← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ملك المالك، وقد سمعت بعض متفقهة هذا الزمان يعلل بذلك، ولا أدري من أين أخذوه، ولا كيف استجازوه، فالله تعالى يلهمنا رشدنا، ويعصمنا بفضله. وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في الماشية المغصوبة إذا ردت إليه بعد أعوام؛ فقال ابن القاسم: "لا يزكيها إلا لعام واحد" (١) كالعين، ولم يفصل. وأشهب فَصَّلَ بين أن تكون السعاة تركتها عند الغاصب، فيكون كما قال ابن القاسم [وإلا] (٢) أدى عنها كل عام على ما يوجد عنده. وهذا الذي قاله أشهب شبيه أن يكون تفسير قول ابن القاسم، وإلا كان ذلك اضطرابًا من قول ابن القاسم؛ لما قدمناه في العين أنه مال محبوس عن التنمية، والماشية تنمو بنفسها فيكون الحكم فيها على خلاف العين، والله أعلم. وأما الوجه الرابع: إذا كان الدين من فائدة: فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية، أو مهر امرأة، أو ما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة. والثالث: أن يكون ذلك الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية. والرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة.

стр. 772

فالجواب عن القسم الأول: إذا كان من فائدة ميراث أو عطية، أو غيرها: فهذا لا زكاة فيه [حال أو مؤجل] (١) حتى يقبضه، ويحول عليه الحول بعد القبض إذا لم يكن عليه هو دين. وإن تركه أعوامًا [فرارًا] (٢) من الزكاة: فلابد من استئناف الحول. والجواب عن القسم الثاني: إذا كان من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة: فهذا لا زكاة عليه [أيضًا] (٣) حتى يقبض ويحول عليه الحول بعد القبض، وسواء باعه بنقد أو بالتأخير. وقال عبد الملك، والمغيرة (٤): إن باعه على الحول فإنه يستقبل به حولًا بعد القبض، وإن باع إلى أجل، فإذا قبضه فإنه يزكيه الآن زكاة واحدة. وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة، فهل يزكي لما مضى من السنين أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يزكي إلا زكاة واحدة. وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يزكي لما مضى من السنين، وهو قول عبد الملك والمغيرة. وسبب الخلاف: هل تلحقه التهمة في التأخير مع القدرة على قبضه أم لا؟

стр. 773

والجواب عن القسم الثالث: إذا كان الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية [ثم باعه] (١)، فهذا إن [باع] (٢) بنقد: لم تجب الزكاة حتى يقبضه، ويحول عليه الحول من بعد القبض. وإن باعه بتأخير ثم قبضه بعد حول: زكاه ساعة قبضه. وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة زكى لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في هذا الوجه. والجواب عن القسم الرابع: إذا كان الدين من كراء، أو إجارة، فهذا إن قبضه بعد [استيفاء] (٣) العمل كان الحكم فيه كما تقدم في القسم الثاني. وإن قبضه قبل استيفاء [العمل] (٤) مثل أن يؤاجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارًا، فقبضها معجلا فهل يزكي إذا حال [عليها] (٥) الحول من يديه [أم لا] (٦)؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يزكي بعد الحول عشرين دينارًا، وهو القدر الذي استحقه، واستقر له في السنة الأولى؛ لأنها مكثت في يديه [حولًا] (٧) من يوم

стр. 774

قبضها ثم يزكي بعد ذلك قدر ما ينوب [كل] (١) ما مضى من المدة، وهو قول الغير في المدونة في مسألة هبة الدين، وهو ظاهر سماع سحنون عن ابن القاسم. والثاني: أنه يزكي للحول الأول تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار. وهو قول ابن المواز، ووجهه: أنه إذا مضى الحول فقد ملك العشرين من الستين ملكًا تامًا وتبين أنه لم يزل مالكًا لها من يوم قبضها, فلذلك يزكيها، والعشرون التي هي أجرة السنة الثانية، فقد حال عليها الحول، وهي في يديه، إلا أنه لم يؤد عوضها من المنافع، والمنافع عليه دين، فوجب أن يجعل ذلك الدين في العشرين دينارًا التي هي للعام الأول، غير أنها نقصت نصف دينار الذي أداه في الزكاة فيكمل من أجرة العام الثاني؛ فيبقى منها تسعة عشر ونصف فيزكيها. وهو [وجه] (٢) قول ابن المواز ومعناه، وهو ظاهر إن شاء الله. والثالث: أنه لا زكاة عليه في شيء من السنين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مضى فإنه يزكي عشرين؛ لأن ما ينوبها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور الحول شيئًا بعد شيء؛ فوجب استئناف الحول [بها] (٣) من يوم تم ملكها له، وهذا هو المشهور، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤) في مسألة: هبة الدين [والله أعلم والحمد لله وحده] (٥).

стр. 775

المسألة التاسعة في زكاة المديان (١) إذا كان عنده نصاب من العين، وعليه من الدين ما يستغرق ما عنده من العين، أو ينقصه عن النصاب، فلا يخلو ذلك الدين من أن يكون متعلقًا بالمال دون الذمة، أو بهما معًا. فإن كان تعليقه بالمال دون الذمة: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض كنفقة الزوجة، أو بغير عوض كنفقة الولد والوالدين. فإن كان ذلك بعوض كنفقة الزوجة: فإنها تسقط الزكاة -كانت بفرض، أو بغير فرض- إلا أن يكون عنده عرض يساوي ذلك القدر. فإن كان بغير عوض كنفقة الوالدين: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الابتغاء أو بعده. فإن كان ذلك قبل الابتغاء: فليس ذلك بدين يسقط الزكاة. وإن كان ذلك بعد الابتغاء، وفرض لهم القاضي قدرًا معلومًا، وأخذاه [من] (٢) ساعتهما: فذلك يسقط عنه الزكاة. وإن فرض [لهما] (٣) القاضي قدرًا [وتركاه] (٤) شهرًا فقد قال في الكتاب: إذا حال الحول، وهي عليه، ولم يأخذاها منه لم تسقط عنه الزكاة بذلك.

