← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أحدها: وجوب الكفارة -سافر أو لم يسافر- وهو قول سحنون (١). والثاني: أنه لا كفارة عليه -سافر أو لم يسافر- وهو قول أشهب في "كتاب سحنون" (٢). والثالث: التفصيل بين أن يسافر بعد ما أفطر: فلا كفارة عليه، وإن كَسِلَ عن سفره: فعليه الكفارة، وهو قول سحنون أيضًا (٣). والرابع: التفصيل بين أن يفطر بعدما أخذ في السفر والاستعداد، إذا كان متأولًا ثم سافر: فلا كفارة عليه، أو أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر: فإنه يكَفِّر -سافر أو تخلف- وهو قول ابن القاسم وعبد الملك في "كتاب ابن حبيب" (٤). وسبب الخلاف: بين القولين المتقابلين: هل ينتقل بالنية عن الأصل إلى الفرع [على] (٥) الانفراد، أو لا ينتقل حتى يقارنها الفعل؟ وذلك أن الإقامة أصل، والسَّفر فرع. فمن رأى أنه يكون مسافرًا [بالنية، قال: لا كفارة عليه. ومن قال: لا يكون مسافرًا إلا بالنية والفعل قال: عليه الكفارة، والقولان بالتفصيل مبنيان] (٦) على هذا الأصل إذا اعتبرته. والجواب عن الوجه الثاني: إذا سافر فأفطر، هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ على قولين بعد الاتفاق أنه لا يباح له الفطر ابتداء والكلام إذا أفطر

стр. 632

[على قولين] (١): أحدهما: أن الكفارة لا تجب، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" (٢). والثاني: أن عليه الكفارة، وهو قال المخرومي، وابن كنانة [في الكتاب أيضًا] (٣). وسبب الخلاف: في المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤)، فالاتفاق في السفر إذا طرأ عليه المرض الذي لا يقوى معه على الصيام في أثناء النهار: أنه يجوز له الفطر. وهل السفر كذلك أم لا؟ فمن قاس السفر على المرض قال: ولا كفارة عليه؛ ولاسيما أن الله تعالى ذكرهما مقرونين وتابع بينهما في نسق؛ فبين أن أحدهما حكمه حكم الآخر في إباحة الإفطار. أو يتأول قوله: "على سفر" على بمعنى: في؛ فيفرق بين اليوم الذي فيه السفر وبين ثانيه، وكأن اليوم الذي سافر فيه لم يتخلص للسفر بكليته؛ بل هو معظمه الذي هو محل انعقاد الصيام فخلص للحضر، فإذا أمعن في السفر وأصبح [فيه] (٥)، فعند ذلك يكون من أهل التخيير، ويُشَبَّه بالمريض، ويباح له حينئذ أن يُبَيِّت الفطر إن شاء، وعلى أي وجه كان فهو محل خلاف على كل حال.

стр. 633

ولا شك أنا إذا نظرنا إلى حلول الموجب لا بإباحة الأكل، وهو السفر: كان حلوله مُسْقِطًا للكفارة قياسًا على الصلاة أيضًا، وهذا القول أظهر في النظر. والجواب عن الوجه الثاني: وهو إذا أصبح صائمًا في رمضان في سفره، هل يباح له الفطر بقية يومه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يباح له الفطر، وهو المشهور. والثاني: أنه يباح له الفطر، وهو قول مُطَرِّف (١). فعلى القول بأن الفطر غير مباح، فإن أفطر فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: وجوب الكفارة جملة، وهو قول [ابن القاسم] (٢). والثاني: سقوط الكفارة، وهو قول [ابن القاسم و] (٣) المخزومي وابن كنانة. [والثالث: أن عليه الكفارة إلا أن يتأول أنه مسافر، وأنه يباح له الفطر، وهذه الثلاثة أقوال في المدونة واختلف] (٤) في قول أشهب هل هو تفسير أم لا؟ والرابع: التفصيل بين أن يفطر بالجماع فيكفر، أو يفطر بالأكل والشراب فلا يكفر، وهو قول عبد الملك (٥) [بن الماجشون] (٦).

стр. 634

وسبب الخلاف: فطر النبي ﷺ بالكديد بعد أن بَيَّتَ الصيام هل [فعله] (١) دليل على الإباحة [عمومًا] (٢)، أو هو دليل على الإباحة للمفطر دون المختار؟ والظاهر أنه خصوص للمضطر دون المختار، لكن للقائل أن يقول: كان النبي ﷺ مختارًا للفطر غير مضطر إليه، وقد أفطر، وإن كان في الحديث بيان لفطره ﵇، وهو الاقتداء ويريد أن يريهم بالفعل. وهذا لا يقوى؛ لأن الأمة إذا أمرها النبي ﷺ وجب عليها الامتثال، ولا يسوغ الوقوف دون الامتثال، ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم وما علم من سيرتهم في التسارع إلى الامتثال فيما أمروا به مما يشق [ويثقل] (٣) حمله على النفوس، فكيف ما فيه رفق بالنفس، وربك أعلم. وهذا في الصوم المفروض. وأما في صوم التطوع: فإن كان متطوعًا، أو كان منذورًا غير مُعَيَّن، فأصبح صائمًا ثم سافر فأفطر هل يقضي أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يقضي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤). والثاني: أنه لا يقضي، وهو قول ابن حبيب، فإن كان منذورًا معينًا؛ مثل أن ينذر صيام يوم الخميس، فجاء يوم الخميس فسافر فيه، وهو صائم، فهل يقضي أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٥):

стр. 635

أحدهما: أنه يقضي، وهو نص "الكتاب" في غير المعين؛ إذ لا فرق، والفطر في الوجهين باختياره. والثاني: أنه لا يجب عليه القضاء، هو ظاهر قول مالك في "المدونة" (١)؛ لأنه قال في المرأة إذا نذرت صيام يوم بعينه ثم سافرت فيه فأفطرت، هل تقضي أم لا؟ فتوقف فيه مالك، قال ابن القاسم: فكأني رأيته يستحب لها القضاء [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 636

