أجزاء] (١).
وهذا الاختلاف [منه] (٢) ينبني على هذا الأصل.
ومنها: قوله في الكتاب أيضًا فيمن له ثلاثمائة ضانية، وتسعون معزة أن فيها ثلاث شياه من الضأن؛ لأن اثنتين وجبتا في مائة وإحدى وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز، وهذا فيه بناء على أن الأوقاص غير مزكاة، ومثل هذا في الكتاب كثير.
وأما إن كان في أحدهما نصاب، والآخر دون النصاب فلا يخلو من أن يكون لما دون النصاب تأثير في الزكاة أو لا تأثير [له] (٣).
فإن كان لا تأثير له كمائة ضانية وعشرين معزة، وهذا لا خلاف في المذهب أنه لا يؤخذ من المعز شيء؛ لأن الشاة وجبت في الضأن -كانت المعز أو لم تكن.
فإن كان لها تأثير في الزكاة: فلا يخلو من أن يكون تأثيرها في وجوبها [أو في الزكاة بعد وجوبها، فإن كان تأثيرها في وجوبها] كالتمام من النصاب من الضأن، والمعز: فقد تقدم الجواب عنه.
فإن كان تأثيرها في [الزيادة] (٤) فلا يخلو من أن تجب فيها الزكاة لو انفردت أم لا.
فإن كان لا تجب فيها الزكاة لو انفردت كمائة وعشرين ضانية ومعزة واحدة، فهذا أيضًا لا خلاف فيه أن الشاتين تؤخذان من الضأن.
стр. 877
فإن كانت وجبت فيه الزكاة أو انفردت مثل مائة وعشرين ضانية وأربعين معزة، فهل تؤخذ الشاتان من الضأن، أو واحدة من الضأن والأخرى من المعز؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنها تؤخذ الواحدة من الضأن، والأخرى من المعز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشاتين من الضأن، ولا يؤخذ من المعز شيء؛ لأنه إذا أخذ من الأربعين ضانية شاة، وبقيت ستون، وهي أكثر من أربعين معزة، فيؤخذ من الأكثر، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول [مالك] (١) في المدونة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من الأوقاص هل تزكى أم لا؟ وهكذا [الكلام في] (٢) اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب [والحمد لله وحده] (٣).
стр. 878
المسألة الرابعة في تحويل الأموال المزكاة بعضها في بعض (١)
فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يحول عينًا في عين.
والثاني: أن يحول ماشية في ماشية.
والثالث: أن يحول عينًا في ماشية.
والرابع: أن يحول ماشية في عين.
فأما الوجه الأول: إذا حول عينًا في عين مثل أن يبدل ذهبًا بورق، أو ورقًا بذهب بعد ستة أشهر، أو ثمانية أشهر: فلا يخلو من أن يكون بادل نصابًا بنصاب، أو بادل دون النصاب بالنصاب، أو بادل النصاب بدون النصاب.
ففي الوجهين الأولين يبنى على ما خرج من يديه باتفاق المذهب؛ لأنهما مالان يضمان في الزكاة، فيبنى أحدهما على حول الآخر.
وأما الوجه الآخر: إذا بادل النصاب بدون النصاب مثل أن يبادل مائتي درهم من عنده بعشرة دنانير أو بالعكس: فلا زكاة عليه فيما أخذ؛ لأنه بادل [ضمانًا بضمان] (٢) ولا تهمة تلحقه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم [وهو] (٣) تحويل الماشية [في
стр. 879
الماشية] (١) فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحولها في جنسها.
والثاني: أن يحولها في غير جنسها.
فإن حولها في جنسها كمبادلة غنم بغنم، أو بقر ببقر، أو إبل بإبل على التقسيم الذي قدمناه في العين، فإن بادل النصاب [بالنصاب] (٢) أو بادل دون النصاب بالنصاب هل يبنى على حول الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يبنى على حول الأولى فيزكى عليه، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أنه يستقبل حولًا من يوم أخذ الثانية، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في الغنم المستهلكة إذا أخذ في قيمتها نصاب غنم، فقد قال فيها [ابن القاسم] (٣) في أحد الأقوال: أنه لا يبنى على حول المستهلكة.
وهذا الترجيح إنما يصح على قول من يقول إن الاستهلاك المراد في هذه المسألة: التغيير الذي يوجب الخيار لصاحبها، وهو تأويل حمديس على المسألة على ما سنبينه بيانًا شافيًا إن شاء الله تعالى.
وقد ادعى [ابن المواز] (٤) في المسألة إجماع المذهب في أنه [يبنى] (٥) على حول الأولى، وهذا كما تراه، والخلاف منصوص في كتاب ابن
стр. 880
سحنون، وقد نقله الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، ونقله اللخمي [وغيرهما] (١)، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يبتدئ الحول من يوم [أفاد] (٢) الثانية.
وسبب الخلاف: مثل الشيء هل هو كعينه أم لا؟ فإن بادل النصاب، وأخذ فيه دون النصاب: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة عليه.
ولا فرق في جميع ذلك بين أن تكون للقنية أو للتجارة.
فإن حولها في غير جنسها كمبادلة نصاب غنم بنصاب من الإبل أو البقر، أو كان الجنس الذي دفع دون النصاب، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستأنف حول الثانية، ولا يبنى على حول الأولى إن كانت نصابًا، وهو قول مالك في المدونة.
والثانى: أنه يبني على حول الأولى، وإن كانت الأولى أقل من نصاب، وهو قول محمد بن مسلمة على ما نقله عنه أبو الحسن اللخمي وغيره.
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون الأولى نصابًا، فيبنى على حوله، أو تكون دون النصاب، فيستقبل بالثانية حولًا، [وهو قوله في كتاب ابن المواز] (٣).
فوجه القول الأول: أن هذين مالان لا يجتمعان في الزكاة، فإذا بادل أحدهما بالآخر بطل حول الأولى قياسًا على بدل الماشية بالدنانير على أحد الأقوال.
ووجه القول الثاني: أن هذين ماشيتان تجب الزكاة في كل واحد منهما، فإذا بادل إحداهما بالأخرى لم يبطل حول الأولى، [وترد] (٤)
стр. 881
الثانية لحول الأولى كالضأن والمعز.
وأما قول ابن مسلمة فلا وجه له؛ لشذوذه.
وأما الوجه الثالث: وهو تحويل العين في الماشية مثل أن يكون عنده النصاب من العين، فاشترى به نصاب ماشية بعد ستة أشهر، فهل يبنى على حول العين أو لا يبنى؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستأنف حول الماشية، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يبنى على حول العين، ويزكي الماشية إذا تم الحول من يوم ملك العين الذي به اشترى، وهو قول محمد بن مسلمة.
وكذلك لو باع الغنم التي اشترى بالعين قبل مجيء الساعي، هل يرجع إلى زكاة العين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع في الزكاة إلى زكاة العين، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يزكي على حول الماشية، ويحسب الحول من يوم اشتراها، وهو قول مالك في المدونة أيضًا.
