو من شرائط الصحة- فقد اختلف العلماء في مقدارها، وعددها على خمسة مذاهب: أحدها: أن أقلها واحد مع الإمام، وهو مذهب الطبري. والثاني: اثنان سوى الإمام (٣). والثالث [ق/ ٢٦ ب]: ثلاثة دون الإمام، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). والرابع: أن أقل العدد الذي تقوم به الجمعة: أربعون رجلًا، وهو مذهب الشافعي (٥).

стр. 529

والخامس: ثلاثون رجلًا، وهي رواية عبد الملك عن مالك (١). وفي المسألة قول سادس: بأنه لا يشترط في ذلك عدد، ولكن يرى أنه يجوز بما دون الأربعين، ولا يجوز بالثلاثة والأربعة، وهذا حقيقة مذهب مالك ﵀، وظاهره يرجع إلى قول عبد الملك الذي هو القول الخامس؛ فترجع المسألة إلى خمسة أقوال على الصحيح. وسبب الخلاف: اختلافهم في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة (٢)؟ وهل الإمام داخل أو ليس بداخل فيه؟ وهل الجمع المشروط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق الجمع عليه [ق/ ٤٢ جـ] أو ما ينطلق عليه اسم [الجمع] (٣) في غالب الأحوال، وذلك هو أكثر الثلاثة أو الأربعة. وأما من اعتبر الأربعين فيصير إلى ما روى أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، وأما من لم يُحَدّد في ذلك حَدًا: فإنه لما كان من شروط الجمعة الاستيطان عنده: حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم السكنى والاستقرار والذَّب عن أنفسهم والدفع عن أموالهم وحريمهم ممن يريد إذايتهم حتى يأتيهم غوث من يليهم من إخوانهم من المسلمين [وجب] (٤) مراعاة هذا القدر، وهو مشهور مذهب مالك. وأما الوقت: فهو من شروط الأداء.

стр. 530

ووقتها: وقت صلاة الظهر -بعد الزوال- ولا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين، إلا ما يروى عن أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر؛ فإنهم جوزوا أن تصلى الجمعة قبل الزوال؛ واعتبروا [ظاهر] (١) ما خرجه البخاري عن سهل بن [سعد] (٢) أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى في عهد رسول الله ﷺ إلا بعد الجمعة (٣). وروى أيضًا أنهم كانوا يصلون وينصرفون وما للجُدُر ظلال؛ ففهموا من ذلك أن الصلاة قبل الزوال، والجمهور فهموا من ذلك التبكير فقط باعتبارين: أحدهما: اعتبار ما ثبت من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (٤)، وحديث الطِّنْفِسَة (٥) أيضًا (٦). والاعتبار الثاني: من طريق النظر؛ وذلك أن الإجماع منعقد [على] (٧) أن صلاة الظهر لا يجوز أن تصلى إلا بعد زوال الشمس، وما روى عن أبي بكر ﵁ غير صحيح عند العلماء؛ فوجب بهذا الاعتبار قياس الجمعة على الظهر؛ لأنها بدل منها، وهذا في أول وقتها الاختياري.

стр. 531

وأما آخر وقتها: فقد اختلف فيه المذهب على [خمسة] (١) أقوال: أحدها: أن [آخر وقتها] (٢) دخول وقت العصر، وهو قول الأبهرى، فإذا دخل وقت العصر، فقد فات وقت الجمعة، ويصلون الظهر أربعًا. والثاني: أن [آخرها] (٣) الاصفرار، وهو قول أصبغ. والثالث: أن آخر وقتها ما لم يبق للمغرب بعد الجمعة إلا أربع ركعات للعصر [وهو قول سحنون] (٤). والرابع: ما لم يبق إلا ركعة للعصر، وهو قول ابن القاسم في [المدونة] (٥). والخامس: أنها تصلى ما بينهم وبين الغروب، وإن لم تصلي العصر إلا بعد الغروب، وهي رواية مطرف عن مالك ﵀ وهي قول ابن القاسم] (٦) في رواية ابن عتاب. وسبب الخلاف: معارضة العمل للقياس؛ وذلك أن القياس يوجب أن تصلى الجمعة في كل وقت يجوز أن تصلى فيها الظهر، ويسمى مصليًا مؤديًا، إلا أن العمل على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت بذلك حديث ولا ثبت عن أحد من الخلفاء أنه كان صلاها عند الاصفرار أو عند الغروب. فمن رجح القياس، قال: إنها تصلى ما بينهما وبين الفراغ منها، ويدرك ركعة واحدة قبل الغروب من صلاة العصر.