стр. 776

واختلف المتأخرون في تأويله؛ فبعضهم يقول: إن ذلك اختلاف من القول؛ فإن نفقتهم تجب بالابتغاء والفرض، فإذا وجدا فهو دين أخذاها أو أخراها، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" [فلا تجب حتى يبتغياها] (١)، وهو قول محمَّد في "كتابه" فيتخرج لابن القاسم [في] (٢) "الكتاب" على هذا التأويل في نفقة الأبوين قولان، وبعضهم يقول: معنى ذلك [أنهما] (٣) قد تركاها [وأنفقا] (٤) من عند أنفسهما [بإجارة] (٥) أو أجرًا أنفسهما في العمل واحترفا بسؤال أو بحيلة حتى أنفقا على أنفسهما، فلذلك قال: يزكي. وأما لو تسلفا أو استدانا دينًا على ذلك القدر الذي فرض لهما القاضي لسقطت به الزكاة إذا لم يكن الوفاء به عنده إلا من النصاب الذي عنده، وهو تأويل الشيخين أبي محمَّد بن أبي زيد، وأبي عمران الفاسي (٦). فعلى هذا التأويل يرجع ما وقع في "الكتاب" لاختلاف حال ليس باختلاف يرجع إلى فقه. وأما الولد فهل هو كالزوجة أو كالأبوين؟ قولان (٧): أحدهما: أن الولد كالزوجة، وهو قول أشهب (٨).

стр. 777

والثاني: أن [الولد] (١) كالأبوين، وهو قول ابن القاسم (٢). فظاهر "الكتاب" أن قول أشهب خلاف لقول ابن القاسم، ويحتمل أن يكون اختلاف حال؛ وذلك أن ابن القاسم تكلم في نفقة الولد إذا سقطت ثم عادت فيفتقر الوجوب إلى الابتغاء والقضاء. ويكون أشهب تكلم فيما إذا اتصلت نفقته ولم تسقط فيكون كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر، وأبو إسحاق التونسي يشير إلى مثل هذا، والله أعلم. وهذا من الدين الذي تعلق بالمال دون الذمة؛ لأنه إنما يطالب به في اليسر دون العسر. وأما الدين المتعلق بالذمة: فلا يخلو من أن يكون عنده من العروض ما يفي به أم لا. فإن كان عنده من العروض ما يفي بما عليه من الدين هل يقابله بها، ويزكي أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه يجعل دينه فيما عنده من العروض. ثم يزكي عينه، وسواء كان ذلك الدين دين زكاة أم لا، وهو ظاهر "المدونة" في باب زكاة المديان، ونص لابن القاسم أو لأشهب في أول "كتاب الزكاة الأول" فيما إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا، فلم يخرج زكاتها حتى

стр. 778

اشترى بها سلعة ثم باعها بأربعين. والثاني: أن الدين مسقط لزكاة العين علي كال حال، سواء كان عنده عرض أم لا. ولا فرق بين دين الزكاة وغيره من الديون. وهو قول محمَّد بن الحكم -من أصحاب مالك- وهو مذهب الليث ابن سعد، وهو ظاهر قول عثمان بن عفان ﵁ في "المدونة". والثالث: التفصيل بين دين الزكاة وغيره من الديون؛ فدين الزكاة لا يجعل إلا في العين، وغيره يجعل في العروض، وهو نص قول ابن القاسم في غير "المدونة"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في باب زكاة المديان، وفي "باب زكاة [مال] (١) القراض" على ما بيناه قبل هذا. وسبب الخلاف: هل يجوز قياس العين علي الماشية، والثمار، والحبوب أم لا؟ فمن جوز القياس، قال: الدين غير مسقط لزكاة العين. ومن منع القياس: قال بالإسقاط. ومن فرق فقد تردد. وعلى القول بأنه يجعل دينه في عروضه، ثم يزكي عينه -وهو المشهور- فإنه يجعل ذلك في كل ما يباع عليه في التفليس إذا قام [عليه] (٢) غرماؤه. واختلف في المدبر على ثلاثة أقوال:

стр. 779

أحدها: أنه يجعل دينه في قيمة رقبته. وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه يجعل ذلك في خدمته على غررها؛ لأنها التي يملكها الآن. وهو ظاهر قول أشهب في [العتق] (١) إلى أجل (٢). والثالث: أنه لا يجعله في رقبته، ولا في خدمته، وهو قول سحنون. وينبني الخلاف: على الخلاف في المدبر، هل يجوز بيعه في حياة سيده أم لا؟ فمن اعتبر قول من قال بجواز بيعه: جعل الدين في رقبته. ومن لم يعتبره: قال: لا يجعل في الرقبة، ولا في الخدمة، وهو أقوى الأقوال. ومن قال: يجعل في الذمة قياسًا على المعتق إلى أجل: فأضعفها. واختلف أيضًا في المكاتب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحسب قيمة الكتابة في الدين الذي عليه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يجعله في قيمة المكاتب بقدر ما عليه، وهو قول أشهب. والثالث: أنه يجعله في قيمته على أنه عبد، وهو قول أصبغ.

стр. 780

وسبب الخلاف: [هل] (١) النظر إلى الحال، أو إلى المآل. فمن اعتبر الحال: قال: يجعل دينه في قيمة الكتابة؛ لأنها التي يملكها الآن؛ إذ له أن يبيعها [ويتعجل ثمنها] (٢). ومن اعتبر المآل: قال: قد يعجز، ويرجع رقيقًا، فيحكم للحال يحكم المآل، فرأى أن الدين يكون في رقبته على أنه عبد. وأما [قول] (٣) أشهب الذي يجعل ذلك في قيمة المكاتب بقدر ما عليه: فقد جمع بين القولين الأول والثاني، وهو أضعفهما. وأما الدين الذي له على الناس، هل يجعل الدين الذي عليه في عدده، أو في قيمته، أو يفصل بين الآجل والعاجل، فقد أتقناه [في مسألة المدبر] (٤) إتقان من طب لمن حَبَّ فلا نعيده مرة أخرى. واختلف في العروض التي يجعل فيها الدين الذي عليه، هل من شرطه أن يحول عليه الحول [وهو في ملكه] (٥) أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يشترط فيه أن يحول عليه الحول وهو في ملكه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: [أنه] (٦) لا يشترط فيه إلا الملك خاصة، وإن أفاده [في] (٧) آخر الحول أو بعده، فإنه يزكي ساعتئذ ولا يستقبل به حولًا، وهو قول

