стр. 666
← Фикх малики следующие страницы →
Фикх малики · id 123685
مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها
الرجراجي، علي بن سعيد
Полный текст (4 240 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 667
المسألة الثالثة عشر في قضاء رمضان إذا أفطره أو بعضه
والكلام فيه على ثلاثة فصول:
الأول: الزمان الذي لا يجوز أن يقضي فيه.
والثاني: هل هو على الفور، أو على التراخي؟
والثالث: إذا دخل عليه رمضان القابل قبل أن يقضي.
فالجواب عن الفصل الأول:
في معرفة الزمان الذي لا يجوز فيه قضاء رمضان: أما يوم الفطر، ويوم النحر فلا خلاف بين الأمة أن صيامها لا يجوز بوجه؛ لا قضاء ولا نذر، ولا تطوع.
واختلف في اليوم الرابع [في المذهب] (١)، هل يصومه من نذره، ومن عليه صيام التتابع فقطع عليه لعذر: فلا خلاف في اليومين اللذين بعد يوم النحر أنه يصومهما المتمتع الذي لا يجد هديًا.
واختلف هل يجوز أن يقضي فيهما رمضان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي فيهما ولا يصومهما أحد إلا المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية (٢).
والثاني: أنه يجوز أن يقضي فيهما؛ قياسًا على من نذر صيام سَنَة بعينها، أو نذر صيام ذي الحجة على القول بأنه يصومها على ما سنبينه في
стр. 668
مسألة: من نذر صيام سَنَة بعينها إن شاء الله تعالى.
وأما اليوم الرابع هل يحكم له بحكم اليومين اللذين قبله أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (١):
أحدها: أنه لا يجوز صيامه بوجه.
وهو قول أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في مساواته [بين] (٢) اليوم الرابع والثالث في الرمي.
والثاني: أنه يجوز صومه لكل من صامه، ويقضي فيه رمضان، وهذا القول قائم من "المدونة" (٣)، [من قوله] (٤) في ناذر صيام سنة بغير عينها يصوم اثنى عشر شهرًا ليس فيها رمضان [ولا يوم الفطر] (٥) ولا أيام النحر.
ولم يذكر اليوم الرابع، وإلى هذا الاستقراء أشار الباجي، وقد نص فيه على جواز صومه لمن نذره، ويصومه من عليه كفارة اليمين.
والثالث: أنه لا يصومه أحد قضاء لرمضان، ولا يبتدئ فيه صيام التطوع، ويصومه من عداهم وهو نص "المدونة" (٦).
وسبب الخلاف: الرُّخَص هل يقاس عليها أم لا؟ وذلك أن الله تعالى رَخَّصَ للمتمتع في صيامهما، فهل يقاس عليه غيره؛ بناء على أن صيامهما يجوز على وجه ما، أو لا يجوز القياس؛ لأنها أيام
стр. 669
يكون [فيها العبيد] (١) في ضيافة المولى كما أشار إليه النبي ﷺ وهذا هو المشهور من المذهب.
والجواب عن الفصل الثاني:
هل القضاء على الفور أو على التراخي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه على الفور، وأنه مهما أمكنه القضاء في أول شوال فإنه يجب عليه التلبس به، فإن تركه حتى يمضي منه مقدار ما عليه من عدد الأيام: فإن الكفارة تترتب في ذمته إن مات بعد ذلك أو مرض أو سافر سفرًا متصلًا إلى دخول الرَّمَضان المُقْبِل، وأنه غير معذور بذلك لوجود التَّفْرِيط أولًا.
[فإن] (٢) لم يكن به آقة ولا عذر حتى قضاه في آخر السنة: فإنه قد خاطر وسَلِم، [وقد قيل: الغرور] (٣) ليس بمحمود [وإن سلم] (٤).
وهو قول [ابن القاسم] (٥) في "المبسوط" (٦) وهو أسعد بظاهر الكتاب لقوله في المسألة [إذا مات] (٧) وقد صح شهرًا أو أقام في أهله شهرًا، وأوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مُبَدًا ولا يُبَدا إلا الآكد، وَبَدَّاه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه.
стр. 670
فلو كان على التراخي أنه لا يجب إلا بخروج شعبان: لكان قد أوصى بما لم يجب عليه، وكان كسائر الوصايا التي لا تبدا [وهذا أبين في المدونة] (١).
والثاني: أنه على التراخي وأنه لا تجب عليه كفارة التفريط حتى يمكنه القضاء في شعبان، فإن لم يفعل حتى دخل رمضان الثاني، ولم يمرض ولم يسافر في شعبان: فعند ذلك تجب عليه الكفارة، ولا ينظر إلى ما مضى من سائر السنة، هل كان فيه مقيمًا أو مسافرًا [أو صحيحًا] (٢) أو مريضًا، وبه قال أشهب وابن نافع [ورواه عن مالك أيضًا] (٣)، وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الحائض.
ومن مسألة تفريق القضاء أظهر؛ لأنه جوز في الكتاب أن يفرق القضاء، وتفريقه يؤذن بالتراخي على كل حال، وهذا أظهر في الاستقراء.
ويتخرج من المدونة قول ثالث: أنه إذا اتصل به المرض [والسفر] (٤) من رمضان إلى رمضان آخر: أن ذلك لا يخرجه من الإطعام، وهذا القول حكاه أبو عمران عن أشهب، وهو قائم من "المدونة" من مسألة الحامل؛ لأن العلة الجامعة المرض، إلا أنه شذوذ من القول، والله أعلم.
وسبب الخلاف: المفهوم من قول عائشة ﵂ فيما أخرجه البخاري ومسلم (٥) أنها قالت: كان يكون [عليَّ] (٦) الصوم من رمضان
стр. 671
فما أستطيع أن أصومه إلا في شعبان لشغلي [بحق] (١) رسول الله ﷺ .