والخلاف في هذا ينبني على الخلاف في المسألة الأولى التي تفرعت منها إلى سبب الخلاف في التهمة، هل تلحقه في تأخير الزكاة أم لا؟ كما يتهم في إسقاطها إذا باع الماشية بالعين، على مشهور المذهب؟
فمن اتهمه قال بالبناء على حول العين.
ومن لم يتهمه قال: يبتدئ الحول لبعد التهمة؛ لكونه حول مالًا كان موكلًا إلى إماتته فيما هو موكل إلى نظر غيره، وهو الماشية.
стр. 882
وأما الوجه الرابع: وهو تحويل الماشية في العين مثل أن يكون عنده نصاب ماشية، فباعه بنصاب من العين، فلا يخلو من أن يبيعها قبل أن يزكيها، أو بعد أن زكاها.
فإن باعها بعد أن زكاها، هل يبنى على حول الماشية أو يبتدئ الحول من يوم باعه؟ قولان:
أحدهما: أنه يبتدئ الحول من يوم باع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
ووجهه: عدم التهمة في التحويل لبيعه بعد الزكاة، وبه قال أشهب، ومطرف، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي العين للحول من يوم زكى الرقاب، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن كنانة، وأصبغ.
وحكى القولين عن مالك بن حبيب.
وهذا كله إذا كانت الماشية للقنية.
وإن كانت للتجارة: فإنه يبنى على حول الغنم اتفاقًا، فإن باعها قبل أن يزكيها: فلا يخلو من أن يكون للقنية، أو للتجارة.
فإن كانت للقنية، هل يبنى على حول الماشية، أو يبتدئ؟
فعن مالك في المدونة قولان منصوصان، والتوجيه ظاهر.
وإن كانت للتجارة: فلا خلاف أيضًا أنه يبنى على حول الماشية.
وهكذا الخلاف إذا اشترى بثمنها ماشية أخرى مما تجب الزكاة [في] (١) جنسها، هل يبنى أم يستأنف؟ على قولين:
стр. 883
أحدهما: أنه يستأنف بالغنم الثانية حولًا من يوم اشتراها، ولا يبنى على حول الغنم الأولى، ولا على حول الثمن الذي بيعت به، وبه قال ابن المواز.
والثاني: أنه يزكي الغنم الآخرة على حول غنمه الأولى الذي باع والثمن لغو، ويعد ذلك كالمبادلة، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
واختلف في الإقالة إذا باعه ثم استقاله منها فرجعت إليه، هل يبنى على ما مضى من حولها أو يبتدئ الحول من يوم رجعت إليه؟
[على قولين: أحدهما: أنه يستأنف بها حولًا من يوم رجعت إليه] (١) وهو قول ابن المواز في كتابه.
ويتخرج من المذهب قول ثان أنه يبنى على حولها عنده قبل البيع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الشفعة من المدونة؛ لأنه لم ير فيه الإقالة بيعًا حادثًا لتهمتها أن يكون قد قصدا إلى نقض البيع الأول فرارًا من الشفعة، وهذه المسألة أولى بالتهمة في إسقاط الزكاة عن نفسه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة، هل هي نقض بيع، أو بيع حادث؟
وكذلك اختلف إذا باع نصابًا من الغنم [ثم] (٢) ردت عليه بعيب، فهل يبنى أو يستأنف؟ على قولين:
أحدهما: أنه يبنى على ما مضى لها عند المشتري، وإن ردها بعد تمام الحول، وقبل قدوم الساعي، فالزكاة فيها على البائع.
ولو ردها بعد أن أخذ الساعي منه بشاة، فإن ذلك على البائع، ولا
стр. 884
شيء على المشتري في الشاة التي أخذ المصدق، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول أشهب في المدونة.
والثاني: أنه يبتدئ الحول من يوم ردت عليه، وأن الشاة التي أخذها المصدق قبل الرد هي على المشتري لا على البائع.
وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المدونة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الاستبراء.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض بيع أو ابتداء؟
وأما الغنم المستهلكة التي التزمنا بيانها فيما سلف فإنها وقعت في المدونة مشكلة.
وسبب إشكالها: خلاف المتأخرين في تأويلها؛ وذلك أنه قال في المدونة فيمن استهلك لرجل غنمًا، فأخذ في قيمتها نصابًا من الغنم، قال: لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول [عنده] (١).
ووقع في بعض روايات المدونة، وقد قال عبد الرحمن بن القاسم: يزكي الغنم التي أخذ مكانه؛ لأنه باع غنمًا بغنم والثمن لغو، واختصرها المختصرون كأبي سعيد وغيره: والقيمة لغو؛ فاختلف المتأخرون لاختلاف هذه الروايات.
أما أبو محمد بن أبي زيد، فحمل قوله على الخلاف، وقال: قول ابن القاسم قول ثان، وأن القيمة عنده تطلق، ويراد بها الثمن، والثمن يطلق ويراد به القيمة، وهذا موجود في المدونة في غير ما موضع ولا يكاد يخفى على من تتبع ألفاظها، ولولا التطويل لأسردنا منه كثيرًا هاهنا،
стр. 885
ولكن ننبه على ذلك إذا انتهى بنا التحصيل إلى موضعها إن شاء الله وعلى أن قول ابن القاسم خلاف في الغنم المستهلكة يدل قول سحنون في كتاب أبي محمد، والقول الأول أحسن.
وذهب أبو الحسن القابسي أن الخلاف في البيع في الاستهلاك، ويدل عليه في إحدى الروايات والثمن لغو، والثمن إنما هو في البيع لا في الاستهلاك، وإلى هذا التأويل نحا أبو الحسن اللخمي وغيره.
وذهب آخرون إلى أن الخلاف إنما يتصور إذا لم تفت أعيانها، وإنما فاتت فوتًا يوجب الخيار لربها إن شاء أخذها معينة، وإن شاء ضمنه قيمتها، فيشبه المبادلة.
وأما لو فاتت أعيانها حتى تكون القيمة هي الواجبة عليه على كل حال، فلا ينبغي أن يدخلها الخلاف، وهو تأويل حمديس، وهذا التأويل أظهر في النظر [والله أعلم، والحمد لله وحده] (١).
стр. 886
المسألة الخامسة في فوائد المواشي (١)
ولا تخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الأولى نصابًا، والثانية نصابًا أو دونه.
والثاني: أن تكون الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا أو دون النصاب، إلا أنهما في الضم والجمع فيهما النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول:
إذا كانت الأولى نصابًا [والثانية نصابًا] (٢) أو دون النصاب فحال الحول على الفائدة الأول: فلا خلاف -أعلمه- في [المذهب] (٣) أن الفائدة الثانية تضم إلى الأولى، فيزكي الجميع على حول الأولى بخلاف [فوائد] (٤) الدنانير والدراهم على مشهور المذهب.