стр. 532

ومن رجح العمل قال: لا تصلى بعد خروج الوقت المختار للظهر إلا أربعًا. والجواب عن السؤال الرابع: في أركان الجمعة. ولها ركنان: الخطبة، وركعتان بعد الخطبة. فأما الركن الأول؛ الذي هو الخطبة، فهل هو شرط في صحة الصلاة، أو ركن من أركانها؟ فبين العلماء فيها اختلاف؛ فقيل: إنها ركن من أركانها، وقيل: إنها ليست بركن. وسبب الخلاف: هل فرض الجمعة أربع ركعات وأنها حُطَّت منها ركعتان للخطبة، أو فرض الجمعة ركعتان خاصة؟ فعلى القول بأن الخطبة ليست بركن، وإنما هي من الشروط، فهل هي من شروط صحتها، أو من شروط كمالها؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها من شروط الصحة، وهو قول مالك وأكثر أصحابه؛ [ونصُّ المدونة حيث قال:] (١) لا تجمع الجمعة إلا [بالجماعة] (٢) والإمام بالخطبة، وهذا القول هو المشهور. والثاني: أنها سنة، ومن صلى بغير خطبة أجزأه, وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٣).

стр. 533

وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في المفهوم من قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٢). ما الذكر المأمور بالسعي إليه؟ هل الذكر الأول الذي هو الخطبة؟ أو الذكر الثاني الذي هو الصلاة؟ فمن رأى أن المراد [بالأمر] (٣) السّعي أول الذكر حتى يستوعب [الذكرين] (٤) جميعًا ذكر الخطبة وذكر الصلاة يقول: إن الخطبة واجبة، ولاسيما أن البيع يحرم عند النداء؛ وما ذلك إلا ليسعوا إلى [استماع] (٥) الخطبة، فلو كانت غير واجبة لم يحرم البيع إلا عند الدخول في الصلاة. ومن رأى أن المراد بذلك الذكر: هو الصلاة؛ لأنه هو الذكر المقصود؛ بدليل أن من [فاتته] (٦) الخطبة، وأدرك الصلاة أنه أحرز فضيلة الجمعة وفرضها إذا لم يتعمد إلى ترك شهود الخطبة، ويكون معذورًا بالتأخير. وأما من قصد التراخي عند الخطبة [رغبة] (٧) عنها: [فجمعته] (٨) ناقصة الفضيلة. [و] (٩) عكسه إذا شهد الخطبة وفاتته الصلاة، فإنه لا يحصل له من

стр. 534

أجر الجمعة إلا مثل ما يحصل لمن [غُلِب] (١) عن السعي إليها، ويبقى متعلق القلب بها. وعلى القول بأنها من شرائط الجمعة، وفرض من فروضها، هل الطهارة من شروطها أو يجوز له أن يخطب بغير طهارة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الطهارة من شروطها، وهي فرض؛ فمن خطب وهو على غير طهارة ثم توضأ للصلاة: لم تجزيهم، وأعادوا أبدًا. وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (٢)؛ لقوله: أنه إذا أحدث فيها، فإنه يستخلف من يتمها، ويصلي. ولم يجعله يتمها بغير طهارة؛ كما قال في خطبة العيد. والقول الثاني: [أنها تجوز] (٣) بغير طهارة، وأنه إن خطب [على غير] (٤) وضوء، ثم صلى بوضوء: أن صلاتهم جائزة. وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد" (٥). واستحب [القاضي عبد الوهاب] (٦) أن تكون الخطبة بطهارة (٧)، وهذا منه جنوح إلى مذهب عبد الملك.

стр. 535

فوجه قول من قال بوجوب الطهارة لها؛ لاتصالها بالصلاة؛ إذ ليس بجائز أن يتعمد إلى الخطبة بغير طهارة حتى [إذا فرغ فليخرج] (١) ليتوضأ وينتظره القوم حتى يرجع؛ لأن ذلك خلاف السنة في الجمعة من وجوه: منها ترك غسل الجمعة، وهو سنة [في المذهب] (٢). ومنها: مخالفة السلف والخلف في كونه يخطب، وهو محدث عامدًا. ومنها: تأخير الصلاة [عن الخطبة] (٣) وذلك مخالف [ق/ ٥٤ أ] للسنة. ووجه قول من قال: يجوز أن يخطب على غير وضوء: لأن الخطبة ذكر وثناء وصلاة على نبينا محمد ﷺ ووعظ، فلا يفتقر إلى الطهارة قياسًا على سائر الأذكار. [وعلى القول بوجوبها] (٤) فما [العدد] (٥) الذي يجب منها، ويقع الاجتزاء به؟ فاختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنه لابد من خطبتين يفصل بينهما بجلسة؛ ويجزئه أقل ما ينطلق عليه اسم الخطبة في كلام العرب [من الكلام] (٦) المؤلف المنظوم، المبتدأ بالحمد لله، وبه قال الشافعي، إلا أنه اشترط أن تكون فيه الصلاة

