← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حركه ظهر وبان، فهذا [الذي] (١) يلزمه في مسألة النفقة ملازمة القرط (٢) للأذن. وحجة الغير أنه يحسب [ما أنفق] (٣)، قبل الشراء [ويزكي لأنه كما لا يحسب بما أنفق قبل الحول بين الشراء أو بعده، فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق قبل الشراء] (٤) أو بعده. فهذه حجة الغير [بقوله] (٥) في الكتاب، وهو الذي يسميه أهل النظر قياس العكس. ولم يقع لهم في "المدونة" إلا في موضعين خاصة. والثاني: أنه لا زكاة عليه، قدم الشراء على النفقة أو أخره. وهو قول أشهب (٦) قياسًا على [ولادة] (٧) الماشية التي جعلها ابن القاسم أصلًا، فجعل حول ربح المال حول أصله؛ وذلك أنه لو كان لرجل ثلاثون شاة، وهو ساعي نفسه، فحال عليه الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعة وثلاثين: لم يكن عليه فيها زكاة. والذي ينبغي على ما قال في العين أنه يزكي؛ لأنه يقدر في الحكم أن الأولاد لم تزل [كامنة] (٨) مع الأمهات من أول الحول قبل أن يأكل منها ما أكل.

стр. 737

فإذا لم يقدر في الأصل هذا التقدير، فبأن لا يقدرها في الفرع أولى وأحق. والثالث: بالتفصيل [بين] (١) أن يقدم الشراء على النفقة: فيزكي، أو يقدم النفقة على الشراء فلا يزكي وهو قول ابن القاسم في الكتاب. فإن أراد ابن القاسم أن العرض المشتري بالخمسة يساوي خمسة عشر، والخمسة [عشر] (٢) الباقية قائمة عنده قبل النفقة، فيصح ما قال، وإن اعتبر حالة البيع بخمسة عشر، فبعيد ما قال. والقياس ما قاله أشهب، وهو الأصح في النظر، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 738

المسألة الرابعة إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا فلم يؤد زكاتها حتى [ابتاع بها سلعة] (١) فباعها بأربعين دينارًا بعد الحول الثاني، فقد قال في "الكتاب" (٢): إنه يزكي عن السنة الأولى عشرين دينارًا، ويزكي عن السنة الثانية تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار، إلا أن يكون عنده عرض يساوى نصف دينار فإنه يزكي عن السنة الثانية أربعين دينارًا. فظاهر هذا [كله] (٣) أن الكلام كله لابن القاسم. وقد وقع في بعض روايات "المدونة" قال أشهب: إلا أن يكون عنده عرض، فجعل في هذه المسألة أن دين الزكاة مسقط للزكاة [إلا أن يكون له عرض يساوي ذلك الدين، فإن كان الكلام لابن القاسم، فإنه يعد ذلك منه اختلاف قول، وعلى أنه لابن القاسم اختصر الشيخ أبو محمَّد المسألة والذي عرف من قول ابن القاسم في العتبية والسليمانية أن دين الزكاة مسقط للزكاة] (٤) كانت له عروض، أو لم تكن، وله مثل ذلك في كتاب الزكاة الأول من المدونة في الذي فرط في الزكاة وبيده مائة: أنه لا يزكيها إلا أن يبقى منها بعد إخراج الزكاة ما تجب فيه الزكاة. ومسألة في "كتاب القراض": إذا كان رب المال مديرًا أن رب المال يزكي لكل سنة إلا ما نقصته الزكاة، ولم يذكر في شيء من ذلك أن يكون له عرض كما قال في غيرها من مسائل الديون.

стр. 739

فإن كان الكلام لابن القاسم فيتخرج من "الكتاب" قولان في دين الزكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟. وإن كان لأشهب فيتحد قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، ويكون قول أشهب خلافًا له. ومحمل الديون كلها محملًا واحدًا في إسقاط الزكاة. والفرق على مشهور قول ابن القاسم بين دين الزكاة وغيره من مسائل الديون، وذلك أن الأصل يقتضي أن الدين مسقط للزكاة، وأنه لا يقابل بالعروض ما دام العين قائمًا؛ لقول عثمان ﵁: [هذا] (١) شهر زكاتكم من كان عنده دين فليقضه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة" (٢). ولم يقل: من كان عنده عرض يساوي ما عليه من الدين فيجعله فيه. ثم خصص أهل المذهب هذا العموم بما فهموه من مراد الشارع ﷺ من [المبادرة إلى] (٣) الطاعات والاحتياط للعبادات، فقالوا: بارتصاد العروض للديون، ويبقى دين الزكاة على الأصل، وهذا أولى ما اعتذر به، وعلل به على مذهب ابن القاسم [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 740

المسألة الخامسة مسألة زكاة [الحلي] (١) الواقعة في "الكتاب" وهي من مشكلات المدونة، وقد كثر فيها اللغط والتعسف في التأويل، وسببه اختلاف [الروايات] (٢) واضطراب المقالات حتى ترى الشُّرَّاح كل واحد منهم يثير الغبار في عين صاحبه، وسلك في التأويل مهيعًا غير مهيع غيره. فنحن بحمد الله نتشوف إلى التفصيل، ونشمر الدليل إلى التحصيل، وننزل المسألة أحسن التنزيل، ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو الحلي من وجهين فيما يرجع إلى الزكاة: أحدهما: أن يكون للنساء. والثاني: أن يكون للذكور. فإن كان للنساء فلا يخلو من أربعة أوجه (٣): إما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو للتجارة، أو لابنة لها. فإن اتخذته للباسها: فلا خلاف في المذهب أنها لا زكاة عليها. فإن اتخذته لابنة لها تلبسه، فإن كان في الحال: فلا زكاة عليها أيضًا. وإن كان في ثاني حال، والابنة موجودة، أو غير موجودة إلا أنها