فهل يفهم منه جواز التأخير، وهو الذي فهمه أكثر [الأصحاب] (٢)، وإنما يفهم منه البدار مع التمكن؛ لأن عائشة ﵂ بينت العذر الذي منعها من البدار، وأوجب [عليها] (٣) التراخي؛ وهو الشغل بحق رسول الله ﷺ ولولا ذلك لبادرت إلى القضاء، وهو الأظهر، والله أعلم.
ويكون قضاء الصوم على هذا التأويل على الفور على مذهب عائشة؛ كالصلاة إذا نسيها، أو نام عنها أنه يصليها عقيب الذكر، وزوال ما كان به من نوم؛ فيكون مُفَرِّطًا متى لم يفعل.
والجواب عن الفصل الثالث:
إذا دخل عليه رمضان الثاني، أو الثالث قبل أن يقضي: أما إذا دخل عليه رمضان الثاني: فإنه يقضي عن كل يوم مدًا، ولا خلاف عندنا في ذلك.
والدليل على ذلك ما خرجه البخاري عن [أبي هريرة وابن عباس أنه يجب عليه الكفارة وبه قال من التابعين القاسم بن محمَّد وسعيد بن جبير وعطاء وعطاء بن] (٤) أبي رباح، ومن طريق المعنى: أن هذا صيام وضع في غير محله، وأخر عن زمانه إيثارًا واختيارًا: فتجب عليه الكفارة الصغرى قياسًا على الكفارة الكبرى إذا أفطر متعمدًا، واختلف في الوقت الذي يستحب فيه الإطعام على قولين:
стр. 672
أحدهما: أنه يجب فيه الإطعام إذا تحقق التفريط، وإن كان في شعبان متمكنًا ففرط، فإنه يستحب له أن يطعم عن الأيام التي مضت.
والثاني: أنه يستحب له إذا أخذ في القضاء وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل كفارة التفريط شرعت لمعنى الجبر، فتقاس على الهدى بالذي وجب لفساد الحج، ثم لا يكون إلا عند القضاء؛ لأن الجبر إنما يكون مقارنًا للمجبور؟
أو إنما شرعت عقوبة لأجل التفريط، كما شرعت الكفارة الكبرى لأجل الانتهاك، فيجوز تقديمها على زمان القضاء؟
وأما إذا دخل عليه رمضان واحد فأكثر هل تكون عليه الكفارة، أو كفارة واحدة تجزئه؟
فلا خلاف في المذهب أعلمه أن عليه كفارة واحدة لا أكثر، وهو قول الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد (١)، وهو جواب [عبد الله] (٢) بن عمر لمن سأله عن ذلك.
فإذا أوصى بإخراجها عند موته، أو مات ولم يوص بذلك: فلا يخلو من أن يموت بإثر شعبان أو بعد بزمان.
فإن مات بإثره: فلا يخلو من أن يكون أوصى بإخراجها أم لا.
فإن أوصى بذلك هل يخرج من الثلث أو من رأس المال؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها تخرج من رأس المال؛ قياسًا على كفارة العمد في
стр. 673
رمضان فمات، ولم يُفَرِّط: أنها تخرج من رأس ماله، ولا فرق بين الكفارتين.
وقياسًا على الزكاة على ما قال في "المدونة": إذا مات ولم يُفَرِّط فأوصى بزكاة ماله: أنها تخرج من رأس ماله.
والثاني: أنها مصروفة إلى الثلث على كل حال، وهو ظاهر "المدونة؛ لقوله: إذا أوصى به أخرجت من الثلث غير مُبَدَّاة، ولم يفصل، وهو ظاهر ما وقع لمالك في "كتاب أبي الفرج" أن كفارة رمضان في ثلثه، وإن لم يوص بها.
فإن مات ولم يوص بها هل يؤمر الورثة، أو يجبرون؟
قولان قائمان من "المدونة" أيضًا:
أحدهما: أنهم يؤمرون، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يجبرون، وهو قول أشهب.
واتفقا أنها من الثلث.
ولو مات بعد شعبان بزمان [كثير] (١) لكان خروجها من الثلث إذا أوصى بها.
فإن لم يوص بها فلا شيء على الورثة.
والقول بأنهم يجبرون إذا لم يفرط أظهر في النظر؛ ولاسيما على أصول المذهب؛ لأن التهمة قد انتفت [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 674
المسألة الرابعة عشر الصيام المنذور
ولا يخلو الناذر للصيام من وجهين:
إما أن يُعَيِّن يومًا أو شهرًا أو سنة، أو لا يُعَيِّن.
فإن عَيَّن: فلا يخلو ذلك اليوم من أن يكون مما ينعقد فيه الصيام، أو لا ينعقد فيه.
فإن كان مما لا ينعقد فيه الصيام؛ مثل يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام الحيض والنفاس: فلا خلاف أنه لا يجوز له الوفاء بذلك في ذلك الزمان.
واختلف هل يجب عليه قضاؤها أم لا، على قولين منصوصين عن مالك في الكتاب (١).
أحدهما: أنه يقضي.
والثاني: أنه لا يقضي.
وسبب الخلاف: هل تعتبر الألفاظ أو المقاصد أم لا؟
فمن اعتبر الألفاظ قال: لا قضاء عليه؛ لأنه لم يذكره، ولا نذره وإنما نذر يومًا فمنعه الشارع من صيامه.
ومن اعتبر المقاصد قال بوجوب القضاء؛ لأنه لما علم أن هذا الزمان لا ينعقد فيه الصوم، وقصده بالنذر فكأنه قصد قضاءه.
فإن كان مما ينعقد فيه: فإنه يصومه، فإن أفطره: فلا يخلو من أن
стр. 675
يكون فطره لعذر، أو لغير عذر.
فإن كان لغير عذر: فلا خلاف في المذهب نصًا في وجوب القضاء.
فإن أفطره لعذر: فلا يخلو ذلك العذر من أن يكون له [فيه] (١) سبب أم لا.
فإن كان له فيه سبب: فالرواية في وجوب القضاء.
فإن لم يكن له فيه سبب؛ كالمرض والحيض: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قضاء عليه، وهو المشهور، وهو نص "المدونة" (٢).