المسألة السابعة صيام المغمى عليه والمجنون و [المجنون] (١) لا يخلو من أن يكون مُطْبِقًا، أو كان يفيق أحيانًا. فإن كان مُطْبقًا فلا خلاف أنه غير مخاطب بالصيام؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" (٢)، فذكر المجنون حتى يفيق. واختلف هل يخاطب بالقضاء أم لا؛ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا قضاء عليه سواء بلغ صحيحًا ثم جُن، أو بلغ مجنونًا، قَلَّت السُّنُون أو كثرت، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" (٣). والثاني: التفصيل بين أن يبلغ مجنونًا: فلا يقضي، أو يبلغ عاقلًا ثم جن: كان عليه القضاء، وحكاه ابن الجلاب عن عبد الملك فيما يظن. والثالث: التفصيل بين قِلَّة السِّنين كالخمسة ونحوها: فيقضي [وكثرتها] (٤) كالعشرة، وما فوق ذلك فلا يقضي. وهذا القول حكاه ابن حبيب عن مالك (٥). وسبب الخلاف: [هل يجوز] (٦) قياس المجنون على الحائض أم لا؟

стр. 637

فمن جوز القياس قال: يقضي الصيام كما أن الحائض تقضي. ومن أسقط [القضاء] (١) فيما كثر قاسه على الحائض في أنها لا تقضي الصلاة لتكررها وتقضي الصيام؛ لأنه لا يتكرر. وإذا كثر ما على المجنون من الصيام كان بمثابة الصلاة للحائض. وأما الخلاف في اتصال الجنون بالبلوغ هل يجوز أن يقاس على الصبي؛ لأنه لم تمر [عليه] (٢) [حالة] (٣) يتوجه [عليه] (٤) الخطاب فيها بشيء من الفرائض. [أو] (٥) لا يجوز قياسه على الصبي؛ لأن الجنون عارض يطرأ ويمكن زواله، وما من [ق/ ٥١ جـ] زمان يمضي إلا ويجوز فيه زواله، ويبقى العبد مكلفًا. والصبي ليس بعارض سانح؛ بل ذلك أمر جبلي، ولزواله حد لا يتعداه؛ وهو الاحتلام أو ما يقوم مقامه من السنين, وهو الصحيح إن شاء الله. فإن كان يُجَن ويَفِيق: فهو كالمغمى عليه، وان أغمى عليه في رمضان، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون أغمى عليه قبل طلوع الفجر. والثاني: أن يكون أغمى عليه بعد طلوع الفجر. فإن أغمى عليه قبل طلوع الفجر، فلا يخلو من أن ينوبه ذلك في أول

стр. 638

يوم من رمضان [أو] (١) في [أثنائه] (٢). فإن نابه ذلك في أول يوم منه فأغمى عليه قبل طلوع الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فلا إشكال في وجوب قضاء ذلك اليوم على القول بأن صيام رمضان يفتقر إلى النية على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى. فإن نابه ذلك في أثناء رمضان فأغمى عليه قبل الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فهل يجزؤه أو يقضي؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه لا يجزئه صيام ذلك اليوم ويقضيه، وهو نص "المدونة" في "كتاب الصيام". وظاهره أنه لا ينظر إلى المرض هل سبقه أو كان بإثره كما نص عليه ابن سحنون عن أبيه، ويكون قوله تفسيرًا للمدونة. والثاني: أنه إذا تقدم الإغماء مرض، أو بإثره مرض مُتَّصِل [به] (٣) فيجب القضاء، ويكون صوم ذلك اليوم فاسدًا، وهو قول عبد الملك. وسبب الخلاف: اختلافهم في النية، هل يجب على الصائم تبييتها في كل ليلة أم لا؟ فمن رأى أنه يفتقر إلى التبييت كل ليلة: قال بفساد صيامه، وهو قول منصوص في المذهب. ومن قال: لا؛ بل تكفيه النية الأولى: قال بالإجزاء إلا أن يكن معه مرض.

стр. 639

رأيت أكثر مشايخ المذهب رضوان الله عليهم ذهبوا إلى أن العلة في فساد صيامه زوال عقله؛ فالعقل محل التكليف، والذي قالوه صحيح غير أنه ينتقض عليهم بإغمائه بعد طلوع الفجر أن جعلوا العلة زوال العقل بالإغماء، ومن زال عقله لا يتصف فعله بالصحة، ولا بالفساد؛ لأن الصحة والبطلان من أحكام التكليف. ولا فرق بين الليل والنهار، فلما فرق المذهب بين الليل والنهار، وفرق أيضًا بين أن يستغرق النهار بالإغماء وبين إغمائه أول النهار: دل على أن العلة خلاف ما ذكروه؛ وهو كونه أغمى عليه حتى جاوز الوقت الذي [فيه] (١) يحتاج إلى عقد النية بصيامه، فإذا جاوز ذلك الوقت فلا يعتد بصيامه، وإن أفاق عقيبه. ومن تفطن لهذه [العلة] (٢) فلا يعلل بسقوط الخطاب [ولا بثبوته والله الموفق للصواب] (٣) فإن كان إغماؤه بعد طلوع الفجر، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يَسْتَغْرِق [ق/ ٦٤ أ] نهاره كله أو أكثره، أو أغمى عليه إلى نصف النهار، أو أغمى [عليه] (٤) أقل النهار من أوله أو آخره. فإن استغرق نهاره بالإغماء أو أغمى عليه أكثر النهار، هل يلزمه القضاء أم لا؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 640

أحدها: وجوب القضاء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" (١). والثاني: أن صيامه جائز ولا قضاء عليه. وهو قول مطرف وابن الماجشون على ما حكاه ابن حبيب عنهما (٢). والثالث: أن عليه القضاء استحبابًا. وهو قول أشهب [في] (٣) المدونة. وسبب الخلاف: المغمى عليه، هل يقاس عليه النائم أم لا؟ فمن رأى أنه يقاس على النائم يقول: لا قضاء عليه؛ لأن النائم متفق عليه أنه لو نام نهاره كله لجاز حياته، ولا قضاء عليه. ومن رأى أنه لا يقاس عليه يقول: المقصود من الصيام كف النفس عن الملاذ من الطعام والشراب احتسابًا لله تعالى وابتغاء مرضاته ومقاساة ألم الجوع، والصبر على مقاساته، وهذه الصفة لا توجد فيمن فقد عقله بإغماء أو جنون؛ لأنه مغلوب غير مختار، وقال الله تعالى: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" (٤)، وذلك معدوم في حق المغمى عليه، ولا يعترض على هذا بالنائم؛ لأن النوم في جميع النهار أو أكثره نادر الوقوع من وجهين واعتبارين: أحدهما: من طريق المشروع. والآخر: من جهة العرف. أما الشرع: فكون المكلف مطالب بوظائف النهار؛ من صلاة الظهر

