← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قال: إنه ركاز، ويخمس لعموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس" (١) ثم رجع فقال: "إن كان يسيرًا فلا شيء عليه". والقول الأول أظهر، وهو أسعد بظاهر [المدونة] (٢). فإن ناله بعمل ومشقة ومؤنة، فهل يخمس، أو يزكي؟. فالمذهب على قولين من المدونة من كتاب الزكاة الأول: أحدهما: أنه ركاز وفيه الخمس -ناله بعمل أو بغير عمل- وهذا نص قوله، ثم قال في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلبه بمال، ولا تكلف فيه كبير عمل [وأما ما طلبه بمال أو تكلف فيه كبير عمل] (٣) فأصيب مرة وأخطئ أخرى: فليس بركاز، وهو الأمر عندنا، وهذا نص قوله. واختلف المذهب -عندنا- في الكلفة المعتبرة ما هي على قولين: أحدهما: أن الحفر الكثير [تكلف] (٤) يجب أن تكون فيه الزكاة، وهو ظاهر قوله في كتاب محمَّد على ما حكاه أبو إسحاق التونسي. والثاني: أن العمل المعتبر التصفية ليكون ذلك مشابهًا لتخليص الذهب والفضة من التراب بالتسبيل، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الوليد الباجي في التأويل. وعلى اختلافهم في هذا التأويل ينبني الخلاف في الندرة المستخرجة من المعدن هل تخمس أو تزكى؟ وسبب الخلاف: اختلافهم في اشتقاق الركاز، هل هو مشتق من

стр. 842

الركز؛ وهو الثبات، ومأخوذ من قولك: ركز الرمح في الأرض إذا ثبت فيها؛ فعلى هذا الاشتقاق يؤخذ الخمس من كل مال وجد تحت الأرض بغير كبير عمل -كان معدنًا أو دفن الجاهلية. أو مشتق من الركز؛ وهو الفأس أو ما يحفر به مثل المسحاة وغيرها؛ لقول عائشة ﵂: ما صدقت بموت رسول الله ﷺ وحتى سمعت وقع الركزان. فيسمى بهذا الاسم تسمية الشيء بما يلازمه؛ لأن الدفن لا يكون إلا بعد الحفر، وعلى هذا الاشتقاق يكون الركاز هو دفن الجاهلية دون ما وجد في المعدن من ندرة أو غيرها، وكل قد قيل. فإن وجده في أرض غيره، هل يكون لمن وجده، أو يكون لرب الأرض؟ [فعلى] (١) قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه يكون لمن وجده، ولا يكون لرب الأرض، وهو قول ابن نافع، ومثله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر المدونة من مسألة الركاز: إذا وجد في دار الرجل في أرض الصلح، ورب الدار ليس من أهل الصلح، قال: ليس رب الدار فيه شيء. والثاني: أنه يكون لرب الدار دون واجده، وهي رواية بن زياد عن مالك، وبه قال عبد الملك، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ لأن ما في داخل الأرض بمنزلة ما في خارجها. وسبب الخلاف: بَيِّن، وهو من ملك ظاهر الأرض هل يملك ما في بطنها أم لا؟ وهو أصل ينبني عليه الخلاف في هذا الباب. والوجه الثاني: إذا وجد في أرض العنوة: فلا خلاف -أعلمه- في

стр. 843

المذهب أنه [لا يكون] (١) لمن وجده، إلا ما رواه ابن نافع، ثم لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يعلم أنه من أموال أهل العنوة، أو يعلم أنه ليس من أموالهم، أو يشك [فيه] (٢). فإن علم أنه من أموالهم: ففيه الخمس، وأربعة أخماسه لأهل الجيش الذين افتتحوا تلك البلاد إن عاشوا، أو لورثتهم إن ماتوا، أو عرفت أنسابهم. فإن لم يعرفوا تصدق بهم عنهم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور في المذهب. والدليل على ذلك: رد عمر ﵁ للسفطين اللذين جيء بهما [إلى عمر] (٣) ﵁ من كسب الحرب، فإن فهم عمر ﵁ للسفطين يقسمه على المسلمين، فلما كان بالليل رأى عمر ﵁ كأن الملائكة تدفع في نحره كالصدود عن قسمته، فلما أصبح قال: هذا ما يصلح، فردها عمر ﵁ إلى الذين فتحوا البلاد فقسمه بين الذرية والمقاتلة والعيال. [وقال مالك] (٤): ذلك كنز دل عليه بعدما فتحت البلاد وسكنها الناس، واتخذوا الأهلين. فإن علم أنه ليس من أموالهم: فهو لمن وجده، ويؤخذ منه الخمس. فإن شك في ذلك، فلم يدر لمن هو: قال سحنون: فإنه يكون لمن

стр. 844

وجده مراعاة لرواية ابن نافع الذي يقول: هو لمن وجده على كل حال. وأما الوجه الثالث: إذا وجده في أرض الصلح: فإنه يكَون لأهل الصلح دون من وجده على الخلاف الذي قدمناه لابن نافع في أرض العنوة. فإن وجده في دار أحدهم: فلا يخلو [واجده] (١) من أن يكون [هو رب الدار أو غيره. فإن كان هو رب الدار، فإنه يفوز به، وإن كان غير رب الدار فلا يخلو واجده من أن يكون] (٢) من أهل أرض الصلح، أو من غيرهم. فإن كان من غيرهم: فهو لأهل الصلح على المشهور، ولا خمس عليهم فيه. فإن كان الذي وجده من أهل الصلح: فلا يخلو من أن يكون هو رب الدار، أو غيره. فان كان هو رب الدار: فإنه يكون له. فإن كان غير رب الدار: فالرواية أنه لا يكون لأهل الصلح، ولا يختص به من وجده إذا وجده غيره، وهذا كلام متناقض، والذي يقتضيه قوله في المدونة أن ما في داخل الأرض بمنزلة ما في خارجها أن يكون الذي له الدار يوم الصلح لا يشاركه فيه من صالح معه، وهو قوله في كتاب محمَّد أنه لرب الدار، ولم يفصل. وسبب الخلاف: من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا فيمن باع [أرضًا] (٣) فوجد فيها المشتري كنزًا أو