стр. 781

أشهب، وأكثر أصحاب ابن القاسم. وهكذا اختلفوا فيما إذا كانت عنده مائة ناقة، وعليه مائة دين، فوهب له الطالب المائة الدين التي عليه بعد الحول، فهل يزكي المائة التي عنده الآن، أو يستقبل بها حولًا؟ فعلى قولين منصوصين في "المدونة" في كتاب الزكاة الأول: أحدهما: أنه يستقبل بها حولًا من يوم وهبت [له] (١) مائة الدين، وهو قول [ابن المواز] (٢). والثاني: أنه يزكي الآن، وهو قول المغيرة، وهو قول [أشهب] (٣)، وقال بقوله سحنون وغيره. وسبب الخلاف: فيها وفي التي قبلها: هل يعد المالك كأنه لم يزل مالكًا لهذا العرض؛ إذ الدين في الذمة لا في مال معين: فيزكي. أو يعد كالمالك ما عنده من النصاب الآن: فيستقبل الحول. وكذلك الذي وهب الدين، هل يعد كأنه لم يزل مالكًا لهذه المائة ملكًا تامًا، أو كما ملكها الآن ملكًا تامًا، فكأنه كما أفادها. فلو وهبها الطالب -يعني: مائة الدين- لرجل أجنبى فقبضها الموهوب له، هل يزكيها الواهب أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الواهب يزكيها، ويخرج زكاتها منها لا من غيرها، وهو

стр. 782

قول ابن القاسم، وابن المواز (١). والثاني: أنه لا شيء [عليه] (٢) وهو قول أشهب (٣). واتفقوا أنه لا زكاة فيها على الموهوب له حتى يحول عليه الحول. وسبب الخلاف: هل قبض الموهوب له كقبض الواهب ويده كيده أم لا؟ وإذا كان للمديان طعام من سَلَم [فلا] (٤) يجوز له أن يجعل دينه في قيمته؛ إذ لا يقدر عليها بوجه. وقال الشيخ أبو إسحاق التونسي: وله أن يجعله فيما كان رأس مال السَّلَم؛ إذ له أخذه على معنى الإقالة أو التولية. والذي قاله فيه نظر [إذ لا] (٥) يقدر على الإقالة، إلا برضى الذي عليه السلم، وقد لا يرضى، وكذلك في القولية، وقد لا يجد من يوليه، فكيف [يلزمه] (٦) أن يجعل دينه فيما لا يملكه، ولا [يملك] (٧) أخذه متى شاء، والذي قاله كما تراه. واختلف في المذهب أيضًا في صداق الزوجة، هل هو كسائر الديون في إسقاط الزكاة، وهو المشهور [أو] (٨) هو مخالف لسائر الديون؛ إذ

стр. 783

الغالب أن الزوجة لا [تطلبه] (١) إلا عند الموت، أو الفراق، وهو قول ابن حبيب (٢) [والحمد لله كثيرًا كما هو أهله] (٣).

стр. 784

المسألة العاشرة في حكم ما يقتضي من الديون، وكيف إن خالط ذلك الاقتضاء فوائد ولا يخلو ما يقتضيه من دينه من أن يكون نصابًا أو دون النصاب. فإن كان ما اقتضاه نصابًا: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيده حتى زكاه، أو فائتًا. فإن كان قائمًا بيده حتى زكاه: فلا خلاف في المذهب أنه يزكي ما اقتضاه بعد ذلك من قليل أو كثير. وإن فات الأول إذا كان فواته بعد أن زكاه، أو بعد أن فرط في إخراج زكاته حتى ضاع [وإن كان فائقًا] (١) قبل أن يخرج زكاته بغير تفريط: فلا يخلو [ضياعه] (٢) من وجهين: أحدهما: أن يكون بتلف. والثاني: أن يكون بإتلاف. فإن كان بتلف؛ مثل أن يأتي [عليه] (٣) أمر الله تعالى، فهلك بغير سببه، فهل يزكي ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير [أم لا] (٤)؟ [فاختلف فيه] (٥) على قولين:

стр. 785

أحدهما: أنه لا زكاة عليه فيه حتى يقتضي نصابًا كاملًا، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه يزكي ما يقتضيه من قليل أو كثير، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وسحنون. فإن كان بإتلاف؛ مثل أن ينفقه أو يستهلكه باختيار منه: فهذا لا خلاف فيه في المذهب أنه يزكي ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير؛ لأنه في هذا الوجه يتهم في إسقاط الزكاة عن نفسه. وسبب الخلاف: في الوجه الأول؛ إذا ضاع بغير سببه، هل يعد ما أتلف كأنه ما اقتضاه ولا أدخل في ملكه أم لا؟ فإن كان ما اقتضاه أولًا دون النصاب: فلا يخلو أيضًا من أن يكون قد أبقاه بيده، أو هلك. فإن أبقاه بيده حتى أكمل عليه نصابًا من الدين: فلا خلاف في المذهب أنه يزكيه ويزكي ما [اقتضاه] (١) بعد ذلك. فإن [هلك] (٢): فلا يخلو من أن يكون بسببه، أو بسبب سماوي. فإن هلك بسببه: فبين المتأخرين قولان: أحدهما: أنه لا يضم ما اقتضى بعد ذلك إذا كان دون النصاب إلى ما أنفق، وإن كان يتم به النصاب، وإليه أشار بعض المتأخرين. ووجهه: أنه أنفقه قبل أن يخاطب فيه بالزكاة، ويرى أن قول من قال بوجوب الزكاة [فيه] (٣) مراعاة لقول من يقول: إن الدين يزكي قبل أن

стр. 786

يقتضي، وهو قول أشهب -من أصحابنا- أنه يجزئه إذا زكاه قبل أن يقبضه، وهو مذهب ابن شهاب والزهري. واختلف فيه قول عمر ﵁. والقول الثاني: أنه يزكيه، وهو مشهور المذهب إذا كمل النصاب بما يقتضيه بعد ذلك. وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب الخلاف في المذهب في هذه المسألة؛ والظاهر أنه أشار إلى قول المتأخر الذي ذكرناه لا إلى متقدم؛ إذ لم يعرف من متقدمي أصحاب مالك في ذلك قول، وإلى ما أشرنا إليه ذهب أبو الحسن اللخمي، وتوجيه هذا القول ظاهر. فإن كان بغير سببه، فهل يضم ما اقتضى بعد ذلك إلى ما تلف؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يضمه، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه يضمه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وسحنون. وسبب الخلاف: ما قدمناه. وإذا اقتضى نصابًا، ثم ضاع قبل أن يزكيه، فلو كان جملة الدين مثل ثلاثين دينارًا، وحال عليه الحول، فاقتضى منها أولًا عشرة: لم تجب عليه فيه زكاة. فإن اقتضى بعد ذلك عشرة، أو العشرين الباقية كلها: زكاها جميعًا، وكان حول الجميع [من] (١) يوم اقتضى الثانية. فإن اقتضى [الأولى]، (٢) عشرين [فزكاها] (٣) ثم اقتضى عشرة:

стр. 787

زكاها أيضًا، وكان حول الأولى والثانية يوم اقتضى، [و] (١) يزكى [بعد ذلك] (٢) كل مال على حوله، ولا يجمعان. وهذا قول ابن القاسم في الفصلين، وخالفه أشهب، ومحمد بن مسلمة في المسألتين. أما خلاف أشهب: ففي اقتضاء عشرة ثم عشرة، أو عشرين، وزكى جميع ذلك: أنه تبقى كل عشرة على حولها من يوم اقتضيت، ولا تضاف العشرة الأولى إلى الثانية. ووجهه: أن الذي ينبغي أن يزكي العشرة الأولى حين اقتضاها غير أنه إنما منعه من ذلك خيفة ألا يقتضي غيرها، فيؤدي ذلك إلى أنه يزكي دون النصاب. ["فإن" (٣)] (٤) اقتضى بعد ذلك ما يتم به النصاب تبين أن له حولها من يوم اقتضاها. وقول ابن القاسم في ذلك أظهر [من قول أشهب] (٥). وأما خلاف ابن مسلمة فهو: [فيما] (٦) إذا اقتضى عشرين ثم عشرة: فإنه يعود حول العشرين إلى حول العشرة الثانية، ويبتدئ الحول من يوم اقتضاها. ووجهه: أنه لما زكى العشرين الأولى عادت إلى ما لا زكاة فيه، فصار

стр. 788

بمنزلة من أفاد دون النصاب ثم أفاد بعد ذلك ما إن أضافه إلى الفائدة الأولى وجبت فيه الزكاة: فإنه يضم الأولى إلى الثانية. وقول محمَّد بن مسلمة في هذه المسألة أظهر من قول ابن القاسم، والله أعلم. وأما إن اقتضى عشرة ثم عشرة ثم عشرة: فعلى قول ابن القاسم يكون حول الأولى [من] (١) يوم اقتضى الثانية، وحول الثالثة يوم اقتضيت. وعلى قول أشهب: يكون حول كل عشرة يوم اقتضيت، وعلى قول محمَّد بن مسلمة يرجع حول الجميع إلى يوم اقتضى الثالثة. فافهم هذا التدريج، فإنه من غوامض الاقتضاء، يجب صرف العناية إلى فهمه. أما إذا خالط الاقتضاء فوائد: فلا تخلو الفائدة من أن تكون قبل الاقتضاء، أو كانت في أثناء الاقتضاء. فإذا كانت الفائدة قبل الاقتضاء: فلا تخلو من أن يحول الحول على تلك الفائدة [وهي] (٢) عنده، أو استهلكها قبل حلول الحول. فإن حال الحول عليها، وهي عنده، ثم اقتضى من [الدين ما إذا] (٣) أضافه إلى تلك الفائدة كان نصابًا: فإنه يزكيه عن الجميع، وسواء بقيت تلك الفائدة بعد الحول حتى اقتضى من الدين [ما اقتضى أو استنفقها، فإن استنفقها قبل حلول الحول عليها، ثم اقتضى من الدين] (٤) ما يتم به

стр. 789

النصاب لو ضم إلى تلك الفائدة: فلا زكاة عليه اتفاقًا؛ لأن الدين والفائدة لم يجمعهما ملك، ولم يجمعهما حول. فلو جمعهما ملك، ولم يجمعهما حول؛ مثل أن يفيد عشرة، ثم اقتضى عشرة، ثم أنفق العشرة الفائدة قبل حولها: فلا زكاة عليه. فإن خلل [الاقتضاء] (١) فوائد [مثل أن يقتضي من الدين شيئًا] (٢) ثم أفاد ثم اقتضى أيضًا: فلا يخلو ما يقتضيه أولًا من أن يكون نصابًا، أو دون النصاب. فإن اقتضى نصابًا: فإنه يزكيه ثم إن أفاد [بعده] (٣) عشرة دنانير، فحال الحول وهي عنده، فإن بقى بيده النصاب الذي اقتضاه من الدين حتى تم حول الفائدة، فإنه يزكيها اتفاقًا. وإن [استنفقها] (٤) قبل تمام حول الفائدة: فهل يزكي الفائدة إذا تم حولها أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما: أنه لا يزكيها ولا شيء عليه فيها، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الحول لم يجمعهما. والثاني: أنه يزكيها؛ لأن الحول قد جمعهما، وهو قول أشهب. فإن كان [ما اقتضاه أولًا] (٥) دون النصاب؛ مثل أن يقتضي عشرة ثم أفاد عشرة، فإن بقيت العشرة التي اقتضى بيده حتى حال الحول على العشرة الفائدة، فإنه يزكي عن عشرين اتفاقًا؛ لأن الملك والحول

стр. 790

جمعهما. وان أنفق العشرة التي اقتضى قبل أن يحول الحول على الفائدة، فهل يزكي أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يزكي، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يزكي، وهو قول أشهب. وعلى القول بأنه لا يزكي؛ لأن الحول لم يجمعهما، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة أخرى، فإنه يزكي الآن عن ثلاثين دينارًا؛ لأنك إذا أضفت الفائدة إلى العشرة التي اقتضاها من الدين آخرًا كان نصابًا، وإن أضفت اقتضاء الأولى إلى الثانية كان نصابًا، فخرج عن مجموع ذلك أن العشرة الفائدة تزكي على كل حال؛ لأن الفائدة [التي] (١) مع الاقتضاء تضم إلى ما كان آخرًا، ولا تضم إلى ما كان أولًا على المشهور [لأن عبد الملك يقول: أن الفائدة الآخرة ترد إلى ما كان أولًا كفوائد المواشي وهو نقل اللخمي] (٢). والاقتضاء تضم الأولى إلى الآخرة حتى يكمل النصاب فيزكي [ثم] (٣) ما اقتضاه بعد ذلك من قليل أو كثير [فإنه يزكيه] (٤). وهذا محصول هذه المسألة، وبالله التوفيق [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 791