стр. 641

والعصر [تمنعه] (١) من التمادي على النوم [عامة النهار] (٢). وأما العرف: فالنادر وقوع ذلك؛ إذ الغالب على الإنسان السعي والطلب للمعاش، ولا يتركه الباعث المستحث على طلب الدنيا أن ينام نهاره كله، وإن لم يكن هناك وازع ديني، فكيف والمؤمن [يوزعه] (٣) وازع الشرع من هذا الاسترسال والاتسام بشبهة الإهمال والإغفال، ونعوذ بالله من الاتصاف بهذه الصفات المذمومة. وأما إذا أغمى عليه في نصف النهار، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ قولان: أحدهما: أن صيامه صحيح، ولا وهم فيه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" (٤). والثاني: أن عليه القضاء. وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم (٥). وأما إن أغمى عليه أول النهار: فصيامه جائز ولا قضاء عليه اتفاقًا، والحمد لله وحده.

стр. 642

المسألة الثامنة [في] (١) صيام يوم الشك ولا يخلو صيام يوم الشك -لمن صامه- من وجهين: إما أن يصومه تطوعًا. أو يصومه على الاحتياط. فإن صامه تطوعًا، فهل يجوز أن يصام أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز القصد إلى صيامه تطوعًا. وهو قول مالك. والثاني: أن صيامه مكروه جملة. وهذا القول حكاه القاضي عبد الوهاب (٢) [في المذهب] (٣). والثالث: التفرقة بين أن يصادف صومًا كان يصومه مثل من يُدِيم الصيام: فإنه يجوز له صيامه، وبين من يقصد صيامه دون صيام قبله فيكره [له] (٤). وهذا التفصيل حكاه [الشيخ أبو إسحاق] (٥) [القابس] (٦) على

стр. 643

المذهب. وسبب الخلاف: اختلافهم في نهيه ﷺ [عن صيام يوم الشك] (١) هل هو نهي أريد به العموم، أو نهي أريد به الخصوص؛ وهو صومه على معنى الاحتياط [فإن ضاق على معنى الاحتياط] (٢) لرمضان، هل يجزئه إن صادف أنه أول يوم من رمضان أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٣): أحدهما: أنه لا يجزئه وعليه القضاء، وهو ظاهر "المدونة" وهو نص قول مالك في غير "المدونة"؛ لأنه إن كان بغمومه بسحاب أو غيرها، فالتحري إنما يكون عند ارتفاع الأدلة، والله تعالى قد جعل الأهلة مواقيت للناس، فإن غُمَّ شهر لم يغم ما قبله. والثاني: أنه يجزئه إن صادف ذلك اليوم أول رمضان. وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب" (٤) لقوله: لأنه لم ينو به رمضان، وإنما نوى به التطوع. قال ابن لبابة: كأنه يقول: إن نوى به رمضان، وإن كان على شك أنه يجزئه، وهو ظاهر قول مالك في الأسير أيضًا إذا التبست عليه الشهور، فصام تحريًا لرمضان، ثم صادفه: أنه يجزئه، ولا فرق بينهما. وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وقد أجازت عائشة وأسماء، وعبد الله بن عمر، ومن الفقهاء أحمد ابن حنبل ﵃ صومه على الاحتياط، وقالت عائشة رضي الله

стр. 644

عنها؛ لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليّ من [أن] (١) أفطر يومًا من رمضان (٢). فذهب الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى أن صومه على الاحتياط إذا كان الغيم واجب أو مستحب؛ قياسًا على الشك في الفجر [مع] (٣) الغيم. ولا يختلف المذهب فيه أن الإمساك مأمور به إما فرض وإما ندب [ولا فرق بين السؤالين؛ لأن هذا في الليل بيقين وهو زمان الفطر، وشك هل دخل عليه زمان الصوم، وهل حرم عليه الأكل] (٤) وهذا في شعبان بيقين وهو زمان يجوز فيه الفطر، وشاك هل دخل عليه زمان الصوم، وأن يكون [السحاب] (٥) ستر الهلال كما ستر الفجر. والمذهب كله مبني على أنه لا يكره الأخذ بالاحتياط في محرم أو مباح مع وجود الشبهة، إلى آخر ما قال. وهذا الذي قال مع [حالته] (٦) فيه نظر؛ لأن غداة هذا الفجر بيقين يعلم أنها زمان الصيام، وغداة يوم الشك مشكوك [فيها] (٧) غير متيقنة، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٨).

стр. 645

المسألة التاسعة في الأسير إذا الْتَبَسَتْ عليه الشهور في دار الحرب ولم يعلم [شعبان] (١) من رمضان فيصومه ولا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يترجح عنده أنه شهر بعينه. أو يتساوى الشك عنده من غير ترجيح. فإن ترجح عنده أنه شهر بعينه: فإنه يصومه، ولا يحل له الفطر. فإن تساوى عنده الطرفان، فهل يصوم بالتحري أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصوم بالتحري، وهو [مذهب] (٢) "المدونة" (٣) نصًا، وهو قول مالك [وابن القاسم] (٤) وأشهب وعبد الملك في غيرها (٥). والثاني: أنه لا يصوم بالتحري حتى يعلم، ورأى أنه غير مخاطب بالصوم لعدم المعرفة بعينه. وهذا القول حكاه ابن الجلاب عن ابن القاسم في بعض نسخ كتابه. والثالث: أنه يصوم السنة كلها اثنا عشر شهرًا؛ قياسًا على من نذر صوم يوم الجمعة يصومه أبدًا ثم نسيه ولم يغلب على ظنه يوم من أيام