стр. 845

أعمدة أو ألوية، هل تكون للبائع أو للمشتري؟ فابن القاسم يقول: إنها للمشتري. ومالك يقول: إنها للبائع. وفي المدونة ما يدل على القولين جميعًا، وقد نبهنا عليه قبل هذا. وكذلك اختلفوا أيضًا فيمن استأجر أجيرًا يحفر له في داره. ثم وجد كنزًا: فمالك يقول: إنه لصاحب الدار، وابن نافع يقول: إنه للحافر، وهذا كله مبني على هذا الأصل. واختلف قول مالك في الركاز إذا كان ليس بعين كالجوهر، والنحاس، والرصاص، وسائر العروض؛ فمرة يقول: فيه الخمس، ومرة يقول: لا خمس فيه، وبالقول بوجوب الخمس أخذ ابن القاسم. وسبب الخلاف: عموم قوله ﷺ : "في الركاز الخمس" (١) هل هو عموم أريد به العموم، أو هو عموم أريد به الخصوص [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 846

المسألة التاسعة عشر في الأصناف الذين تصرف إليهم الزكاة وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١). فهذه ثمانية أصناف يجوز وضع الصدقات فيها، ولا يجوز وضعها في غيرهم؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) (٢)، فأتى بلفظة الحصر، وهذا يقتضي نفي إعطاء الزكاة لغيرهم. فأما الفقراء والمساكين: فاختلف العلماء [فيهم] (٣)؛ فقال مالك: [إن المسكين أحوج من الفقير] (٤) لأن الفقير من له البلغة من العيش لا تقوم به. [والمسكين] (٥): الذي لا شيء له. ولمالك في "العتبية" أيضًا من رواية ابن وهب أن الفقير: الذي يتعفف عن المسألة مع حاجته، والمسكين: الذي يسأل على الأبواب والطرقات فخرج من ذلك أن المسكين أحوج من الفقير، وأنهما اسمان متغايران، ومنه قول الشاعر (٦): أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال [فلم] (٧) يترك له سبد

стр. 847

والدليل أيضًا لقول مالك في "العتبية": أن الفقير المتعفف الذي لا يسأل؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). معناه: أنه لا يفطن لهم، فيتصدق عليهم. إلا أن بعض العلماء قال: ليس في هذه الآية دليل على نفي السؤال [جملة لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢) مفهومه أنه يسأل سؤالًا دون الإلحاح، والإلحاح: المبالغة في السؤال. وذهب الشافعي إلى أن الفقير أحوج من المسكين، وربما استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٣)؛ سماهم مساكين، ولهم سفينة، وقد قرئت: "لمسَّاكين" بالتشديد للسين (٤)، وهم [ملاحو السفينة] (٥). وعلى القراءة المشهورة يمكن أن يتأول إطلاق المسكنة عليهم لعدم القدرة، لا لعدم المال؛ لأنهم لا يقدرون أن يخلصوا أنفسهم من الملك الذي أمامهم، وما أمنوا من أخذ سفينتهم غصبًا، فسماهم مساكين مجازًا واتساعًا. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الفقير أحوج من المسكين. والثاني: أن المسكين أحوج.

стр. 848

والثالث: أن الفقر والمسكنة عبارتان عن معنى واحد. والصحيح من ذلك ما اختاره مالك من أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن كل واحد منهما مأخوذ من اسمه، ومشتق من رسمه؛ والفقير مأخوذ من كسر الفقار، وهو سنمة الظهر. والذي يسكن ولا يتحرك أشد ضعفًا من المكسور؛ لأن المكسور يتحرك. واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١)، هل هو على عمومه، أو على عموم مخصوص، والمشهور من مذاهب العلماء: أنه مخصوص بقول رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس" (٢). بيد أن أرباب المذهب عندنا اختلفوا في فقراء آل محمَّد، هل تحل لهم الصدقة أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن [الصدقات] (٣) كلها -فرضها وتطوعها- محرمة عليهم. وهذا القول رواه ابن حبيب في شرح الموطأ عن مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ. والثاني: أن الصدقات كلها -فرضها ونفلها- حلال لهم، وهذا القول حكاه الشيخ [القاضي أبو الحسن بن القصار] (٤) عن أبي بكر الأبهري. والثالث: أنها تحل لهم صدقات التطوع، ولا تحل لهم صدقات

стр. 849

الفرض. والرابع: أنها تحل لهم صدقات الفرض، ولا تحل لهم صدقات التطوع؛ لأن المنة تقع فيها. والقولان الآخران حكاهما القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب. وسبب الخلاف: ما قدمناه. واختلف في ذوي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة على ثلاثة أقوال، كلها مذهبية: أحدها: أنهم بنو هاشم، وهو مذهب ابن القاسم، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه استثنى [بنى] (١) أبي لهب. والثاني: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أُمر، وهم: آل عبد المطلب [وآل هاشم] (٢)، وآل عبد مناف، وآل قصي، وبنو غالب، وهو قول أصبغ. والثالث: أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. والأظهر: قول ابن القاسم؛ لأن الآل إذا وقع على الأقارب، فإنما يتناول الآدنين. واختلف في الموالي، هل يدخلون في النهي أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الموالي لا يدخلون [في النهي] (٣)، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنهم يدخلون فيهم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون،

стр. 850

وابن نافع، وأصبغ؛ على ما حكاه عنهم ابن حبيب في "واضحته". وسبب الخلاف: اختلافهم في معنى قوله ﵇: "موالى القوم منهم" (١). فمن حمله على ظاهره قال: إن الصدقات لا تحل للموالي. ومن حمل ذلك على البر والإكرام والحرمة قال: تحل لهم؛ كقوله ﵇ [: "أنت ومالك لأبيك"، يريد به] (٢) في البِّر والإكرام والطاعة، لا في القضاء واللزوم. فإذا ثبت ذلك، فالقدر الذي يعطي للفقير من الزكاة يختلف باختلاف أحواله وصفاته؛ فإن كان فقيرًا متعففًا عن السؤال، مشتهرًا بحال ذوي العيال والأهل: فإنه يؤثره على غيره من غير إشكال. واختلف هل يعطي له [من الزكاة نصابًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يعطى نصابًا. والثاني: أنه يعطى على قدر حاله] (٣). وإن كان أكثر من النصاب [وهو أبين] (٤). وهذا الخلاف مبني على الخلاف فيمن له نصاب من المال، ووجبت عليه [فيه] (٥) الزكاة، هل يعطى من الزكاة أم لا؟