المسألة الحادية عشر في زكاة فائدة العين والأصل فيها قوله ﷺ : "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول" (١). فإن أفاد مالين: فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون نصابًا بمجموعهما. والثاني: أن يكون كل واحد منهما نصابًا. والثالث: أن يكون أحدهما نصابًا، والآخر دون النصاب. فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يكون نصابًا بمجموعهما، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يجمعهما الملك والحول. أو يجتمعا في ملك، ولم يجمعهما الحول. أو افترقا، فلم يجتمعا في ملك ولا حول. فإن جمعهما الملك والحول؛ مثل أن يفيد عشرة دنانير، ثم بعد ستة أشهر أفاد عشرة أخرى، فإن بقيت العشرة الأولى بيده حتى حال الحول على الثانية: فإنه يزكيها جميعًا، ولا خلاف في ذلك. فإن جمعها الملك، ولم يجمعها الحول؛ مثل أن يفيد عشرة فأقامت بيده ستة أشهر، ثم أفاد عشرة أخرى، فأقامت عنده ستة أشهر [أخرى] (٢)، فحال الحول

стр. 792

على الأولى فأنفقها، ثم أقامت الثانية ستة أشهر فتم حولها، فهل يزكي أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه لا زكاة عليه فيها؛ لأنهما لم يجمعهما الحول، وهو مذهب ابن القاسم وهو المشهور. والثاني: أنه يزكي عن العشرين جميعًا؛ لأنهما جمعهما الملك، وهو قول أشهب. وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالملك والحول معًا، أو الاعتبار بالملك خاصة. فمن اعتبر الأمرين: قال لا زكاة. ومن اعتبر الملك: قال يزكي؛ لأنه يتهم في النفقة في إسقاط الزكاة عن نفسه. فإن لم يجمعهما [عنده] (١) لا حول ولا ملك؛ مثل أن يفيد عشرة فمكثت عنده حولًا فأنفقها، ثم أفاد عشرة فحال عليها الحول وهي عنده: فلا زكاة عليه باتفاق المذهب. والجواب عن الوجه الثاني: وهو أن يكون كل واحد من المالين نصابًا كاملًا، فهو يدور أيضًا على الأوجه الثلاثة التي قدمناها في الوجه الأول؛ مثل أن يفيد عشرين دينارًا ثم بعد ستة أشهر أفاد عشرين دينارًا أخرى، فإذا تم حول الأولى فإنه يزكيها، فإن تم حول الثانية زكاها، ويزكي كل مال على حوله هكذا حتى يرجع المالان إلى ما دون النصاب على الضم والجمع. فإن اتجر في الفائدتين، أو في إحداهما حتى صار نصابًا: فإنه يزكي

стр. 793

كل مال على حوله أيضًا [كما كان يزكيه أول مرة] (١)؛ والحول فيهما من يوم كمل نصابهما. فإن اتجر في إحدى الفائدتين: فلا يخلو من أن يكون اعتبر في الأولى أو الثانية. فإن اتجر في الأولى وكمل فيها النصاب قبل الحول الذي زكى فيه الفائدة الثانية؛ مثل أن يكون حول الأولى رمضان، وحول الثانية في المحرم، واتجر في الأولى وصارت نصابًا في ذي الحجة: فإنه يزكي كل [مال] (٢) على حوله كما كان يزكيه أول مرة. فإن اتجر في الفائدة الثانية التي حولها في المحرم، فربح فيها فصارت نصابًا في ربيع الأولى، هل يضم ما بقى من الفائدة الأولى إلى الثانية، فيزكيها على حول واحد أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يضم ما بقى من الأولى إلى الثانية، وهو قول ابن القاسم (٣) [بأنه إن كان أنقص في الفوائد الأولى، فكيف تزكى مثل أن يحول الحول على الفائدة الثانية التي بها تزكى الأولى وهو أظهر] (٤). والثاني: أنه يزكي كل مال على حوله، وهو قول أشهب. والتوجيه كما تقدم. والجواب عن الوجه الثالث: وهو أن يكون أحدهما نصابًا، والآخر دون النصاب: فإن كان

стр. 794

[الأول] (١) نصابًا، والثاني دون النصاب: فالمذهب على أن كل واحد يزكي [على حوله] (٢)، ولا يضم أحد المالين إلى الآخر. فإن كان الثاني نصابًا، والأول دون النصاب؛ مثل أن يفيد عشرة، فأقامت عنده ستة أشهر، ثم أفاد عشرين، هل يضم الأولى إلى الأخرى أم لا؟ [فالمذهب] (٣) على ثلاثة أقوال: أحدها: [أنه] (٤) يضم الفائدة الأولى إلى الآخرة. وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور. والثاني: أنه يزكي كل فائدة على حولها، وهو قول أشهب. والثالث: أنه يزكي العشرين ثم يضمها إلى العشرة الأولى [وتزكى] (٥) فيما بعد ذلك على حولها. وهو قول محمَّد بن مسلمة. ووجه قول ابن القاسم: لو زكيت العشرة الأولى على حولها لأدى ذلك إلى وجوب الزكاة فيما دون النصاب إذا لم يجمعهما مع المال الثاني حول، والحمد لله وحده.

стр. 795

المسألة الثانية عشر في زكاة مال القراض (١) ولا يخلو مال القراض من أحد وجهين: أحدهما: أن يشغله العامل فيما وجبت عليه فيه الزكاة. والثاني: أن يشغله فيما لا تجب الزكاة في عينه. فإن أشغله فيما تجب عليه فيه الزكاة: فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون مما تجب عليه الزكاة في عينه وعدده؛ كالأنعام والزرع. والثاني: أن يكون مما تجب عليه فيه الزكاة لأجل عينه، لا لأجل عدده؛ كالرقيق. [فأما] إن كان مما تجب عليه الزكاة في عينه وعدده كالأنعام، مثل أن يشتري [به] (٢) نصابًا من الماشية أو الزرع، هل تزكى على رب المال أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون في المال ربح أم لا. فإن لم يكن في المال ربح: فلا خلاف أنها على ملك رب المال. وإن كان من المال ربح: فالمذهب علي ثلاثة أقوال: أحدها: [أنها تزكى] (٣) على ملك رب المال، وهو نص