стр. 646

الجمعة: فاختلف فيه هل يصوم يومًا، أو يصوم الدهر كله؟ فإن قَدِمَ بلاد الإِسلام على القول بأنه يصوم بالتحري، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يتبين له صواب فعله. أو يتبين له فساد فعله. أو يبقى الأمر مُبْهَمًا كما كان أولًا. فإن تبين له صواب فعله؛ مثل أن يتبين له أنه صادف رمضان، فهل يجزئه أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين من المدونة: أحدهما: أنه يجزئه، وهو نص "المدونة" (١). والثاني: أنه لا يجزئه وعليه القضاء، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من مسألة الذي يصوم يوم الشك على معنى الاحتياط، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، وهو تأويل ظاهر. فإذا تَبَيَّن له فساد فعله؛ معناه أنه أخطأه، فلا يخلو من أن يكون [قد صام قبل رمضان أو بعده: فإن تبين له أنه قد صام قبله فلا يخلو من أن يكون] (٢) صومه كذلك شهرًا واحدًا، أو شهورًا. فإن كان شهرًا واحدًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجزئه وعليه القضاء. وإن كان شهورًا؛ مثل أن يَتَبَيَّن له أنه صام شعبان ثلاث سنين، فهل

стр. 647

يجزئه أو يقضي؟ فالمذهب على قولين: [أحدهما] (١): أنه يجزئه وعليه قضاء الشهر الأول، وهو قوله في "المدونة"، ولسحنون مثله في "كتاب ابنه": قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في "نوادره" (٢): يريد بقوله: يعيد الشهر الأول؛ يريد يلغي شعبان الأول فلا يجزئه، ولم يرد بذلك أن يعيد الرمضان الأول؛ لأن [عند] (٣) وقع شعبان الثاني [وشعبان الثالث] (٤) عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه. والثاني: أنه لا يجزئه وعليه قضاؤه، وهذا القول قائم من "المدونة" (٥): إذا صام [رمضان] (٦) الداخل وعليه رمضان آخر [ونوى به القضاء] (٧)، قال: لا يجزئه عن واحد منهما. وإذا كان لا يجزئه في هذا الوجه مع نيته، وقصده للقضاء فبأن لا يجزئه إذا لم يقصد به القضاء أولى وأحرى. وكما لو صلى الظهر في يومين قبل الزَّوَال: فإنه يجب عليه أن يُعِيد الصلاتين، ولا تكون الثانية قضاء عن أول يوم، ثم يقضي عن اليوم الآخر، وأيضًا فإن الصوم لم يقصد به القضاء، وإنما

стр. 648

قصد أداء كل شهر [بعينه لسنته] (١) وذلك ظاهر لا إشكال فيه. فإن تبين له أنه صام بعده؛ مثل أن يتبين أن صومه كان في شوال: فإنه يجزئه، ويكون قضاء. فإن بَقِي الأمر مُبْهَمًا، ولا يدري هل صام قبله أو بعده: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد كلما صام [حتى] (٢) يوقن أنه صام قبله أو بعده، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٣). والثاني: أنه يجزئه؛ لأنه فعل غاية المقدور عليه، وهو قول عبد الملك في "المجموعة" (٤). وسبب الخلاف: التحري هل يقوم مقام العلم حتى يتبين الخطأ، أو التحري شك، وتخمين لا تبرأ به الذمة؟ [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 649

المسألة العاشرة [في] (١) النية للصائم وقد اختلف العلماء في صيام رمضان هل يفتقر إلى النية أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها في المذهب قائمة من "المدونة": أحدها: أنه لا يفتقر إلى النية، وأنه متعين بتعيين الزّمان، وهي رواية ابن عبد الحكم [وعبد الملك] (٢) عن مالك، وهو مذهب الحنفية (٣)، [وهي قائمة] (٤) من "المدونة" (٥) من غير ما موضع؛ منها قوله في الحائض إذا استيقظت بعد الفجر فَشَكَّت أن تكون طهرت قبل الفجر: أنها تصوم وتقضي؛ لأنها يخاف عليها ألا تطهر إلا بعد الفجر، فبهذا علّل ابن القاسم المسألة ولم يُعَلِّل بعدم التبييت [وتأول بعض المتأخرين هذه المسألة على أن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية؛ لأن ترك ابن القاسم التعليل بعدم التبييت] (٦) وعلّل [بغيرها] (٧) دليل على أن النية [ليست] (٨) من شرطها. ومنها: ما وقع له في مسألة من صام رمضان الداخل قضاء عن رمضان الفائت، حيث قال: يجزئه وعليه قضاء الآخر، على رواية الآخر

стр. 650

بالفتح، فجعله يجزئه مع أن نيته إنما كانت للماضي، وما ذلك إلا لكونه يلزم بالتعيين. والثاني: أنه يفتقر إلى النية في ابتدائه وَتَنْسَحِبُ عليه تلك النية إلى آخره، ولا يحتاج إلى تجديدها كل ليلة ما لم يخالطه فطر غير معتاد، وهو نص "المدونة" في "كتاب الرهون" (١) وهي المسألة التي يسميها الفقهاء: غريبة الرهون؛ لوقوعها في غير محلها، وهذا القول هو المشهور، وعليه يناظر أصحابنا. وقولنا: فطر غير معتاد: كالفطر في نهار رمضان؛ إما بوجه جائز كالمرض، وكالحيض، والمسافر. وإما بوجه الانتهاك كمتعمد الفطر. وأما [الفطر] (٢) المعتاد: فهو ما كان في زمان الليل، فإنه لا يؤثر في قطع النية على مشهور مذهبنا. والثالث: أنه يفتقر إلى التَّبْييت في كل ليلة، وهذا القول نقله ابن عبد الحكم عن مالك، وقد قال مالك: إن التَّبْيِيت ليس على الناس في زمان رمضان، قال: والناس مُجْمِعُون فيه على الصوم. قال: وقال مالك: لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام. قال: وقوله الذي هو موافق للتبييت [أحب إلينا يريد أن عليه التبييت] (٣) في كل ليلة. وهذا نقله أبو الحسن اللخمي من كتاب ابن عبد الحكم، وهو مذهب