стр. 851

وحكى ابن المواز عن مالك أنه يعطى من الزكاة من له أربعون دينارًا إذا كان كثير العيال. وروى المغيرة عن مالك أن من له دار يفصل في ثمنها عشرون دينارًا أنه لا يعطى من الزكاة. وسبب الخلاف: هل المعتبر النصاب، أو كثرة العيال، وما عرفت لقول من قال لا يبلغ له في العلماء نصابًا وجهًا، ويؤثر الضعيف في بدنه على الصحيح في جسمه. وما روى عنه ﷺ : "لا تحل صدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" (١) ليس على ظاهره. ويقدم الفقير المصلي على غير المصلي [ويؤثر عليه] (٢)، وقد قال المغيرة: يؤثر الفقير لحسن حاله، ولا يُحرم لسوء حاله. ولم يجز ابن حبيب أن يعطى لتارك الصلاة؛ وقال: إن ذلك لا يجزئ من فَعله، وهذا القول انفرد به، وحكاه عنه أبو محمَّد عبد الله ابن أبي زيد في "النوادر" (٣): ولا يعطى منها لعبد ولا لذمي، وإن كانا فقيرين [فمن] (٤) أعطاهما غامدًا: [فلا خلاف أنها لا تجزئه] (٥).

стр. 852

وإن أخرج زكاته ثم تبين له أن الذي أخذها منه غني أو [عبد] (١)، أو ذمي: فلا يخلو من أن تكون قائمة بأيديهم أو استهلكوها. فإن كانت قائمة بأيديهم: فلا خلاف أنه يستردها [منهم] (٢) ويصرفها إلى مستحقيها. فإن استهلكوها: فإن كانوا مياسير: ضمنوها، وإن كانوا معاسير، فهل يجزئ المزكي أو يعيد؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز. والثاني: المنع [والقولان لابن القاسم. والمنع في المدونة وله الإجزاء في الأسدية على ما نقله الباجي في المنتقى] (٣). وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ والفقراء في أخذ الزكاة على وجهين: أجانب للمزكي، وأقارب. فأما الأجانب: فلا خلاف في جواز دفع الزكاة إليهم، وأما الأقارب: فعلى ضربين: ضرب يلزم المزكى [الإنفاق عليهم] (٤)، وضرب لا يلزمه ذلك عليهم. وأما من يلزم [رب المال] (٥) الإنفاق عليهم في أصل الشرع، فلا

стр. 853

[يجوز] (١) دفع الزكاة إليهم بالاتفاق؛ لأنهم أغنياء بما يستحقونه من النفقة عليهم. وأما من لا يلزمه الإنفاق عليهم: فلا يخلو من أن يكونوا في عياله أم لا. فإن كانوا في عياله: فلا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل فقد أساء، ثم لا يخلو من أن يكون قد قطع بذلك الإنفاق [عن نفسه أم لا: فإن قطع ذلك الإنفاق] (٢) عن نفسه فلا يجزئه. ووجهه: أنه قد انتفع بزكاة ماله حين قطع بها ما التزم من الإنفاق عليهم [والقيام بهم] (٣). فإن لم يقطع بذلك الإنفاق [عليهم] (٤): فلا يضمنها، وروى ذلك مطرف عن مالك، وقال ابن حبيب، فإن لم يكونوا في عياله: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون هو الذي يتولى [الصرف] (٥) إليهم أو غيره. فإن تولى الدفع إليهم غيره: فلا خلاف في الجواز. وإن كان هو الذي تولى الدفع إليهم: فعن مالك قولان: أحدهما: الجواز مع الكراهة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".

стр. 854

والثاني: الجواز من غير كراهة، وهي رواية مطرف عنه [وذكر] (١) أن مالكًا كان يعطي قرابته صدقة ماله. ووجه قول ابن القاسم: أنه يقصد بذلك المحمدة والثناء، وصرف مذمتهم عنه. ووجه قول مطرف: أن إخراج الزكاة مبني على صرفها إلى من يختص لمن يخرجها ما لم تلزمه نفقته، ولذلك اختصت بأهل البلد. وأما العاملون عليها؛ وهم جباتها، ولا يجوز أن يستعمل عليها عبد أو ذمي؛ لأن الجابي حاكم بين الفقراء والأغنياء، والعبد والذمي لا يجوز حكمهما، ولا ينفذ أمرهما. ويجوز استعمال الغنى عليها، وأجرته على قدر عنائه في قرب البلاد وبعدها، وكثرة الزكاة وقلتها, وليس لذلك حد معلوم. وأما المؤلفة قلوبهم: فقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] (٢) من أعيان المشركين ورؤسائهم، أسلموا فيرشوا ليجلبوا غيرهم إلى الإِسلام، وهذا القول [أمثل] (٣) الأقوال، كأبي سفيان وغيره. والثاني: أن المؤلفة قلوبهم قوم ضعفاء دخلوا في الإِسلام، فيرشوا ليثبتوا في الإِسلام [وليتمكن في] (٤) قلوبهم. والثالث: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] (٥) من الكفار يعطون ليدخلوا في

стр. 855

الإِسلام. واختلف المذهب عندنا في سهمهم؛ هل هو باق ويُرد إليهم إن احتيج إليهم، أو هو ساقط إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قد [أغنانا بالمسلمين عنهم] (١) وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢). في "المدونة" (٣) عن مالك: عبيد يشتريهم الإِمام من الزكاة فيعتقهم، ويكون ولاؤهم لجميع المسلمين. واختلف هل يُفَك بها مكاتب ليحصل له العتق أم لا على قولين: أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤)، وقال أصبغ في غير "المدونة" (٥): فإن فعل فليعد أحب إليَّ. واختلف إذا اشترى عبدًا من زكاة ماله، فيعتقه عن نفسه على قولين: أحدهما: أنه لا يجزئه، وعليه أن يخرجها ثانية، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنها تجزئه، وولاؤه للمسلمين كمن أمر أن يعتق عنه عبده، أو يذبح عنه أضحيته، ففعل ذلك عن نفسه، وهو قول أشهب. وكذلك اختلفوا في الأسير، هل يفدى من الزكاة أم لا، على قولين: أحدهما: أنه لا يفدى من الزكاة، وأنه إن فعل أعاد وهو قول أصبغ. والثانى: أنه يجزئه؛ لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق، وهي تخرج