واختلف في تعليل ذلك؛ فقيل: للضرورة في خروج السعاة؛ لأن خروجهم في الحول مرة، فصار ذلك بين إحدى حالتين ممنوعتين؛ إما أن يكلف الساعي الخروج في السنة مرارًا لتمام أحوال الفوائد المستفادة في أثناء السنة، وذلك مما يضر [بالسعاة] (٥) ومخالف للعمل.
وإما أن يخرج مرة واحدة فيزكي ما حال عليه الحول، ويدع الباقي إلى
стр. 887
قابل، وذلك مما لا سبيل إليه أيضًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الزكاة مع وجود النصاب وحلول الحول، فاقتضى النظر والمصلحة أن تزكي الفائدة الثانية على حول الأولى إذا كانت الأولى نصابًا، وهذه العلة مناسبة مخيلة لولا التأثير؛ وهو وجود الحكم، ولا علة على مواضعة الحوليين، وذلك أنه نص في العتبية [فيمن لا سعاة لهم على مثل جوابه فيمن لهم سعاة، وقيل: إن العلة في ذلك أن زكاة الماشية على النصاب فيما] (١) زاد عليه [كان وقصًا] (٢) لا يزكيه حتى يدخل في النصاب الثاني، فيزكي على [هذا] (٣) الجميع لا على الانفراد؛ فلو كانت بيد رجل أربعون شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة أيضًا: لم يزك على الأربعين علي الانفراد، ولو كان كذلك لزكى [عن] (٤) المائة والعشرين ثلاث شياه.
وكذلك لو كان بيده مائة شاة وواحدة، ثم أفاد مائة: فإنه يزكي عن الجميع ثلاث شياه.
ولو كان [زكى] (٥) كل مال بانفراده على حوله لزكى شاتين، وذلك خلاف للسُّنة؛ ولهذه العلة وجب أن يضم فوائد الأواخر إلى الأوائل إذا كانت نصابًا، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني:
إذا كانت الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا، أو دون النصاب إلا أنها بالضم والجمع تكون نصابًا: فهذا لا خلاف في المذهب أن الأولى
стр. 888
تزكى على حول الثانية [لعدم العلة] (١) التي قدمناها.
وقد تزكى الماشية في العام الواحد مرتين، وقد تزكى في العامين مرة واحدة؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال، ومثال الأولى: أن يكون عنده نصاب ماشية فزكاها، ثم يبيعها من ساعته فيشتريها من له نصاب ماشية قبل أن [يأتيه] (٢) الساعي، ثم أتاه الساعي، فإن له أن يزكيها أيضًا مع ما عنده، وإن كانت من يومه أو [بموت الأول] (٣) بعد أن زكاها، وللوارث نصاب من جنسها، فإنه يزكيها أيضًا.
ومثال الثاني: أن يقيم نصاب ماشية بيد الرجل حولًا، ثم يبيعها [أو يموت] (٤) قبل مجيء الساعي بيوم، والمشتري أو الوارث لا ماشية له، فإنه يستأنف لها حولًا؛ وذلك أن زكاة الماشية لوجوبها ثلاثة شروط؛ النصاب، والحول، ومجيء الساعي، وكل واحد منها يتوقف على وجود غيره من تلك الشروط ما لم يكن رب الماشية ساعي نفسه، فإذا جاءه الساعي فعد عليه ماشيته أو أخبره بعدتها ثم هلكت الماشية أو بعضها قبل الأخذ من غير تفريط، فإنه يسقط عنه زكاة ما هلك، وهو قول مالك في كتاب محمد، وهذا إذا كانت زكاتها [منها] (٥)، وإن كانت من غيرها كالإبل التي تزكى بالغنم، فإن الزكاة وجبت عليه في ذمته بالسعاية هلكت الإبل، أو بقيت بخلاف التي تؤخذ الزكاة من أعيانها [والحمد لله وحده] (٦).
стр. 889
المسألة السادسة في زكاة الخلطاء (١)
والخليط عند أكثر أصحابنا المالكية هو الذي لا يشارك صاحبه في الرقاب، ويخالطه بالاجتماع والتعاون.
والشريك هو المشارك في الرقاب، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكًا؛ فالشركة أعم من الخلطة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية (٢).
ولا خلاف في مذهب مالك ﵁ أن الخلطة لها تأثير في الزكاة، وذلك [أن] (٣) التأثير تارة يكون تخفيفًا، وتارة يكون تثقيلًا، والدليل على ذلك ما خرَّجه البخاري من طريق أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما [يتراجعان] (٤) بينهما بالسوية" (٥).
واختلف في الشريك في الرقاب، هل يعطى له حكم الخليط في التراجع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يتصور التراجع بين الشريكين، كذا ذكر أبو الوليد
стр. 890
الباجي عن المذهب، وهو المشهور في النظر.
والثاني: أن الشريك يكون له حكم الخليط، وهو نص قول ابن القاسم في "المجموعة" و"الموازية" عن مالك، وهو استقراء أبي الحسن اللخمي من المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة [على النصاب] (١) أم لا؟
فعلى القول بأن الأوقاص مزكاة: فلا ينبغي أن يعطي للشريك حكم الخليط؛ إذ لا مرتفق في ذلك لواحد منهما؛ لأن كل واحد منهما يزكي عن مقدار ما يملك.
وعلى القول بأن الأوقاص غير مزكاة: يجب أن يكون التراجع بين الشريكين كالخليطين.
مثاله: لو كانت الشركة بينهما في مائة وعشرين من الغنم؛ لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون، فأخذت منهما شاة، وكان يجب على صفة التراجع بينهما أن يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين بقيمة سدس الشاة؛ لأن الشاة أخذت عن الأربعين؛ وهو أول نصاب الغنم، [والزيادة] (٢) عفو لم يؤخذ منها شيء، والأربعون المأخوذ عنها نصفها لصاحب الثمانين، ونصفها لصاحب الأربعين، وقد أخذت من جملة المال.
وهذا كلام أبي الحسن اللخمي فقف عليه وتأمله.
ولو كانت الأوقاص مزكاة لكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثا؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
стр. 891
ولا تخلو مسألة [الخلطاء] (١) من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون في حظ كل واحد منهما نصاب.
والثاني: أن يكون في ماشية أحدهما نصاب، والثاني دون النصاب.
والثالث: أن تكون في ماشية كل واحد منهما دون النصاب [إلا أنهما بالجمع نصاب] (٢).
والرابع: أن تعجز ماشيتهما بعد الضم والجمع عن النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان في ملك كل واحد من الخليطين نصاب، فلا تخلو ماشيتهما من أن تكون مما لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، أو مما يضم.
فإن كان مما لا يضم بعضها إلى بعض كالغنم، والبقر، فلا خلاف أنها لا خلطة بينهما لعدم الارتفاق بالماشية [والجنس] (٣).
فإن كانت الماشية من جنس ما يضم بعضه إلى بعض في الزكاة كالضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر والنحت إلى العراب من الإبل، فلا يخلو [المالكان] (٤) من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا جميعًا مخاطبين بالزكاة، أو غير مخاطبين بالزكاة، أو أحدهما مخاطب، والآخر غير مخاطب.