стр. 651

الشافعي. ويؤخذ هذا القول من "المدونة" من [مسألة] (١) المغمى عليه قبل الفجر، ثم أفاق بعده؛ حيث قال: يقضي، وما ذلك إلا لكونه مضى وقت التبييت، ولم يبيت. وسبب الخلاف: الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فمن رأى أنها غير معقولة المعنى أوجب [النية] (٢). ومن رأى أنها معقولة المعنى لم يوجب [النية] (٣)؛ لأن [المعنى] (٤) المقصود من [الصوم] (٥) ترك الأكل والشرب [والجماع] (٦) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك موجود من طريق المعنى أن الإمساك للصائم من قبيل الترك، والترك لا يفتقر إلى نية. ومن أوجب النية أيضًا احتج بقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" (٧) والصيام عمل، وقوله ﵇: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام" (٨)، وهذا مثل قوله ﵇: "لا نكاح إلا بوليّ" (٩)،

стр. 652

و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١)، "ولا صلاة لمن لا زكاة له". [وقد اختلف الأصوليون في مقصود الشرع في إيقاع حروف نافية على أدوات واقعة، هل ذلك نفي للذات شرع بالإبطال، أو ذلك نفي الفضيلة والكمال، فيتطرق إليه ضرب من الاحتمال ويسقط به الاستدلال]. وأما منشأ الخلاف [الذي] (٢) بين مالك والشافعي على مشهور المذهب: الفطر في زمان الليل، هل يؤثر في قطع حكم النية المتقدمة أم لا؟ وأما الزمان الذي [يجوز] (٣) للصائم أن يعقد فيه النية: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز [له] (٤) اعتقادها أول الليلة، ولا يضره بعد ذلك ما كان من الأكل، وذلك من باب الرخصة ورفع الحرج. واختلف هل يجوز له أن يؤخرها حتى يوقعها مع الفجر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز [له] (٥) ذلك؛ لأنه من باب التغرير بالصيام، وإنما يقدمها قبله، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم" (٦).

стр. 653

والثاني: أنه يجوز للصائم أن يوقع النية مع الفجر سواء [كان فرضًا أو نفلًا، معينًا أو مطلقًا] (١) وهو قول القاضي عبد الوهاب. وسبب الخلاف: اختلافهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢)، هل يخصص بالعادة التي ركّبَ الله تعالى عليها بني آدم؛ وذلك أن أكثرهم لا يقدرون على إدراك أوائل الفجر؛ لأن ذلك مما يدق ويرق ولا يكاد يدركه إلا آحاد من الناس، وفي ذلك تغرير بالصوم، والعبادات تتنزه عن الإغرار، والأخطار؛ لأنها في الذمة بتيقن، فلا تبرأ إلا بيقين. ومقارنة النية بالفجر محل الخطر، فيحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ (٣)، على القرب، كما قيل في قوله ﵇: "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (٤)، وكان رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت؛ فتأولوه، وقالوا: أي قاربت الصباح. ولكن قد جاء [بما] (٥) يقطع العذر [فيرفع] (٦) الاحتمال، [ويسد باب التأويل] (٧)؛ وهو ما أخرجه البخاري [في] (٨) هذا الحديث من الزيادة: "فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر" (٩)، وهذا نص في الباب.

стр. 654

وأما الفطر غير المعتاد إذا وجد في خلال رمضان، وكان باختيار المكلف على وجه جائز مباح؛ كالفطر في السفر والمرض، أو على وجه محظور؛ كالفطر عامدًا قاصدًا للانتهاك: فلا خلاف في [وجوب] (١) تجديد النية عند العودة إلى الصيام على القول باعتقاد النية أول الليلة، وأن تلك النية [منسحبة الامتداد] (٢) واختلف فيما إذا كان الفطر بغير اختيار المكلف كالحيض، فهل يفتقر إلى التبييت عند ارتفاع الحيض أم لا؟ فمشهور المذهب: أنها يلزمها التبييت، وقيل: لا يلزمها، وفطرها في زمان النهار على معنى الغلبة والاضطرار كفطرها في زمان الليل لما كانت مغلوبة. وهذا الخلاف قائم من مسألة الحائض إذا شَكَّت بعد الفجر هل طهرت قبل الفجر [أو بعده] (٣)؟؛ حيث قال: تصوم وتقضي؛ لاحتمال أن تكون طهرت بعد الفجر، ولم يذكر النية. وقد أشار القاضي أبو الفضل ابن الجلاب [إلى الخلاف] (٤) في المذهب والفرق [بينهما] (٥) وبين غيرها ممن أبيح له الفطر ظاهر، والحمد لله وحده.

стр. 655

المسألة الحادية عشر في المرأة الحائض إذا رأت الطهر فلا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تراه قبل طلوع الفجر، أو بعد طلوعه، أو شكت في أمرها. فإن رأته قبل طلوع الفجر: فلا يخلو من أن يبقى بينها وبين طلوع الفجر زمان متسع للغسل دون تضييق. أو يبقى بينها وبين طلوع الفجر ما لا يسع شيئًا من الغسل. أو يبقى ما يسع بعضه، ولم يسع استكماله. فإن بقى من الزمان ما يسع جميع الغسل: فلا خلاف في المذهب أنها مخاطبة بصوم يومها، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، وهو مذهب "المدونة" (١)؛ لأنها صارت كالجنب [والجنب] (٢) إذا أصبح صائمًا، فإن ذلك لا يفسد صومه، وكذلك لو صام نهاره كله، وهو جنب، فلا أعرف في المذهب نص خلاف في [عدم بطلان] (٣) صيامه؛ لأنه مطيع من وجه وعاص من وجه [آخر] (٤) فصيامه يجزئه، وهو مأثوم في ترك الصلاة. وإن لم يبق لطلوع الفجر شيء، أو بقى له ما لا يسع غسلها، هل هي كالحائض في يومها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها طاهر، وأنها مخاطبة بصوم ذلك اليوم، وبه قال ابن