والثاني: أنه يقضي ولا يعذر بذلك، وهي رواية ابن وهب في "كتاب الصيام" في بعض روايات "المدونة" لابن وضاح، وهي صحيحة في "المبسوط" لمالك.
والثالث: التفصيل بين أن يقصد الناذر عين ذلك اليوم لرجاء فضله وبركته: فيلزمه القضاء، وإلا فلا، وهو قول عبد الملك (٣).
ويتخرج في المسألة قول رابع [بالتفصيل] (٤) بين الحائض والمريض: فالمريض لا قضاء عليه، والحائض تقضي إذا كانت أيامًا أو سنة أو شهرًا؛ لأنها يغلب على ظنها أنها لابد لها أن تحيض في تلك المدة، فكأنها قصدت إلى القضاء، كما لو نذرت صيام أيام حيضتها، فإنها تقضي على الخلاف في ناذر سنة بعينها.
стр. 676
والأظهر في المريض قول ابن القاسم: أن لا قضاء عليه.
فإن لم يُعَيِّن النَّاذِر زمانًا، وإنما قال: لله عليَّ صوم سنة أو شهر مثلًا: فإنه يصوم سنة كاملة ليس فيها رمضان، ولا يوم الفطر، ولا أيام الذبح؛ أما رمضان: فلكونه مستحق العين، وأما يوم الفطر ويوم النحر: فلنهيه ﵇ عن صيامهما، وأما اليومان اللذان بعد النحر، واليوم الرابع: فقد قدمنا ما فيها من الخلاف في مسألة قضاء رمضان، فلا نطول بذكره مرة أخرى.
وبهذا فارق التعيين الإطلاق؛ لأن الإطلاق يقتضي سنة على وجهها، والتعين يفيد حصر النذر فيه من غير زيادة على ما عين، إلا إذا التفت إلى القصد؛ ولهذا اختلف قول مالك في ناذر سنة معينة، وناذر شهر ذي الحجة هل يقضي أيام الذبح حتى ينوي إلا أن يقضيها، أو لا يقضي حتى ينوي؟
فهذا تردد بين المقاصد والألفاظ، والنذر المعلق لا يدخله شيء من ذلك ولا يحتمله، فظاهر المدونة أنه يصوم الرابع لسكوته عنه؛ لأنه قال: ليس فيها رمضان [ولا يوم الفطر] (١) ولا أيام الذبح، واليوم الرابع ليس من أيام الذبح.
واختلف في المذهب فيمن نذر صيام اليوم الذي يَقْدمُ فيه فُلان، فقدم ليلًا أو نهارًا، أو نذر صيام يوم بعينه فنسيه.
أما إذا نسيه: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها لسحنون ﵁ (٢):
стр. 677
أحدها: أنه يصوم يومًا أي يوم شاء من أيام الجمعة.
والثاني: أنه يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، ويكون بمعنى القضاء.
والثالث: أنه يصوم أيام الجمعة كلها.
وهذه كلها احتياط، والقياس: أنه يصوم الجمعة كلها؛ إذ لا يخلو من ذلك اليوم.
وأما من نذر صيام اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم ليلًا: فإنه يصوم صبيحتها إن كان يومًا يجوز صيامه.
وإن كان يومًا لا يجوز صيامه سقط نذره، وإن قدم نهارًا فهل يلزمه القضاء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا قضاء عليه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١).
والثاني: أنه يقضي، وهو قول أشهب وعبد الملك.
وإن قدم يوم الفطر [والأضحى] (٢): فأشهب يقول: لا يقضي، وعبد الملك يقول: يقضي (٣).
ومن نذر أن يصوم [من] (٤) هذا الشهر يومًا: قال ابن سحنون عن أبيه (٥): عليه أن يصوم [منه] (٦) يومًا واحدًا.
стр. 678
стр. 679
المسألة الخامسة عشر فيمن أكره امرأته على الوطء أو على القبلة وهما صائمان في نهار رمضان
ولا يخلو هذا الإكراه من وجهين:
أحدهما: أن يكون الزوج هو المكره على أن يطأ.
والثاني: أن يكره الزوج امرأته على الوطء.
فإن كان الزوج هو الذي أكره على أن يطأ وهو صائم، فهل يقضي ويكَفِّر ويحد إن أكره على وطء امرأة ليست بزوجته، ولا ملكها بيمين؟
أما القضاء فلا خلاف في وجوبه عليه.
واختلف المذهب في الكفارة والحد على قولين:
أحدهما: أنه يُكَفِّر ويُحَد، وهو قول عبد الملك.
والثاني: أنه لا حد ولا كفارة عليه، وهو المشهور في المذهب.
وسبب الخلاف: هل يعذر بالإكراه أم لا؟
فمن أعذره بالإكراه يقول: لا حد ولا كفارة.
ومن لم يعذره بالإكراه: يرى أن له في ذلك إيثارًا واختيارًا؛ لأن العادة المألوفة من المكره الانزواء والانقباض، فوجود الانتشار وعدم الانقباض من الخائف يدل على أن الإكراه لا تأثير له، وهو ظاهر في المعنى، وقد رأيت لبعض المتأخرين نقلًا يخالف ما قدمناه -وهو أكثر أقوال المذهب- أنه لا كفارة عليه، والأكثر على إيجاب الحد عليه.
стр. 680
وهذا الذي قاله ليس بالبين؛ لأن الحد والكفارة حَقَّانِ من حقوق الله تعالى، وموجبهما في هذه الصورة واحد.
وهذا بخلاف المرأة إذا أكرهت على الوطء، فلا خلاف أنها لا حد عليها.
وإن كان الرجل هو الذي أكره امرأته على الوطء أو القبلة: فلا خلاف في وجوب الكفارة والقضاء عليه عن نفسه.
واختلف هل يكفر عنها أم لا على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يكفر [عنها] (١) جملة؛ سواء أكرهها على الوطء، أو على القبلة، أو أتاها وهي نائمة، أو رجل أكره غيره فصب الماء في حلقه وهو صائم.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في باب الإكراه على الوطء.