فإن كانا مخاطبين فلا يخلو من وجهين:
إما أن يختلطا في جميع ما عندهما من الماشية، أو اختلطا في بعضها.
стр. 892
فإن اختلطا في جميع ما عندهما من الماشية: فلا يخلو ذلك أيضًا من أن تتساوى ماشيتهما، أو تتفاضل.
فإن تساوت؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر أربعون، فإن الشاة [المأخوذة] (١) بينهما أنصافًا، ومن أخذت من غنمه رجع على صاحبه [بنصف] (٢) قيمتها ضأنًا كانت الشاة المأخوذة أو معزًا؛ لأنه إن كانت غنم أحدهما المعز وغنم الآخر ضأنًا. فإن تساويا خير الساعي في الأخذ من أي النوعين شاء، وإن تفاضلت أخذ من الأكثر؛ لأن الخليطين إنما يزكيان زكاة المالك الواحد.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: أن القيمة [المعتبرة] (٣) في ذلك يوم أخذها المصدق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن القيمة العتبرة قيمتها يوم الحكم بالتراجع، وهو [ظاهر] (٤) قول أشهب، ولاسيما على قول أبي محمد؛ لأنه قال بإثر قول أشهب، ولا تكون القيمة على هذا إلا بقيمة نصف الشاة يوم أداء القيمة.
وإن تفاضلت ماشيتهما؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ثمانون شاة، فأخذ المصدق الشاة من غنم أحدهما، هل يتراجعان في الشاة [بينهما] (٥) أثلاثًا أو أنصافًا على قولين في المذهب قائمين من المدونة.
стр. 893
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ فإن وجبت عليهما شاتان، وأخذ الساعي من غنم أحدهما؛ لأنها أكثر مثل أن يكون لأحدهما ستون معزة، وللآخر إحدى وستون -ضأنًا ومعزًا- فأخذ الساعي رأسين من المعز؛ لأنها أكثر: فوجب للذي أخذ [الساعي] (١) رأسين من غنمه أن يرجع على خليطه، هل يرجع عليه بقيمة الشاة أو بشاة مثلها؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يرجع عليه بالقيمة لا بالمثل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة الثاني" من المدونة في غير ما وضع.
والثاني: أنه يرجع عليه بالمثل، وهو الذي يتأتى على مذهب أشهب على ما نقله أبو الوليد الباجي، وهو ظاهر المدونة، ومذهبه: أن من أدى عن غيره ما وجب عليه من سائر الحقوق المتعلقة بالأعيان أنه يرجع [عليه] (٢) بمثله، ولا يرجع عليه بالقيمة إلا بتراض منهما.
وسبب الخلاف: الشاة المأخوذة في الزكاة، هل سبيلها سبيل الاستهلاك، أو سبيلها سبيل السلف؟
فمن رأى أن سبيلها سبيل الاستهلاك قال: إن الرجوع إنما يجب بالقيمة؛ لأن الأخذ غير موقوف على اختيار المالك، وهو مجبور عليه كما لو ترتبت في ذمته للغير بغير اختيار مالكه، فإن الرجوع عليه بالقيمة.
[ومن] (٣) رأى أن سبيلها سبيل السلف، قال: يرجع عليه بالمثل؛ لأن هذه إنما أخذت ممن كانت عنده عن ماشية الآخر، فصار ذلك سلف عليه، ولا يرجع إلى القيمة إلا بتراض منهما؛ لأن ذلك يؤدي إلى
стр. 894
إخراج القيمة في الزكاة، فكما لا يجوز لصاحب الغنم أن يدفع القيمة للساعي عن الشاة التي وجبت عليه فكذلك، يمنع التي أخذت من غنمه أن يرجع بالقيمة، وأيضًا فإن الخلطة توجب التساوي فيما يؤخذ منهما في الصفة والجنس، فإذا أخذ من أحدهما شاة، ومن الآخر قيمة لم يتساويا، وأما إن خالط أحدهما صاحبه ببعض ماشيته دون بعض؛ مثل أن يكون رجل له ثمانون شاة، فخالط منها بأربعين مَنْ له أربعون شاة، فلا يخلو صاحب الثمانين من أن يخالط بالأربعين الباقية رجلًا [آخر] (١) أم لا.
فإن خالط بالأربعين الباقية رجلًا آخر، فصار جملة الغنم مائة وستين؛ ثمانون له، ولخليطين ثمانون، لكل واحد منهما أربعون، هل يزكون كلهم زكاة الخلطاء أم لا؟
فالمذهب على قولين (٢):
أحدهما: أن عليهم شاتين؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكه على كل واحد منهما نصف شاة، وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ.
[والثاني: أن عليهم شاتان إلا ثلث على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكيه ثلثا شاة على كل واحد منهما ثلث شاة] (٣) وهو اختيار ابن المواز، واتفق عبد الملك، وسحنون مع أصبغ، وابن عبد الحكم في جواب القول الأول، واختلفوا في توجيهه؛ فابن عبد الحكم وأصبغ يقولان: إنهم كلهم خلطاء، وإن صاحب الثمانين خليط كل واحد منهما بجميع غنمه، وإن خليطيه كل واحد منهما خليط لصاحبه؛ لأنه خليط خليطه، فلأجل
стр. 895
ذلك يكون عليهم شاتان على التجزئة التي قدمناها، وأما عبد الملك وسحنون، فإنهما يريان صاحبي الأربعين ليس بعضهما خليط لبعض، ولا يخالط كل واحد منهما صاحب الثمانين إلا بما معه خاصة دون ما مع خليطه الآخر، وصاحب الثمانين يجمع في زكاة ماله معهما جميعًا، فله ثمانون مع اثنين، فعليه شاة ثم كل واحد من خليطيه يقول له: لك معي أربعون ولي أربعون، فأنت قد أديت شاة، وعليَّ أنا نصفها إلا أني لم أخالطك إلا بالأربعين التي معي خاصة ولا أعد عليك مالك مع خليطك الآخر، ومثل هذا يقول له الخليط الآخر، فصار عليهما شاة جميعًا، وعليه هو شاة.
فالجواب متفق [والطريق] (١) الموصل إلى الشاتين مختلف، [واختلافهم] (٢) في التأويل يتخرج على الخلاف في خليط الخليط هل هو كالخليط أم لا؟ وينبني أيضًا على اختلاف المنطقيين في المساوى للمساوي هل هو كالمساوي [أم لا] (٣).
ووجه القول الثاني: الذي هو اختيار ابن المواز (٤) أن صاحب الثمانين خليطٌ لهما جميعًا، فيكون عليه شاة، ويجعل كل واحد منهما خليطًا له بجميع ما يملكه وهو ثمانون ولا يجعل أحد خليطيه خليطًا لخليطه الآخر، ويصير كل واحد قد خالطه بأربعين، وله هو ثمانون، فكان على كل واحد منهما ثلث شاة.
وأما الوجه الثاني: إذا خالط بأربعين وبقيت له أربعون لم يكن له فيها خليط كيف يزكيان؟
стр. 896
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليهما شاة واحدة؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
وهو قول مالك في [المدونة وفي] (١) كتاب ابن المواز.