стр. 656

القاسم وأشهب، وهو مذهب "المدونة" (١). والثاني: أنها كالحائض في ذلك اليوم، وهو قول عبد الملك (٢). وينبني الخلاف: على الخلاف في الحائض إذا ارتفع الدم عنها، ورأت علامة الطهر، هل حكمها حكم الحائض في العبادات والعادات [حتى تغتسل بالماء أو حكمها حكم الطاهر في الجميع أو حكمها حكم الطاهر في العبادات ويحكم لها بحكم الحائض في العادات] (٣) كالوطء وغيره وكالطلاق؟ وهذا مما اضطرب فيه المذهب؛ وذلك أن أهل المذهب اتفقوا فيما إذا علمت أنها طهرت من حيضتها في آخر النهار أنها إنما تقدر ما بقى من النهار بعد فراغها من غسلها لا من حين رأت الطهر وهذا الإجماع حكاه ابن أبي زيد في "النوادر" (٤)، وأبو الطاهر بن بشير [غير أن ابن بشير] (٥) أشار إلى [أن] (٦) المتأخرين تأولوا الخلاف على المذهب كيف يفرق بين الصلاة والصيام، ويجرون عليها حكم الحائض في حق الصلاة حتى تطهر أو يبقى من الزمان ما يمكن أن توقع فيه الغسل لو شرعت فيه، فعند ذلك تخاطب بالصلاة. وقالوا: في الصيام [إنها] (٧) بنفس ما [رأت] (٨) الطهر تكون

стр. 657

مخاطبة إن كانت في زمان ينعقد فيه الصيام، فلو كان بالعكس لكان أولى أن يقال إنها مخاطبة بالصلاة من حين رأت الطهر، وإن كانت لا تفرغ من الغسل، إلا بعد خروج الوقت كما قلنا في المجنون والنصراني على أحد الأقوال، وذلك أحوط للصلاة؛ إذ لا يجب عليها قضاء ما خرج وقته. ويقال في الصيام: إنها لا تخاطب إلا بعد الاغتسال؛ إذ لابد لها من القضاء. فلو كان الدِّين بالقياس لكان الأمر كذلك، ولكنا خوطبنا بالوقوف على الدليل الشرعي، ومن أين لهم هذا التفريق، إن كان ذلك بدليل فنقول: فسمع وطاعة، وإن كان بدليل معقول، فعليهم أن يظهروه ويبرزوه، وإلا فقد ثبت عنه ﷺ من كل طريق، وثبت عند كل فريق أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). و [مَنْ] من أدوات العموم، فقال أصحابنا: هذا في أصحاب الأعذار كالحائض إذا طهرت، مثل ما ذكرناه. فانظر هل حد لها النبي ﷺ حدًا من الاغتسال ومقدار الاغتسال، أو أشار إليه؟ وليس في الأخبار شيء يدل على ذلك؛ فإذا المرجوع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ الآية (٢). فقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فيجوز الوطء، وتخاطب بالعبادات؛ لأن حكمها حينئذ حكم الجنب؛ لأن الغاية من شرطها أن يكون ما بعدها مخالف لما قبلها، وإليه ذهب بعض العلماء.

стр. 658

وبه قال [ابن] (١) بكير -من أصحابنا-: فيكون قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٢) تكرر أو يكون حكمها حكم الحائض حتى تغتسل، وهو الأشهر، وهو الذي يشبه أن يكون مثار الخلاف. ومن فرق بين العبادات والعادات لاحظ جانب العبادات؛ إذ لا ضرر على المكلف في ترك العادات؛ إذ له عنه عوض؛ وهو ما أباحه الشرع من الاستمتاع بها بأعلاها. فأما إذا رأت الطهر بعد طلوع الفجر: فلا يلزمها صوم ذلك اليوم باتفاق. فإن شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده: فقد قال في "المدونة" (٣): إنها تصوم وتقضي؛ فأمرها بالصيام للاحتمال أن تكون طهرت قبل الفجر، وأمرها بالقضاء لاحتمال أن تكون طهرت بعد الفجر، ولم أر فيها في المذهب خلافًا منصوصًا، ولا يبعد دخول الخلاف فيها بالمعنى، وذلك أنهم احتاطوا للعبادات؛ إذ لا يزول الغرض إلا بيقين. وللمعترض أن يقول: إن ذمتها برئت من حيث رأت الحيض، وأنها غير مخاطبة بالأداء، ولا بالقضاء، فلا تَعْمُر إلا بيقين ونية، واستصحاب الحال أصل من أصول الشرع، وهذا لا جواب عنه إذا وقع الإنصاف. واختلف المتأخرون في تأويل ما وقع لابن القاسم في "المدونة" في هذه المسألة كيف علل بالشك في وجوب القضاء، ولم يعلل بالنية، ويقول: إنها لم تُبَيِّت الصيام:

стр. 659

فذهب بعضهم إلى أن فطرها وهي حائض لا يؤثر في قطع النية التي بيتتها أول ليلة؛ لأنها مجبورة على الفطر، بخلاف المريض والمسافر. وذهب آخرون إلى أن ذلك منه جنوح إلى مذهب من يقول إلى أنها لا تفتقر إلى النية، وأن صوم رمضان متعين [بتعيين] (١) الزمان، وهذا أحد أقاويل المذهب. ومنهم من يقول: إنما غَفَل ابن القاسم عن ذكر النية، واقتصر على ذكر الاحتمال أن تكون طهرت [قبل] (٢) الفجر [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 660

المسألة الثانية عشر في صيام المَرْضِع والحَامِل و [المُسْتَعْطِش] (١) فأما الحامل: فلا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون قوية على الصيام، ولا يجهدها إذا صامت، ولا يخشى على ولدها؛ مثل أن يكون ذلك في أول شهوره: فهذه يجب عليها الصيام، ولا يباح لها الفطر، فإن أفطرت فعليها كفارة المنتهك، وإما أن تخاف على ولدها إذا صامت، أو تخاف حدوث علة بها: فهذه لا يجوز لها الصيام، وتؤمر بالإفطار. وإما أن يجهدها ويشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئًا: فهذه مُخَيَّرة بين الإفطار والإمساك. فإن أفطرت في هذين الوجهين: كان عليها القضاء، ولا خلاف فيها. واختلف هل تطعم أم لا على أربعة أقوال: أحدها: أنها لا إطعام عليها، وهو قوله في "المدونة" (٢). والثاني: أنها تطعم، وهي رواية ابن وهب في "المدونة" (٣) أيضًا. والثالث: [التفريق] (٤) بين أن يكون خوفها على نفسها, ولم تطعم؛ لأنها مريضة، وإن خافت على ولدها أطعمت، وهو قول عبد الملك (٥).