стр. 741

ارتقبتها -هكذا نقله في النوادر (١) - فهل تجب عليها الزكاة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: وجوب الزكاة. والثاني: [سقوطها] (٢). وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل. فمن اعتبر الحال: أوجب الزكاة؛ لأنه كنز. ومن اعتبر المآل: قال: لا زكاة؛ اعتبارًا بما انكسر من حليهن فحبسنه ليصلحنه؛ لأنه في حال تبر. وإن كان عندها للإجارة، فالمذهب على قولين: أحدهما: وجوب الزكاة. والثاني: سقوطها. وهو مذهب المدونة في المسألة. وفي المسأله قول ثالث: بالتفصيل بين المُعَنَّسَة وغيرها؛ فإن كانت مُعَنَّسَة ولا منفعة لها فيه للباس ولا للكراء: فعليها فيه الزكاة (٣). وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (٤). وسبب الخلاف: هل النظر إلى كون الحلي من زينتهن أو لباسهن [ولبسه] (٥) [متأت] (٦) لهن إن شئن، ثم لا زكاة عليهن؟ أو النظر إلى

стр. 742

فعلهن ونيتهن: فتجب الزكاة؟ فإن كان عندهن للتجارة: فلا خلاف في وجوب الزكاة [عليها] (١) ما دامت على تلك النية. فإن نوت به القنية بعد ذلك واستعملته في اللباس: فلا زكاة عليها. وأما الوجه الثاني: إذا كان للذكران: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا. فإن كانوا صغارًا: فالمذهب على قولين: أحدهما: وجوب الزكاة. وهو قول أبي إسحاق بن شعبان. والثاني: أنه لا زكاة عليهم فيه. وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الحج" (٢)؛ لأنه قال: "لا بأس أن يحرموا وعليهم الخلاخل والأسورة". وإذا جاز لهم لباسه لم تكن عليهم الزكاة. فإن كانوا كبارًا: فلا يخلو من أن يكون مما يجوز لهم التحلي به [واتخاذه] (٣) للباسهم، أو مما لا يجوز لهم التحلي [به] (٤) [فإن كان مما لا يجوز لهم التحلي به] (٥) كالمصحف، والسيف، والخاتم. وما يجوز لهم اقتناؤه: فلا زكاة عليهم فيه اتفافًا.

стр. 743

فإن كان مما [لا] (١) يجوز لهم اقتناؤه للباس؛ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يتخذوه للقنية. والثاني: أن يتخذوه للتجارة. فإن اتخذوه للقنية: فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يتخذوه لزوجته أو لأمته أو لابنته. وإما أن يتخذه لامرأة يتزوجها، أو لابنة [لم تكن] (٢) له، أو كانت فينتظر به [كبرها] (٣). وإما أن يتخذه عدة للزمان، فإذا احتاج إليه [أخذه] (٤). وإما أن يتخذه للإجارة. فهذه أربعة أوجه: فأما الوجه الأول: إذا اتخذه لزوجته، أو لابنته: فلا زكاة عليه [فيه] (٥) اتفاقًا. وأما [الوجه الثاني] (٦) إذا اتخذه لامرأة يتزوجها، أو ينتظر كبر ابنة كانت أو لم تكن، هل عليه فيه الزكاة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن عليه فيه الزكاة.

стр. 744

وهو قول مالك، وابن القاسم. والثاني: أنه لا زكاة عليه فيه. وهو قول أشهب وأصبغ. وسبب الخلاف: هل النظر إلى حصوله في الملك، أو النظر إلى النية والمقصود؟ وأما الوجه الثالث: إذا اتخذه عُدَّةً للزمان لعله يحتاج إليه في المستقبل: فعليه فيه الزكاة اتفاقًا. وأما الرابع: إذا اتخذه للإجارة: فعن مالك قولان، على ما ذكره البغداديون عنه. أحدهما: وجوب الزكاة. والثاني: سقوطها. وبالوجوب قال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة، وهو الأشهر، والآخر لا وجه له. وأما إذا اتخذه للتجارة: وهو لباب المسألة، ومقصود الترجمة. ونص المسألة في "المدونة" (١): قال مالك في رجل اشترى حليًا [للتجارة] (٢) وهو ممن لا يدير التجارة، فاشترى حليًا؛ فيه الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، فحال عليه الحول، قال: ينظر إلى ما فيه

стр. 745

من الذهب [والورق] (١) [فيزكيه] (٢)، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد حتى يبيعه، إلا أن يكون ممن يدير، فيقوم اللؤلؤ والزبرجد، فيزكي وزن الذهب والفضة. وروى ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع، وعلي بن زياد أيضًا عن مالك فيمن اشترى حليًا [أو ورثه فحبسه للبيع؛ كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه. ورأى أشهب معهم فيمن اشترى حليًا] (٣) للتجارة، وهو مربوط بالحجارة، ولا يستطيع نزعه: فلا زكاة عليه حتى يبيع. وإن لم يكن مربوطًا: فهو كالعين يزكيه كل عام، وقال أشهب، وابن نافع في روايتهما: [أنه] (٤) كالعرض، يشتري للتجارة؛ فالمدير يقوِّم جميعه، وغير المدير لا يزكي حتى يبيع، ويزكي ثمنه لعام واحد، فهذا نص المسألة في الكتاب. واختلفت روايات "المدونة" في إثبات لفظة: "زكاة" ولفظة: "معهم"؛ ففي بعضها إثبات لفظة "زكاة" وسقوط لفظة "معهم"، [وهي] (٥) أصح في المعنى، وأجرى على أصول المذهب. وفي بعضها: إثبات لفظة "معهم"، وسقوط لفظة "زكاة". فاختلفت مذاهب المتأخرين في التأويل والتنزيل، فالذي نقلناه من مذاهبهم فيها أحد وجهين:

стр. 746

أحدهما: أن نقول: لم يختلف قول ابن القاسم في المسألة، وأنها ثلاثة أسئلة؛ [الأول] (١) سؤال ابن القاسم وحده في الحلي المنظوم مع المنصوص. والسؤال الثاني: رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد في الحلي المحض. والسؤال الثالث: رواية أشهب عن مالك في الحلي المربوط. فإذا نزلت المسألة على هذا التنزيل: سلم قول ابن القاسم في "الكتاب" من الاضطراب، فيرجع جميع ما في المدونة إلى قول واحد، وإلى هذا ذهب أكثر الشارحين من المتأخرين. والوجه الثاني: أن جميع ما [وقع] (٢) في الباب سؤال واحد، وأن ذلك كله في الحلي المربوط. وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي وغيره. والذي حملهم على ذلك وأضربهم عن الترتيب الأول لفظة وقعت في الكتاب؛ وهو قوله: وروى ابن القاسم، وأشهب، وعلي بن زياد، وابن نافع أيضًا. وقوله: أيضًا: يشعر باختلاف الرواية؛ إذ معناه: الرجوع [عن] (٣) شيء إلى شيء، فتكون رواية ابن القاسم مع الجماعة مخالفة روايته وحده؛ فيتخرج [في] (٤) "الكتاب" اضطراب من قول ابن القاسم في الحلي المربوط، هل حكمه حكم العروض كما قال أشهب أم لا؟