والثاني: أن عليهما شاة وسدسًا؛ على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى صاحب الأربعين نصفها، وهو قول سحنون.
والثالث: أن عليهما شاة ونصف؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى صاحب الأربعين نصف شاة.
وهو [ظاهر] (٢) قول عبد الملك في المبسوط، ووجهه: أن صاحب الثمانين لا يزكي مع الخليط إلا على ما خالط به خاصة ولا يضم معه جميع [غنمه] (٣).
ووجه القول الأول: أن صاحب الثمانين يزكي جميع غنمه على سنة الخلطة يضيف غنمه التي لا خليط له فيها إلى غنم الخلطة، فتكون الشاة الواجبة عليهما أثلاثًا.
ووجه القول الثاني: أن الأربعين التي لا خليط له فيها لا يضمها إلى غنم الخليط، ولا ينتفع بها خليطه، ولا يتضرر بها، غير أن صاحب الثمانين ينتفع بالخلطة بإسقاط ثلث الشاة، وفي ذلك نظر؛ كيف ينتفع أحد الخليطين بالخلطة، ولا ينتفع الآخر؟ وهذا يقدح في سنة الخلطة.
وهكذا اختلف المذهب [أيضًا] (٤) فيمن له خمسة وعشرون من الإبل
стр. 897
فخالط بخمسة عشر رجلًا له عشرة، وبعشرة رجلًا له عشرة، فعلى صاحب خمسة وعشرين خمسة أتساع بنت لبون، وهو معهما كخليط واحد.
واختلف في خليطيه كيف يزكيان على أربعة أقوال:
أحدها: أنهما يزكيان على مثل ذلك؛ على كل واحد منهما تُسعا بنت لبون، ويصير ثلاثتهم في حكم رجل واحد، وهو قول أصبغ، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي كل واحد منهما على ملك [خليطه ولا يزكي على ملك] (١) خليط خليطه، فيكون على كل واحد منهما [سبعا] (٢) بنت مخاض، وهذا يأتي على اختيار ابن المواز في الفصل الذي قدمناه في الغنم.
والثالث: أنه يزكي كل واحد منهما على ما خالطه به خليطه دون جميع ملكه [فيزكي من خولط خمسة عشر بخمسي بنت مخاض، وإن خالط بعشرة كان فيه الغنم] (٣) وهو قول سحنون.
والرابع: أن صاحب الخمسة والعشرين يزكي مع كل واحد على ما خالطه به خاصة، ولا يجمع بعضه إلى بعض، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وتوجيه كل قول ظاهر، فلا فائدة في التطويل.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الخليطان غير مخاطبين مثل أن يكونا ذميين أو عبدين فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة على العبيد، ولا على أهل
стр. 898
الذمة في شيء من أموالهم عمومًا لا خصوصًا (١).
وأما الوجه الثالث: إذا كان أحد الخليطين مخاطبًا، والآخر غير مخاطب بالزكاة كالحر المسلم خالط بماشيته عبدًا أو ذميًا، هل يزكي الحر المسلم زكاة الانفراد، أو [يزكي] (٢) زكاة الخلطاء؟
فالمذهب على قولين:
[أحدهما: أن يزكي زكاة الانفراد] (٣) من غير اعتبار بتأثير الخلطة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٤) "والموازية"، ولا فرق بين أن يكون عبده أو عبد غيره.
والثاني: أنه يزكي زكاة الخلطاء؛ فما نابه أداه، ويسقط ما ناب النصراني أو العبد، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن حبيب (٥).
ويلزم على هذا: إذا حال الحول على نصاب أحدهما، ولم يحل على نصاب الآخر أن يجري فيه القولان، ولا فرق.
وسبب الخلاف: هل من شروط الخلطة اعتبار الارتفاق من الطرفين، أو الاعتبار بوجود الارتفاق أو فقده على الجملة؛ لأن الارتفاق المعتبر في الخلطة تارة يعتبر في تخفيف مؤونة الزكاة، وتارة يعتبر في تخفيف مؤنة الماشية فيما يرجع إلى: نموها وحسن حالها في نفسها، وتارة يعتبر الأمران جميعًا؛ لأن أصل الخلطة بنيت على الارتفاق؛ ولأجل ذلك اختلف أرباب المذهب في الشروط المعتبرة في الخلطة التي إذا حصلت ثبتت الخلطة بعد
стр. 899
اتفاقهم على [اعتبار] (١) خمسة أوصاف على الجملة؛ الراعي والفحل، والدلو، والمراح، والمبيت، وقال بعضهم: والحلاب؛ وذلك لاختلافهم في المراح هل هو المبيت أم لا؟ فمن رأى أن المراح هو المبيت عدَّ الحلاب.
ومن رأى أن المراح غير المبيت لم يعدّ الحلاب.
وقد اضطرب قوله في الكتاب في المراح؛ فمرة جعله غير المبيت، وهو قوله: "إذا كان الدلو واحدًا، والراعي والمراح واحدًا، وإن تفرقوا في المبيت" (٢).
ومرة جعله المبيت نفسه؛ فيتخرج من الكتاب في المراح قولان، وفيه قول ثالث: إن المُرَاح هو المسرح وتأوله بعضهم على المدونة.
وفيها قول رابع: أن المراح هو المقيل، وهو تأويل أبي الحسن القابسي على المدونة.
وفيها قول خامس: أن المراح المراد في المسألة رواح الغنم؛ وهو سوقها بالعشي إلى موضع مبيتها؛ يعني ثم تفتقر إلى بيوت أربابها، وهذا تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي.
وفيها قول سادس: أن المراح هو الموضع الذي تروح إليه الماشية [فيه] (٣) فيها إلَّا للانصراف إلى المبيت، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد الباجي.
فهذه ستة أقوال في معنى المراح، أو الموضع الذي تجتمع فيه الماشية للانصراف إلى المبيت، فلا يخلو المراح من أن يكون مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة، أو لكل واحد منهم جزء معين.
стр. 900
فإن كان المراح مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة بكراء أو ملك فهو من صفات الخلطة.
وإن كان لكل واحد منهم جزء معين، فلا يخلو ذلك الجزء من أن يقوم بماشية صاحبه على الانفراد دون مضرة ولا ضيق، أو لا يقوم بذلك.
فإن كان يقوم بماشية صاحبه، فليس من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق لم يوجد بهذه الصفة.
وإن كان لا يقوم بها، فهو من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق حصل بها، وإلى هذا ذهب أبو الوليد الباجي.
واختلف المتأخرون في الدلو المعتبر في الخلطة على قولين:
أحدهما: أن الدلو [الذي] (١) تسقى به الماشية، فيشترك فيه الخلطاء فتجب مؤنته على جميعهم، وهذا الذي يقتضيه لفظ الدلو في [وضع] (٢) اللغة، وهو اختيار الباجي.