стр. 856

رق إلى عتق؛ بل ذلك أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا وأما الغارمون، فقد قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الغارمون: الذين لا يجدون لهم وفاءً لديونهم، ويكون لهم أموال بإزاء ديونهم، فيعطوا من الزكاة ما يقضون به ديونهم، وفي قوله نظر؛ لأنه قد يكون دينهم مائة دينار، وفي أيديهم مائة، فليس يقضى دينه. إن بقى في يده مائة دينار، والغارم يعطى من الزكاة بأربعة شروط: ألا يكون عنده ما يقضي من دينه. وأن يكون الدين لآدمي، وأن يكون فيما يحبس فيه، وألا تكون تلك المداينة في فساد. فقولنا: أن يكون الدين للآدمي احترازًا مما هو لله، مثل كفارة الظهار وقتل النفس. فالذي لا يعطى منها؛ لأن ذمته غير عامرة بشيء يتخذ على اليقين. وقولنا: أن يكون الدين مما يحبس فيه احترازًا من نفقة الوالدين على الاتفاق أو الولد على الخلاف؛ لأن نفقة الوالدين لا يحبس فيها حتى يستبرؤوا أمره إذا ادعى العسرة، وإنما تجب مع اليسر الظاهر. وقد اختلف المذهب عندنا فيمن فرط فيها فلم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله، فهل يعطى من الزكاة ما يؤدي به ما عليه من الزكاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يعطي منها لأنه ممن يأخذه السلطان، ويحكم بها عليه ثم يردها إلى مواضع الزكاة، وقد برئت ذمته. والثاني: أنه لا يعطى ولا يقضى من الزكاة دين زكاة؛ لأن هذه غصب، والمغصوب لا يقضى من الزكاة. وهذا مخالف لمسألة كفارة الظهار، وقتل النفس؛ لأن الذمة هاهنا عمرت بشيء بعينه فأشبهت ديون المعاملة من وجه.

стр. 857

واختلف أيضًا في دين الميت، هل يقضى منها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقضى منها، وهو قول محمَّد بن المواز. والثاني: أنه يقضى منها، وهو قول ابن حبيب. وقولنا: ألا تكون تلك المداينة في فساد، قد اختلفوا في مداينة الفساد، هل تقضي من الزكاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقضي منها، لأن ذلك إعانة له على الفساد. والثاني: أنه يعطى منها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وذلك إذا حسنت حالته؛ لأنه دين يلزم ذمته، وهو من جملة الغارمين، وهو دين يحاص به غرماؤه؛ إذ لا تخلو الجناية من أن تكون عمدًا أو خطأ، فإن كانت الجناية خطأ، وهي دون الثلث قضى عنه، وإن كانت أكثر من الثلث لم يعطى؛ لأن العاقلة تحملها عنه، وإن كانت الجناية عمدًا بنيت على الخلاف الذي قدمناه إذا كانت المداينة في فساد؛ لأن ذلك داعية إلى العودة إلا أن تعلم منه توبة وخير. فإن كان ذلك رزق لزوجته، فلا يخلو من أن يكون عن مدة مضت أو لا تستقبل. فإن كانت عن مدة قد مضت، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا. فإن كان موسرًا، فهو من الغارمين. وإن كان معسرًا لم يكن منهم؛ لأن النفقة ساقطة عنه في حال عسره، وإن كانت لما تستقبل فليس من الغارمين لأن ذمته غير عامرة بشيء، والحميل إذا كان المحتمل عنه معسرًا أُعطى قولًا واحدًا. وإن كان موسرًا والحميل معسر، فهل يعطى من الزكاة ما يقضي به عن نفسه حمالته أم لا؟ قولان:

стр. 858

وينبني الخلاف على الخلاف في الطلب، هل هو على التخيير أو على الترتيب؟ فعلى القول بالتخيير يعطى، وعلى القول بالترتيب لا يعطى] (١). وفي سبيل الله: قال مالك: سبل الله كثيرة، وأرى أن يصرف في الغزو. ولا خلاف في المغازي إذا لم يكن معه ما يكفيه أنه [يجوز له] (٢) أن يأخذ من الزكاة، وإن كان غنيًا في بلده. واختلف فيما إذا كان معه ما يكفيه، هل يجوز له أخذها أم لا، على قولين: أحدهما: أنه لا [يجوز] (٣)، وهو قول عيسى بن دينار (٤). والثاني: أنه [يجوز له] (٥) أن يأخذ منها، وهو قول أصبغ (٦). وسبب الخلاف: اعتبار الحال، والمآل. وابن السبيل: هو العابر الطريق: فلا خلاف أيضًا أنه يعطى من الزكاة إذا لم يكن معه ما يكفيه. واختلف إذا كان معه ما يكفيه على قولين: أحدهما: أنه يعطى، وإن كان معه ما يكفيه، وهو [غني ببلده] (٧)

стр. 859

وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه لا يعطى من الزكاة إذا كان معه ما يكفيه، وهي رواية [ابن نافع] (١) عن مالك أيضًا، وبه قال أصبغ. ووجه القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٢)، ولم يفرق، وهو أعلم، ومن جهة القياس أن هذا صنف يجوز صرف الزكاة إليه بمعنى سفره في أي وجه صرفها إليه، وإن كان معه ما يكفيه كالغازي. ووجه القول الثاني: ما ورد عنه ﷺ [أنه قال] (٣): "لا تحل صدقة لغني [ولا لذي مرة سوى] (٤) " (٥) فلم يذكر المسافر. ولا فرق بين أن يكون هذا المسافر الذي هو ابن السبيل مبتدئًا لسفره، أو مستديمًا. ومعنى المستديم: هو الذي في أثناء سفره. ومعنى المبتدئ: هو الغريب يكون بالبلد له فيه مدة ثم يريد الرجوع إلى وطنه. وكلاهما سواء في جواز دفع الزكاة إليهما عند مالك ﵁ [تم بحمد الله وحسن عونه، والحمد لله وحده] (٦).