ويؤخذ من الكتاب في النائمة أيضًا [من قوله] (٢) بأي وجه كان ناسيًا أو غير ناس، ورواه عبد الملك وابن نافع عنه.
والثاني: أنه لا يلزمه أن يكفر عنها جملة.
وهو ظاهر المدونة فيمن أتى نائمة، أو أكرهها فصب في حلقها ماء؛ إذ لا فرق بينهما و [هو] (٣) مذهب سحنون.
والثالث: التفرقة بين القُبلة والوطء، فيكفر عنها في الوطء، ولا يكفر عنها في القُبلة.
وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله أبو الحسن القابس [وابن
стр. 681
شبلون] (١) لقوله في "المدونة": إذا قَبَّل امرأته مكرهة حتى يُنْزِلَا: فالكفارة عليه، وعلى المرأة القضاء.
ووجه التفرقة: أنه لا انتهاك في مسألة القبلة؛ لأنه لم يكن الإنزال إلا من فعله؛ ولأنه بنفس الإيلاج تجب الكفارة.
وأظهر الأقوال: ما ذهب إليه سحنون؛ وذلك أن المذهب اتفق [على] (٢) ألا كفارة عليها؛ لأنها مكرهة والمكره لا ينسب إليه فعل.
فإذا كانت الكفارة لا تجب عليها، فما الذي يحمل عنها؟ وكذلك إن أكره أمته على الوطء: فإنه يكفر عنه وعنها على أحد الأقوال.
وقال ابن أبي زيد: قال بعض أصحابنا في كتاب آخر: وإن وطئ أمته: كفر عنها، وإن طاوعته -يريد في الأمة وإن طاوعته كالإكراه للرِّق-.
وعلى القول بأنه يكفر عنها، فإن كان معسرًا: كفرت عن نفسها، ورجعت عليه، وهو قول ابن شعبان في "الزاهي".
وفي ذلك نظر؛ لأنه يشعر بأن الكفارة واجبة عليها ثم حملها الزوج عنها، ولا قائل به في المذهب.
وهل يجب عليها الغسل أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون قد التَّذَّت أم لا.
فإن الْتَّذَّت: فلا خلاف في المذهب في وجوب الغسل عليها.
وإن لم تَلْتَّذ، أو كانت نائمة: فالرواية أن لا غسل عليها، وهي رواية إسماعيل القاضي عن مالك.
والقياس يُوجب دخول الخلاف فيها.
стр. 682
واختلف هل تقضي أم لا؟
فالمشهور من المذهب أنها تقضي، وذهب القاضي أبو الحسن بن القصار إلى أنها لا قضاء عليها.
وعلى هذا: يتخرج الخلاف في الكفارة عنها هل هو وطء المُكْرِه جِنَايَة أفسدت صيام المُكْرَه أم لا؟
فمن رأى وجوب القضاء عليها: قال بوجوب الكفارة عنها؛ لأنه جنى على صومه وصوم غيره.
ومن رأى أنها لا قضاء: يقول لا يكفر عنها؛ لأن جنايته لا تأثير لها في صيامها.
وعلى القول [بأنه] (١) يكفر عنها: فليكفر عنها بالعتق والإطعام، وإن كانت حُرَّة، يكون الولاء لها.
ولا يكفر عنها بالصيام؛ إذ لا يصوم أحد عن أحد عند مالك.
وإن كانت أمته: فليكفر عنها بالإطعام خاصة؛ إذ العتق ليس من كفارة العبد [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 683
المسألة السادسة عشر إذا أصبح الصائم ينوي الفطر
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن ينوي الفطر قبل الفجر فاستمر على تلك النية إلى الغروب، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الإفطار بعد ما أصبح فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الفطر قبل طلوع الفجر، وأصبح على ذلك، ثم ينوي الإمساك قبل طلوع الشمس.
فأما الوجه الأول:
إذا أصبح ونيته الإفطار، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول ابن القاسم ومالك (١).
والثاني: أنه لا كفارة عليه، وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب" على تأويل بعضهم، وهو قول مالك في غير "المدونة" على ما حكاه [عنه] (٢) أبو الفرج القاضي عنه في "الحاوي".
ويؤخذ من قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه يفتقر إلى تبييت النية في
стр. 684
كل ليلة على ما قدمناه في سالف الكتاب.
وأما الوجه الثاني:
إذا نوى الإفطار بعد ما أصبح، فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، هل يقضي ويُكَفِّر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يقضي ويكَفِّر وجوبًا، وهو قول ابن القاسم في الوجه الأول، وهو نص قول مالك في غير "المدونة"، واستحبه ابن القاسم في "المدونة" (١).
والثاني: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة إلا استحبابًا بالقضاء، وهو ظاهر الكتاب في إسقاط الكفارة.
وهو قول سحنون في غير "المدونة" (٢)، ولابن حبيب مثله؛ أن لَّا شيء عليه.
والثالث: أنه يقضي ولا يكفر، وهو قول أشهب في "الكتاب".
وأما الوجه الثالث:
إذا نوى الإفطار قبل طلوع الفجر، ثم نوى الإمساك قبل طلوع الشمس، فعلى قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن القاسم (٣) [في الكتاب] (٤).
стр. 685
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
وهو متأول على قول أشهب في "الكتاب" وهو في [هذا] (١) الوجه لم يكن [منه] (٢) إلا ترك النية عند طلوع الفجر، وأنه رجع إلى الإمساك بالقرب، والوجه الأول ترك التبييت واستدامة العزم على الفطر إلى آخر النهار، فهل لذلك تأثير أم لا؟
وسبب الخلاف: الصوم هل يرتفض بالنية أم لا؟
وسبب آخر: هل يفتقر الصائم إلى التبييت كل ليلة أم لا؟.