стр. 536

على محمد ﷺ ويوصي بتقوى الله العظيم، ويقول شيئًا من القرآن في الأولى، ويدعو في الآخرة. والقول الثاني: أنه يخطب خطبتين، فإن [سهى عن] (١) الثانية، أو [حُصر] (٢) عنها، أو تركها: فالأولى تكفيهم، ولو لم يكن أيضًا أتم الأولى [إلا أنه] (٣) أثنى على الله، وتشهد، وأمر، ونهى، ووعظ، وقال خيرًا وإن كان خفيفًا جدًا، فذلك يجزئهم عنه. وسبب الخلاف: هل يجزئهم من ذلك أقل ما [يقع] (٤) عليه الاسم اللغوى، أو الاسم الشرعي؟ فمن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما يقع عليه الاسم اللغوي لم يشترط فيها شيئًا من الأقوال التي نقلت عنه ﷺ فيها: ومن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما يقع عليه الاسم الشرعي: اشترط فيها حصول الأقوال التي نقلت من خطبته ﵇. واختلف أيضًا هل من شروطها الجماعة أم لا؟ فالمشهور أن الجماعة من [شروطها] (٥) وأنها لا تصح إلا بها، وهو تأويل الباجي على "المدونة" في بعض الروايات: ولا تجمع الجمعة إلا بالإمام والجماعة والخطبة. وهذه الرواية إن صحت فهي نص في محل النزاع؛ لأن العراقيين من

стр. 537

أصحاب مالك قالوا: ليس عن مالك في ذلك نص، ولكن الرواية المشهورة بالخطبة. وعلى القول بأن الجماعة من شروطها، وهل من شروط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: على ما حكاه أبو الوليد بن رشد أن ذلك من شروط صحتها، وأن الناس لو انفضوا عنه قبل السلام حتى لم يبق [معه] (١) إلا النساء، والعبيد، ومن لا عدد له من الرجال: لبطلت الصلاة. والثاني: أن الصلاة جائزة إن لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة؛ قياسًا على من أدرك [ركعة] (٢) من صلاة الإمام أنه [يقضي] (٣) ركعة، [واحدة] (٤) وتكون له جمعة. والثالث: أنه إذا أحرم بالجماعة فصلاته جائزة، وإن انفضوا قبل ركعة منها إذا انفضوا بعد الإحرام. وهو ظاهر "المدونة" من [باب] (٥) الرُّعاف. والأقوال الثلاثة كلها قائمة من "المدونة" [وبالله التوفيق] (٦). والجواب عن السؤال الخامس: في أحكام الجمعة:

стр. 538

وأحكامها تنقسم إلى ما كان عبادة، وإلى ما كان عادة. ومن أحكامها العبادية: الغسل: ولا خلاف أنه ليس [من شرط] (١) الصلاة، وإنما الخلاف في نفسه؛ هل هو فرض أو سنة؟ فذهب الجمهور إلى أنه سنة، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض (٢). وسبب الخلاف: معارضة الآثار؛ منها حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله ﵇: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٣) كغسل الجنابة. ومنها حديث عائشة ﵂ كان الناس عمال أنفسهم يروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم (٤). أو كما قال. فحديث أبي سعيد الخدرى صحيح بالاتفاق، والثاني أخرجه أبو داود ومسلم. ومنها: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٥).

стр. 539

وهو نص في سقوط فرض الغسل، إلا أنه حديث ضعيف. ومنها قوله: فبها ونعمت: يعني: فبالسنة أخذ ونعمت الخصلة أو نعمت الفعلة الوضوء؛ لأن سنة المصلي إذا أراد [أن يصلي] (١) أن يتوضأ، ولم يرد [بالسنة هاهنا] (٢) خلاف الفرض، ولا يعتقد ذلك، ويعزيه [إلى أنه الظن] (٣) إلا جاهل بحدود الشريعة. ومنها حديث [ابن عمر] (٤) وعثمان ﵄ [في] (٥) الوضوء [أيضًا] (٦) بالمد. فمن حمل حديث أبي سعيد الخدري على ظاهره: فيقول بالوجوب. ومنهم من حمله على أنه كغسل الجنابة في الصفة والهيئة لا في الوجوب، ويستدل على صحة هذا التأويل ببقية الأحاديث حمله على السنة دون الوجوب، وهو الصحيح. واختلف القائلون أنه سنة؛ هل [هو] (٧) مشروع لمعنى، أو لغير معنى؟

стр. 540

فبعضهم يقول لمعنى، وهو ظاهر حديث عائشة ﵂. ومنهم من يقول: إنها لغير معنى، وهو ظاهر مذهب مالك، وقال في المدونة: إذا اغتسل ثم تغدى أنه يعيد الغسل، ومعلوم [ق/ ٤٣ ب] أن الغسل الذي يفسده الأكل [غير] (١) معقول المعنى. ومن أحكامها: معرفة من يجب عليه إتيانها ممن كان خارج المِصْر، ولا خلاف فيمن كان على مرحلتين من المدينة أنه لا يجب عليه [إتيانها] (٢)، واختلف فيمن [هو] (٣) دون ذلك على قولين. أحدهما: [أنها تجب] (٤) على من كان على مسيرة يوم من البلد. وهذا القول حكاه القاضي حفيد ابن رشد عن مالك، وهو قولٌ غريب شاذ. [والثاني: أنها تجب على من كان في ثلاثة أميال أو زيادة يسيرة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب] (٥). وسبب الخلاف: [اختلاف] (٦) الآثار الواردة في الباب. فمنها: ما خرجه أبو داود عن النبي ﷺ قال: "الجمعة على من سمع النداء" (٧).