стр. 661

والرابع: أنها إذا خافت على ولدها قبل [أن تمضي] (١) ستة أشهر أطعمت، وإن دخلت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة يريد أن المرض يسقط الإطعام، وإن شاركها الخوف على الولد، وهو قول أبي مصعب. وسبب الخلاف: هل يغلب حقها على حق الولد، ثم لا تطعم، أو يغلب حق الولد عليها فتطعم؟ فعلى أي وجه كان، فالإطعام [على] (٢) جنب الحامل ضعيف. وأما المرضع: فلا تخلو من وجهين: إما أن تجد مَنْدُوحَة عن مباشرة الرضاع، أو لا تجده. فإن وجدت مَنْدُوحَة عن الرضاع؛ مثل أن يكون الولد يقبل غيرها من المراضع، وكان للصبي مال تستأجر له به من يرضعه: فهاهنا يجب عليها [الصيام] (٣)، ولا يباح لها أن تباشر الرضاع وتفطر، فإن [فعلت] (٤) فعليها كفارة المنتهك. واختلف إذا لم يكن للولد مال ولا أب له، أو له أب معسر، هل يجب عليها أن تستأجر له من مالها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة" (٥): أحدهما: أنها تستأجر له من مالها، وتصوم وهو نص "المدونة". والثاني: أن ذلك لا يجب عليها إلا أن تشاء؛ قياسًا على النفقة،

стр. 662

وهو ظاهر "المدونة". واختلف المتأولون والشارحون [على] (١) ما وقع له في المدونة؛ حيث قال: تستأجر له من يرضعه من مالها وتصوم؛ فقال بعضهم: يؤخذ منه أن عليها أن تستأجر له من يرضعه في الحولين إذا لم يكن لها لبن، كما نص [عليه مالك] (٢) في غير "المدونة"، وهو قول إسماعيل القاضي وغيره. قال أبو عمران الفاسي ﵁: وهو قولهم كلهم، وإن كان القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب [يقول] (٣) لا يلزمها ذلك قياسًا على النفقة. وقال بعضهم: لا يلزمها أن تستأجر له، إنما حقه في اللبن، فإذا انقطع بغير سببها [للولد، وقال آخرون: معنى ذلك أن حق الصبي تعين في معين، وهو اللبن. فإذا انقطع اللبن بغير سببها] (٤) فلا شيء عليها في مالها، وإن كان بسببها فعليها العوض، والأصول موضوعة على أن من أتلف مال غيره [فعليه] (٥) المثل [فيما له المثل] (٦)، والقيمة فيما لا مثل له؛ فكأن الأم وجب عليها أن تفطر وتطعم إذا علمت أن الصوم يضر بلبنها، فلما اختارت الصيام بدلًا عن الفطر المباح لها تبين أنها قصدت إتلاف اللبن الذي هو حق الصبي وصانت بذلك مالها -أعني الكفارة التي تجب عليها بالإفطار- لو أفطرت.

стр. 663

وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة. وأما إذا لم تجد مندوحة عن مباشرة الرضاع: فإنها تفطر إذا لم يقبل الولد غيرها من المراضع، والقضاء واجب عليها. واختلف [في الكفارة] (١) على قولين: أحدهما: أنها تطعم، وهو قول مالك في "المدونة" (٢). والثاني: أنه لا إطعام عليها، وهو قوله في "كتاب ابن عبد الحكم". وعلى القول بأنها تطعم، هل ذلك إيجاب أو ندب؟ قولان: ظاهر "المدونة" (٣) إيجاب. وقال أشهب (٤): استحباب. ومتى يكون الإطعام؟ فالذي اختاره [المتأخرون] (٥) أن يكون الإطعام مع القضاء، وكل يوم قضته أخرجت عنه [الكفارة] (٦) مُدًا بِمُدِّ النبي ﷺ ، وإن قدمت الإطعام على القضاء [أو أخرته عنه] (٧) فإنه [يجزئها] (٨). وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ [مِسْكِينٍ] (٩)﴾ (١٠)، هل الآية عامة ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ

стр. 664

شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) وأن الآية نزلت [في الحامل والمرضع] (٢) والكبير الفاني. فإن قلنا بالتخصيص: كانت الكفارة عليها واجبة بالقرآن، وإن قلنا بالنسخ: فيتركب الخلاف على أصل آخر، وهو الرخص [فهل يقاس عليها أم لا] (٣). فإن قلنا بجواز القياس عليها: فلا إطعام عليها كالمريض والمسافر. وإن قلنا: إن القياس لا يجوز عليها: قلنا يلزمها الإطعام. ومن استحسن تردد. وأما المستعطش: الذي لا صبر له على العطش، والمتجوع: الذي لا صبر له على الجوع أصلًا، والذي رهقه عطش أو جوع مفرط في بعض النهار لعارض طرأ عليه كالحر الشديد حتى يخاف ذهاب مهجته، واعتلال [بعض] (٤) حواسه، فهل يباح لهم الفطر أم لا؟ فإذا أبيح لهم الفطر هل يطعمون أم لا؟ وأما المستعطش والمتجوع الذي لا صبر له على الدوام حتى لا يقدر أن يوفي بالصيام في شتاء ولا صيف: فهذا لا إطعام عليه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف فيه. وأما القضاء: فإن قدر عليه يومًا ما قضى، وإلا فلا شيء عليه. وأما الذي رهقه جوع أو عطش في بعض النهار: فإنه يباح له الأكل أو

стр. 665

الشرب. وهل له التمادي على الفطر بجميع أنواع المفطرات [جماعًا] (١) أو غيره أم لا؟ [فالمذهب] (٢) على قولين: أحدهما: جواز التمادي على الفطر بجميع [ما يحل] (٣) للمفطر [جماع وغيره] (٤). وهو قول سحنون، وأعاب قول من قال: لا يفعل (٥). والثاني: أنه يمسك عن الأكل والشرب بعد ذهاب عطشه وجوعه، وهو قول ابن حبيب (٦). واتفقا أنه لا إطعام عليه، وعليه القضاء. وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في المضطر [إذا] (٧) أكل الميتة، هل يشبع منها ويتزود، أو يأكل منها ما يسد رمقه ولا يتزود؟. وهذا الخلاف ينبني على أصل [آخر] (٨)؛ وهو: ما حرمه الله تعالى إلا إذا أباحه على وجه الضرورة، هل هو كسائر المباحات [بالنسبة إلى المضطر فيستمتع بها كما يستمتع بسائر المباحات فيما يرجع إلى الاقتيات بها حتى يستغني عنها بغيرها من المباحات] (٩) إطلاقًا، أو إنما يباح له منها ما