والثاني: أن الدلو عبارة عن المياه، وهو أن يكون لبعضهم ماء يسقون منه [ويسقى منه غيرهم من أرباب الماشية، فلا يكون ذلك من صفات الخلطة أو يكون الماء مشتركًا بين] (٣) أرباب الماشية، فيكون ذلك من صفات الخلطة؛ كاجتماعهم على حفر بئر يسقون منها مواشيهم، ويمنعون منها غيرهم، وذلك من باب تسمية الشيء بما يلازمه، وذلك سائغ في الاستعمال، وهو تأويل بعض المتأخرين، وهو أسعد بظاهر المدونة.
واتفق المذهب على أنه ليس من شروط الخلطة حصول [جميع] (٤)
стр. 901
هذه الأوصاف، خلافًا للشافعي في اعتبار جميعها.
والدليل على ما نقوله أن المراعى في الخلطة إنما هو الارتفاق [في اجتماع] (١) الماشية على ما يحتاج إليه؛ وذلك يحصل بحصول بعض الصفات، فيثبت به حكم الخلطة.
ولا خلاف بينهم فيما إذا وجد أكثر الصفات أن الخلطة صحيحة ثابتة.
واختلف هل تصح بوجود أقل الصفات؛ كالاثنين والواحد؟ على قولين (٢):
أحدهما: أنهما لا يكونان خليطين إلا أن يجتمعا في جل الأوصاف، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وهو ظاهر المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن الخلطة تحصل بينهما بحصول الوصف الواحد؛ وهو الراعي، وهو قول [ابن حبيب] (٣) حكاه عنه [القاضي أبو محمد عبد الوهاب] (٤) غير أن أكثر الأصحاب تأولوا على [قول] (٥) ابن حبيب غير هذا فقالوا: إذا اتخذا الراعي، فقد حصلت أكثر الأوصاف إذا جمعهما الراعي، فقد جمعهما الفحل، والمرعى، والمراح، على اختلاف التأويل في المراح.
وقد جمعت هاهنا أكثر الأوصاف، والذي قالوه ليس بصحيح؛ لأن المنافع المعتبرة التي تتعين الأحكام بوجودها هي المنافع التي يعم نفعها، ويعظم خطرها [ويمتد وجودها] (٦)، وذلك مخصوص بالراعي خاصة
стр. 902
دون سائر الصفات؛ لأنها صفات عارضة لا دوام لها ولا استمرار؛ كالدلو فإنه صفة عارضة؛ لأن الخلطة قد تصح دونه، والحاجة إليه في بعض السنة، وقد تحل الزكاة قبل حصوله، ولا جرم أنا لا نعتبر استدامة الخلطة عامًا كاملًا، وإنما اعتبرنا جزء العام على ما يأتي إن شاء الله.
والمبيت أيضًا يفتقر إلى ما عوهد وأُلِفَ، والفحل أيضًا كذلك؛ بل هو أقل تأثيرًا؛ لأن الحاجة إليه في بعض السنة، وقد لا يحتاج إليه [أصلًا] (١)؛ إما لكون الغنم كلها ذكران، وإما لكون غنم أحدهما: ضأن، والأخرى: معز، فلا يكون الفحل واحدًا لما علم من العادة أن فحول المعز لا تطرف الغنم، وبالعكس كذلك، وهو أول نصير، وأقل تأثير، فلم يبق بعد امتحان الأوصاف ما يصلح أن يكون وصفًا معتبرًا إلا الراعي؛ فإن منفعته عامة؛ به تجيء الغنم [وتنمو] (٢) وباقي الأوصاف تبعة غير مقصودة.
فإذا ثبت ذلك فالمُرَاعَى في الخلطة آخر السنة دون أولها، فإن اجتمعا في أول السنة، وافترقا في آخرها أو [افترقا في أولها و] (٣) اجتمعا في آخرها ذكيا على ما هما عليه في آخرها ما لم يقرب ذلك.
واختلف في [حد] (٤) القرب على أربعة أقوال:
أحدها: أن [حد] (٥) القرب شهران فأكثر لا أقل، وهو قول مالك في المدونة؛ لأنه قال: إن لم يختلطوا إلا [في] (٦) شهرين من آخر
стр. 903
السنة.
والثاني: أن حد القرب أقل من شهرين، وهو قول ابن القاسم أيضًا في المدونة.
لقوله: فإن [اجتمعا] (١) في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء ما لم يقرب الحول جدًا.
والثالث: أن أقله الشهر فما فوقه، وهو قول عبد الملك.
والرابع: التفصيل بين أن يقصدا الفرار أم لا؛ فإن قصداه عوملا بنقيض مقصودهما، وإن لم يقصداه زكاها الساعي على ما يجدها [عليه] (٢) من افتراق أو اجتماع ويقبل قول أربابها أنهم لم يفعلوا ذلك فرارًا إلا بأمارة تقوي التهمة، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب، وذلك كله يرجع إلى اجتهاد العلماء، فكل منهم على حسب ما أداه إليه اجتهاده، والحمد لله وحده.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم:
وهو أن تكون ماشية أحدهما نصابًا، وماشية الآخر دون النصاب فليسا بالخليطين؛ فالساعي يأخذ الشاة من الغنم التي وجب فيها، فإن أخذها من الغنم التي هي دون النصاب، فلا تخلو الشاة التي أخذها [الساعى] (٣) [منه،] (٤) من أن تكون من السنن الواجب في الزكاة أم لا.
فإن كانت من غير السن [المأخوذة] (٥) في الزكاة كانت مظلمة [على
стр. 904
من] (١) أخذت من غنمه وبقيت الزكاة على مالك النصاب كما كانت.
وإن كان السن المأخوذ من الغنم القليلة مثله يؤخذ في الزكاة: فلا يخلو من أن يدخل على صاحب النصاب مضرة؛ مثل أن يكون الرجل مائة شاة، وللآخر إحدى وعشرون شاة، فأخذ المصدق منهما شاتين، فهل يتراجعان في الشاتين، أو في الشاة الواحدة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا على قدر ماشيتهما، وهو قول ابن القاسم، واختيار ابن المواز (٢)، وهو ظاهر المدونة (٣).
والثاني: أنهما يتراجعان في الشاة الواحدة، والشاة الأخرى على رب الماشية [وهو قول ابن عبد الحكم] (٤).
وينبني الخلاف: على [الخلاف في] (٥) خلاف غير المذهب هل يراعى أو لا يراعى.
فمن رأى أنه يراعى قال: إنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا؛ لأن هذا حكم قد مضى على مذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي ﵁، وجعل الشاتين في المالين [جميعًا] (٦).
ومن رأى أنه لا يراعى قال: إن الشاة الواحدة على رب النصاب، والشاة الثانية لم تجب على واحد منهما، إلا أنها أخذت بتأويل لابتعد؛
стр. 905
فيجب أن يتراجعا فيها على قدر ماشيتهما، فإن لم يدخل على صاحبه مضرة؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون، فأخذ الساعي منهما شاة، فإن أخذها من صاحب الأربعين: لم يرجع على صاحبه بشيء، فإن أخذها من غنم صاحب الثلاثين: رجع على صاحب الأربعين بمثلها أو بقيمتها على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم، وأشهب في [أول] (١) المسألة.