стр. 796

"المدونة" (١). والثاني: أن الزكاة تلغي من المالين كالنفقة، وهو ظاهر المدونة أيضًا؛ لأنه شيء وجب [عليه] (٢) في المال المشترك بينهما، فينبغي أن يلغي مثل النفقة، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم". والثالث: أن الزكاة تفض، ويكون [على العامل] (٣) منهما بقدر ربحه من جميع المال. وهو قول أشهب في زكاة الفطر عن عبيد القراض. وسبب الخلاف: اختلافهم في العامل، هل هو شريك أو أجير؟ فمن جعله كالشريك: فقال إن الزكاة تفض عليهما. ومن جعله أجيرًا: قال: الزكاة على رب المال وحده. وعلى القول بأن الزكاة على رب المال في المال، هل يخرجها من رأس [مال] (٤) القراض، أو من عنده؟ وظاهر "المدونة": أن الشاة المأخوذة من [مال] (٥) القراض تؤخذ من عينها، [ويوضع] (٦) مقدار قيمتها من مال القراض، ويكون ما بقى هو رأس المال. وقد اعترض هذا السؤال بأن رب المال إن أخرج الشاة الواجبة عليه من

стр. 797

غير غنم القراض ويكون ذلك استرجاع [بعض] (١) مال القراض بعد اشتغاله في السلع، وذلك لا يجوز لرب المال أن يفعله إلا برضى العامل، وان أخرجها من عنده دون مال القراض، فذلك يؤدى إلى الزيادة في مال القراض بعد اشتغال الأول بشرط الخلط، وذلك لا يجوز. وانفصل بعض أصحاب المذهب عن هذا الاعتراض قائلًا: إنه منع رب المال من استرجاع بعض [رأس] (٢) المال إذا كان استرجعه إلى ملكه، وأما في هذا السؤال، فإنه لم يسترجع إلى ملكه شيئًا، وأن هذا الجزء مستحق، فوجب صرفه لمستحقه كسائر الاستحقاقات. [وهذا] (٣) الذي قاله لا يظهر؛ لأن الاستحقاق إنما يقع في الأعيان المعينة، والزكاة لم تتعين في [عين] (٤) هذا المال، ولابد لجواز أن يدفع [الواجب] (٥) من غيره، ويبقى هذا المال وافرًا؛ فدل ذلك والحالة هذه على [أن ذلك لا] (٦) يجري مجرى الاستحقاق، والله أعلم. فإن كان مما تجب عليه فيه الزكاة لأجل عينه، لا لعدده؛ كالرقيق يشتريهم العامل بمال القراض، فجاء يوم الفطر، وهم عنده قبل أن يبيعهم، فعلى من تكون زكاة الفطر؟ واختلف [فيها] (٧) المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزكاة على رب المال في ماله خاصة.

стр. 798

وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنهم إذا بيعوا بربح، فالزكاة على العامل، ورب المال على قدر ما يكون الربح من جميع المال. وهو قول أشهب في "الكتاب". [والثالث] (١): أن الزكاة كالنفقة، وتسقط من الوسط، ويكون ما فضل من رأس المال بينهما نصفين، وهو قول محمَّد بن مسلمة. وسبب الخلاف: ما تقدم في فصل الماشية. [والجواب عن] (٢) الوجه الثاني: إذا شغله فيما لا تجب الزكاة في عينه؛ كالعروض: فالكلام في هذا الوجه في أربعة فصول: الفصل الأول: إذا اشترط أحد المتقارضين زكاة الربح على الآخر. والثاني: في الربح هل يزكي على ملك العامل، أو على ملك رب المال. والثالث: في معرفة ما تجب فيه الزكاة على العامل في حظه من الربح. والرابع: في معرفة وجوب إخراجها. فالجواب عن الفصل الأول: إذا اشترط أحدهما زكاة الربح على صاحبه بعد الاتفاق: أنه لا يجوز لرب المال أن يشترط زكاة رأس المال على العامل؛ لأن ذلك غرر، وخطر وهو من أكل المال بالباطل.

стр. 799

وأما زكاة الربح: فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه يجوز، سواء اشترط ذلك العامل على رب المال، أو رب المال على العامل. وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه لا يجوز أن يشترطه واحد منهما على صاحبه، وهو قول مالك في أصل "الأسدية"، وهو ثابت في بعض نسخ "المدونة". والثالث: أنه يجوز لرب المال أن يشترط على العامل ذلك، ولا يجوز للعامل أن يشترطها على رب المال. وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في "العتبية" في زكاة ثمر [حائط المساقاة ولا فرق بين القراض والمساقاة] (١). وفيها [يتخرج في المذهب] (٢) قول رابع على عكس القول الثالث. وسبب الخلاف في القولين المتقابلين: اعتبار الحال والمآل. فمن اعتبر الحال: قال بالإجزاء؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى؛ لأن المشترط عليه أن يخرج الزكاة من حصته دخل على أن يأخذ من الربح أربعة أجزاء وثلاثة أرباع الجزء مثلًا، عاملًا كان أو رب المال. ومن اعتبر المآل قال: لا يجوز ذلك لتعاظم الغرر، وتفاقم الخطر، وقد تجب أو لا تجب، وإن وجبت فقد يتفاصلان قبل حلول الحول، وقد يتفاصلان بعده، فإذا كان كذلك كان المنع أولى. وأما القولان المتقابلان على نعت التفصيل، فتوجيههما يرجع إلى هذا

стр. 800

الأصل الذي قدمناه، فلا نطول بتوجيه ما ظهر توجيهه من الأقوال. فعلى القول بأنه يجوز اشتراط أحدهما الزكاة على الآخر، فإذا لم تجب الزكاة في المال، أو اقتسما قبل الحلول، هل يتم للذي اشترط شرطه، ويفوز بذلك الجزء أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يقتسما ما ظهر لهما من الربح نصفين، ولا يختص الذي اشترط [الزكاة] (١) على صاحبه بشيء دون الآخر. ووجهه: أن ذلك الجزء إنما اشترط للمساكين، فإذا لم يتعين [عندهما] (٢) للمساكين، كان الربح بينهما أنصافًا إن كان قراضهما على النصف، أو على قدر ما اتفقا عليه من الأجزاء. وهذا القول أظهر الأقوال. والثاني: الجزء المشترط للزكاة يكون للذي اشترطها على الآخر، ثم يقتسمان ما بقى إخراجه بينهما نصفين. ووجهه: أن الذي اشترطت عليه الزكاة، إنما دخل على إخراج جزء الزكاة، ولا حظ له فيه، ولا عليه ممن أخذه من المساكين، أو غيره. وهو أضعف الأقوال. والثالث: أنهما يقتسمان الربح نصفين مثلًا، ثم يؤخذ سهم الزكاة من حظه، ويأخذه صاحبه فيضيفه إلى ما أخذ من الربح. ووجهه: أن الذي دخل عند [عقد] (٣) القراض على أن يأخذ جزءًا