стр. 747

فإن أثبت في المسألة لفظة: "زكاة": فيتخرج من المدونة في المسألة أربعة أقوال: أحدها: أن الحلي المربوط لا يكون له حكم العُرُوض، وهو قوله أول المسألة؛ لأنه قال: يزكي [وزن] (١) ما فيه من الذهب، والفضة -يريد تحريًا- وإن كان مديرًا: قوّم ما فيه من اللؤلؤ والياقوت. وظاهر هذا القول سواء كان [هذا] (٢) الحلي موروثًا، أو مشترى. والثاني: أن حكمه حكم العُرُوض، وهي روايته مع الجماعة، وظاهره أيضًا: لا فرق بين الموروث والمشتري؛ بدليل قوله: كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه؛ ظاهره: [أنه] (٣) إنما يزكي عند البيع إن كان غير مدير، وأنه لا يزكي ما فيه من الذهب والفضة قبل البيع؛ إذ حكمه حكم العرض على هذا الظاهر وهو نص مذهب أشهب. والقول الثالث: بالتفريق بين الميراث والشراء، وأنه لا يحكم له بحكم العروض [في الميراث] (٤) وأنه يزكي وزن ما فيه من الذهب والفضة إن حال عليه الحول قبل أن يبيع، فإذا باع: زكى مثابة الذهب والفضة، ويستقبل بمثابة ما فيه من الحجارة حولًا من يوم باع. وأما الشرع: حكمه حكم العرض؛ يقوّمه المدير ولا شيء على التاجر غير المدير حتى يبيع. وهذا القول الثالث يؤخذ لابن القاسم من "المدونة" على إثبات

стр. 748

[رواية] (١) "معهم"، ورواية أشهب، وابن نافع آخر المسألة تفسير لها. والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون ما فيه من الذهب، والفضة تابعًا، أو متبوعًا، فإن كان تبعًا: فحكمه حكم العرض. وإن [كان متبوعًا] (٢): فلكل واحد حكمه. وهو قوله في مسألة السيف المحلى في كتاب الصرف. فإن أسقطنا لفظة: "زكاه"، فيتخرج له من الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحلي المربوط ليس كالعرض موروثًا أو مشترى. والثاني: التفرقة بين الشراء والميراث. والثالث: التفصيل بين أن يكون [الحلي] (٣) تبعًا أو متبوعًا. وعلى القول بأن المدير يزكي ما فيه من الذهب والفضة تحريًا، هل يقوم الصياغة أم لا؟ فبين المتأخرين قولان متأولان على "المدونة": أحدهما: أنه لا يقوم الصياغة، وهو المشهور في النص. والثاني: أنه يقوم، وأنها كعرض معه، وهو أظهر في المعنى، وهو تأويل أبي إسحاق التونسي على "المدونة" [وبالله التوفيق والحمد لله وحده] (٤).

стр. 749

المسألة السادسة الزكاة في أموال العبيد قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الزكاة تتعلق بمالك، وملك، ومملوك. فصفة المالك: أن يكون [من أهل الطهارة؛ وهم المسلمون] (١)، ذكرانًا كانوا أو إناثًا، صغارًا كانوا أو كبارًا. وصفة الملك: أن يكن تامًا غير ناقص، وفائدته: ألا يكون لغير مالكه انتزاعه من مالكه في أصله، وأن يكون مالكه حرًا لا رق فيه. أما المملوك: فكل عين جاز بيعها جاز تعلق الزكاة بها"، انتهى قوله. وقد اختلف العلماء في العبد هل يَمْلك، أو لا يَمْلك؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه يملك. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يملك [بحال] (٢) وأن ما بيده من المال هو للسيد. وذهبت طائفة إلى أن العبد يملك على الحقيقة، وأن الزكاة واجبة عليه فيما بلغ النصاب من ماله. وهذا القول مروي عن ابن عمر، وبه قال عطاء -من التابعين- وأبو ثور -من الفقهاء- وبعض أهل الظاهر. أما الشافعي، وأبو حنيفة: فلا يخفى ضعف مذهبهما؛ وذلك أنهما

стр. 750

قالا: العبد لا يملك، وأن ماله للسيد، وأن إضافة الملك إليه إضافة مجازية. وذلك مراغم للكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). ولا يتصف بالغنى والفقر إلا من يصح ملكه. وأما السنة: فقوله ﷺ : "من باع عبدًا وله مال" (٢). وقوله: "من أعتق عبدًا تبعه ماله" (٣). فأضاف النبي ﷺ المال إلى العبد بلام التمليك التي أضيف بها المال إلى من يصح منه الملك؛ دل ذلك على وجود الملك. ولا يصح أن يحمل الملك على المجاز؛ لأن الكلام لا يخرج عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، وهذا مذهب مالك ﵀ أن العبد يملك، ولا خلاف في مذهبه في ذلك إلا ما استقرئ من [مسألة النذور] (٤)، و"كتاب المأذون له في التجارة" من "المدونة"، وهو استقراء ضعيف، ولا يتعلق به إلا من جهل معاني المدونة، واتبع ظواهر السواد؛ وذلك أنه قال في "كتاب النذور" (٥)، فيمن حلف أن لا يركب دابة فلان، فركب دابة عبده: قال ابن القاسم: أراه حانثًا، وقال أشهب: لا يحنث في دابة عبده. فحملوا جواب ابن القاسم على ظاهره، وقالوا:

стр. 751

كونه [حنثه] (١) في دابة عبده بناء على أن العبد لا يملك، وأن ماله لسيده. وليس الأمر كذلك؛ بل إنما حنثه ابن القاسم في ركوب دابة غيره مراعاة للمقاصد؛ لأن مقصد الحالف ألا يقرب شيئًا تلحقه المنة من جهته، والمنة تلحقه من مال عبده، كما تلحقه من مال نفسه. وأشهب [تكلم] (٢) على الألفاظ، فلذلك لم يحنثه، فلا يخفى على من طالع المدونة اعتبار المقاصد والألفاظ، وهذا ظاهر لا إشكال فيه. وأما مسألة كتاب المأذون: فإنما اعتبر فيها مالك [﵀] (٣) الشبهة؛ وذلك أنه قال في المأذون [إذا اشترى من يعتق على سيده أن يُعتق على السيد؛ وذلك أن السيد له شبهة في مال عبده؛ لأنه مَلكَ انتزاعه، فقد ملك أن يملك، وهو أصل مختلف فيه؛ فرآه مالك ﵀ أن يعتق عليه؛ لأنه جعله [كالمالك] (٤). وبهاتين المسألتين استدل من ذهب إلى اضطراب المذهب في العبد، هل يملك أم لا, ولا دليل في ذلك على ما أوضحناه وبيناه ومن الدليل على أن العبد يملك على مذهبنا: جواز [التسرى] (٥) في ماله. وقد قال مالك: يجوز للعبد أن يطأ بملك يمينه، شاء السيد أو أبى؛ فهذا أول الدلائل على أنه يملك، ولا اعتراض على هذا يكون العبد

стр. 752

محجورًا عن التصرف في ماله [وكون السيد] (١) له عليه سلطانية الانتزاع، فإنا نجد مثل ذلك في الأحرار المتصفين بالملك من غير خلاف؛ مثل الصبي والبالغ السفيه، فإنهما يمنعان من التصرف ما دامت العلة قائمة، ولكن ذلك يرجع إلى حقهما، وإنما وقع التشابه في المنع من التصرف على الجملة، وأن الزوجة ممنوعة من التصرف بالمعارف في أكثر من ثلثها، والمريض كذلك؛ وذلك لحق غيرهما، والعبد مساوٍ لهذين. وأما كون السيد يملك الانتزاع دون من ذكرنا، فإنه عندنا لا يضاهي كون الغرماء يملكون سلطانية النزع لمال غريمهم دون إيثاره واختياره، [وإن كان] (٢) موجب الانتزاع يختلف ولكن [سلطان] (٣) الشارع كليهما على النزع لا يختلف، وهذا لا يخفي على من درأ عن قلبه وساوس التشكيك والترديد، وسَلَّ [عن نفسه] (٤) ربقة التقليد. وأما من اعتمد [على اتباع] (٥) السواد، واقتنع بالخُشكار عن السميد، فيوشك ألا يستنشق روائح [هذا] (٦) المسك المنثور, والعنبر، والكافور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، والمثل صحيح؛ الشمس ظلام الخفافيش، والجبال تميد في عين المراعيش، وإنما الإشكال والغموض في أمر وراء ذلك، وهو كون [المال] (٧) المملوك لا يزكي بعد زوال المانع الذي هو علة في إسقاط الزكاة مع وجوده؛

стр. 753

وذلك أنه قال في الكتاب في العبد إذا أعتق وماله بيده: أنه لا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم عُتق. والذي ينبغي على أصل مذهبنا القائلين: بأنه يملك أن يزكي بنفس ما عتق لزوال العذر الذي هو حق السيد، اللهم إلا أن يقال: إن هذا يتخرج على أحد الأقاويل في الذي بيده مائة وعليه [مائتان] (١) ثم وهب له الدين بعد حلول الحول أنه لا [يزكيه] (٢)؛ لأنه الآن [كالمالك] (٣) على الحقيقة. ولو قال: يلزم من هذه المسألة على أصل مذهب مالك أن يكون العبد لا يملك؛ لأنه جعل هذا المال بعد عتقه كفائدة أفادها لما كان استقراءً ظاهرًا. وإنما العجب كون مالك ﵀ جعله كالفائدة بالإضافة إلى العبد إن أعتق، وبالإضافة إلى السيد إذا انتزعه، ومثل هذا لا يعقل في [المُلاك والمملوكات] (٤)، وهذا مما نستجير بالله فيه. وربما تكون العودة إلى هذه المسألة بأوضح من هذا في "كتاب المأذون له في التجارة" إن أمد الله في الأجل، ومتعنا ومَنَّ علينا ببلوغ الأمل، إنه أكرم مسؤول، وأَنْعَمَ مأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] (٥).

стр. 754

المسألة السابعة في العروض المشتراة [للتجارة] (١)، هل فيها الزكاة أم لا؟ ولا تخلو نية المشتري لتلك العروض من خمسة أوجه: أحدها: أن يشتري للقنية. الثاني: أن يشتري للتجارة. الثالث: أن يشتري للإجارة. الرابع: أن يشتري للقنية وللإجارة. الخامس: أن يشتري للتجارة وللاستمتاع. فالجواب عن [الوجه] (٢) الأول: إذا اشتراها للقنية: فهذا لا زكاة [عليه] (٣) في عينها, ولا في ثمنها، إن بِيعَت بنصاب من العين حتى يحول عليها الحول من يوم باع وقبض الثمن. أما نفي الزكاة من [عين] (٤) العروض المشتراة؛ لقوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٥). وهذا الحديث اجتمع عليه الموطأ، والبخاري، ومسلم.

стр. 755

وأما ثمنهم: فلقوله ﷺ : "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول" (١). ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه. والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشتراها للإجارة؛ مثل أن يشتري دارًا للكراء، أو عبدًا للغَلَّة، ثم باع بعد عام، أو أعوام هل يزكي الآن، أو يستقبل حولًا؟ [قولان عن مالك] (٢): أحدهما: أنه يزكي الآن، وبه أخذ ابن نافع. والثاني: أنه [يستقبل] (٣) الحول كالفائدة، وبه أخذ ابن القاسم. واختلف أيضًا في غلة ما اشترى للكراء، هل يستقبل بها حولًا، أو يبنى على حول العين الذي اشترى [به] (٤)؟ على قولين؛ قياسًا على غلة ما اشترى للتجارة، وقد اختلف فيها قول مالك على قولين، نقلهما اللخمي وغيره عن مالك. وسبب الخلاف: المشرى للاستغلال، هل هو كالمشتري للتجارة أم لا؟ فمن ساوى بينهما: قال بوجوب الزكاة على حول الأصل، وهو الأظهر؛ لأن طلب الأرباح لا فرق بين أن يكون [باستبدال] (٥) الأعيان، أو [باستبدال] (٦) المنافع.