стр. 541

[ومنها] (١) ما ورد أن الناس كانوا يأتون من العوالي إلى الجمعة في زمان النبى ﷺ (٢)، [هي] (٣) ثلاثة أميال من المدينة. ومنها: ما روى عنه ﷺ قال: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" (٤). وهو أثر ضعيف. وعلى القول باعتبار ثلاثة أميال، من أين تُقَدَّر؟ على قولين: أحدهما: أنها تقدر من المنار، وهو ظاهر قول مالك في "المجموعة"؛ لأنه قال: "الجمعة على من سمع النداء"، وبه قال [القاضي عبد الوهاب] (٥). والثاني: أنها تقدر من طرف البلد، وبه قال ابن عبد الحكم، وهو الصحيح؛ إذ قد يكون بين المنار وآخر البلد أكثر من ثلاثة أميال. واختلف إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، هل يجوز للإمام أن يأذن لمن كان [خارج المصر] (٦) ممن يجب عليه إتيان الجمعة على التخلف يوم الجمعة إذا شهدوا العيد على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز للإمام أن يأذن لهم، ولا يجوز لهم التخلف، وإن أذن لهم.

стр. 542

وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (١)؛ [لأنه قال: لم يأخذ مالك بإذن عثمان لأهل العوالي وقال: لم يبلغني عن غيره. وروى ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك] (٢) أن مالكًا أخذ [بإذن] (٣) عثمان لأهل العوالي، وبه قال أكثر أصحاب مالك إلا ابن القاسم، وقد جاء في الحديث (٤) أن النبي ﷺ رخص في التخلف عن الجمعة لمن كان خارج المدينة من [أهل] (٥) القراء ممن شهد عيد الفطر، والأضحى صبيحة ذلك اليوم؛ لأن ذلك من باب الرفق بهم لما بهم [فيه] (٦) من الحاجة إلى مؤانسة أهلهم ذلك اليوم واجتماعهم معهم على ضيافة الله تعالى, ولاسيما ذوي صبيان صغار يحتاجون إلى أن يفرحوهم ويدخلوا السرور عليهم؛ لأنه [بين] (٧) حالتين: إما أن يقعد في البلد حتى يصلي الجمعة ثم ينصرف إلى أهله. وإما أن ينصرف بانصراف الناس من العيد ثم ينقلب إلى صلاة الجمعة. وكلا الحالتين لا [تُحَصِّل لأهله الغرض] (٨) المقصود.

стр. 543

وسبب الخلاف: العموم هل يخصص بأخبار الآحاد أم لا؟ ولا شك أن شهود الجمعة فريضة، وشهود العيد سنة، والآكد لا يسقطه الأضعف. ومن أحكامها: البكور إليها. واختلف في وقتها على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن يكون أول النهار، وهو مذهب الشافعي، وبه قال ابن حبيب -من أصحابنا. والثاني: أنه في الساعة السادسة، وهو مشهور مذهب مالك. والثالث: أنه قبل الزوال. وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله ﵇: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" (١) إلى أن عدَّد الساعات [خمس ساعات] (٢) هل ذلك ساعات النهار أم لا؟ فذهب الشافعي ["وابن حبيب" (٣)] (٤) إلى أن ذلك في [ساعات] (٥) النهار من أوله. ومالك ﵁ يرى أن ذلك كله ساعة واحدة [وأنها] (٦) أجزاء