стр. 666

يَسُد به الرَّمَق خاصة، والزائد عليه [باق] (١) على [أصل] (٢) التحريم؟ [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 667

المسألة الثالثة عشر في قضاء رمضان إذا أفطره أو بعضه والكلام فيه على ثلاثة فصول: الأول: الزمان الذي لا يجوز أن يقضي فيه. والثاني: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ والثالث: إذا دخل عليه رمضان القابل قبل أن يقضي. فالجواب عن الفصل الأول: في معرفة الزمان الذي لا يجوز فيه قضاء رمضان: أما يوم الفطر، ويوم النحر فلا خلاف بين الأمة أن صيامها لا يجوز بوجه؛ لا قضاء ولا نذر، ولا تطوع. واختلف في اليوم الرابع [في المذهب] (١)، هل يصومه من نذره، ومن عليه صيام التتابع فقطع عليه لعذر: فلا خلاف في اليومين اللذين بعد يوم النحر أنه يصومهما المتمتع الذي لا يجد هديًا. واختلف هل يجوز أن يقضي فيهما رمضان أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقضي فيهما ولا يصومهما أحد إلا المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية (٢). والثاني: أنه يجوز أن يقضي فيهما؛ قياسًا على من نذر صيام سَنَة بعينها، أو نذر صيام ذي الحجة على القول بأنه يصومها على ما سنبينه في

стр. 668

مسألة: من نذر صيام سَنَة بعينها إن شاء الله تعالى. وأما اليوم الرابع هل يحكم له بحكم اليومين اللذين قبله أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (١): أحدها: أنه لا يجوز صيامه بوجه. وهو قول أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في مساواته [بين] (٢) اليوم الرابع والثالث في الرمي. والثاني: أنه يجوز صومه لكل من صامه، ويقضي فيه رمضان، وهذا القول قائم من "المدونة" (٣)، [من قوله] (٤) في ناذر صيام سنة بغير عينها يصوم اثنى عشر شهرًا ليس فيها رمضان [ولا يوم الفطر] (٥) ولا أيام النحر. ولم يذكر اليوم الرابع، وإلى هذا الاستقراء أشار الباجي، وقد نص فيه على جواز صومه لمن نذره، ويصومه من عليه كفارة اليمين. والثالث: أنه لا يصومه أحد قضاء لرمضان، ولا يبتدئ فيه صيام التطوع، ويصومه من عداهم وهو نص "المدونة" (٦). وسبب الخلاف: الرُّخَص هل يقاس عليها أم لا؟ وذلك أن الله تعالى رَخَّصَ للمتمتع في صيامهما، فهل يقاس عليه غيره؛ بناء على أن صيامهما يجوز على وجه ما، أو لا يجوز القياس؛ لأنها أيام

стр. 669

يكون [فيها العبيد] (١) في ضيافة المولى كما أشار إليه النبي ﷺ وهذا هو المشهور من المذهب. والجواب عن الفصل الثاني: هل القضاء على الفور أو على التراخي؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه على الفور، وأنه مهما أمكنه القضاء في أول شوال فإنه يجب عليه التلبس به، فإن تركه حتى يمضي منه مقدار ما عليه من عدد الأيام: فإن الكفارة تترتب في ذمته إن مات بعد ذلك أو مرض أو سافر سفرًا متصلًا إلى دخول الرَّمَضان المُقْبِل، وأنه غير معذور بذلك لوجود التَّفْرِيط أولًا. [فإن] (٢) لم يكن به آقة ولا عذر حتى قضاه في آخر السنة: فإنه قد خاطر وسَلِم، [وقد قيل: الغرور] (٣) ليس بمحمود [وإن سلم] (٤). وهو قول [ابن القاسم] (٥) في "المبسوط" (٦) وهو أسعد بظاهر الكتاب لقوله في المسألة [إذا مات] (٧) وقد صح شهرًا أو أقام في أهله شهرًا، وأوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مُبَدًا ولا يُبَدا إلا الآكد، وَبَدَّاه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه.

стр. 670

فلو كان على التراخي أنه لا يجب إلا بخروج شعبان: لكان قد أوصى بما لم يجب عليه، وكان كسائر الوصايا التي لا تبدا [وهذا أبين في المدونة] (١). والثاني: أنه على التراخي وأنه لا تجب عليه كفارة التفريط حتى يمكنه القضاء في شعبان، فإن لم يفعل حتى دخل رمضان الثاني، ولم يمرض ولم يسافر في شعبان: فعند ذلك تجب عليه الكفارة، ولا ينظر إلى ما مضى من سائر السنة، هل كان فيه مقيمًا أو مسافرًا [أو صحيحًا] (٢) أو مريضًا، وبه قال أشهب وابن نافع [ورواه عن مالك أيضًا] (٣)، وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الحائض. ومن مسألة تفريق القضاء أظهر؛ لأنه جوز في الكتاب أن يفرق القضاء، وتفريقه يؤذن بالتراخي على كل حال، وهذا أظهر في الاستقراء. ويتخرج من المدونة قول ثالث: أنه إذا اتصل به المرض [والسفر] (٤) من رمضان إلى رمضان آخر: أن ذلك لا يخرجه من الإطعام، وهذا القول حكاه أبو عمران عن أشهب، وهو قائم من "المدونة" من مسألة الحامل؛ لأن العلة الجامعة المرض، إلا أنه شذوذ من القول، والله أعلم. وسبب الخلاف: المفهوم من قول عائشة ﵂ فيما أخرجه البخاري ومسلم (٥) أنها قالت: كان يكون [عليَّ] (٦) الصوم من رمضان
следующие страницы →