стр. 686
المسألة السابعة عشر [من] (١) صام رمضان عن رمضان آخر
وإذا أفطر رمضان لعذر، فلم يصمه حتى دخل عليه رمضان آخر، فصام هذا الداخل ينوي به قضاء الماضي، فهل يجزئه عن أحدهما أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٢):
أحدها: أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
وهو قول أشهب، وسحنون، وابن حبيب، وابن القاسم في غير "المدونة"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في كتاب "الظهار" (٣): إذا صام شعبان ورمضان عن ظهاره، فقال: إنه لا يجزئه عن واحد منهما؛ لا عن الظهار، ولا عن رمضان، وهذا القول أظهر في النظر على أصل المذهب؛ وذلك أن هذا الشهر الذي هو فيه لم ينوه، ونوى الأول في زمان مستحق عينه، ولا يصح فيه صوم غيره.
والثاني: أنه يجزئه عن الذي هو فيه، وعليه قضاء الأول.
وهو تأويل ابن أبي زيد، [وابن شبلون] (٤) على قول ابن القاسم في "المدونة" لاحتجاجه بقول بعض أهل العلم في ناذر الحج، وهو ضروري إذا خلطهما أنه يجزئه لفرضه، وعليه قضاء النذر، وبه استدل ابن القاسم في "الكتاب"؛ حيث قال: فإنه يجزئه، وعليه قضاء
стр. 687
الآخر؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن ذلك يجزئه عن فرضه، ففهم من استدلاله أنه يجزئه عن الذي فيه؛ لأنه مستحق الزمان، ولاسيما على مذهب العراقيين من أصحاب مالك الذين يرون أن الحج على الفَّوْر، وهو الأَشْهَر الذي عليه الحُذَّاق، وعليه يناظرون بالعراق.
ويحتمل أن يكون مراد ابن القاسم في الاستدلال بقول بعض أهل العلم أنه يجزئه لفرضه أن هذا الزمان مستحق العين للصوم، فكان صومه له أولى من غيره؛ كما تعين النذر في الحج بالدخول فيه، والفرض على التراخي، والتأويل الأول أظهر، وبهذا القول قال المغيرة، وأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يجزئه عن الأول، وعليه قضاء الثاني الذي هو فيه.
وهذا القول متأول على "المدونة"، وممن تأوله على هذا الوجه فضل ابن سلمة، والقاضي عليّ بن جعفر [التلباني] (١)، وهو مذهب سحنون في تأويل المسألة أيضًا، وهو نص ابن القاسم في "العتبية"، وقاله أشهب أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل ما [وقع] (٢) في "المدونة": من قوله: "يجزئه، وعليه قضاء الآخر"؛ بالفتح أو بالكسر.
فمن أخذ برواية الكسر، قال: يجزئه عن الأول الماضي، وعليه قضاء الذي هو فيه؛ لأنه هو الثاني لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣).
стр. 688
وربما لاحظ أن نيته إنما كانت للأول؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١).
وبهذا قال إذا خلطهما في نية واحدة أنه لا يجزئه عن واحد منهما لتشتيت النية.
ومن أخذ برواية الفتح، قال: يجزئه عن الثاني، ويقضي الأول، ويكون معنى قوله: "ويقضي الآخر" يعني: [الماضي] (٢).
والظاهر في الاحتمال أنه إشارة إلى الماضي؛ بناء منه على أن الثاني مستحق للزمان، ويكون هو أولى به من غيره، ولا يضره إصراف النية إلى غيره؛ لكونه لا يفتقر إلى النية على أحد أقاويل المذهب.
والقول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما: أشهر في النظر.
وعلى القول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما، هل يجب عليه كفارتان أو أنه يجزئه عن الأول دون الثاني، وهل تجب عليه كفارة الإفطار.
أو أنه يجزئه عن الثاني [وهل تجب عليه كفارة] (٣) التفريط أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا كفارة عليه أصلًا؛ لا صغرى ولا كبرى، وهو قول [أشهب] (٤).
والثاني: أنه تجب عليه [كفارتان] (٥)؛ علي القول بأنه لا يجزيه عن
стр. 689
واحد منهما.
أو واحدة على أحد القولين؛ إما الصغرى، وإما الكبرى على حسب اختلاف الترجيح.
وهذا القول نقل عن ابن المواز، وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀: هذا شيء بلغني عن ابن المواز، ولم يقع له عندنا في كتاب الصيام.
والثالث: أنه يكفر إن لم يعذر بجهل ولا تأويل، وهو قول ابن أبي زيد.
وسبب الخلاف: [هل يعتبر] (١) وجود الصيام في زمان رمضان وعدم الانتهاك، ثم لا كفارة، أو يعتبر كونه شهر رمضان ولم يصمه: فتجب الكفارة كما لو كان صامه تطوعًا.
وكذلك كفارة التَّفْرِيط هل بمضي شعبان تجب الكفارة، أو إنما تجب إذا لم يحتمل بقضائه شيئًا منه أنه يجزئه، هل يعذر بذلك أم لا؟ [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 690
المسألة الثامنة عشر كفارة الفطر في رمضان
في هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
منها: معرفة الفطر الموجب للكفارة.
ومنها: الكفارة هل هي على الترتيب أو على التخيير؟
ومنها: الصنف الذي يبدا [على الأصناف] (١) [على] (٢) السؤالين [جميعًا] (٣).
فالجواب عن السؤال الأول:
في معرفة الفطر الموجب للكفارة: فالإجماع على وجوب الكفارة بالوطء عامدًا.
وفي النسيان -عندنا- قولان:
أحدهما: سقوط الكفارة، وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
والثاني: وجوب الكفارة، وهو قول ابن حبيب (٤)، وهو مذهب أحمد بن حنبل (٥).
ولا خلاف عندنا في وجوب القضاء عليه.
стр. 691
وذهب الشافعي وأبو حنيفة أنه لا قضاء عليه (١).
وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر.
أما الأثر: فما أخرجه البخاري [ومسلم] (٢) من طريق أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" (٣).
ويشهد لقوة هذا الأثر عموم قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤).