стр. 544

من الساعة السادسة، ولم ير التبكير لها من أول النهار. رواه ابن القاسم وأشهب عن مالك في "العتبية" (١)، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ﵀ من الحديث من وجوه: منها: أن الساعة السادسة من أول النهار لم يذكر ﵇ فضيلة من راح فيها، وليست بوقت قعود الإمام على المنبر، ولا بوقت استماع الذكر منه. ومنها: أن الحديث عنده يقتضي أنه عند قعود الإمام على المنبر، وترتفع فضيلة الرواح، وتحضر الملائكة للذكر؛ فدل على أنه لم يرد الساعة الخامسة؛ لأن الساعة تفصل بينها وبين الذكر، فإذا ثبت ذلك تيقن أنه أراد به أجزاء من الساعة السادسة، وتلك الساعة [يتم] (٢) تجزئتها على خمسة أجزاء أو أقل أو أكثر. ومنها: أنه ﷺ قال: "ثم راح في الساعة الأولى" والرواح إنما يكون نصف النهار عند الزوال، وهذا الذي صححه أبو الوليد بن خلف [الباجي] (٣) وابن حبيب، وابن أبي زمنين وغيرهم ممن ينتحل الحديث؛ لأن الرواح في الساعة السادسة وتصلى الجمعة في أول الساعة السابعة [ق/ ٥٥ أ]. وغيرهم يختار مذهب من يرى أن ذلك قبل الزوال وبعد [الغدو] (٤). والقسم الثاني من أحكامها العادية: البيع وأقسامه، والمعروف

стр. 545

وأنواعه: أما البيع بعد النداء: فلا خلاف في [المذهب] (١) أنه يمنع ابتداء، فإن نزل هل يَمْضِي، أو يُرَد؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يمضي بالعقد ولا يرد، فات أم لا. وهي رواية ابن وهب، وعليّ بن زياد عن مالك ويستغفر الله تعالى. والثاني: يفسخ مع القيام ويمضي مع الفوات، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (٢) وعليها أكثر الأصحاب. والثالث: التفصيل بين أن يكون من قوم اعتادوا البيع [بذلك] (٣) الوقت، فتفسخ تلك البياعات كلها، وإن لم تكن لهم عادة يزجروا عن ذلك ولم يفسخ. وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد" (٤). وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (٥). وعلى القول بأن البيع يمضي ولا يرد هل يكون الربح سائغًا للمشتري أم لا؟ على قولين:

стр. 546

أحدهما: أن الربح له حلال، وبه قال مالك. والثاني: أنه يتصدق به، ولا يأكله على معنى الكراهة، وهو قول ابن القاسم وأصبغ؛ لأن ذلك مال أشغله عن العبادة [فيكره] (١) أن ينتفع به، كما فعل سليمان ﵇، وكما فعل أبو طلحة الأنصارى بحائطه حين سها فيه لأجل الدبسي. وعلى القول بأنه مفسوخ ويفوت بها ما يفوت به البيع الفاسد من حوالة الأسواق فاعلًا هل يضمن بالقيمة أو بالثمن؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يضمن بالقيمة. وهو قول ابن القاسم وأشهب. والثاني: أنه يضمن [بالثمن] (٢) وهو قول المغيرة. وسبب الخلاف: هل يجوز قياس البيع على النكاح أم لا؟ وذلك أن النكاح الفاسد لعقده ففيه صداق المسمى، وهل البيع كذلك: وذلك أن البيع وقت النداء فساده في عقده لأجل النهي الذي وقع فيه. وإن انتقض وضوءه فلم يجد الماء إلا بالثمن، فقد قال الشيخ أبو محمد: يجوز أن يشتري ولا يفسخ، والذي قاله صحيح [ق/ ٢٧ ب] وينبغي أن يكون موضع الاتفاق. وعلى القول بأنه يمضي بالقيمة، فقيمته متى؟ فالمذهب على قولين:

стр. 547

أحدهما: أن عليه قيمتها حين قبضها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن عليه قيمتها بعد صلاة الإمام وحين يحل البيع، وهو قول أشهب. فوجه قول أشهب أن المعتبر في معرفة القيمة وقت يجوز فيه البيع، والبيع وقت النداء لا يجوز فكيف تعرف قيمة السلعة في وقت لا يحل فيه بيعها. ووجه قول ابن القاسم: أن البيع الفاسد، القيمة فيه يوم القبض فيكون عليه في البيع وقت النداء قيمة السلعة ساعة قبضها، وإن كان البيع لا يحل في تلك الساعة غير أنا نقومها على أن لو جاز البيع فيه كما تقوم ما لا يحل بيعه بحال أن لو جاز بيعه كالخرز في الجراح، وجلد الميتة، وأم الولد وغير ذلك. وهذا هو الصحيح عند أهل النظر. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: إن مَنْ فَرَّطَ في صلاة الظهر، والعصر حتى لم يبق للمغرب [إلا مقدار] (١) خمس ركعات أنه [إن] (٢) باع واشترى حينئذ: فسخ بيعه. وقال ابن عبد الحكم في الأخذ بالشفعة والإقالة وأخواتها [أنها] (٣) كالبيع، وكذلك سائر الإجارات؛ لأنه مما يتكرر وقوعه. وأما المعروف: وأنواعه كالنكاح، و [البيع] (٤) والهبة، والصدقة، والعارية، هل تفسخ إذا وقعت [بالمعروف] (٥).