فإن أخذ الساعي منها شاتين. فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: يأخذها كلها من غنم صاحب الأربعين، أو يأخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين أو أخذ واحدة من هذه، وأخرى من هذه [فإن أخذ كليهما من غنم صاحب الأربعين فلا يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الأولى ضمنها بين فرضه، والثانية أخذت منه ظلمًا وعدوانًا] (٢).
وإن أخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين رجع على صاحب الأربعين بواحدة، والأخرى غصبها الساعي.
وإن أخذ واحدة من غنم كل واحد منهما، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يبتدئ الأخذ من الأربعين، أو الثلاثين.
فإن ابتدأ الأخذ من الأربعين: لم يرجع صاحب الثلاثين على صاحب الأربعين بشيء؛ لأن الشاة المأخوذة من الأربعين لا تخلو من أن تكون مما يجزئ في الزكاة، أو مما لا يجزئ في الزكاة.
فإن كانت مما يجزئ فذلك ما كنا نبغي.
وإن كانت مما لا يجزئ فلا يرجع عليه أيضًا؛ لأنه ابتدأ الأخذ من أربعين
стр. 906
فقد عادت إلى ما لا زكاة فيه قبل الأخذ من الثلاثين، فسقطت الزكاة منها، ثم أخذ الثانية بعد سقوط الزكاة، وهذا من لطيف الفقه لمن تأمله.
فإن ابتدأ الأخذ من الثلاثين: فلا تخلو الشاة التي أخذ منها من أن تكون مما يجزئ في الزكاة أم لا.
فإن كانت مما يجزئ في الزكاة، والتي أخذت من الأربعين لا تجزئ في الزكاة: فإنه يرجع [عليه] (١) صاحب الثلاثين بقيمة شاته اتفاقًا؛ لأن الشاة المأخوذة [منه] (٢) إنما غصبها بعد وجود الزكاة وبعد قبضها.
فإن كان ما أخذ من الجانبين مما لا يجزئ في الزكاة إلا أنه بدأ بالأخذ من الثلاثين، فقد رأيت لأبي الحسن اللخمي أنه لا يرجع على صاحب الأربعين؛ لأنه قال: فإن كانت التي أخذت من الأربعين مما يجزئ في الزكاة لم يرجع عليه بشيء، ولم يفصل في هذا الوجه، وفصل في غيره.
والوجه الذي يقتضيه النظر خلاف ذلك أنه إذا ابتدأ الأخذ من الثلاثين، وأخذ منهما ما يجزئ في الزكاة فكان النظر يقتضي أن يرجع عليه صاحب [الأربعين] (٣)؛ لأن الأولى أخذت بنية الزكاة، والأخرى أخذت بنية الظلم، والاغتصاب، فلا يجزئ لتقدم الأخذ بنية الزكاة عليه، وهذا ظاهر لمن تأمله [فإن كان مما لا يجزئ، فهذه مظلمة عليه] (٤).
والجواب عن الوجه الثالث (٥): إذا لم يكن في ماشية كل واحد منهما
стр. 907
نصاب إلا أنهما بالضم والجمع نصاب؛ مثل أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة من غنم أحدهما هل يتراجعان أم لا؟
فلا يخلو الساعي من أحد وجهين:
إما أن يأخذ منهما على التأويل، أو يأخذ بغير تأويل فإن أخذها على التأويل؛ إما لكونه يظن أنها لمالك واحد، أو لكونه تأول مذهب من اعتبر النصاب على الضم والجمع، فإنهما يتراجعان بينهما على السوية إن تساوت الماشية.
وإن تفاضلت هل يترادان على عدد الغنم أو على عدد المالكين؟
قولان:
[أحدهما: أنهما يترادان على عدد الغنم.
والثاني: عكسه] (١).
وإن أخذها [الساعي] (٢) على غير تأويل فهي مظلمة على من أخذت من غنمه، ولا يرجع على صاحبه بشيء.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكمل النصاب [في غنمهما] (٣) لا على الانفراد، ولا على الضم، فأخذ الساعي شاة من غنم، أحدهما: فإنها مظلمة [على من] (٤) أخذت من غنمه؛ قولًا واحدًا (٥).
وهذه المسألة متشعبة الأكناف ممتدة الأطراف، وقد حصلتها تحصيلًا
стр. 908
متقنًا ورتبتها ترتيبًا حسنًا ينتفع بها المنتهى [ويستعين] (١) بها المبتدى بحمد الله وحسن عونه [والحمد لله وحده] (٢).
стр. 909
المسألة السابعة في الهارب بماشيته (١)
ولا يخلو الهارب بماشيته من الساعي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهرب بنصاب من الماشية ثم ظفر به، أو جاء تائبًا وهي على حالتها.
والثاني: أن يهرب بنصاب من الماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت ماشيته.
والثالث: بالعكس؛ مثل أن يهرب بعدد من الماشية ثم جاء، وقد نقصت عن ذلك العدد.
والجواب عن الوجه الأول: إذا هرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم ظفر به الساعي، أو جاء تائبًا، وهي على تلك الحال، هل يأخذه بزكاة [ما مضى من] (٢) السنين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه تؤخذ منها شاة واحدة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣).
والثاني: أنه يؤخذ منه خمس شياه لخمسة أعوام، وهو قول أشهب وعبد الملك (٤).
стр. 910
وسبب الخلاف: هل يبتدئ الساعي [بالأخذ] (١) بأول عام أو بآخر عام؟
فمن رأى أنه يبتدئ بأول عام قال: يأخذ شاة واحدة، وإذا أخذها تبقى تسعة وثلاثون؛ وهي دون النصاب فلا زكاة فيها؛ إذ الشاة المغصوبة باقية عنده لبقاء الغنم، ولا ينتقل إلى الذمة إلا بهلاك الغنم.
ومن رأى أنه يبتدئ بآخر عام قال: يأخذ منها خمس شياه؛ شاة منها عن [العام] (٢) الآخر، وأربعة في الذمة؛ لأن كل عام مضى كان فيه غاصبًا لزكاة ذلك العام، وصارت دينًا في ذمته، والدين لا يسقط زكاة الماشية.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا هرب بنصاب ماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت؛ مثل أن يهرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم صارت في العام الخامس ألف شاة بفائدة: فلا تخلو من أن يحول الحول على غنم الفائدة، أو لم يحل.
فإن حال الحول على غنم الفائدة، فلا يخلو من أن يعلم ذلك ببينة، أو بمجرد دعواه.