وأما القياس المعارض لهذا الأثر، وهو قياس الصوم على الصلاة، وهو قياس الشبه، ومن شبه [ناسي] (٥) الصوم بناسي الصلاة: أوجب القضاء لوجوبه بالنص على ناسي الصلاة.
وأما الفطر بأكل أو شرب: فإن كان ناسيًا، فعليه القضاء -عندنا- اتفاقًا.
وإن كان عامدًا: فلا يخلو [من] (٦) أن يكون فطره بتأويل، أو بغير تأويل.
فإن كان فطره بتأويل: فلا كفارة عليه إلا أن يكون تأويله تأويلًا بعيدًا؛ كالذي اغتاب، أو احتجم فظن أن صومه لا يجزئه فأفطر.
فإن كان فطره بغير تأويل قاصدًا للانتهاك: فلا خلاف في المذهب في
стр. 692
وجوب الكفارة، وبه قال أبو حنيفة، وخالفهما الشافعي فقال: لا كفارة عليه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تنقيح المناط؛ وذلك أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ وهو ينتف شعره، ويلطم خده، ويقول: هلك الأبعد .. الحديث (١).
فأوجب [عليه] (٢) النبي ﷺ الكفارة، فاختلفوا في الوصف الذي أناط به الشارع الكفارة، وجعله عِلَّة؛ لأن [العلة] (٣) اشتملت على أوصاف عدة، فالشافعي ﵁ يرى عِلَّة الحكم كونه وطئ عمدًا، ومالك وأبو حنيفة يَرَيَانِ بأن عِلَّة الحكم كونه انتهك حرمة رمضان، فأوقع فيه الوقاع، فجعل الانتهاك هو العِلَّة؛ وهي عِلَّة مُتَعَدِّية إلى كل منتهك يأكل أو يشرب.
وهذه أحكام العِلَل المستنبطة أن تختلف باختلاف نظر المجتهدين، بخلاف العلل المنصوص عليها؛ فالشافعي يرى أنه عِلَّة قاصرة (٤)، ومالك يرى أنها عِلَّة متعدية (٥).
وقد اختلف الأصوليون في العلة القاصرة، هل يصح التعليل بها أم لا (٦)؟ على ما هو مبسوط في فن الأصول.
стр. 693
والجواب عن السؤال الثاني:
الكفارة هل هي على الترتيب، أو على التخيير؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها على التخيير دون الترتيب، وهو المشهور.
والثاني: أنها على الترتيب، وهو قول ابن حبيب -من أصحابنا-.
وسبب الخلاف: تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ [أما الآثار] فمنها حديث الأعرابي (١)؛ إذ سأله رسول الله ﷺ : "هل تستطيع أن تعتق رقبة"؟
فقال: لا، فقال: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " فقال: لا. فقال: "وهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " فقال: لا، إلى آخر الحديث.
ويعارضه ما خرجه مالك: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، وهذا على التخيير؛ إذ موضوعية "أو" في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال.
وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب أدْيَم وَأَقْعَد بمفهوم الأحوال، وحالات الألفاظ.
وأما الأقيسة المتعارضة في ذلك: فتشبيهها بكفارة الظهار [تارة] (٢) وتارة بكفارة الأيمان، وهي إلى كفارة الظهار أشبه منها بكفارة الأيمان، وعلى المذهب المشهور أنها على التخيير.
والجواب عن السؤال الثالث: في الصنف الذي يبدأ به: فقد اختلف فيه
стр. 694
المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالطعام.
قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك في الكفارة غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق، ولا بالصيام، وقال في كتاب الظهار: وما للعتق وما له، فتغالى بعض المتأخرين في تأويل هذه المسألة على ظاهر لفظه حتى قال: إن مالكًا لا يرى غير الطعام.
وهذا لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق الإجماع؛ إذ لم يقل بذلك أحد.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: لم يختلف العلماء أن الثلاثة الأشياء كفارة في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على الترتيب، أو على التخيير.
وظاهر هذا القول ألَّا فرق بين أن يكن فطره بجماع أو غيره.
والثاني: التفصيل بين الإفطار بأكل، أو جماع؛ فإن كان بأكل: فالبداية بالإطعام، أو على طريق الاستحباب.
وإن كان بالجماع: فالبداية بالعتق، وهو ظاهر قول ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين.
والثالث: إن كان فطره بأكل أو شرب: فليكفر بالإطعام خاصة، وإن كان بجماع: فبالعتق أو الصيام، وهو قول أبي مصعب.
والرابع: أنه يبدأ بأي الأصناف الثلاثة شاء؛ جملة بلا تفصيل من أي شيء كان الإفطار، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: معارضة القياس لخبر الواحد؛ وذلك أن الأثر ثبت عن رسول الله ﷺ [بتقديم العتق وتأخير الإطعام بواو التخيير، فكان
стр. 695
الأصل يقتضي متابعة ما تابعه النبي ﷺ ] (١) وإن كان ذلك تخييرًا, ولكن تبدئة النبي ﵇ بالعتق [وختمه] (٢) بالطعام لا يخلو من فائدة، غير أن التخيير يشعر بالإباحة أن يبدأ بأيها شاء.
وأما القياس المعارض لهذا الخبر، وذلك أن الإطعام قد وقع بدلًا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره استئناسًا؛ بل القرآن يذكر الإطعام للمفطر في رمضان، ولاسيما على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣)، ولهذا استحب لمن مات وعليه صوم وأوصى أن يكفر عنه بالإطعام إذا وصى، فرأى مالك تقديم القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لم تشهد له الأصول، وغيره اعتبر محض الإباحة في التخيير [فرأى التبدئة بأي الأصناف شاء، والآخر اعتبر تبدئة النبي ﷺ بالعتق وإن كان في معرض التخيير] (٤) فقال: يبدأ به؛ إذ لا يصح أن يبدأ النبي ﷺ به إلا لمعنى.