стр. 756

ومَنْ فَرَّقَ بينهما: قال باستقبال [الحول] (١) كالفوائد. والجواب عن الوجه الثالث: إذا اشتراها للإجارة، وللقنية؛ مئل أن يشتري سلعة يستخدمها لنفسه، ويستأجرها لغيره, فهل يختلف باختلاف قصده ومراده أم لا؟ فإن كان [القصد] (٢) الباعث على الشراء الاستخدام والاستمتاع، فلولا ذلك لم يشتر، فإن [اتفق] (٣) [فيما بين] (٤) ذلك إجارته أو كراه: كان الحكم للقنية. وإن كان القصد في الشراء لأجل الإجارة، ولولاه ما اشترى، فإن احتاج أهله إلى الاستمتاع والاستخدام فيما بين ذلك كان الحكم للإجارة وهذا بَيِّن. والجواب عن الوجه الرابع: إذا اشترى للتجارة: فلا يخلو الشيء المشترى من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء المشترى مما يزكى عينه كل عالم؛ كالأنعام إذا كانت نصابًا. والثاني: أن يكون مما لا يزكي عينه كل عام كالعروض، أو ما يزكى عينه مرة واحدة كالحبوب، والثمار. فإن كان مما يزكى عينه كل عام؛ كالإبل، والبقر، والغنم، وكانت نصابًا: فإن فيها زكاة الرِّقَاب.

стр. 757

فإذا باعها التاجر، فينظر؛ فإن باعها بعدما زكى رقابها: فإنه يبنى حولها على حول الماشية، فإن باعها قبل أن يزكى رقابها، فإنه يبنى [حولها] (١) على حول العين الذي اشتراها به. ولا فرق في ذلك بين المدير وغير المدير. فإن كان مما لا يزكى عينه؛ كالعروض: فهذا لا يخلو التاجر المشترى من أن يكون مديرًا، أو غير مدير. فإن كان مديرًا: فلا يخلو من أن يكون ممن يبيع العروض بالعروض؛ أو ممن يبيع بالعروض وبالعين. فإن كان ممن يبيع العروض بالعروض: فلا يخلو من أن يجعل ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة عن نفسه أم لا، فإن فعل ذلك فرارًا من الزكاة: فإن ذلك لا يجوز له باتفاق المذهب، ويؤاخذ بزكاة ما عنده من المال. فإن فعل ذلك قصدًا في الاستغزار في الأرباح وطلبًا للإكثار: [ورأى أن] (٢) ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا، فهل يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا تقويم عليه حتى يبيع بالعين، ويبقى له في السَّنَة، ولو درهم واحد. وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور. والثاني: أنه يُقَوِّم ويزكي. [وهي رواية] (٣) مُطَرِّف، وابن الماجشون عن مالك ﵀. وسبب الخلاف: هل الاعتبار بوجود التنمية بحركة المال، فوجب أن

стр. 758

يزكي؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الأموال المتخذة للنماء، أو المعتبر بوجود العين، فإذا وجد معه العين وجبت الزكاة إن كان دون النصاب؛ لأنه يُتَّهَم أن يقصد إلى إسقاط الزكاة عن نفسه لقدرته على البيع [بالعين] (١) فإذا لم يبع بالعين، بل عادته إيلاج العروض. في العروض: قلنا: لا زكاة عليه؛ لقوله ﵇: "وليس في العروض شيء حتى يصير عينًا" (٢). فإن كان ممن يبيع بالعروض، والعين غير أنه لا يكاد يجتمع النصاب في يديه، ولا يقدر على ضبط الأحوال: فهذا يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض، فيزكي ماله، ثم ينظر فإن بقى في يديه ما نض له في سنته من العين أخرجه في الزكاة إن كان فيه ما بقى بما وجب عليه. وإن أنفقه أو صرفه في السِّلَع، هل يبيع من عروضه ويؤدي الزكاة، أو أنه يخرج عرضًا بقيمته؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يبيع من عروضه، ويدفع الثمن للمساكين، وهو قول سحنون. والثاني: أنه يخرج عرضًا بقيمته إن شاء، ويدفعه إلى أهل الزكاة، وهي رواية ابن نافع عن مالك. والقولان في النوادر (٣):

стр. 759

ولا اعتبار بما نض للمدير من العين في سنته، هل هو نصاب أم لا؟ وقد قال في "المدونة" (١): "ولو درهم [واحد] (٢) "، ولا يعتبر بقاؤه في يديه إلى حين التقويم. وإذا بارت عليه عروضه، ولم يبع منها شيئًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا تقويم عليه. وإن بار بعضها، وأسواق بعضها قائمة، فإن كان البائر أكثر: فالأقل تبع للأكثر، ثم لا تقويم، وإن بار الأقل، هل يُقَوِّم أولًا؟ قولان: أحدهما: أنه يقَوِّم [وهو قول ابن القاسم] (٣). والثاني: أنه لا يُقَوِّم ما بار، وهو قول ابن نافع. وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى. وأما ديونه: فلا تخلو من أن تكون من قرض، أو من بيع. فإن كانت عن قرض، فهل يزكيها المدير أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٤): أحدهما: أنه لا يزكيها حتى يقبضها، وهو قول ابن حبيب. ووجهه: أنه مال خرج به عن الإجارة، وحبس عن التنمية، فلا زكاة عليه فيه. والثاني: أنه يزكيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم: إذا كان العرض أقل ماله.