стр. 548

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه كالبيع، وهو قول أصبغ في النكاح، ويلزم على قوله مثل ذلك في الهبة، والصدقة. والثاني: أن ذلك لا يفسخ إذا وقع -لا نكاح ولا هبة. وينبني الخلاف: على الخلاف في العلة التي من أجلها حرم البيع وقت النداء، هل لأجل أن ذلك حق الله تعالى، أو لأجل أن ذلك حق لأهل السوق؟ فمن رأى أن ذلك حق لله تعالى قال: بفسخ البيع، لكونه مشغولًا بالبيع، والشراء، وانعقاد العقود عن السعي الواجب عليه، فيعاقب بنقيض مقصوده، وفوات مراده؛ فيفسخ بيعه وتنقض صفقته، فيقول: إن سائر العقود كالبيع؛ لأن العلة شاملة. ومن رأى أن ذلك حق لأهل السوق ومخافة أن يستبد بعضهم عن بعض [بالغرض] (١) في البيع؛ إما في أعيان السلع، وإما في الأرباح، فعاقبه الشرع بنقيض [المقصود] (٢) فأمر بفسخ بيعه حتى يفوت عليه [الغرض] (٣) بالكلية، ولذلك لم يجعل الخيار لأهل السوق كما فعل في [التلقي] (٤) وغيره، فيقول: إن عقد النكاح وغيره من عقود المعارف جائزة؛ [لعزوفها] (٥) عن العلة المعتبرة، والله أعلم. وهذا الذي يحتاج إلى [تحصيله] (٦)، [وأما خصائصها التي تتفرد بها

стр. 549

من بين سائر الصلوات فخمسة: الغسل، والتطيب، والإِنصات، وتعجيل الرواح وترك التخطي] (١) والحمد الله وحده [وصلى الله عليه وسلم] (٢).

стр. 550

منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ فى شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا تَأليفْ أبى الحَسَن عَلىّ بنْ سَعْيد الرجراجي تَقديم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم اعتَنَى بهِ أبو الفضل الدمياطى أحمد بن عليّ الجُزءُ الثَّانى مركز التراث الثقافى المغربى دار ابن حزم

стр. 551

حُقُوقُ الطَّبعِ محْفوَظة الطّبْعَة الأولى ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧ الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ / فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢ المملكة المغربية دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) بريد إلكتروني: Ibnhazim@cyberia.net.lb

стр. 552

منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ فى شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا ٢

стр. 553

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 554

كتاب الجنائز

стр. 555

كتاب الجنائز بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله. تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (١) تسع مسائل: المسألة الأولى الصلاة على الجنائز هل هي فرض أو سنة ؟ ويقال الجنازة: بالكسر والفتح. وقيل: [بالكسر] (٢) للميت وبالفتح، وبالكسر: السرير الذي يحمل عليه الميت. واختلف في الصلاة على الجنازة، هل هي فرض أو سنة: على قولين (٣): أحدهما: أنها فرض، وبه قال ابن عبد الحكم في كتاب محمد. والثاني: أنها سنة، وهو قول أصبغ (٤). فعلى القول بأنها فرض، هل هي فرض من فروض الكفاية، أو من فروض الأعيان [قولان] (٥). وسبب الخلاف: اختلافهم في القول بدليل الخطاب، هل يقال به أم لا؟ وذلك أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ

стр. 556

أَبَدًا﴾ (١). فنهى الله تعالى رسوله ﷺ عن الصلاة على الكفار إذا ماتوا لعلة الكفر. ومفهومه أنه أمر بالصلاة على المؤمنين. وبعضهم يقول: وإن كنا نقول بدليل الخطاب فلا يفهم من هذه الآية؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأخذ أضداده، فإذا كان له ضد واحد، فقد أمر به من طريق المفهوم، وإذا كانت له أضداد فلا يفهم منه الوجوب دون الندب والإباحة؛ لأن النهى عن الصلاة على المشركين إن قلنا إنه أمر بالصلاة على المؤمنين أمر على معنى الإباحة أو الندب أو الوجوب؛ لأن هذه كله أضداد لنهيه عن الصلاة على المشركين، فحمل الآية على أحد المحملين دون غيره مما سواه، والاحتمال يحكم بغير برهان، إلا أنه لم تختلف الأمة أن الناس مأمورون [ق/ ٤٤ جـ] بالصلاة على موتاهم وأنهم لم يسعهم ترك ذلك [لقوله ﷺ : "صلوا على موتاكم" وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" وهذا يؤيد مفهوم الآية أنها على الندب لا على الوجوب] (٢) ويرجع ذلك إلى أن الصلاة على الجنازة سنة، وإن كان الذي اختاره الشيوخ المتأخرون من أصحابنا أنها من فروض الكفاية، ولا فرق بين العبارتين إلا من حيث اللفظ، وأما المعنى فواحد؛ لأن الفرض على الكفاية معناه أنه سنة مؤكدة. فإذا ثبت ذلك فمن سنتها أن تصلى عليها الجماعة بإمام، فإن صلوا عليها أفذاذًا فلا خلاف -فيما أعلم- أن ذلك لا يمنع الجمع عليها بإمام.