стр. 860

كتاب الزكاة الثاني تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها: سبع عشرة مسألة. المسألة الأولى في زكاة الإبل وقد جرى في المدونة في ترتيب زكاة الإبل ما فيه كفاية على ما في كتاب ابن حزم، ومثلها في صحيفة كتب بها أبو بكر الصديق ﵁ -يذكر أنها الزكاة التي أمر بها رسول الله ﷺ . والحديث على ترتيبه ونظامه [يشتمل] (١) على اثنى عشر نصابًا، وهي خمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وعشرون، وخمسة وعشرون، وستة وثلاثون، وستة وأربعون، وإحدى وستون، وستة وسبعون، وإحدى وتسعون، وما بعد العشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. واختلف في ثالث عشر، وهو أحد وعشرون ومائة، هل هو نصاب قائم بنفسه، أو لا حكم للواحدة؟ وهذه النصب اشتملت على صنفين من الصدقة؛ غنم وإبل. فالغنم صدقته أربعة نصب؛ [نصاب] (٢) خمسة [وعشرة] (٣) وخمسة عشر وعشرون، في كل خمسة شاة. والإبل صدقة ما بعد هذه الأربعة وهي خمسة [أسنان] (٤): بنت

стр. 861

مخاض، وابن لبون، وبنت لبون، وحقة، وجذعة فبنت مخاض، وابن لبون: ذكر صدقة نصاب واحد؛ وهو خمسة وعشرون. وبنت لبون صدقة ثلاثة نصب ستة وثلاثون، وستة وسبعون: ففيهما ابنتا لبون. وما زاد على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: [ثلاث بنات] (١) لبون. والحقة [صدقة] (٢) ثلاثة نصب؛ ستة وأربعون، واحد وتسعون: ففيها حقتان، وما زاد على العشرين ومائة في قوله [: وفي كل] (٣) خمسين حقة، والجذعة صدقة نصاب واحد، وهو واحد [وستون] (٤) والوقص ما بين الفريضتين، وأقله في الإبل أربعة، وهو ما بين خمسة وعشرة، وأكثره على قول ابن القاسم بالانتقال من الحقتين إلى ثلاث بنات لبون إذا زادت واحدة على مائة وعشرين [إلى تسع وعشرين] (٥) وهو ما بين أحد وتسعين إلى أحد وعشرين ومائة، وكذلك يأتي على قول [مالك] (٦) بالتخيير. وأما قول الآخر بالتمادي على الحقتين إلى تسع وعشرين [ومائة] (٧) فيأتي أكثر الوقص ثمانية وثلاثون. واختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع:

стр. 862

[أولها] (١) في خمس وعشرين إذا لم تكن فيها بنت مخاض، ولا ابن لبون ذكر، [والثاني] (٢) في إحدى وعشرين ومائة، [والثالث] (٣) في المائتين. وأما الخمسة والعشرون: فإنها لا تخلو من أربعة أوجه: إما أن تكون فيها السنان جميعًا، أو يعدما جميعًا، أو يكون فيها أحدهما على البدل. فإن كان فيها أحد السنين: كان الواجب فيها [الموجود] (٤) لا غيره. فإن كان فيها السنان جميعًا: كان الواجب بنت مخاض من غير خيار. واختلف إذا تراضيا جميعًا -رب المال والساعي- على أخذ ابن لبون ذكر على قولين: أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد. والثاني: أنه لا يجوز، وهو قول أشهب. وفي "المدونة" ما يدل على القولين جميعًا؛ لأن أبن القاسم خيره في المائتين بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون. ولا فرق في التحقيق بين الموضعين إلا التعلق بقوله: فإن فلم تكون بنت مخاض، فابن لبون ذكر. وسبب الخلاف: هل ذلك من باب البدل، أو ذلك من باب إخراج القيم في الزكاة؟

стр. 863

فمن رأى أنه من باب البدل جوزه، ومن رأى أنه من باب إخراج القيمة منع. وإن عدم منها السنان جميعًا، هل يخير الساعي على صاحب الإبل أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا خيار له، ويجبر رب الإبل على أن يأتي بابنة مخاض على ما أحب أو كره، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن الساعي مخير إن شاء كلفه بنت مخاض، وإن شاء بابن لبون ذكر، وهو تأويل ابن المواز على قول ابن القاسم في المدونة؛ لاستشهاده بقول مالك في المائتين. وعلى القول بأنه لا خيار للمصدق فإذا لم يلزمه بنت مخاض حتى أحضر صاحب الإبل ابن لبون ذكرًا، هل يجبر المصدق على قبوله أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجبر على قبوله، ويكون بمنزلة ما لو كان فيها، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه لا يجبر، وهو قول أصبغ؛ لأنه لما عدم في الإبل كان الساعي على أمره كما لو كان السنان في الإبل. والحكمة في كون الشارع جعل ابن لبون عوضًا من بنت مخاض إذا عدمت؛ وذلك أن بنت مخاض لها مزية الأنوثية، والإناث في الإبل عند العرب أفضل من الذكران للنسل والدر، وابن اللبون له مزية السن؛ لأنه أكبر من بنت مخاض، فكان ما فات للمساكين من جودة بنت مخاض في الأنوثية استدركوه في كبر [سن] (١) ابن لبون وكثرة لحمه.

стр. 864

غير أن الشارحين اختلفوا في معنى قوله في الحديث: "فإن لم يجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر" (١)، وما فائدة قوله: ذكر؟ لأن قوله: ابن لبون مغني عن زيادة التذكير؛ فقيل: هو تأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٢)، والسود هو الغرابيب. وقيل: بل فسره بقوله: ذكر إذ من الحيوان ما ينطلق عليه ابن، على ذكره وأنثاه كابن عرس، وابن آوى، وابن [ميرة] (٣) ليرفع الإشكال لكي لا يتوهم متوهم أن الذكر والأنثى فيه سواء. والموضع الثاني: إذا زاد واحد على مائة وعشرين من الإبل، هل يتغير الفرض به أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الساعي مخير إن شاء أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أن فيها ثلاث بنات لبون، ولا خيار للمصدق في ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة على رأي ابن شهاب. والثالث: أن فيها [حقتين] (٤) ولا خيار للمصدق، وهو قول مالك في "المبسوط" وغيره، وبه أخذ المغيرة، ومحمد بن مسلمة وأشهب، وابن الماجشون. وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في الحكم المتعلق بما له أول وآخر

стр. 865

من الأسماء، هل يتعلق بأوائلها أو بأواخرها؟ وذلك أن النبي ﷺ قال: "ما بعد مائة فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" (١) والزيادة في هذا الموضع أقلها واحد، وأعلاها عشرة. وهل يعتبر الحكم بأقل الزيادة، أو لا يغيرها إلا [عشرة] (٢)؟ فإن نظرت إلى مجرد قوله ﵇: "فما زاد" وجب أن يناط الحكم بأقل ما يقع عليه اسم الزيادة، وإن نظرت إلى المعنى، وأن الفرض بعد المائة والثلاثين لا يتغير [الحكم] (٣) إلا بزيادة العشرة وجب ألا [ينفي] (٤) الحكم عن حقتين إلا بزيادة العشرة، وهذا مثار الخلاف في المسألة. وأما القول بتخيير الساعي، فقد اختلف أرباب المذهب في تأويله: أما أشهب فقال: إن أخذ ثلاث بنات لبون، فإنما أخذها عن عشرين ومائة؛ لقوله: "في كل أربعين بنت لبون"، وليس في الواحدة شىء؛ لأنها وقص. وإن أخذ حقتين [فإنما أخذهما عن] (٥) مائة؛ لقوله ﵇: "في كل خمسين حقة"، وليس في أحد وعشرين شىء؛ لأنه وقص. والذي قاله خلاف الظاهر. ومنهم من قال: معنى ذلك أن الساعي لما تعارضت لديه الأدلة وتساوت عنده الاحتمالات؛ لأن المخير كالمجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة

стр. 866

، ولم يجد السبيل إلى الترجيح كان مخيرًا إن شاء أخذ بدليل الحظر أو بدليل الإباحة [وأيضًا فتخيير المالك أولى إذا أشكل الأمر من غير استباحة منه للمحارم، وهذا الذي قاله ظاهر] (١). قال أبو الحسن اللخمي: هذا التأويل غير صحيح وليس للمصدق أن يحكم في مسألة اختلاف بما يراه؛ لأنه ليس بحاكم، ولا أقيم لذلك، وإنما هو وكيل على القبض، فإذا خالفه المأخوذ منه الذي هو رب المال كان الأمر إلى من يحكمانه [بينهما من فقيه وغيره، فتخيير المالك إذا أشكل الأمر أولى من تخيير الساعي؛ لأنه الغارم، وهذا الذي قاله ظاهر لمن تأمله] (٢). وأما الموضع [الثالث] (٣): إذا كانت [مئتان] (٤) من الإبل فلزكاتها طريقان، فإن زكيت بقوله ﵇: "ففي كل خمسين حقة": كان فيها أربع حقاق، وإن زكيت بالأربعين كان فيها خمس بنات لبون. واختلف إذا كانت فيها الحقاق وبنات اللبون على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الحكم في ذلك إلى المصدق، ويأخذ بأي الطريقين شاء، وهو المقدم على صاحب الإبل، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة. والثاني: أن الحكم لصاحب الإبل، وهو مقدم على الساعي -كانت السنان في الإبل أو عدما وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب. والثالث: التفصيل بين أن يكون السنان في الإبل، فيكون الحكم إلى

стр. 867

الساعي، وبين أن يعدما فيكون الحكم لصاحب الإبل، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز. وسبب الخلاف: هل الساعي مقدم على رب المال؟ أو رب المال مقدم على الساعي؟ وهو الأظهر لحديث ابن مسلمة أنه كان لا يساق إليه شيء فيه وفاء بحقه إلا أخذه. وهذا كله فيما لم تكن الحقاق [قوام] (١) ماله وخياره. فإن كانت هي [القوام] (٢) والخيار: لم يكن للساعي إلا بنات لبون [ولا يجوز للساعي إلا بنات لبون] (٣)، ولا يجوز للساعي أن يتعدى فيأخذ غير السن الذي [وجب] (٤) له في الجودة إلا برضاء رب المال كأخذ بنت لبون عن بنت مخاض. واختلف إذا أخذ الساعي الأعلى، وإذا ثمنها وأخذ الأدنى، وزيادة الثمن على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر". والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة. والثالث: [أنه] (٥) مكروه. فإن نزل، فإنه يمضي، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".

стр. 868

وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في شراء الرجل صدقة ماله، وسنعقد عليه مسألة [مفردة] (١) إن شاء الله، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] (٢).

стр. 869

المسألة الثانية في زكاة الغنم والأصل فيها قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإن زادت على عشرين ومائة إلى مائتين كان فيها شاتان، فإن زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فما زاد على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة [شاة] (١) واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها [إخراجها] (٢) ". أخرجه البخاري في صحيحه (٣). فَوَقَّتَ النبي ﷺ في هذا الحديث أربعة نصب؛ أربعين، وإحدى وعشرين ومائة، ومائتين وواحدة، ثم العدد بالمئين في كل مائة شاة، وأقل وقصها ثمانون، وهي ما بين أربعين إلى أحد وعشرين ومائة وأكثره مائتان إلا اثنتين، وهو ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة. وأوجب النبي ﷺ في النصاب شاة، وفي النصابين شاتين، ولم يأت بيان سنها، ولا صفتها من طريق صحيح. واختلف المذهب عندنا في السن المأخوذ في الزكاة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ الجذع، والجذعة، والثني والثنية، والضأن، والمعز سواء في ذلك، وبه قال أشهب، وابن القاسم، وهو ظاهر المدونة. والثاني: أنه لا يؤخذ [إلا] (٤) الإناث من الجذعة، [أو الثنية] (٥)

стр. 870

وهو قول أبي الحسن بن القصار. والثالث: التفصيل بين الضأن والمعز؛ فيؤخذ الجذع [من الضأن] (١) [والثنية] (٢) من المعز، ولا يكون إلا أنثى، ولا يأخذ الذكر؛ لأنه تيس، وهو قول ابن حبيب. وسبب الخلاف: اختلافهم في قول عمر بن الخطاب ﵁: "خذ الجذع والثنية" وذلك عدل بين شرار الغنم وخيارها، وهل ذلك اجتهاد من عمر ﵁ أو ذلك مما مضى عليه العمل في زمان النبي ﷺ ؟ وأيّ [ذلك] (٣) كان فإن التساوي بين المعز والضأن أولى؛ لقول عمر ﵁. والثنية هي التي أسقطت ثنيتها، وهي ابنة سنتين. واختلف في سن الجذعة من الغنم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بنت سنة، وهو قول علي بن زياد في المجموعة. والثاني: أنها بنت عشرة أشهر، وهو قول ابن وهب. والثالث: أنها بنت ستة أشهر، وهي رواية سحنون عن علي بن زياد أيضًا. والجذعة من الإبل ما أوفى أربع سنين، ودخل في الخامس، ومن البقر سنتين. وقال ابن نافع: الجذع من البقر ما أوفى سنتين، ودخل في الثالثة مثل