стр. 801

معلومًا ثم [يسترد] (١) منه ربع عشر ما اقتسماه من الربح -قَلَّ أو كثر-. وهذا القول دون الأول في الظهور، وأظهر من الثاني، والله أعلم. والجواب عن الفصل الثاني: في الربح، هل هو مزكى على ملك رب المال جميعًا، أو حصة العالم تزكى على ماله؟ أما حصة رب المال من الربح مع رأس ماله فلا خلاف في المذهب أنها مزكاة على ملك رب المال. [واختلف في حصة العامل من الربح هل تزكى على ملكه، أو على ملك رب المال؛ فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يتفاصلا بعد تمام الحول. والثاني: أن يتفاصلا قبل تمامه. فإن تفاصلا بعد تمام الحول: فاختلف فيه في المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مزكى على ملك رب المال، دون الاعتبار بملك العامل. وهي رواية أشهب عن مالك، وهو مذهب سحنون. والثاني: أنه مزكى على مالك العامل دون الاعتبار بملك رب المال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" على ما سنبينه إن شاء الله. والثالث: أنه مزكى على ملكهما جميعًا، وهو ظاهر "المدونة" على ما أصف. فعلى القول بأن جميع المال مزكى على ملك رب المال، فإنه تعتبر فيه

стр. 802

الشروط المعتبرة في أصل الوجوب؛ وهي الإِسلام، والحرية، وعدم الدَّين، والنصاب، والحول. والجواب عن الفصل الثالث في معرفة ما تجب فيه الزكاة: على العامل في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكه: فهي خمسة شروط؛ ثلاثة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما. فأما الثلاثة المتفق عليها؛ وهو أن يكونا جميعًا حُرَّيْن، وأن يكونا مسلمين، وأن لا يكون على واحد منهما دين. وأما الاثنان المختلف فيهما: فإنه لم يختلف في اشتراطهما على الجملة، وإنما الخلاف في وجوه اعتبارهما؛ وهما النصاب، والحول. وأما النصاب: ففيه في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعتبر في رأس المال، وحصة رب المال من الربح خاصة، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة: وجبت الزكاة على العامل في حظه من الربح، وإلا فلا. وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (١) وهو المشهور من مذهبه. والثاني: أنه يعتبر النصاب في رأس المال وجميع الربح؛ فإن كان [في] (٢) ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في [حظه] (٣)، وإلا فلا. وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية". والثالث: أنه يعتبر النصاب في رأس مال رب المال [وحصته من

стр. 803

الربح] (١) وفي [حظ] (٢) العامل من الربح؛ فإن كان في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة [وجبت الزكاة] (٣) على العامل في حظه، وإلا فلا. وأما الحول: فلابن القاسم في وجه اعتباره قولان: أحدهما: أنه يعتبر في رأس مال رب المال، وحصته من الربح دون الاعتبار [بحظ] (٤) العامل. والثاني: أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح وفي حظ العامل؛ فلا تجب الزكاة في حظه من الربح حتى يحول الحول على المال الذي بيده من يوم أخذه؛ لأنه إذا حال الحول على المال بيد العامل فقد حال على رب المال. وهذا قوله في " [كتاب] (٥) الزكاة الأول" من "المدونة"، والذي [تأول على] (٦) ابن القاسم على هذا أن يعتبر النصاب في رأس مال رب المال، وحصته من الربح مع مال [هو له] (٧) إن كان له إفادة قبله أو معه معًا، وهذا لا يوجد له [ولا يعرف] (٨) من مذهبه، [ويلزمه أن يعتبر النصاب في حصة العامل من الربح مع مال سواه إن كان [ماله] (٩) قد

стр. 804

حال عليه الحول، وهذا أيضًا لا يوجد لابن القاسم، ولا يعرف من مذهبه] (١)، فلو قال بهذين الوجهين باعتبار النصاب في وجوب الزكاة على العامل في حظه من الربح لاستقام مذهبه، على أن ربح القراض مزكى على ملكهما جميعًا، [ولكنه] (٢) اضطرب مذهبه كما ترى، وربك أعلم. وسبب الخلاف: اختلافهم في العامل هل هو أجير، أو شريك؟ وللخلاف سبب آخر: الربح متى يملكه العامل، هل يملكه بالظهور، أو إنما يملكه بالنضوض والمفاصلة؟ وأما الوجه الثاني من الفصل الثاني: وهو إذا تفاصلا قبل تمام الحول فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يتفاصلا في رأس المال والربح، أو يتفاصلا في رأس المال ويبقى الربح، أو يتفاصلا في بعض رأس المال، ويبقى البعض إلى تمام الحول، فإن تفاصلا في رأس المال والربح قبل تمام الحول: فقد تقدم فيه البيان. وإن تفاصلا في رأس المال قبل تمام الحول، وبقى الربح في سلعة فباعها العامل بعد الحول، فصار للعامل في حظه من الربح عشرون دينارًا، هل يزكي أو يستأنف الحول؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يستقبل الحول، وهو قول ابن القاسم في "المدونة". ووجهه: أن الربح قد صار للعامل بالمحاسبة والمفاصلة في رأس المال

стр. 805

قبل تمام الحول. والثاني: أن العامل يزكي حينئذ، وهذا القول في "المجموعة". وسببه: أنه قد بقى عليه عمل من سبب القراض، وهو البيع؛ إذ عليه أن يبيع لرب المال حتى ينض جميع المال، ولا يستحق العامل نصيبه [من الربح] (١) إلا بذلك. وأما إن تفاصلا في بعض رأس المال، ويبقى البعض؛ مثل أن يكون رأس مال القراض مائة، فقبض منه تسعين، ثم باع ما بقى من متاع مال القراض بعد تمام الحول بثلاثين دينارًا؛ عشرة منها تمام المائة، وعشرون فائدة بينهما: فلا خلاف في هذا الوجه أن العامل يزكي؛ لأن الزكاة وجبت على رب المال في رأس المال وحصته من الربح إذا قدر أن رأس المال تلك العشرة الباقية. فلو بقى في يديه من المائة خمسة دنانير مثلًا، ثم باع بخمسة وعشرين دينارًا بعد تمام الحول، هل يزكي العامل ما أخذ من الربح أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا زكاة عليه حتى يكون فيما بقى لرب المال [ومن رأس المال] (٢)، وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة من غير اعتبار بما قبض من رأس المال قبل تمام الحول [بلا فرق بين] (٣) أن يكون بقى في يديه، أو استنفقه، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور. والثاني: أنه ينظر إلى ما قبضه رب المال [من رأس ماله] (٤) أولًا،