стр. 557

واختلف [المذهب أيضًا] (١) إذا صلى عليها جماعة هل تمنع صلاة الأفذاذ عليها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يمنع الصلاة عليها لا جمعًا، ولا أفذاذًا، وهو المشهور. والثاني: أن صلاة الإمام عليها بجماعة لا تمنع الصلاة عليها لمن جاء بعد ذلك لا جماعة ولا فذًا، وذكره ابن القصار عن مالك. وسبب الخلاف: صلاة النبي ﷺ على المسكينة هو وأصحابه، وصلاة أزواج النبي ﷺ على عبد الرحمن بن عوف، وقد مر بجنازته عليهن، هل ذلك أمر خاص، أو شريعة متبعة إلى يوم القيامة. وفي فعله ﵇ دليل على الصلاة على القبر، وفي فعل أزواجه دليل على الصلاة على الميت في المسجد، وكلاهما أصلا خلاف. وهذا أيضًا مع التسليم أن المسكينة قد صلى عليها أهلها ليلًا حين دفنوها، وهو الظن بهم؛ لأنها شريعة مقررة بالمدينة، وسائر أمصار المسلمين، وعلى هذا وقع الخلاف عندنا في المذهب [وعلى القول] (٢) بأنه لا يصلي عليه في القبر. فما الذي يفوت الصلاة عليه إذا دفن؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يفوت الصلاة عليه ولا إخراجه من القبر ليصلى عليه إلا التغيير، فيخرج ما لم يخش عليه التغيير، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم (٣).

стр. 558

والثاني: أنه لا يفيتُ إخراجه للصلاة عليه إلا رد التراب عليه وتسويته. وهي رواية عيسى عن ابن وهب (١)، وبه قال يحيى بن يحيى. والثالث: أنه يفوت [بوضع] (٢) اللّبِن عليه، وهو قول أشهب (٣). وسبب الخلاف: ما يمنع من الصلاة عليه ويفوتها، هل التغيير أو الدفن؟ وعلى القول بأن المفوت الدَّفْن، هل النظر إلى أوله أو إلى آخره؟ وهذا الخلاف ينبغي أن يُبْنَى على أصل آخر؛ وهو تغليب [حق] (٤) أحد الفريقين، هل يغلب حق المصلين، ويخرج ما لم يخش عليه التغيير لما في ذلك من إذَايَتِهِم؟ أو يخرج ما لم يفرغ من دفنه، ثم لا يخرج؛ لأنه لا يدري كيف يطلع عليه، وربما يجدونه على حالة يكره أولياؤه الاطلاع عليها، فيكون ذلك من حق الميت، وفي فضيحته شعيب لأوليائه [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 559

المسألة الثانية فى الصلاة على الجنازة فى المسجد -أعني أن توضع فى المسجد - وأما الصلاة عليها في المسجد، وهي خارجة المسجد واتصلت [الصفوف] (١) إلى داخل المسجد: فلا إشكال في الجواز، وهو نص المدونة. وأما وضعها في المسجد للصلاة عليها، فهل يجوز ذلك؟ فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] (٢): أحدهما: [أنها] (٣) لا توضع في المسجد أصلًا. وبه قال سحنون، وابن شعبان، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرضاع" من "المدونة" (٤)؛ لأنه قال: إن لبن [المرأة] (٥) الميتة نجس بنجاسة الوعاء، [فجعلها] (٦) نجسًا بالموت. والثاني: أنه يجوز أن توضع في المسجد، ويصلى عليها فيه. وهو قول ابن حبيب (٧)؛ لأنه قال: لو صلى عليها في المسجد ما كان

стр. 560

[ضيقًا] (١)، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في "كتاب الجنائز" (٢): "وكره أن توضع الجنازة في المسجد"؛ وعلَّلُوا تلك الكراهة، وقالوا: مَخَافَة أن يَنْفَجِر المَيِّت، ويَخْرُج منه ما يُؤذِي المسجد. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار [وتجاذب الاعتبار، فأما الآثار] (٣) فما روى أنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد (٤)، وأمر أزواج النبي ﷺ [أن يمر] (٥) عليهن بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد ليصلين عليه، ففعلوا ووقفوا به على حجرهن يصلين عليه. الحديث خرجه مسلم (٦). وخرج البخاري عن ابن عباس قال: "لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا" (٧). وروى عنه ﷺ أنه قال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" (٨). وظاهر الحديث يقتضي نجاسة الميت، وهذا منشأ الخلاف في الميت هل يتنجس بالموت أم لا؟