стр. 871

الدواب؛ لأن الجذع في الدواب ما دخل في السنة الثالثة. وهذا الذي ذكرناه في الجذعة والثنية إذا كانت الغنم مختلطة؛ صغارًا وكبارًا، جيدةً ورديئةً. واختلف إذا كانت جنسًا واحدًا خيارًا كلها أو رداءً أو [ماخض] (١) أو علوفة، أو فحول، أو دنية كلها، [عجاف] (٢) أو ذات عور، أو سخال على أربعة أقوال: أحدها: أنها كالمختلطة، ويأتى ربها بزكاتها من غيرها، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أن الساعى يأخذ منها، وإن كانت [خيارًا] (٣) أو شرارًا، إلا أن تكون سخالًا كلها أو مواكل، أو فحولًا كلها فلا يأخذ منها ويأتى بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذع أو ثنية فيأخذ منها، ويأتي بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذعة أو ثنية، فلا يأخذ مما فوقها من الخيار مع وجودهما، وهو قول ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد. والثالث: التفصيل بين أن تكون الغنم [رديئة] (٤) كلها أو ماخضًا كلها أو فحولًا كلها، أو سخالًا، فإنه لا يأخذ منها، وبين أن تكون عجافًا أو ذوات عَوَر أو تيوسًا، فإنه يأخذ منها، وهو قول [مطرف] (٥) في "ثمانية أبي زيد". والرابع: أنه يأخذ من أوساطها واحدة على ما كانت عليه من الشرار والخيار من غير اعتبار بالجذعة والثنية قياسًا على الثمار على أحد الأقوال

стр. 872

بناء منه على أن قول عمر إنما خرج مخرج الغالب. وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في السعاة هل يبعثون في سنة الجدب أم لا؟ فمن رأى أن السعاة يبعثون في السنة الجدبة قال: إنه يأخذ من الشرار، وهي رواية ابن وهب، ومن رأى أن السعاة لا يبعثون في سنة الجدب، قال: لا يأخذون من الشرار شيئًا، وهو قول أشهب. فرع اختلف أصحابنا في [الرعال] (١) وما تولد بين فحول الظباء وإناث الغنم [هل] (٢) يتم بها النصاب؟ على قولين: أحدهما: أنه يتم بها النصاب [وتزكى] (٣) وهو قول أبي الحسن بن القصار. والثاني: أنه لا يتم بها النصاب ولا تحسب مع الأمهات، وهو قول ابن عبد الحكم. والأول أبين لكون الولد تبع للأم من غير اعتبار بأن يكون الولد شبيهًا بالأم أو بالفحل. ولا خلاف بينهم فيما تولد بين فحول الضأن، وإناث الظباء أنه لا يزكى، ولا يتم به النصاب من غير اعتبار بالشبه أيضًا؛ لأن الأولاد إنما تضاف في الزكاة إلى الأمهات [والحمد لله وحده] (٤).

стр. 873

المسألة الثالثة في الصنفين إذا اجتمعا في ملك واحد هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة أم لا ؟ ولا خفاء أن الأجناس إذا تقاربت منافعها، وتشابهت خلقتها أنها يضم بعضها إلى بعض، ويكون حكمها في الربا والزكاة والقسمة حكم واحد؛ ولذلك يضم القمح، والشعير، والسلت في الربا والزكاة، وتضم الجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب، وكذلك يضم المعز إلى الضأن، والأصول موضوعة على أن الشبيه يلحق بشبيهه، وينحى [به] (١) عن ضده. فأما إذا كانت عنده عشرون ضأنية وعشرون معزة، فإن كان أحد النوعين أكثر من الآخر أخذ الشاة الواجبة منه. وإن تساويا -كما ذكرنا- هل يخير الساعي أو يأخذ النصف من هذه و [النصف] (٢) من هذه؟ فالرواية على أن الساعي مخير إن شاء أخذها من الضأن، وإن شاء أخذها من المعز، والقياس يوجب التشطير نصفين، وذلك عدل بين الساعي ورب الغنم. وإذا كانت الغنم عشرين ومائة ضأنًا ومعزًا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون في كل [جنس] (٣) منهما نصاب وتساويا.

стр. 874

أو يكون في كل [جنس] (١) منهما نصابًا وأحدهما أكثر من الآخر. أو كان في أحدهما [نصاب] (٢) والآخر دون النصاب. فإن كان في كل جنس منهما نصاب وتساويا، فقد تقدم الجواب فيه. وإن كان في كل جنس منهما نصاب، وأحدهما أكثر من الآخر؛ مثل أن يكون ثمانين ضأنية، وأربعون معزة، هل الساعي مخير، أو إنما يأخذها من الأكثر؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أن الخيار للساعي إن شاء أخذ من الضأن، وإن شاء أخذ من المعز، وهو ظاهر قوله [في الكتاب] (٣) حيث قال (٤): "فإن كان للرجل ضأن ومعز، فإن كان كل واحد إذا [انفرد] (٥) تجب [فيه] (٦) الزكاة: أخذ من كل واحد". فعلى هذا يكون الساعي بالخيار في مسألتنا. والثاني: أنه يأخذ من الأكثر دون الأقل، وهو نص قول مالك في المدونة. وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة على النصاب، أو غير مزكاة؟ فمن رأى أن الأوقاص مزكاة: يقول: [إنها تؤخذ من الأكثر. ومن

стр. 875

قال: إن الأوقاص غير مزكاة قال] (١) بالتخيير على ما تقدم. ومعنى قوله أن الأوقاص مزكاة أو غير مزكاة. وهل الشاة المأخوذة من العشرين ومائة أخذت عن الأربعين خاصة، وبقيت ثمانون وقصًا لا شيء فيها، أو إنما أخذت عن عشرين ومائة جميعًا؟ فإن قلنا: إنها أخذت عن الأربعين خاصة، ويبقى الباقي عفوًا: فنقول بتخيير الساعي؛ لأن الأربعين من المعز لو انفردت لوجبت فيها الزكاة، والأربعون من الضأن لو انفردت [لكانت] (٢) كذلك أيضًا، [وكانت] (٣) الأربعون الزائدة عفوًا. فإن قلنا: إنها أخذت عن مائة وعشرين [جميعًا] (٤) فإنها تؤخذ من الأكثر دون الأقل، وهذا معنى قوله في الأوقاص، هل هي مزكاة أم لا؟ والخلاف فيها [قائم] (٥) من المدونة من غير ما موضع، وقد نص مالك ﵀ في باب زكاة الخلطاء فيما إذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر أربعة، فأخذ الساعي من أحدهما شاة، فقال مرة: هي على صاحب الخمسة، ولا شيء على صاحب الأربعة. وقال مرة [أخرى] (٦): بل يترادان بالسوية قيمة الشاتين على تسعة أجزاء [فعلى صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وعلى صاحب الأربعة أربعة