فإن علم ببينة أنها صارت ألفًا في السنة الخامسة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ منها إحدى عشرة شاة، العشرة منها عن السنة الآخرة التي صارت فيها ألفًا، والشاة الواحدة عن أول عام، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
стр. 911
والثاني: أنه يؤخذ منها أربع عشرة شاة؛ العشرة منها على الألف، والأربع عن أربع سنين؛ لأنها في الذمة على ما تقدم في الوجه الأول لأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يزكي عن الألف للسنين الماضية، ويؤخذ منها على هذا القول خمسون شاة، وهو قول أشهب؛ ونزله منزلة من تخلف عنه السعاة، وهذا قياس لا يصلح؛ لأن الغاصب لا يطالب بأكثر مما غصب، والذي تخلف عنه الساعي أخرج بدليل.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، هل يصدق أنه كما أفادها، أو لا يصدق؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصدق، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنه لا يصدق، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
وسبب الخلاف: هل الجناية التي ارتكبها مما يسقط ثقته وأمانته أم لا؟
فمن رأى أن ذلك مما يسقط أمانته، قال: لا يقبل قوله، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ومن رأى أن ذلك لا يسقط أمانته؛ لأن المالك يقبل قوله في الحول على أي صفة كان من غير التفات إلى صلاحيته، وطلاحيته قال: يقبل قوله.
وعلى القول بأنه يقبل، أو لا يقبل فيجري الخلاف فيما يؤخذ منه على الخلاف الذي قدمناه في تضاعيف المسألة.
فإن لم يحل الحول على الفائدة: فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها؛
стр. 912
قول ابن القاسم: لا يؤخذ منها إلا شاة واحدة على أصله [أنه] (١) بالسنة الأولى يبدأ، فإذا أخذت [عن الأولى] (٢) نقصت عن النصاب، ثم لا زكاة في الفائدة إلا بعد الحول لقصور الأصل عن النصاب.
وعلى قول عبد الملك: يبتدئ بالسنة [الأخرى] (٣) وتزكى الفائدة عن السنة الواحدة؛ لأن النصاب الأول لم ينتقض منه شيء على مذهبه، وعلى [قول] (٤) أشهب تزكى الفائدة عن السنين كلها كأن الهارب هرب بالألف يوم هرب كالذي تخلف عنه الساعي.
والجواب عن الوجه الثالث:
إذا هرب بعدد وافر ثم جاء، وقد نقصت ماشيته عن ذلك العدد؛ مثل أن يهرب: بماشيته، وهي ألف شاة خمس سنين، ثم جاء تائبًا في السنة الخامسة، فادعى أنها لم تزل على هذه الصفة منذ هرب بها، وأنها هلكت في السنة التي هرب فيها إلا هذا القدر. فالمذهب أنه لا يقبل قوله، ولا يصدق، وتزكى على ما كانت عليه يوم هروبه، إلا في هذا العام الذي قدم فيه، فإنه يؤخذ منه شاة واحدة؛ لأنه يتهم فيما يدعيه، والظالم أحق أن يحمل عليه [والحمد لله وحده] (٥).
стр. 913
المسألة الثامنة في الذي تخلف عنه الساعي سنين كيف يزكي وقد زادت ماشيته أو نقصت (١)
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما لا يأتيه الساعي أصلًا، أو مما يأتيه الساعي.
فإن كان مما لا يأتيه الساعي أصلًا لبعد [البلاد] (٢) فإن هؤلاء يزكون كل عام، ولا ينتظرون قدوم السعاة؛ لأنهم انتظروا قدوم من لا يجيئهم، فإن كان عندهم مساكين سلموها إليهم، وإلا فليجلبوها إلى حواضر البلاد، وهو قول مالك في كتاب ابن سحنون.
فإن كان ممن يأتيه السعاة في كل زمان، ثم تخلف عنه الساعي سنين، فلا يخلو تخلفه من وجهين:
إما أن يكون بإيثار واختيار أو بغلبة واضطرار.
فإن كان تخلفه بإيثار واختيار: فإن أرباب المواشي يزكون مواشيهم؛ إذ ذلك من الساعي، ولا يتركون الزكاة؛ لأن حق المساكين قد تعلق بها، ولا يكون ترك السعاة الخروج باختيارهم ما يسقط حقهم، ثم لا ضمان على أرباب الماشية فيما فعلوه إذا سلموها للمساكين، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه.
فإن كان تخلفه بغلبة واضطرار، فلا يخلو ذلك من أن يكون سببه من العباد، أو لا سبب لهم في ذلك.
стр. 914
فإن كان مما لا سبب للعباد [فيه] (١) كالمحل وزمان الجدب، هل يبعث فيه السعاة، أم لا [قولان:
أحدهما: أنهم لا] (٢) يبعثون فيه أصلًا حتى يجني الناس؛ لأنهم يأخذون فيه ما ليس له ثمن، فإن جلبوه لم ينجلب لهم، وذلك حق للمساكين، وليس لأهل المواشي.
فإذا جنى الناس في العام المقبل أرسل السعاة، وأخذت الزكاة للعامين، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن السعاة يبعثون، ويأخذون الصدقات من أهلها، وإن كانت عجافًا، فيجلبونها إن كانت تجلب أو يبيعونها، ويسوقون ثمنها، وإن قلَّ، وهي رواية ابن وهب عن مالك (٣).
وإن كان سبب تخلفه من العباد كفتنة هاجت بين الأمراء، فأشغلتهم عن بعثة السعاة حتى مضت الدهور، والأعوام، هل ينبغي للناس أن يخرجوا زكاة مواشيهم أو ينتظرون بها خروج السعاة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يخرجون [زكاتهم] (٤) ويصرفونها إلى المساكين، ولمن [سماهم] (٥) الله تعالى من الأصناف المنصوص عليها، ولا يؤخرون إخراجها لعدم المصدق كزكاة العين والحبوب، وهذا قول قياس؛ وذلك أن
стр. 915
الساعي وكيل على الزكاة ليوصلها إلى الفقراء والمساكين، وليس ذلك بحق له، وإنما هو واسطة لغيره، فإذا عدم كان لمن له فيها حق القيام بحقه، ولا يمنع من حقه لعدم وكيله.
وقد اختلف المذهب عندنا إذا أخرجها قبل مجيء الساعي وبعد الحول ولم يتخلف [عنه] (١) ثم أتاه بعد ذلك هل تجزئه أم لا؟ فهو إذا تخلف عنه أجزأ.
والثاني: إنه لا يجزئه، ويأخذها منه السعاة إذا قدموا، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز.
وعلى القول بأنهم لا تجزئهم، وأنهم ينتظرون السعاة حتى يقدموا، فإذا قدموا عليهم فلا يخلو ما بأيديهم من الماشية من خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون غنمه أربعين شاة، فغاب عنه الساعي سنين، ثم جاءه وهي أربعون.
والثاني: أن يغيب عنه، وهي أربعون شاة، ثم باعها قبل قدوم الساعي.
والثالث: أن يغيب عنه وعنده نصاب غنم ثم نقص في بعض السنين ثم جاء الساعي، ووجدها قد عادت عنده نصابًا.
[والرابع: أن يغيب عنه وعنده نصاب ثم جاءه وعنده أكثر من النصاب.
والخامس: أن يغيب عنه وعنده أكثر من النصاب ثم جاء ووجد عنده