стр. 806

فإن بقى في يديه حتى يضيف إليه ما قبض بعد ذلك من بقية رأس المال وحصته من الربح: فإن العامل يزكي ما صح له من الربح. وهو تأويل ابن المواز على ابن القاسم. وسبب الخلاف: هل النظر ابتداءً إلى المفاضلة في أصل القراض فيحمل عليه ما كان آخرًا، أو النظر إلى ما وقع عليه الانفصال آخرًا، ويعد كأنه جميع رأس المال. والجواب عن الفصل الرابع: في معرفة وجوه إخراجها، وذلك يفتقر إلى تفصيل وتقسيم؛ إذ لا يخلو العامل من أن يكون غائبًا عن صاحب المال لا يعلم حال ما في يديه [من المال] (١) أو كان حاضرًا معه يعلم حال ما في يديه من مال القراض. فإن كان عنه غائبًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة على رب المال فيما بيد العامل من المال حتى يرجع إليه ويعلم أمره، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه لما مضى من السنين، على ما سنبينه [تفصيلًا وتحصيلًا] (٢) إن شاء الله من حكم المدير، وغير المدير. وأما إن كان حاضرًا معه، وهو يعلم حال ما في يديه: فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكونا جميعًا مديرين. والثاني: أن يكون رب المال مديرًا، والعامل غير مدير. والثالث: أن يكون العامل مديرًا، ورب المال غير مدير. والرابع: أن يكونا جميعًا غير مديرين.

стр. 807

فأما الحال الأول: إذا كانا جميعًا مديرين، أو كان رب المال غير مدير، والعامل مديرًا -وهي الحالة الثالثة- والذي بيده الأقل، أو الأكثر على قول من يقول من أهل المذهب أن [المال] (١) إذا كان يدار بأحدهما: فإنه يزكي المدار على سنة الإدارة كان الأقل أو الأكثر. أو كان رب المال مديرًا والعامل غير مدير -وهي الحالة الثانية- والذي بيده من مال الإدارة أو من غير مال الإدارة، وهو الأقل: فلا زكاة عليه حتى ينض المال وينفصلان، وإن أقام المال بيده أحوالًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب القراض" من "المدونة"، ورواه [أبو] (٢) زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم في كتاب القراض في "ثمانيته"، وفي "واضحة ابن حبيب" [مثله] (٣). فإذا رجع إليه مال بعد أعوام: زكى قيمة ما بيده من المتاع لما مضى. فإن كان قيمة ما بيده أول سنة: مائة، وفي الثانية: مائتان، وفي الثالثة: ثلاثمائة: زكى للسنة الأولى: مائة، وللثانية: مائتين، وللسنة الثالثة: ثلاثمائة، إلا ما نَقصَتْه الزكاة كل عام [وهذا نص المدونة] (٤). واختلف إن كانت قيمة ما بيده أول سنة ثلاثمائة، وفي الثانية مائتين، وفي الثالثة مائة، على قولين: أحدهما: أنه يزكي لكل سنة ما كان بيده، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القراض" (٥) [إذ قال] (٦) يزكي ما بيده لما

стр. 808

مضى [ولم يفرق. والثاني: أن يزكي مائة لما مضى] (١)، وهو ظاهر قول عبد الملك في "الواضحة" في مال الغائب [عن صاحبه] (٢) إذا تلف بعد أعوام أنه لا زكاة عليه [فيه] (٣)، وهو ظاهر المدونة أيضًا؛ إذ لا فائدة لتأخير الزكاة إلى حين المفاصلة مع حضور المال إلا لمخافة النقصان. فأما الحالة الرابعة: إذا كانا غير مديرين، أو كان العامل غير مدير، والذي في يديه الأكثر: فلا زكاة على رب المال فيما [بيد العامل] (٤) من مال [القراض] (٥) حتى يرجع إليه، فإن رجع إليه بعد أعوام: زكاه لعام واحد إذا كان في سلع، وهو ظاهر قول عيسى بن دينار في "العتبية". وأما إن كان رب المال مديرًا، والعامل غير مدير والذي بيده الأقل: فإن رب المال يقوّم كل سنة ما بيد العامل، فيزكيه من ماله لا من مال القراض. فهل يزكي رأس المال وجميع الربح، أو يزكي عن رأس المال، وحصته من الربح خاصة؟ [فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يزكي عن الجميع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثاني: أنه يزكي عن رأس المال، وحصته من الربح خاصة] (٦)، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وكذلك إن كان الذي بيد العامل الأكثر على تأويل ابن لبابة على ما في

стр. 809

المدونة من أن المالين إذا كان يدار أحدهما: فإنهما يزكيان جميعًا على [سنة] (١) الإدارة، والحمد لله وحده.

стр. 810

المسألة الثالثة عشر فيما يؤخذ من تجار المشركين إذا اتجروا في بلاد المسلمين ولا يخلو من تجار المشركين من أن يكونوا أهل ذمة، أو أهل حرب. فإن كانوا أهل ذمة: فلا يخلو من أن يتجروا في بلادهم التي أدوا الجزية عنها، أو خرجوا عنها بالتجارة إلى غيرها من بلاد المسلمين. فإن اتجروا في بلادهم التي أدوا الجزية عنها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يؤخذ منهم غير الجزية؛ لأنهم دفعوها جزاءً على [ما أمنوا] (١) في بلادهم بحيث لا يطول عليهم عدو ولا يركبوا بظلم، ولو اتجروا من أعلاها إلى أسفلها ومن أسفلها إلى أعلاها. فإن خرجوا بالتجارة إلى غيرها من بلاد المسلمين: فلا يخلو متجرهم من أن يكون في منافع [الأعيان] (٢) أو في أعيانها. فإن كان في المنافع؛ مثل أن يكرى ذمي دوابه للحمل، فهل يؤخذ منه العشر أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ منه عُشر الكراء كسلعة باعها جملة من غير تفصيل، وهو قول ابن نافع. والثاني: أنه لا شيء عليه جملة من غير تفصيل، وهو قول أشهب. ووجهه: أن ذلك [غلة] (٣) وليس كسلعة باعها.
следующие страницы →