стр. 876

أجزاء] (١). وهذا الاختلاف [منه] (٢) ينبني على هذا الأصل. ومنها: قوله في الكتاب أيضًا فيمن له ثلاثمائة ضانية، وتسعون معزة أن فيها ثلاث شياه من الضأن؛ لأن اثنتين وجبتا في مائة وإحدى وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز، وهذا فيه بناء على أن الأوقاص غير مزكاة، ومثل هذا في الكتاب كثير. وأما إن كان في أحدهما نصاب، والآخر دون النصاب فلا يخلو من أن يكون لما دون النصاب تأثير في الزكاة أو لا تأثير [له] (٣). فإن كان لا تأثير له كمائة ضانية وعشرين معزة، وهذا لا خلاف في المذهب أنه لا يؤخذ من المعز شيء؛ لأن الشاة وجبت في الضأن -كانت المعز أو لم تكن. فإن كان لها تأثير في الزكاة: فلا يخلو من أن يكون تأثيرها في وجوبها [أو في الزكاة بعد وجوبها، فإن كان تأثيرها في وجوبها] كالتمام من النصاب من الضأن، والمعز: فقد تقدم الجواب عنه. فإن كان تأثيرها في [الزيادة] (٤) فلا يخلو من أن تجب فيها الزكاة لو انفردت أم لا. فإن كان لا تجب فيها الزكاة لو انفردت كمائة وعشرين ضانية ومعزة واحدة، فهذا أيضًا لا خلاف فيه أن الشاتين تؤخذان من الضأن.

стр. 877

فإن كانت وجبت فيه الزكاة أو انفردت مثل مائة وعشرين ضانية وأربعين معزة، فهل تؤخذ الشاتان من الضأن، أو واحدة من الضأن والأخرى من المعز؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنها تؤخذ الواحدة من الضأن، والأخرى من المعز، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أن الشاتين من الضأن، ولا يؤخذ من المعز شيء؛ لأنه إذا أخذ من الأربعين ضانية شاة، وبقيت ستون، وهي أكثر من أربعين معزة، فيؤخذ من الأكثر، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول [مالك] (١) في المدونة. وسبب الخلاف: ما قدمناه من الأوقاص هل تزكى أم لا؟ وهكذا [الكلام في] (٢) اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب [والحمد لله وحده] (٣).

стр. 878

المسألة الرابعة في تحويل الأموال المزكاة بعضها في بعض (١) فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: أحدها: أن يحول عينًا في عين. والثاني: أن يحول ماشية في ماشية. والثالث: أن يحول عينًا في ماشية. والرابع: أن يحول ماشية في عين. فأما الوجه الأول: إذا حول عينًا في عين مثل أن يبدل ذهبًا بورق، أو ورقًا بذهب بعد ستة أشهر، أو ثمانية أشهر: فلا يخلو من أن يكون بادل نصابًا بنصاب، أو بادل دون النصاب بالنصاب، أو بادل النصاب بدون النصاب. ففي الوجهين الأولين يبنى على ما خرج من يديه باتفاق المذهب؛ لأنهما مالان يضمان في الزكاة، فيبنى أحدهما على حول الآخر. وأما الوجه الآخر: إذا بادل النصاب بدون النصاب مثل أن يبادل مائتي درهم من عنده بعشرة دنانير أو بالعكس: فلا زكاة عليه فيما أخذ؛ لأنه بادل [ضمانًا بضمان] (٢) ولا تهمة تلحقه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف. وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم [وهو] (٣) تحويل الماشية [في

стр. 879

الماشية] (١) فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يحولها في جنسها. والثاني: أن يحولها في غير جنسها. فإن حولها في جنسها كمبادلة غنم بغنم، أو بقر ببقر، أو إبل بإبل على التقسيم الذي قدمناه في العين، فإن بادل النصاب [بالنصاب] (٢) أو بادل دون النصاب بالنصاب هل يبنى على حول الأول أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه يبنى على حول الأولى فيزكى عليه، وهو قول مالك في المدونة. والثاني: أنه يستقبل حولًا من يوم أخذ الثانية، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في الغنم المستهلكة إذا أخذ في قيمتها نصاب غنم، فقد قال فيها [ابن القاسم] (٣) في أحد الأقوال: أنه لا يبنى على حول المستهلكة. وهذا الترجيح إنما يصح على قول من يقول إن الاستهلاك المراد في هذه المسألة: التغيير الذي يوجب الخيار لصاحبها، وهو تأويل حمديس على المسألة على ما سنبينه بيانًا شافيًا إن شاء الله تعالى. وقد ادعى [ابن المواز] (٤) في المسألة إجماع المذهب في أنه [يبنى] (٥) على حول الأولى، وهذا كما تراه، والخلاف منصوص في كتاب ابن

стр. 880

سحنون، وقد نقله الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، ونقله اللخمي [وغيرهما] (١)، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يبتدئ الحول من يوم [أفاد] (٢) الثانية. وسبب الخلاف: مثل الشيء هل هو كعينه أم لا؟ فإن بادل النصاب، وأخذ فيه دون النصاب: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة عليه. ولا فرق في جميع ذلك بين أن تكون للقنية أو للتجارة. فإن حولها في غير جنسها كمبادلة نصاب غنم بنصاب من الإبل أو البقر، أو كان الجنس الذي دفع دون النصاب، فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يستأنف حول الثانية، ولا يبنى على حول الأولى إن كانت نصابًا، وهو قول مالك في المدونة. والثانى: أنه يبني على حول الأولى، وإن كانت الأولى أقل من نصاب، وهو قول محمد بن مسلمة على ما نقله عنه أبو الحسن اللخمي وغيره. والثالث: بالتفصيل بين أن تكون الأولى نصابًا، فيبنى على حوله، أو تكون دون النصاب، فيستقبل بالثانية حولًا، [وهو قوله في كتاب ابن المواز] (٣). فوجه القول الأول: أن هذين مالان لا يجتمعان في الزكاة، فإذا بادل أحدهما بالآخر بطل حول الأولى قياسًا على بدل الماشية بالدنانير على أحد الأقوال. ووجه القول الثاني: أن هذين ماشيتان تجب الزكاة في كل واحد منهما، فإذا بادل إحداهما بالأخرى لم يبطل حول الأولى، [وترد] (٤)
следующие страницы →