стр. 760

ووجهه: ما قدمناه أن الأقل تبع للأكثر. وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع في المذهب في هذه المسألة [وغيره] (١) حكى فيها الخلاف مثل أبي الحسن اللخمي وغيره. فإن كان ذلك الدَّين من بيع: فلا يخلو من أن يكون على مَلِيّ، أو [على] (٢) مُعْدَم. فإن كان على مُعْدمَ: فلا يزكيه باتفاق؛ لأنه ثاوٍ (٣)، والثاوي لا قيمة له. وإن كان على مَلِيٍّ، فهل يزكيه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يزكيه حتى يقبضه، ثم يزكيه لعام واحد، وهو قول المغيرة والمخزومي. والثاني: أنه يزكيه، وهو المشهور. وعلى القول بأنه يزكيه، فهل يزكي عدده أو قيمته؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال [كلها قائمة من المدونة] (٤):

стр. 761

أحدها: أنه يزكي عدده جملة، سواء كان حالًا أو مؤجلًا، وهو قوله في "المدونة" (١) فيمن له مائة دينار، وعليه مائة دينار دين، وبيده مائة: قال: فإنه يزكيها, وليجعل ما عليه من الدَّين فيما له [من دين] (٢). والظاهر أنه يجعل المائة فيما له، ويزكي المائة التي بيده، ونحوه في كتاب محمَّد. والثاني: أنه يزكي قيمته جملة، [سواء] (٣) كان حالًا، أو مؤجلًا، وهو ظاهر "المدونة"؛ لقوله: "فيها حكم الدَّين حكم العروض"، وقوله أيضًا: "ويُقَوِّمُ ما يرى حجبه" ولم يفصل بين المُعَجَّل والمُؤَجَّل، وعلى هذا اختصر أكثر المختصرين. والثالث: التفرقة بين المُؤَجَّل والمُعَجَّل. فإن كان مُعَجَّلًا: زكى عدده. وإن كان مُؤَجَّلًا: زكى قيمته. وهو ظاهر "المدونة" (٤)؛ لأنه قال في موضع: "يزكي دينه"، وفي موضع: "يزكي قيمته"، وهو [نص] (٥) قول ابن القاسم في غير "المدونة" [مثل قوله] (٦) في "الموازية" وغيرها. ولم يختلفوا في الدين الذي عليه أنه يحسب عدده، ولا يُقَوِّمه، فانظر ما الفرق بينهما.

стр. 762

وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل. ومن اعتبر الحال قال: يزكي [القيمة] (١) لأنها المقدور عليها الآن بالبيع إن شاء والعدد، فقد لا [يتيسر] (٢) له قبضه متى شاء. ولو كان قبضه على الحلول، [وهو] (٣) مُوسر أعني الذي عليه [الدين] (٤)، وليس على بصيرة في قبضه مهما أحب على كل حال. فإن صح ذلك [عنده] (٥)، والحالة هذه كانت القيمة متحققة والعدد مظنون. ومن اعتبر المآل: قال يزكي العدد؛ لأنه هو المملوك؛ إذ هو قادر على قبضه في الحال إن كان الدين حالًا، وإن كان إلى أجل كذلك أيضًا لا تخشى فيه حوالة الأسواق، بخلاف العروض التي قد تختلف أثمانها عند الحلول، والدين لا تختلف أعداده قبل الحلول وبعده. ومن فصل فقد حصَّل، وهو أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا. واختلف فيما إذا مضى له [حول] (٦)، وجاء الشهر الذي يقوم فيه، ولم ينض له فيه، ولو درهم واحد، ثم نص له بعد ذلك، هل يزكي حينئذ، أو يستقبل [به] (٧) حولًا؟ على ثلاثة أقوال (٨):

стр. 763

أحدها: أنه يزكي ساعتئذ، ويكون حوله من يومئذ, وهو قول ابن القاسم في "الكتاب". والثاني: أنه لا يزكي حتى يحول عليه الحول من يوم نض له، وهو قول أشهب. ووجهه: أن الحول الأول قد انتقض، وترك فيحتاج إلى الابتداء. والثالث: أنه لا يزكي الآن، و [لكن] (١) يحصى كل ما باع به من العين، فإذا تم عشرين دينارًا أو مائتي درهم فليترك، ثم يزكي كل ما ينض بعدها، وإن قلَّ، ولا تقويم عليه، وهو قول ابن نافع. وهذا القول عموم في المدير أنه لا يقوم، [قال: وأحسبه، ولكن يحصي ما ينض له، والله أعلم] (٢). ولا [يترك] (٣) ما نض له حتى يستكمل النصاب كاقتضاء الديون، وهذا قول قياسي، وهو قياس صحيح؛ لوجود التهمة في الموضعين، ولكنه خلاف لقول عمر ﵁ حين أمر [نخاسا] (٤) [بتقويم ما عنده] (٥) من العروض وهو قول الإِمام الصحابي. وهذا كله إذا كان يدير جميع ماله. وأما إذا كان يدير بعض ماله دون بعض: فلا يخلو المدار وغير المدار من أن يكون على جزأين متساويين كالنصف والنصف، أو على جزأين متفاضلين.

стр. 764

فإن كان على جزئين متماثلين: زكى كل مال على سنته، فإن كان أحدهما أكثر من الآخر: فعلى قولين: أحدهما: أن الأقل تبع للأكثر؛ يزكي على حوله وسنته، كان الأكثر هو المدار، أو غيره. والثاني: التفصيل بين كون المدار هو الأكثر: فيزكي معه الأقل زكاة واحدة. وإن كان المدار هو الأقل، وغير المدار هو الأكثر زكى كل مال على سنته. قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: والقياس عندي أن يزكي كل مال على حوله، ولا يكون الأقل تبعًا للأكثر إلا أن يشق عليه ضبط ذلك، ويصعب عليه حفظه، فيجعل الأقل تبعًا للأكثر حينئذ. وهذا الخلاف الذي حكيناه يتخرج على اختلاف قول مالك في الحائط فيما إذا سقى في بعض السنة بالنضح، وبعضها بالبَعْل (١)، هل يكون الأقل تبعًا للأكثر أم لا؟ وأما الوجه الثاني في التاجر غير المدير: إذا كان التاجر [غير المدير] (٢) يشتري نوعًا من التجارة يرتصد به الأسواق مثل الحنطة يشتريها في زمان الحصاد، فإذا قامت أسواقها باعها مرة واحدة: فهذا لا زكاة عليه، ولا تقويم حتى يبيع، فإذا باع زكى الثمن على حول الأصل، ولا يستأنف الحول.