وبعضهم يفرق بين الإفطار بالجماع أو بالأكل [فإن كان بالأكل بدأ بالإطعام] (٥) [وإن كان بالجماع] (٦) بدأ بالعتق وكفارته بالعتق استئناسًا بقضية رسول الله ﷺ وأنه بالعتق حكم على الأعرابي ابتداء.
والإفطار بأكل أو شرب لم يرد فيه حكم عن النبي ﷺ فيجب حملها على كفارة الأيمان [الثابتة] (٧) بنص التنزيل، والحمد لله [كما هو أهله وصلى الله على محمَّد نبيه] (٨).
стр. 696
كتاب الاعتكاف
стр. 697
كتاب الاعتكاف
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى [مسألة الصائم] (١) في الاعتكاف
والاعتكاف في اللغة: اللبث والمكث [واللزوم] (٢)، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٣)، أي: ملازمون.
وقال سبحانه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٤)، وهو في الشرع على ما هو عليه في الوضع، إلا أنه في الشرع: الإقامة على عمل مخصوص في موضع مخصوص تقترن به أفعال مخصوصة، وأقوال معروفة على شرائط قد أحكمتها السنة.
ومن شرطه: الصوم -عندنا- سواء التزمه بالصيام وأوجبه على نفسه أم لا.
ولا خلاف في ذلك في مذهب مالك ﵀ إلا ما ذهب ابن لبابة من أنه لا يلزمه الصيام إلا أن يوجبه على نفسه.
وهل من شرطه أن يكون الصيام له؟ أو من شرطه: [أن يكون بالصوم] (٥) وسواء كان له أو لغيره؟ فهذا مما يحتاج إلى تفصيل
стр. 698
وتحصيل:
فنقول: لا يخلو اعتكافه من أن يكون منذورًا، أو غير منذور.
فإن كان غير منذور: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز مع كل صوم وجب فعله على [المكلف] (١)؛ كان رمضان أو قضاؤه، أو [كفارة] (٢) قتل نفس، أو ظهار، أو غير ذلك، وأن الصوم لهذا الاعتكاف كالطهارة للصلاة، وأنه مراد لغيره لا لنفسه.
وأما إن كان الاعتكاف منذورًا؛ مثل قوله: لله عليَّ أن أعتكف شهرًا، أو سنة، فهل يجوز في صوم غيره أم لا؟
فالمذهب على قولين (٣):
أحدهما: أنه جائز [في] (٤) كل صوم كالوجه الأول، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يجوز أن يعتكف في صوم واجب عليه من رمضان، ولا في قضائه، ولا في صيام الكفارة؛ لأنه لزمه الصوم لنذره للاعتكاف، فلا يجزئه منه صوم قد لزمه بغير ذلك؛ كما لو نذر مشيًا لم يجز أن يجعله في حجة الفريضة، وهو قول عبد الملك، وذهب الشافعي إلى أن الاعتكاف يصح بغير صوم (٥).
وسبب الخلاف: المفهوم من اعتكافه ﷺ في رمضان.
فمن رأى أن الصوم المقترن به هو شرط في الاعتكاف، وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه، قال: لابد من الصوم مع الاعتكاف.
стр. 699
ومن فهم منه أن ذلك اتفاقًا اتفق، لا على أنه مقصود له ﷺ في الاعتكاف قال: ليس من شرطه الصوم.
وربما استظهرته المالكية بما يروى عن عائشة ﵂ قالت: لا اعتكاف إلا بصوم (١).
وكثير ما يتسارع أهل المذهب إلى الاستدلال على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) , ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣).
ولا دليل في ذلك، غير أنه من باب الاستئناس بالقرآن [والحمد لله وحده] (٤).
стр. 700
المسألة الثانية في المعتكف إذا مرض، أو حاضت وهي امرأة
ولا يخلو ذلك من وجهين:
إما أن يكون غير منذور، أو منذورًا.
فإن كان غير منذور فمرض فيه المعتكف، أو حاضت المعتكفة:
أما الحائض: فإنها تخرج من ساعتها ولا تنتظر؛ لأن المكث في المسجد عليها حرام ما دامت حائضًا.
وأما المريض: فإن كان مريضًا لا يقوى معه على الصيام، ويؤمن من إيذائه المسجد: فإنه يلبث، ولا يخرج، ويكون مكثه في المسجد في حرمة الاعتكاف، وإن كان لا يعتد بتلك الأيام أولى من خروجه إلى داره [وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب وابن شعبان، وقيل: إنه يخرج ولا يلبث في المسجد، وهو قوله في المجموعة، وهو ظاهر المدونة من مسألة الذي دخل عليه يوم العيد في اعتكافه] (١).
وإن كان لا يؤمن من أن يكون منه ما يؤدي به المسجد كالمبطون: فإنه يؤمر بالخروج كالحائض.
فإذا خرجا فهل ينسحب عليهما حرمة الاعتكاف، ويجتنبان ما يجتنبه المعتكف، ويلزمهما كل ما يلزمه إلا الصوم كما لو كان في المسجد؟
فالمذهب على قولين [متأولين على] (٢) المدونة (٣):
стр. 701
أحدهما: أن المريض والحائض في حرمة الاعتكاف ويقتصران على عمله، ولا يجوز لهما الخروج عنه إلى مكان يمنعان منه في المسجد.
وهو قول مالك (١) في "المجموعة" و"الواضحة"، وهو قول سحنون [في الحائض] (٢): أنها في بيتها في حرمة الاعتكاف، غير أنها لا تدخل المسجد (٣).
والمريض كذلك إذا عجز عن البقاء في المسجد، وهو قول البغداديين تأويلًا على "المدونة"، وهو قول ابن شعبان.
والثاني: أن [جميع] (٤) هؤلاء لا يلزمهم [التمادي] (٥) على جميع [أحكام] (٦) الاعتكاف إذا حدث عليهم أمر يوجب إخراجهم [من المسجد] (٧)؛ إما إباحة كيوم العيد، وإما وجوبًا كالمرض والحيض، وأن لهم التصرف في جميع أمورهم خارجًا وداخلًا؛ إذ لا يصح الاعتكاف إلا بالصوم، وإذا لم يكن الصوم فلا يلزمهم ملازمة مكان مخصوص في بيوتهم حاشا المباشرة، فإنه يمنعون منها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (٩).