стр. 561

فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نجس على الإطلاق -مسلمًا كان أو كافرًا- وهو مذهب ابن القاسم، وابن شعبان، وابن عبد الحكم وغيرهم (١). والثاني: أنه طاهر على الإطلاق. وهو الذي اختاره أبو الحسن بن القصار وغيره من البغداديين، وهو الصحيح الذي يعضده النظر والأثر. والقول الثالث: بالتفصيل بين الميت المسلم والكافر، وهو مذهب بعض شيوخنا المتأخرين، وقال: إنما هذه الحرمة حيًا وميتًا للمسلم، وفيه جاء الأثر. وأما الكافر فقد قد قال القاضي أبو الفضل: لا أعلم متقدمًا من [الموافقين] (٢) والمخالفين فرق بينهما قبله، ولكن الذي قاله بين، ولعله مرادهم. قلت: وظاهر قوله تعالى يشعر بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء المتأخرون؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣). وهذا الإكرام يشمل جميع ولد آدم -مسلمًا أو كافرًا. ومن طريق المعنى أن الشاة مثلًا تعدم منها الحياة بالذكاة، فلا تكون نجسة؛ لأنها حلال وتموت حتف أنفها، [ويكون] (٤) حكمها نجسة لما كانت محرمة [الأكل] (٥)، فلم يكن عدم الحياة يوجب كون الحيوان نجسًا إلا أن يكون عدمه على صفة تمنع الأكل ويكون نجسًا.

стр. 562

وتحرم لحوم بني آدم إكرامًا لهم وتشريفًا؛ فكانت حرمته حيًا وميتًا سواء؛ لأن حرمة لحمه بعد موته كحرمته قبل موته، وهو ظاهر لمن تأمله؛ لأن تحريم لحم بني آدم تحريم حرمة، لا تحريم [حرام] (١).

стр. 563

المسألة الثالثة [فى] (١) الصلاة على من قُتل فى الحد فالأصل وجوب الصلاة على كل مسلم موحد؛ لقوله ﵇: "صلوا على من قال لا إله إلا الله" (٢). وقوله ﷺ : "صلوا على موتاكم" (٣). فهذا هو الأصل ما لم يمنع من الصلاة عليه مانع؛ والمانع على وجهين: فضيلة في الميت، أو نقيصة فيه. والفضيلة التي تمنع من الصلاة [على الميت] (٤) إذا اتصف بها يأتي الكلام عليها فيما بعد في مسألة منفردة إن شاء الله. وأما النقيصة التي تمنع من الصلاة على الميت إذا قامت به، فهي على وجهين:

стр. 564

منها ما يرجع إلى فساد العقيدة، ومنها ما يرجع إلى الأخلاق الذميمة. فأما ما يرجع إلى فساد العقيدة كالقدرية، والإباضية، والحرورية: فاتفق المذهب أنه لا يصلى على موتاهم ابتداء، فإذا خيف عليهم أن يضيعوا هل يصلى عليهم أم لا؟ فالمذهب على قولين من المدونة من كتاب الصلاة. أحدهما: أنه لا يصلي عليهم أصلًا، وإن ضاعوا. وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (١): ولا يصلي خلف أهل الأهواء لا [جمعة] (٢) ولا غيرها إلا أن يكون الإمام من أهل الأهواء، واتقيته على نفسك فإنك تصلي، وتعيدها ظهرًا أربعًا. والثاني: أن ترك الصلاة [عليهم] (٣) أدب لهم، فإن خيف عليهم أن يضيعوا صلى عليهم. وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٤) حيث قال: إن صلى خلفه أعاد الصلاة في الوقت. وسبب الخلف: هل يَكفُرُون بمآل قولهم أم لا؟ فمن رأى أنهم

стр. 565

يَكفُرُون بمآل قولهم يقول: إنهم لا يصلى خلفهم، ولا يصلى عليهم إذا ماتوا. وقد نص مالك ﵀ في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول: القرآن مخلوق، إنه كافر فاقتلوه. وقال أيضًا في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا تزوجوه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّنِ مُّشْرِكٍ﴾ (١). وعلى هذا يوارى ولا يصلى عليه. ومن رأى أنهم لا يَكفُرُون بمآل قولهم يقول: إن ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، وإعادة من صلى خلفهم صلاته في الوقت: أدبًا لهم ينزجرون به. وأما ما يرجع إلى الأخلاق الذميمة: فهو على وجهين أيضًا: أحدهما: منها ما نَصَّب علية الشارع حَدًا، وجعله عقوبة وزَجْرًا. ومنها ما لم يَحد فيه حَدًا, ولا نَصَّبَ عليه [قطعًا] (٢) ولاجلدًا، ولكن جاء فيه الوعيد، والإرهاب، والتهديد. فأما ما نَصَّب عليه الشارع حدًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون المشروع عليه قتلًا. والثاني: جلدًا أو قطعًا، لا قتلًا، فإن كان قتلًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يموت بالحد.
следующие страницы →