стр. 765

فإن بارت عليه السلع [التي] (١) اشتراها أعوامًا: فلا يزكي إذا باعها إلا زكاة واحدة. واختلف فيما إذا اشترى سلعة للتجارة، ثم نوى به القنية، هل ينتقل بالنية أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: [أنه] (٢) ينتقل عن التجارة إلى القنية بالنية، ولا ينتقل عن القنية إلى التجارة بالنية. وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه لا ينتقل عن التجارة إلى القنية بالنية، وأنه على أصل التجارة، فإذا باع بنصاب زكى على حول الأصل، وهو قول أشهب. وسبب الخلاف: التجارة هل هي أصل في نفسها كما أن القنية أصل، ثم لا يحول واحد منهما عن أصله كما يقول أشهب؟ أو القنية أصل، والتجارة فرع؛ فيحول الفرع بالنية، ولا يحول الأصل إلا بالفعل مع النية، كما يقوله ابن القاسم؟ فرع عن المسألة وإذا اكترى أرضًا للتجارة [واشترى زروعها للتجارة] (٣) وزرعها للتجارة، فإذا وقع الحب وفيه خمسة أوسق فصاعدًا: فإنه يزكي زكاة حب الزرع، ثم إذا باع الحب بنصاب من العين، هل يستقبل الحول من يوم باع، أو يبنى على حول الزرع من يوم زكاه؟ فالمذهب على قولين:

стр. 766

أحدهما: أنه يزكى على حول الزرع. وهو قول ابن القاسم في "المدونة". والثاني: أنه فائدة، ويستقبل بالثمن حولًا. وهو قول أشهب في "المجموعة" -مديرًا كان أو غيره- وهذا منه بناءً على أصله في غلة ما اكترى للتجارة. وإن كان القاضي أبو الوليد الباجي حكى في هذه المسألة إجماع المذهب: إذا اجتمعت [الوجوه] (١) الثلاثة اكترى [الأرض] (٢) للتجارة، واشترى الزرع للتجارة، وزرعه للتجارة. والخلاف [فيها] (٣) كما ترى، ولعله لم يبلغه قول أشهب، والله أعلم. والمسألة على أربعة أوجه: أحدها: هذا الذي قدمناه. والثاني: أن يكتري [الأرض] (٤) للتجارة، وزرعها [بطعامه] (٥) للتجارة، أو اكترى الأرض للتجارة، وزرعها بطعامه، أو كانت الأرض [له] (٦) واشترى القمح وزرعها للتجارة. وأما إذا اكترى أرضًا للتجارة وزرعها بطعام من عنده للتجارة، فعلى قولين متأولين على "المدونة":

стр. 767

أحدهما: أنه فائدة، ويستقبل بالثمن حولًا من يوم باع. وهو نص المدونة على رواية الباء: "وزرعها بطعامه". والثاني: أن له حكم التجارة، ويزكي على حول الزرع. وهو ظاهر المدونة على رواية اللام: "وزرعها لطعامه" -يريد لقوته-[بدليل قوله] (١) فرفع طعامه، فأكل منه وفضلت [فضلة] (٢) فباعها. وظاهره أنه لو زرعها بطعامه للتجارة لكان [الحكم للتجارة] (٣)؛ لأن الحب الذي أخرجه من عنده هو مستهلك في تجاويف الأرض غير مراع، وإلى هذا ذهب إبراهيم بن باز الأندلسي وغيره، وذهب غيره إلى أنه متى كان الزرع من عنده فهو للقنية. والوجه الثالث: إذا اكترى الأرض للتجارة، وزرعها لطعامه، فهذا لا خلاف فيه أنها فائدة يستقبل بها الحول. والوجه الرابع: إذا كانت الأرض من عنده، واشترى الزرع للتجارة وزرعها للتجارة، فهل هي فائدة أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: من "كتاب الشركة": أنه فائدة، وهو نص المذهب. والثاني: أنه للتجارة، وينبني [الخلاف] (٤) فيه على الخلاف في

стр. 768

الشركة، هل يكون الزرع فيها رأس المال [والأرض والعمل تبع له أو الأرض رأس المال] (١) والبذر والعمل تبع له؟ والجواب عن الوجه الخامس: أن يشتري للتجارة والاستمتاع: فذلك لا يخرج الشيء المشترى من أصل التجارة، وكل من اشترى للتجارة، فكذلك [يشتغل] (٢) ويستخدم حتى يجد سوقًا يسره فيبيع، وذلك [لا يؤثر] (٣) في أصل التجارة [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 769

المسألة الثامنة في زكاة الدَّيْن والدين في الزكاة ينقسم على أربعة أقسام: دين من تجارة، ودين من قرض، ودين من فائدة، ودين من غصب. فأما دين التجارة: فقد تقدم الكلام عليه في المسألة التي قدمنا قبل هذه. وأما دين القرض: فقد تقدم الكلام فيه أيضًا [في المدير] (١)، هل يقومه أم لا؟ وأما غير المدير، فإنه يزكيه إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين. وأما دين الغصب: إذا غصب منه [نصابًا أو] (٢) أكثر من العين فرد إليه بعد أعوام كيف يزكيه؟ فنقول: أما ما كان قبل أن يرد إليه: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه لا شىء عليه [فيه] (٣). واختلف فيما إذا رد إليه بعد أعوام هل يزكيه الآن، أو يستقبل به الحول؟ فالمذهب على قولين (٤): أحدهما: أنه يزكيه الآن زكاة واحدة. وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (٥)، ووافقه أشهب، وأكثر

стр. 770

[الأصحاب] (١)، وهو قول مالك أيضًا. والثاني: أنه يستقبل به حولًا من يوم قبضه، سواء رد إليه بحكم أو طوع. وهو قول حكاه ابن حبيب عن مالك، قال: [وهو] (٢) بخلاف الدين. وما رواه مالك في "موطئه" (٣) عن عمر بن عبد العزيز في مال قبضه بعض الولاة ظلمًا؛ أنه كتب إلى عماله أن يزكيه لما مضى من السنين. لم يأخذ به مالك، وإن كان عمر قد تعقب ذلك بكتاب يناقضه، وهو الذي أخذ به مالك. ووجه القول الأول أنه يزكي زكاة واحدة؛ قياسًا على الدين؛ لأنه مال محبوس عن التنمية فأشبه الدين، ولاسيما أن هذا [محبوس] (٤) عنه بغير اختياره، وإيثاره، فأشبه مالًا وقع منه، ثم وجده بعد أعوام. ووجه القول الثاني: أنه يستقبل به حولًا؛ لأنه مال محبوس عنه، وعن التنمية بغير اختياره، وحيز عنه على معنى الاستيلاء والقهر، فيستقبل به الحول؛ قياسًا على ما فاته من المال، غير أن هذا القياس ضعيف؛ لضعف القول في نفسه. ولو قيل: إن الغصب ينقل الملك لكان [هذا] (٥) القياس صحيحًا، ولا أعلم في هذا المذهب من يقول ذلك، ويذهب إلى أن الغصب ينقل