стр. 702
وهكذا اختلفوا أيضًا إذا برئ المريض، أو طهرت الحائض في أثناء النهار، هل يرجعان من ساعتهما إلى موضع اعتكافهما، أو ينتظران إلى الغروب؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنهما يرجعان من ساعتهما [إلى المسجد] (١)، ولا ينتظران إلى [المغيب] (٢).
وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن نافع في يوم العيد.
والثاني: أنه يجوز لهما الانتظار إلى غروب الشمس، ولا يلزمهما الرجوع في بقية النهار الذي تمكن لهما [فيه] (٣) الاعتكاف.
وهو نص ابن القاسم في يوم العيد فيمن اعتكف العشر الأواخر فمرض فيها، ثم صح قبل يوم الفطر، فقال فيه ابن القاسم: لا يلبث يوم الفطر في معتكفه.
وفيها رواية: لا يثبت، ورواية أخرى: لا يلبث، وأخرى: لا يبيت.
ثلاث روايات؛ [والرواية] (٤) لا يلبث، ولا يثبت:
معناهما واحد، ورواية: لا يبيت: تقتضي أنه يجوز له الخروج إلى بيته [ليلة] (٥) العيد؛ لأن الليلة مرادة للنهار [فإذا كان النهار] (٦) لا يصح
стр. 703
فيه الصوم الذي هو شرط الاعتكاف، ولا يلزمه المكث في المسجد، فكذلك ليلته.
وروى ابن نافع عن مالك أنه يخرج إلى العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد (١).
وذهب بعض المتأخرين إلى أن ما وقع في الكتاب ليس باختلاف أقوال، وإنما هو اختلاف سؤال؛ وذلك أن المريض والحائض خرجا لعذر، والذي أدركه العيد هو منهي عن صيام ذلك اليوم، فلو لبث في معتكفه لتوهم أنه صائم، وبذلك أمر بالخروج يوم العيد إلى بيته.
وهذا فرق ضعيف، واحتجاج رهيف، والأصح أنه اختلاف أقوال، ولاسيما أن في مسألة يوم العيد قول ثالث: أنه لا يخرج إلى [العيد] (٢) أصلًا (٣)، وهو الأصح في النظر.
فيتحصل في الذي دخل عليه يوم العيد قبل أن يفرغ من اعتكافه أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٤):
أحدها: أنه يبيت في المسجد ليلة الفطر، فإذا أصبح خرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يمضي إلى بيته، فإذا غربت الشمس رجع إلى المسجد، وهو نص ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يخرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد، ولا يذهب إلى أهله، وهو نص ابن نافع في "الكتاب".
والثالث: أنه لا يخرج إلى العيد أصلًا؛ قياسًا على صلاة الجنائز،
стр. 704
وسائر العبادات؛ لأنه وإن كان مفطرًا فلا يخرجه ذلك عن سنة الاعتكاف وملازمة المسجد؛ قياسًا على المريض.
وظاهر المدونة: أن المريض لا يخرج من المسجد بنفس المرض حتى يخشى أن يكون منه ما يؤذي به المسجد.
وهو الذي قاله البغداديون تصريحًا، وهو قول ابن سحنون عن أبيه (١): أنه لا يخرج ويلازم المسجد، وإن كان مفطرًا، وهو أظهر الأقوال.
والرابع: أنه يبيت ليلة الفطر في بيته، ولا يفسد ذلك اعتكافه إن فعل، وهو أحد روايات المدونة -ولا [يبيت] (٢) يوم الفطر في المسجد يريد ليلة الفطر، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في المدونة] (٣) في الذي اعتكف العشر الأواخر، فإذا كانت ليلة الفطر، فقال ابن وهب عن مالك [إذا كان يوم الفطر فإنه] (٤): يؤتى بثيابه إلى المسجد؛ فظاهر قوله: أنه يبيت ليلة الفطر في المسجد، بل هو كالنص.
قال ابن القاسم: فإن رجع ليلة الفطر إلى بيته: فلا قضاء عليه، وهكذا [وقع] (٥) في بعض نُسَخ "المدونة"، وهو صحيح في غير "المدونة".
وهذا القول الرابع [مُخَرَّج] (٦) غير منصوص عليه:
واختلف في الحائض إذا طهرت قبل الفجر، وتطهرت قبل أن تصبح،
стр. 705
ثم دخلت في اعتكافها، فهل يجزئها ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجزئها.
وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال: ترجع، أي: ساعة طهرت.
فإن كان زمانًا ينعقد فيه الصيام اعتدت بذلك الزمان.
والثاني: أنه لا يجزئها، وإن طهرت قبل الفجر، ونوت الصيام حتى يكون دخولها من أول الليل كابتداء الاعتكاف، وهو قوله سحنون في "النوادر" (١).
فهذا تحصيل الخلاف في هذا الوجه وبقى توجيه ما فيه من الأقوال:
فوجه القول الأول: أن المعتكف إذا خرج لعذر أنه يبقى في حرمة الاعتكاف؛ وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص؛ فإذا طرأ عليه عذر يمنعه من الدوام في المسجد: فلا يخرجه عن سنة الاعتكاف [وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص فلا يجزئه ذلك عن سنة الاعتكاف] (٢) في اعتبار حقوقه، والوفاء بسائر شروطه؛ كالراعف إذا خرج ليغسل الدم.
ووجه قول من قال: إنه يتصرف في جميع أموره داخلًا وخارجًا خلا المباشرة؛ لأن الاعتكاف لما عدم منه الصوم الذي هو أصل الاعتكاف، وركن من أركانه خرج من أن يكون معتكفًا على الحقيقة إلا فيما نص الله تعالى أنه لا يجوز فعله مع بقاء اسم الاعتكاف، وهو المباشرة.
ووجه القول: بأنهما يرجعان إلى المسجد -أي: ساعة زال العذر- هل