стр. 771

ملك المالك، وقد سمعت بعض متفقهة هذا الزمان يعلل بذلك، ولا أدري من أين أخذوه، ولا كيف استجازوه، فالله تعالى يلهمنا رشدنا، ويعصمنا بفضله. وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في الماشية المغصوبة إذا ردت إليه بعد أعوام؛ فقال ابن القاسم: "لا يزكيها إلا لعام واحد" (١) كالعين، ولم يفصل. وأشهب فَصَّلَ بين أن تكون السعاة تركتها عند الغاصب، فيكون كما قال ابن القاسم [وإلا] (٢) أدى عنها كل عام على ما يوجد عنده. وهذا الذي قاله أشهب شبيه أن يكون تفسير قول ابن القاسم، وإلا كان ذلك اضطرابًا من قول ابن القاسم؛ لما قدمناه في العين أنه مال محبوس عن التنمية، والماشية تنمو بنفسها فيكون الحكم فيها على خلاف العين، والله أعلم. وأما الوجه الرابع: إذا كان الدين من فائدة: فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية، أو مهر امرأة، أو ما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة. والثالث: أن يكون ذلك الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية. والرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة.

стр. 772

فالجواب عن القسم الأول: إذا كان من فائدة ميراث أو عطية، أو غيرها: فهذا لا زكاة فيه [حال أو مؤجل] (١) حتى يقبضه، ويحول عليه الحول بعد القبض إذا لم يكن عليه هو دين. وإن تركه أعوامًا [فرارًا] (٢) من الزكاة: فلابد من استئناف الحول. والجواب عن القسم الثاني: إذا كان من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة: فهذا لا زكاة عليه [أيضًا] (٣) حتى يقبض ويحول عليه الحول بعد القبض، وسواء باعه بنقد أو بالتأخير. وقال عبد الملك، والمغيرة (٤): إن باعه على الحول فإنه يستقبل به حولًا بعد القبض، وإن باع إلى أجل، فإذا قبضه فإنه يزكيه الآن زكاة واحدة. وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة، فهل يزكي لما مضى من السنين أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يزكي إلا زكاة واحدة. وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه يزكي لما مضى من السنين، وهو قول عبد الملك والمغيرة. وسبب الخلاف: هل تلحقه التهمة في التأخير مع القدرة على قبضه أم لا؟

стр. 773

والجواب عن القسم الثالث: إذا كان الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية [ثم باعه] (١)، فهذا إن [باع] (٢) بنقد: لم تجب الزكاة حتى يقبضه، ويحول عليه الحول من بعد القبض. وإن باعه بتأخير ثم قبضه بعد حول: زكاه ساعة قبضه. وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة زكى لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في هذا الوجه. والجواب عن القسم الرابع: إذا كان الدين من كراء، أو إجارة، فهذا إن قبضه بعد [استيفاء] (٣) العمل كان الحكم فيه كما تقدم في القسم الثاني. وإن قبضه قبل استيفاء [العمل] (٤) مثل أن يؤاجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارًا، فقبضها معجلا فهل يزكي إذا حال [عليها] (٥) الحول من يديه [أم لا] (٦)؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يزكي بعد الحول عشرين دينارًا، وهو القدر الذي استحقه، واستقر له في السنة الأولى؛ لأنها مكثت في يديه [حولًا] (٧) من يوم

стр. 774

قبضها ثم يزكي بعد ذلك قدر ما ينوب [كل] (١) ما مضى من المدة، وهو قول الغير في المدونة في مسألة هبة الدين، وهو ظاهر سماع سحنون عن ابن القاسم. والثاني: أنه يزكي للحول الأول تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار. وهو قول ابن المواز، ووجهه: أنه إذا مضى الحول فقد ملك العشرين من الستين ملكًا تامًا وتبين أنه لم يزل مالكًا لها من يوم قبضها, فلذلك يزكيها، والعشرون التي هي أجرة السنة الثانية، فقد حال عليها الحول، وهي في يديه، إلا أنه لم يؤد عوضها من المنافع، والمنافع عليه دين، فوجب أن يجعل ذلك الدين في العشرين دينارًا التي هي للعام الأول، غير أنها نقصت نصف دينار الذي أداه في الزكاة فيكمل من أجرة العام الثاني؛ فيبقى منها تسعة عشر ونصف فيزكيها. وهو [وجه] (٢) قول ابن المواز ومعناه، وهو ظاهر إن شاء الله. والثالث: أنه لا زكاة عليه في شيء من السنين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مضى فإنه يزكي عشرين؛ لأن ما ينوبها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور الحول شيئًا بعد شيء؛ فوجب استئناف الحول [بها] (٣) من يوم تم ملكها له، وهذا هو المشهور، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤) في مسألة: هبة الدين [والله أعلم والحمد لله وحده] (٥).

стр. 775

المسألة التاسعة في زكاة المديان (١) إذا كان عنده نصاب من العين، وعليه من الدين ما يستغرق ما عنده من العين، أو ينقصه عن النصاب، فلا يخلو ذلك الدين من أن يكون متعلقًا بالمال دون الذمة، أو بهما معًا. فإن كان تعليقه بالمال دون الذمة: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض كنفقة الزوجة، أو بغير عوض كنفقة الولد والوالدين. فإن كان ذلك بعوض كنفقة الزوجة: فإنها تسقط الزكاة -كانت بفرض، أو بغير فرض- إلا أن يكون عنده عرض يساوي ذلك القدر. فإن كان بغير عوض كنفقة الوالدين: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الابتغاء أو بعده. فإن كان ذلك قبل الابتغاء: فليس ذلك بدين يسقط الزكاة. وإن كان ذلك بعد الابتغاء، وفرض لهم القاضي قدرًا معلومًا، وأخذاه [من] (٢) ساعتهما: فذلك يسقط عنه الزكاة. وإن فرض [لهما] (٣) القاضي قدرًا [وتركاه] (٤) شهرًا فقد قال في الكتاب: إذا حال الحول، وهي عليه، ولم يأخذاها منه لم تسقط عنه الزكاة بذلك.
следующие страницы →